الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة
15

ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة

الجزء العاشر 7 عنصر صفحة 104
ذكر غزاة إلى بلاد الكرك من الشام ص 104

في هذه السنة سار فرخشاه نائب صلاح الدين بدمشق إلى أعمال كرك ونهبها وسبب ذلك أن البرنس أرناط صاحب الكرك كان من شياطين الفرنج ومردتهم وأشدهم عداوة للمسلمين فتجهز وجمع عسكره ومن أمكنه الجمع وعزم على المسير في البر إلى تيماء ومنها إلى مدينة النبي للاستيلاء على تلك النواحي الشريفة فسمع عز الدين فرخشاه ذلك فجمع العساكر الدمشقية وسار إلى بلده ونهبه وخربه وعاد إلى طرف بلادهم وأقام بها لمنع البرنس من المسلمين فامتنع من مقصده فلما طال مقام كل واحد منهما في مقابلة الآخر علم البرنس أن المسلمين لا يعودون حتى تفرق جمعه وانقطع طمعه من الحركة فعاد فرخشاه إلى دمشق وكفى الله المؤمنين من الكفار

ذكر تلبيس ينبغي أن يحتاط من مثله ص 104

كان سيف الدولة مبارك بن كامل بن منفذ الكناني ينوب عن شمس الدولة أخي صلاح الدين باليمن وتحكم في الأموال والبلاد بعد أن فرقها شمس الدولة كما ذكرنا وكان هواه بالشام لأنه وطنه فأرسل إلى شمس الدولة يطلب الإذن في المجيء إليه فأذن له في المجيء فاستناب بزبيد أخاه حطان بن كامل بن منقذ الكناني وعاد إلى شمس الدولة وكان معه بمصر فمات شمس الدولة وبقي مع صلاح الدين فقيل عنه إنه أخذ أموال اليمن وادخرها وسعى به أعداؤه فلم يعارضه صلاح الدين فلما كان هذه السنة وصلاح الدين بمصر اصطنع سيف الدولة طعاما وعمل دعوة كبيرة ودعا إليها أعيان الدولة الصلاحية بقرية تسمى العدوية وأرسل أصحابه يتجهزون من البلد ويشترون ما يحتاجون إليه من الأطعمة وغيرها فقيل لصلاح الدين إن ابن منقذ يريد الهرب وأصحابه يتزودون له ومتى دخل اليمن أخرجه عن طاعتك فأرسل صلاح الدين فأخذه والناس عنده وحبسه فلما سمع صلاح الدين جلية الحال علم أن الحيلة تمت لأعدائه في قبضه فخفف ما كان عنده وسهل أمره وصانعه على ثمانين ألف دينار مصرية سوى ما لحقها من الحمل لإخوة صلاح الدين وأصحابه وأطلقه وأعاده إلى منزلته وكان أديبا شاعرا

ذكر إرسال صلاح الدين العساكر إلى اليمن ص 105

في هذه السنة سير صلاح الدين جماعة من أمرائه منهم صارم الدين قتلغ أبه والي مصر إلى اليمن للإختلاف الواقع بها بين نواب أخيه شمس الدولة وهم عز الدين عثمان بن الزنجبيلي والي عدن وحطان بن منقذ والي زبيد وغيرهما فإنه لما بلغهم وفاة صاحبهم اختلفوا وجرت بين عز الدين عثمان وبين حطان حرب وكل واحد منهما يروم أن يغلب الآخر على ما بيده واشتد الأمر فخاف صلاح الدين أن يطمع أهل البلاد فأرسل هؤلاء الأمراء اليها واستولى قتلغ أبه على زبيد وأزال حطان عنها ثم مات قتلغ أبه فعاد حطان إلى إمارة زبيد وأطاعه الناس لجوده وشجاعته

ذكر وفاة الملك الصالح وملك ابن عمه عز الدين مسعود مدينة حلب ص 105

في هذه السنة في رجب توفي الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب بها وعمره نحو تسع عشرة سنة ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي فقال لا افعل حتى استفتى الفقهاء فاستفتى فأفتاه فقيه من مدرسي الخنفية بجواز ذلك فقال له أرأيت إن قدر الله تعالى بقرب الأجل أيؤخره شرب الخمر فقال له الفقيه لا فقال والله لا لقيت الله سبحانه وقد استعملت ما حرمه علي ولم يشربه فلما أيس من نفسه أحضر الأمراء وسائر الأجناد ووصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي واستحلفهم على ذلك فقال له بعضهم إن عماد الدين بن عمك أيضا وهو زوج اختك وكان والدك يحبه ويؤثره وهو تولى تربيته وليس له غير سنجار فلو اعطيته البلد لكان أصلح وعز الدين له من البلاد من الفرات إلى همذان ولا حاجة به إلى بلدك فقال له إن هذا لم يغب عني ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تغلب على عامة بلاد الشام سوى ما بيدي ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلما معه مقام وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره وبلاده فاستحسنوا قوله وعجبوا من جودة فطنته مع شدة مرضه وصغر سنه ثم مات وكان حليما كريما عفيف اليد والفرج واللسان ملازما للدين لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الملوك والشباب من شرب خمر أو غيره حسن السيرة في رعيته عادلا فيهم ولما قضى نحبه أرسل الأمراء إلى أتابك عز الدين يستدعونه إلى حلب فسار هو ومجاهد الدين قايماز إلى الفرات وأرسل احضر الأمراء عنده من حلب فحضروا وساروا دميعا إلى حلب ودخلها في العشرين من شعبان وكان صلاح الدين حينئذ بمصر ولولا ذلك لزاحمهم عليها وقاتلهم فلما اجتاز في طريقه إليها من الفرات كان تقي الدين عمر ابن اخي صلاح الدين بمدينة منبج فسار عنها هاربا إلى حماة وثار أهل حماة ونادوا بشعار عز الدين فأشار عسكر حلب على عز الدين بقصد دمشق وأطمعوه فيها وفي غيرها من بلاد الشام وأعلموه محبة اهلها له ولأهل بيته فلم يفعل وقال بيننا يمين فلا نغدر به وأقام بحلب عدة شهور ثم سار عنها إلى الرقة

ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين وأخذ سنجار عوضا عنها ص 106

لما دخل عز الدين إلى الرقة جاءته رسل اخيه عماد الدين صاحب سنجار يطلب أن يسلم إليه حلب ويأخذ عوضا عنها مدينة سنجار فلم يجبه إلى ذلك ولج عماد الدين في ذلك وقال إن سلمتم إلي حلب وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين فأشار حينئذ جماعة من الأمراء بتسليمها إليه وكان أشدهم في ذلك مجاهد الدين قايماز فلم يمكن عز الدين مخالفته لتمكنه من الدولة وكثرة عساكره وبلاده وإنما حمل مجاهد الدين على ذلك خوفه من عز الدين لأنه عظم في نفسه وكثر معه العسكر وكان الأمراء الحلبيون لا يلتفتون إلى مجاهد الدين ويسلكون معه من الأدب ما يفعله عسكر الموصل فاستقر الأمر على تسليم حلب إلى عماد الدين وأخذ سنجار عوضا عنها فسار عماد الدين فتسلمها وسلم سنجار إلى أخيه وعاد إلى الموصل وكان صلاح الدين بمصر قد بلغه خبر ملك عز الدين حلب فعظم الأمر عليه وخاف أن يسير منها إلى دمشق وغيرها ويملك الجميع وأيس من حلب فلما بلغه ملك عماد الدين لها برز من مصر من يومه وسار إلى الشام وكان من الوهن على دولة عز الدين ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر حصر صاحب ماردين قلعة البيرة ومسير صاحبها مع صلاح الدين ص 107

كانت قلعة البيرة وهي مطلة على الفرات من أرض الجزيرة لشهاب الدين الأرتقي وهو ابن عم قطب الدين ايلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن ايلغازي بن أرتق صاحب ماردين وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام فمات شهاب الدين وملك القلعة بعده ولده وصار في طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل فلما كان هذه السنة أرسل صاحب ماردين إلى عز الدين يطلب منه أن يأذن له في حصر البيرة اخذها فأذن له في ذلك فسار في عسكره إلى قلعة سميساط وهي له ونزل بها وسير العسكر إلى البيرة فحصرها فلم يظفر منها بطائل إلا أنهم لازموا الحصار فأرسل صاحبها إلى صلاح الدين وقد خرج من ديار مصر على ما نذكره يطلب منه أن ينجده ويرحل العسكر المارداني عنه ويكون هو في خدمته كما كان أبوه في خدمة نور الدين فأجابه إلى ذلك وأرسل رسولا إلى صاحب ماردين يشفع فيه ويطلب أن يرحل عسكره عنه فلم يقبل شفاعته واشتغل صلاح الدين بما نذكره من الفرنج فلما رأى صاحب ماردين طول مقام عسكره على البيرة ولم يبلغوا منها غرضا أمرهم بالرحيل عنها وعاد إلى ماردين فسار صاحبها إلى صلاح الدين وكان معه حتى عبر معه الفرات على ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر عدة حوادث ص 107

في هذه السنة كثرت المنكرات ببغداد فأقام حاجب الباب جماعة لإرافة الخمور وأخذ المفسدات فبينما امرأة منهن في موضع علمت بمجيء أصحاب حاجب الباب فاضطجعت وأظهرت أنها مريضة وارتفع أنبنها فرأوها على تلك الحال فتركوها وانصرفوا فاجتهدت بعدهم أن تقوم فلم تقدر وحملت تصيح الكرب الكرب إلى أن ماتت وهذا من أعجب ما يحكى

وفيها في عاشر ذي الحجة توفي الامير همام الدين تتر صاحب قلعة تكريت بالمزدلفة كان قد استخلف الأمير عيسى بن أخي مودود وحج فتوفى ودفن بالمعلى مقبرة مكة

وفيها في شعبان توفي عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد أبو البركات النحوي المعروف بابن الأنباري ببغداد وله تصانيف حسنة في النحو وكان فقيها صالحا

وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن مهران الفقيه الشافعي بجزيرة ابن عمر وكان فاضلا كثير الورع

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.