الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة
13

ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة

الجزء العاشر 4 عنصر صفحة 94
ذكر تخريب الحصن الذي بناه الفرنج عند مخاضة الأحزان ص 94

كان الفرنج قد بنوا حصنا منيعا يقارب بانياس عند بيت يعقوب عليه السلام بمكان يعرف بمخاضة الأحزان فلما سمع صلاح الدين بذلك سار من دمشق إلى بانياس وأقام بها وبث الغارات على بلاد الفرنج ثم سار إلى الحصن وحصره ليخبره ثم يعود إليه عند اجتماع العساكر فلما نازل الحصن قاتل من به من الفرنج ثم عاد عنه فلما دخلت سنة خمس وسبعين لم يفارق بانياس بل أقام بها وخيله تغير على بلاد العدو وأرسل جماعة من عسكره مع جالي الميرة فلم تشعر إلا والفرنج مع ملكهم قد خرجوا عليهم فأرسلوا إلى صلاح الدين يعرفونه الخبر فسار في العساكر مجدا حتى وافاهم وهم في القتال فقاتل الفرنج قتالا شديدا وحملوا على المسلمين عدة حملات كادوا يزيلونهم عن مواقفهم ثم أنزل الله نصره على المسلمين وهزم المشركين وقتلت منهم مقتلة كثيرة ونجا ملكهم فريدا وأسر منهم كثير منهم ابن بيرزان صاحب الرملة ونابلس وهو أعظم الفرنج محلا بعد الملك وأسروا أيضا أخاه صاحب جبيل وصاحب طبرية ومقدم الداوية ومقدم الاسبتارية وصاحب جينين وغيرهم من مشاهير فرسانهم وطواغيتهم

فأما ابن بيرزان فإنه فدى نفسه بمائة ألف وخمسين ألف دينار صورية وإطلاق ألف أسير من المسلمين وكان أكثر العمل في هذا اليوم لعز الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين وحكى عنه قال ذكرت في تلك الحال بيتي المتنبي وهما

( فإن تكن الدولات قسما فإنها % لمن يرد الموت الزؤام تؤول )

( ومن هون الدنيا على النفس ساعة % وللبيض في هام الكماة صليل )

فهان الموت في عيني فألقيت نفسي إليه وكان ذلك سبب الظفر ثم عاد صلاح الدين إلى بانياس من موضع المعركة وتجخز للدخول إلى ذلك الحصن ومحاصرته فسار اليه في ربيع الأول وأحاط به وقوى طمعه بالهزيمة المذكورة في فتحه وبث العساكر في بلد الفرنج للإغارة ففعلوا ذلك وجمعوا من الأخشاب والزرحون شيئا كثيرا ليجعله متارس للمنجنيقات فقال له جاولي الأسدي وهو مقدم الأسدية ومن أكابر الأمر الرأى أننا نجربهم بالزحف أول مرة ونذوق قتال من به وننظر الحال معهم فإن استضعفناهم وإلا فنصب المنجنيقات ما يفوت فقبل رأيه وأمر فنودي بالزحف إليه والجد في قتاله فزحفوا واشتد القتال وعظم الأمر فصعد إنسان من العامة بقميص خلق في باشورة الحصن وقاتل على السور لما علاه وتبعه غيره من أضرابه ولحق بهم الجند فملكوا الباشورة فصعد الفرنج حينئذ منها لإلى أسوار الحصن ليحموا نفوسهم وحصنهم إلى أن يأتيهم المدد وكان الفرنج قد جمعوا بطبرية فألح المسلمون في قتال الحصن خوفا من وصول الفرنج إليهم وإزاحتهم عنه وأدركهم الليل فأمر صلاح الدين بالمبيت بالباشورة النيران فيه وانتظروا سقوط السور فلم يسقط لعرضه فإنه كان تسعة أذرع بالنجاري يكون الذراع ذراعا ونصفا فانتظروه يومين فلم يسقط فأمر صلاح الدين بإطفاء النار التي في النقب فحمل الماء وألقى عليها فطفئت وعاد النقابون فنقبوا وخرقوا السور وألقوا فيه النار فسقط يوم الخميس لست بقين من ربيع الأول ودخل المسلمون الحصن عنوة وأسروا كل من فيه وأطلقوا من كان به من أسارى المسلمين وقتل صلاح الدين كثيرا من أسرى الفرنج وأدخل الباقين إلى دمشق فسجنوا وأقام صلاح الدين بمكانه حتى هدم الحصن وعفى أثره وألحقه بالأرض وكان قد بذل للفرنج ستين ألف دينار مصرية ليهدموه بغير قتل فلم يفعلوا ظنا منهم أنه إذا بقي بناؤه تمكنوا به من كثير من بلاد الإسلام وأما الفرنج فاجتمعوا بطبرية ليحموا الحصن فلما أتاهم الخبر بأخذه فت في أعضادهم فتفرقوا إلى بلادهم وأكثر الشعراء فيه فمن ذلك قول صديقنا النشو بن نفاذة رحمه الله

( هلاك الفرنج أتى عاجلا % وقد آن تكسير صلبانها )

( ولو لم يكن قد دنا حتفها % لما عمرت بيت أحزانها )

وقول علي بن محمد الساعاتي الدمشقي

( أتسكن أوطان النبيين عصبة % تمين لدى أيمانها وهي تحلف )

( نصحتكم والنصح للدين واجب % ذروا بيت يعقوب جاء يوسف )

ذكر الحرب بين عسكر صلاح الدين وعسكر قلج أرسلان ص 96

في هذه السنة كان الحرب بين عسكر صلاح الدين يوسف بن أيوب ومقدمهم ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب وبين عسكر الملك قلج ارسلان بن مسعود بن قلج أرسلان صاحب بلاد قونية واقصرا وسببها أن نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر رحمه الله كان قد أخذ قديما من قلج ارسلان حصن رعبان وكان بيد شمس الدين بن المقدم إلى الآن فطمع فيه قلج أرسلان بسبب أن الملك الصالح بحلب بينه وبين صلاح الدين فأرسل اليه من يحضره فاجتمع عليه جمع كثير يقال كانوا عشرين ألف فأرسل اليهم صلاح الدين تقي الدين في ألف فارس فواقعهم وقاتلهم وهزمهم وأصلح حال تلك الولاية وعاد إلى صلاح الدين ولم يحضر معه تخريب حصن الأحزان فكان يفتخر ويقول هزمت بألف مقاتل عشرين ألفا

ذكر وفاة المستضيء بأمر الله وخلافة الناصر لدين الله ص 96

في هذه السنة في ثاني ذي القعدة توفي الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد رضي الله عنه وأمه أم ولد أرمنية تدعى غضة وكانت خلافته نحو تسع سنين وسبعة أشهر وكان مولده سنة ست وثلاثين وخمسمائة وكان عادلا حسن السيرة في الرعية كثير البذل للأموال غير مبالغ في أخذ ما جرت العادة بأخذه وكان الناس معه في أمن عام وإحسان شامل وطمأنينة وسكون لم يروا مثله وكان حليما قليل المعاقبة على الذنوب محبا للعفو والصفح عن المذنبين فعاش حميدا ومات سعيدا رضي الله عنه فلقد كانت أيامه كما قيل

( كأن أيامه من حسن سيرته % مواسم الحج والأعياد والجمع )

ووزراؤه عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء إلى أن قتل في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة

ولما قتل حكم في الدولة ظهير الدين أبو بكر منصور ابن نصر المعروف بابن العطار وكان جبيرا حسن السيرة كثير العطاء وتمكن تمكنا كثيرا فلما مات المستضيء قام ظهير الدين بن العطار في أخذ البيعة لولده الناصر لدين الله أمير المؤمنين فلما تمت البيعة صار الحاكم في الدولة أستاذ الدار مجد الدين أبا الفضل بن الصاحب

وفي سابع ذي القعدة قبض على ابن العطار ظهير الدين ووكل عليه في داره ثم نقل إلى التاج وقيد ووكل به وطلب ودائعه وأمواله وفي ليلة الأربعاء ثامن عشر ذي القعدة أخرج ميتا على رأس حمال سرا فغمز به بعض الناس فصار به العامة فألقوه عن رأس الحمال وكشفوا سوأته وشدوا في ذكره حبلا وسحبوه في البلد وكانوا وضعوا بيده مغرفة يعني أنها قلم وقد غمسوها في العذرة ويقولون وقع لنا يا مولانا إلى غير هذا من الأفعال الشنيعة ثم خلص من أيديهم ودفن هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم وكفه عن أموالهم وأعراضهم وسيرت الرسل إلى الآفاق لأخذ البيعة فسير صدر الدين شيخ الشيوخ إلى البهلوان صاحب همذان وأصفهان والري وغيرها فامتنع من البيعة فراجعه صدر الدين وأغلظ له في القول حتى إنه قال لعسكره في حضرته ما لهذا عليكم طاعة ما لم يبالغ أمير المؤمنين بل يجب عليكم أن تخلعوه من الامارة وتقاتلوه فاضطر إلى البيعة والخطبة وأرسل رضي الدين القزويني مدرس النظامية إلى الموصل لأخذ البيعة فبايع صاحبها وخطب للخليفة الناصر لدين الله

ذكر عدة حوادث ص 97

في هذه السنة هبت ريح سوداء مظلمة بالديار الجزرية والعراق وغيرها وعمت أكثر البلاد من الظهر إلى أن مضى من الليل ربعه وبقيت الدنيا مظلمة لا يكاد الإنسان يبصر صاحبه وكنت حينئذ بالموصل فصلينا العصر والمغرب والعشاء الآخرة على الظن والتخمين وأقبل الناس على التضرع والتوبة والاستغفار وظنوا أن القيامة قد قامت فلما مضى مقدار ثلث الليل زال ذلك الظلام والعتمة التي غطت السماء فنظرنا فرأينا النجوم فعلمنا مقدار ما مضى من الليل لأن الظلام لم يزد بدخول الليل وكان كل من يصل من جهة من الجهات يخبر بمثل ذلك

وفيها في ذي القعدة نزل شمس الدولة أخو صلاح الدين عن بعلبك وطلب عوضا عنها الإسكندرية فأجابه صلاح الدين إلى ذلك وأقطع بعلبك لعز الدين فرخشاه ابن أخيه فسار إليها وجمع أصحابه وأغار على بلاد الفرنج حتى وصل إلى قلعة صفد وهي مطلة على طبرية فسبى وأسر وغنم وخرج وفعل في الفرنج أفاعيل عظيمة وأما شمس الدولة فإنه سار إلى مصر وأقام بالاسكندرية وإذا أراد الله أن يقبض رجلا بأرض جعل له إليها حاجة فإنه أقام بها إلى أن مات بها

وفيها قارب الجامع الذي بناه مجاهد الدين قايماز بظاهر الموصل من جهة باب الجسر الفراغ وأقيمت فيه الصلوات الخمس والجمعة وهو من أحسن الجوامع

وفيها توفي أحمد بن عبد الرحمن الصوفي شيخ رباط الزوزني وسمع الحديث وكان يصوم الدهر

وعبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف سمع الحديث ورواه وهو من بيت الحديث والقاضي عمر بن علي بن الخضر أبو الحسن الدمشقي سمع الحديث ورواه وولي قضاء الحريم وعلي بن أحمد اليزيدي سمع الحديث الكثير وله وقف كتب كثيرة ببغداد وكان زاهدا خيرا صالحا ومحمد بن علي بن حمزة بن الاقساسي نقيب العلويين بالكوفة وكان ينشد كثيرا

( رب قوم في خلائقهم % غرر قد صيروا غررا )

( ستر المال القبيح لهم % سترى إن زال ما سترا )

ومحمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن سديد الدولة الأنباري كاتب الإنشاء بعد أبيه وأبو الفتوح نصر بن عبد الرحمن الدامغاني الفقيه كان مناظرا حسن المناظرة كثير العبادة ودفن عند قبر أبي حنيفة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.