الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الأول / نسب رسول الله وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده
67

نسب رسول الله وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده

الجزء الأول 6 عنصر صفحة 543
ص 543

واسم رسول الله محمد وقد تقدم ذكر ولادته في ملك كسرى أنوشروان وهو محمد بن عبد الله ويكنى عبد الله أبا قثم وقيل أبا محمد وقيل أبا أحمد بن عبد المطلب

وكان عبد الله أصغر ولد أبيه فكان عبد الله وأبو طالب واسمه عبد مناف والزبير وعبد الكعبة وعاتكة وأميمة وبرة ولد عبد المطلب أمهم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمرو بن مخزوم بن يقظة

وكان عبد المطلب نذر حين لقي من قريش العنت في حفر زمزم كما نذكره لئن ولد عشرة نفر وبلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة لله تعالى فلما بلغوا عشرة وعرف أنهم سيمنعونه أخبرهم ينذره فأطاعوه وقالوا كيف نصنع

قال يأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه ففعلوا وأتوه بالقداح فدخلوا على هبل في جوف الكعبة وكان أعظم أصنامهم وهو على بئر يجمع فيه ما يهدى إلى الكعبة وكان عند هبل سبعة قداح في كل قدح كتاب فقدح فيه العقل إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادواه يضرب به فإن خرج نعم عملوا به وقدح فيه لا فإذا أرادوا أمرا ضربوا به فإذا خرج لالم يعملوا ذلك الأمر وقدح فيه منكم وقدح فيه ملصق وقدح فيه من غيركم وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح فحيثما خرج عملوا به

وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أن ينكحوا جارية أو يدفنوا ميتا أو شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور فأعطوه صاحب القداح الذي يضربها ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم قالوا يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه ثم يقولون لصاحب القداح اضرب فيضرب فإن خرج عليه منكم كان وسيطا وإن خرج عليه من غيركم كان حليفا وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم لا نسب له ولا حلف وإن خرج عليه شيء سوى هذا مما يعملون به فإن خرج نعم عملوا به وإن خرج لا أخروه عامهم ذلك حتى أتوه به مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح

وقال عبد المطلب لصاحب القداح اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذي نذر

وكان عبد الله أصغر بني أبيه وأحبهم إليه فلما أخذ صاحب القداح يضرب قام عبد المطلب يدعو الله تعالى ثم ضرب صاحب القداح فخرج قدح على عبد الله فأخذ عبد المطلب بيده ثم أقبل إلى أساف ونائلة وهما الصنمان الذان ينحر الناس عندهما فقامت قريش من أنديتها فقالوا ما تريد قال أذبحه

فقالت قريش وبنوه والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئن فعلت هذا لا يزال الرجل منا يأتي بابنه حتى يذبحه فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم والله لا تذبحه حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه وقالت له قريش وبنوه لا تفعل وانطلق إلى كاهنة بالحجر فسلها فإن أمرتك بذبحه ذبحته فإن أمرتك بمالك وله فيه فرج قبلته فانطلقوا إليها وهي بخيبر فقص عليها عبد المطلب خبره فقالت ارجعوا حتى اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله فرجعوا عنها ثم غدوا عليها فقالت نعم قد جاءني الخبر فكم الدية فيكم قالوا عشرة من الإبل وكانت كذلك قالت ارجعوا إلى بلادكم وقربوا عشرا من الإبل واضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرج على صاحبكم فزيدوا عشرا حتى يرضى ربكم وإن خرجت على الابل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم

فخرجوا حتى أتو مكة فلما أجمعوا لذلك قام عبد المطلب يدعو الله ثم قربوا عبدالله وعشرا من الإبل فخرجت القداح على عبدالله فزادوا عشرا فخرجت القداح على عبدالله حتى بلغت الابل مائة ثم ضربوا فخرجت القداح على الابل فقال من حضر قد رضي ربك يا عبد المطلب

فقال عبد المطلب لا والله حتى أضرب ثلاث مرات فضربوا ثلاثا فخرجت القداح على الإبل فنحرت ثم تركت لا يصدعنها إنسان ولا سبع

وأما تزويج عبدالله بن عبد المطلب بآمنة ابنة وهب أم رسول الله فإنه لما فرغ عبد المطلب من الإبل انصرف بابنة عبدالله وهو اخذ بيده فمر على أم قتال ابنة نوفل بن أسد أخت ورقة بن نوفل وهي عند البيت فقالت له حين نظرت إليه وإلى وجهه أين تذهب يا عبدالله فقال مع أبي قالت لك عندي مثل الذي نحر عنك أبوك من الإبل وقع علي الآن قال إن معي أبي لا أستطيع خلافه ولا فراقه

فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة وهو سيد بني زهرة فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي وبرة لأم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي وأم حبيب لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب فدخل عبد الله عليها حين ملكها مكانها فوقع عليها فحملت بسيدنا محمد ثم خرج من عندها حتى أتى المرأة التي عرضت عليه نفسها بالأمس فقال لها مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت بالأمس فقالت فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة وقد كان تسمع من أخيها ورقة بن نوفل أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني اسماعيل وقيل إن عبد المطلب خرج بابنه عبد الله ليزوجه فمر به على كاهنة من خثعم يقال لها فاطمة بنت مر متهودة من أهل تبالة فرأت في وجهه نورا وقالت له يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الابل فقال لها

( أما الحرام فالممات دونه % والحل لا حل فأستبينه )

( فكيف بالأمر الذي تبغينه % يحمي الكريم عرضه ودينه )

ثم قال لها أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارقه فمضى فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فأقام عندها ثلاثا ثم انصرف فمر بالخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه فقال لها هل لك فيما كنت أردت فقالت يا فتى ما أنا بصاحبة ريبة ولكني رأيت في وجهك نور فأردت أن يكون في فأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد فما صنعت بعدي قال زوجني أبي آمنة بنت وهب قال فاطمة بنت مر

( إني رأيت مخيلة لمعت % فتلألأت بحناتم القطر )

( فسماتها نور يضيء به % ما حوله كإضاءة البدر )

( ورأيت سقياها حيا بلد % وقعت به وعمارة القفر )

( فرجوته فخرا أبوء به % ما كل قادح زنده يوري )

( لله ما زهرية سلبت % منك الذي سلبت وما تدري )

وقالت أيضا في ذلك

( بني هاشم قد غادرت من أخيكم % أمينة إذ للباه يعتركان )

( كما غادر المصباح عند خموده % فتائل قد بلت له بدهان )

( فما كل ما يحوي الفتى من ملاذه % لعزم ولا ما فاته لتوان )

( فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه % سيكفيكه جدان يعتلجان )

( سيكفيكه إما يد مقفعلة % وإما يد مبسوطة ببنان )

( ولما حوت منه أمينة ما حوت % حوت منه فخرا ما لذلك شأني )

وقيل إن الذي اجتاز بها غير هذا والله أعلم

قال الزهري أرسل عبد المطلب ابنه عبد الله إلى المدينة يمتار لهم تمرا فمات بالمدينة وقيل بل كان في الشام فأقبل في عير قريش فنزل بالمدينة وهو مريض فتوفي بها ودفن في دار النابغة الجعدي وله خمس وعشرون سنة وقيل ثمان وعشرون سنة وتوفي قبل أن يولد رسول الله

( عايذ بن عمرو ) بالذال المعجمة والياء تحتها نقطتان و ( عبيد ) بفتح العين وكسر الباء الموحدة و ( عويج ) بفتح العين وكسر الواو وآخره جيم

( ابن عبد المطلب ) واسمه شيبة سمي بذلك لأنه كان في رأسه لما ولد شيبة وأمه سلمى بنت عمرو بن زيد الخزرجية النجارية ويكنى أبا الحارث وإنما قيل له عبد المطلب لأن أباه هاشما شخص في تجارة إلى الشام فلما قدم المدينة نزل على عمرو بن لبيد الخزرجي من بني النجار فرأى ابنته سلمى فأعجبته فتزوجها وشرط أبوها أن لا تلد ولدا إلا في أهلها ثم مضى هاشم لوجهه وعاد من الشام فبنى بها في أهلها ثم حملها إلى مكة فحملت فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشام فمات بغزة فولدت له سلمى عبد المطلب فمكث بالمدينة سبع سنين

ثم إن رجلا من بني الحارث بن عبد مناف مر بالمدينة فإذا غلمان ينتضلون فجعله شيبة إذا أصاب قال له أنا ابن هاشم أنا ابن سيج البطحاء فقال له الحارثي من أنت قال أنا ابن هاشم بن عبد المناف فلما أتى الحارثي مكة قالة للمطلب وهو بالحجر يا أبا الحارث تعلم إني وجدت غلمانا يبثرب وفيهم ابن أخيك ولا يحسن ترك مثله

فقال المطلب لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به فأعطاه الحارثي ناقة فركبها وقدم المدينة عشاء فرأى غلمانا يضربون كرة فعرف ابن أخيه فسأل عنه فأخبره به فأخذه وأركبه على عجز الناقة وقيل بل أخذه بإذن أمه وسار إلى مكة فقدمها ضحوة والناس في مجالسهم فجعلوا يقولون له من هذا وراءك فيقول هذا عبدي حتى أدخله المنزل على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم فقالت من هذا الذي معك قال قال عبد لي واشترى له حلة فلبسها ثم خرج به العشي فجلس إلى مجلس بني عبد مناف فأعلمهم أنه ابن أخيه فكان بعد ذلك يطوف بمكة فيقال هذا عبد المطلب لقوله هذا عبدي ثم أوقفه المطلب على ملك أبيه فسلمه إليه فعرض له نوفل بن عبد مناف وهو عمه الآخر بعد موت المطلب في ركح له وهو الفناء فأخذه فمشى عبد المطلب إلى رجالات قريش وسألهم النصرة على عمه فقالوا له ما ندخل بينك وبين عمك فكتب إلى أخواله من بني النجار يصف لهم حاله فخرج أبو سعيد بن عدس النجاري في ثمانين راكبا حتى أتى الأبطح فخرج عبد المطلب يتلقاه فقال له المنزل يا خال قال حتى ألقي نوفلا وأقبل حتى وقف على رأسه في الحجر مع مشايخ قريش فسل سيفه ثم قال ورب هذه البنية لتردن على ابن أختنا ركحه أو لأملأن منك السيف قال فإني ورب هذه البنية أرد عليه ركحه فأشهد عليه من حضر ثم قال لعبد المطلب المنزل يا بن أختي فأقام عنده ثلاثا فاعتمروا وانصرفوا فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف فدعا بشر بن عمر وورقاء بن فلان ورجالا من رجالات خزاعة فحالفهم في الكعبة وكتبوا كتابا وكان إلى عبد المطلب السقاية والرفادة وشرف في قومه وعظم شأنه

ثم إنه حفر زمزم وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام التي أسقاه الله تعالى منها فدفنتها جرهم وقد تقدم ذكر ذلك وكان سبب حفره إياها أنه قال بينا أنا نائم بالحجر اذا أتاني آت فقال احفر طيبة قال قلت وما طيبة قال ثم ذهب

فرجعت الغد إلى مضجعي فمنت فيه فجاءني فقال احفر برة قال قلت وما برة قال ثم ذهب عني

قال فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر المضنونة قال قلت وما المضنونة قال فذهب عني

فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم إنك إن حفرتها لا تندم فقلت وما زمزم قال تراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم مثل نعام جافل لم يقسم ينذر فيها ناذر لمنعم يكون ميراثا وعقد محكم ليس كعيض ما قد تعلم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل

فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث ليس له ولد غيره فحفر بين أساف ونائلة في الموضع الذي تنحر قريش لأصنامها وقد رأى الغراب ينقر هناك فلما بدا له الطوي كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه فقالوا إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك قال ما أنا بفاعل هذه أمر خصصت به دونكم

قالوا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت بمشارف الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة من قريش نفر حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فنى ماء عبد المطلب وأصحابه فظمؤا حتى أيقنوا بالهلكة فطلبوا الماء ممن معهم من قريش فلم يسقوهم فقال لأصحابه ماذا ترون فقالوا رأينا تبع لرأيك فمرنا بما شئت

قال فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه حفرة فكلما مات واحد واراه أصحابه حتى يكون آخركم موتا قد وارى الجميع فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب قالوا نعم ما رأيت ففعلوا ما أمرهم به

ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجر فارتحلوا ومن معه من قبائل قريش ينظرون إليهم ثم ركب عبد المطلب فلما انبعثت به راحلته انفجرت من تحت خفها عين عذبة من ماء فكبر وكبر أصحابه وشربوا وملأوا أسقيتهم ثم دعا القبائل من قريش فقال هلموا إلى الماء فقد سقانا الله

فقال أصحابه لا نسقيهم لأنهم لم يسقونا فلم يسمع منهم وقال فنحن إذا مثلهم فجاء أولئك القرشيون فشربوا وملأوا أسقيتهم وقالوا قد والله قضى الله لك علينا يا عبد المطلب والله لا نخاصمك في زمزم أبدا إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا فرجعوا إليه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها

فلما فرغ من حفرها وجد الغزالين اللذين دفنتهما جرهم فيها وهما من ذهب ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا فقالت له قريش يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق

فقال لا ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها بالقداح فقالوا كيف تصنع قال أجعل للكعبة قدحين ولكم قدحين ولي قدحين فمن خرج قداحه على شيء أخذه ومن تخلف قداحه فلا شيء له قالوا أنصفت

ففعلوا ذلك وضربت القداح عند هبل فخرج قدحا الكعبة على الغزالين وخرج قدحا عبد المطلب على الأسياف والأدراع ولم يخرج لقريش شيء من القداح فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة وجعل فيه الغزالين صفائح من ذهب فكان أول ذهب حليت به الكعبة

وقيل بل بقيا في الكعبة وسرقا على ما نذكره

وأقبل الناس والحجاج على بئر زمزم تبركا بها ورغبة فيها وأعرضوا عما سواها من الأبيار ولما رأى عبد المطلب تظاهر قريش عليه نذر لله تعالى أن يرزقه عشرة من الولدان يبلغون أن يمنعوه ويذبوا عنه نحر أحدهم قربانا لله تعالى وقد ذكر النذر في اسم عبد الله أبي النبي

عبد المطلب أول من خضب بالوسمة وهو السواد لأن الشيب أسرع إليه

وكان لعبد المطلب جار يهودي يقال له أذينة يتجر وله مال كثير فغاظ ذلك حرب بن أمية وكان نديم عبد المطلب فأغرى به فتيانا من قريش ليقتلوه ويأخذوا ماله فقتله عامر بن عبد مناف بن عبد الدار وصخر بن عمرو بن كعب التميمي جد أبي بكر رضي الله عنه فلم يعرف عبد المطلب قاتله فلم يزل يبحث حتى عرفهما وإذا هما قد استجارا بحرب بن أمية فأتى حربا ولامه وطلبهما منه فأخفاهما فتغالظا في القول حتى تنافرا إلى النجاشي ملك الحبشة فلم يدخل بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى العدوي جد عمر بن الخطاب فقال لحرب يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأوسم وسامة وأعظم منك هامة وأقل منك ملامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفدا وأطول منك مددا وإني لأقول هذا وإنك لبعيد الغضب رفيع الصوت في العرب جلد المريرة لحبل العشيرة ولكنك نافرت منفرا

فغضب حرب وقال من انتكاس الزمان أن جعلت حكما

فترك عبد المطلب منادمة حرب ونادم عبد الله بن جدعان التيمي وأخذ من حرب مائة ناقة فدفعها إلى ابن عم اليهودي وارتجع ماله إلا شيئا هلك فغرمه من ماله

وهو أول من تحنث بحراء فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين جميع الشهر

وتوفي وله مائة وعشرون سنة وكان قد عمي وقيل غير ذلك

ابن هاشم واسمه هاشم عمرو وكنيته أبو نضلة وإنما قيل له هاشم لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه

قال ابن الكلبي كان هاشم أكبر ولد عبد مناف والمطلب أصغرهم أنه عاتكة بنت مرة السلمية ونوفل وأمه واقدة وعبد شمس فسادوا كلهم وكان يقال لهم المجيرون وهم أول من أخذ لقريش العصم فانتشروا من الحرم أخذ لهم هاشم خيلا من الروم وغسان بالشام وأخذ لهم عبد شمس خيلا من النجاشي بالحبشة وأخذ لهم نوفل خيلا من الأكاسرة بالعراق وأخذ لهم المطلب خيلا من حمير باليمن فاختلفت قريش بهذا السبب إلى هذه النواحي فجبر الله بهم قريشا وقيل إن عبد شمس وهاشما توأمان وأن أحدهما ولد قبل الآخر وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت فسام الدم فقيل يكون بينهما دم

وولي هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية والرفادة فحسده أميه بن عبد شمس على رياسته وإطعامه فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجر عنه فشمتت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة فكره هاشم ذلك لسنه وقدره فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة والجلاء عن مكة عشر سنين فرضي أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وهو جد عمرو بن الحمق ومنزله بعفسان وكان مع أمية همهمه بن عبد العزى الفهري وكانت ابنته عند أمية فقال الكاهن والقمر الباهر والكواكب الزاهر والغمام الماطر وما بالجو من طائر وما اهتدى بعلم مسافر من منجد وغائر لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر أول منه وآخر وأبو همهمة بذلك خابر

فقضى لهاشم بالغلبة وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها وغاب أمية عن مكة بالشام عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية

وكان يقال لهاشم والمطلب البدران لجمالهما ومات هاشم بغزة وله عشرون سنة وقيل خمس وعشرون سنة وهو أول من مات من بني عبد مناف ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق ثم مات عبد المطلب بردمان من أرض اليمن وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب لصغر ابنه عبد المطلب بن هاشم

( ابن عبد المناف ) واسمه المغيرة وكنيته أبو عبد شمس وكان يقال له القمر لجماله وكانت أمه حين ولدته دفعته إلى مناف صنم بمكة تدينا بذلك فغلب عليه عبد مناف وكان عبد مناف وعبد العزى وعبد الدار بنو قصي إخوة أمهم حبى ابنة حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة وهو الذي عقد الحلف بين قريش والأحابيش والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناف بن كنانة وبنو المصطلق من خزاعة وبنو الهون من خزيمة وكان قصي يقول ولد لي أربعة بنين فسميت ابنين بالإهي وهما عبد مناف وعبد العزى وواحدا بداري وهو عبد الدار وواحدا بي وهو عبد قصي

( حليل ) بضم الحاء المهملة وفتح اللام الأولى و ( حبيشة ) بضم الحاء

( ابن قصي ) واسمه زيد وكنيته أبو المغيرة وإنما قيل له قصي لأن ربيعة بن حرام بن ضبة بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد بن زيد تزوج أمه فاطمة ابنة سعد بن سيل واسمه جبر بن جمالة بن عوف وهي أيضا أم أخيه زهرة ونقلها إلى بلاد عذرة من مشارف الشام وحملت معها قصيا لصغره وتخلف زهرة في قومه لكبره فولدت أمه فاطمة لربيعة بن حرام زراح بن ربيعة فهو أخو قصي لأمه وكان لربيعة ثلاثة نفر من امرأة أخرى وهم حن بن ربيعة ومحمود وجلهمة وقيل إن حنا كان أخا قصي لأمه فشب زيد في حجر ربيعة فسمي قصيا لبعده عن دار قومه وكان قصي ينتمي إلى ربيعة إلى أن كبر وكان بينه وبين رجل من قضاعة شيء فعيره القضاعي بالغربة فرجع قصي إلى أمه وسألها عما قال فقالت له يا بني أنت أكرم منه نفسا وأبا أنت ابن كلاب بن مرة وقومك بمكة عند البيت الحرام

فصبر حتى دخل الشهر الحرام وخرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة وأقام مع أخيه زهرة ثم خطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى فزوجه وحليل يومئذ يلي الكعبة فولدت أولاده عبد الدار وعبد المناف وعبد العزى وعبد قصي وكثر ماله وعظم شرفه وهلك حليل وأوصى بولاية البيت لابنته حبى فقالت إني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه فجعل فتح الباب وإغلاقه إلى ابنه المحترش وهو أبو غبشان فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وبعود فضربت به العرب المثل فقالت أخسر صفقة من أبي غبشان

فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي فاستنصر أخاه رزحا فحضر هو وإخوته الثلاثة فيمن تبعه من قضاعة إلى نصرته ومع قصي قومه بنو النضر وتهيأ لحرب خزاعة وبني بكر وخرجت إليهم خزاعة فاقتتلوا قتالا شديدا فكثرت القتلى في الفريقين والجراح ثم تداعوا إلى الصلح على أن يحكموا بينهم عمرو بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالبيت ومكة من خزاعة وأن كل دم أصابه من خزاعة وبني كنانة ففي ذلك الدية مؤداة فسمي بعمرو الشداخ بما شدخ من الدماء وما وضع منها فولي قصي البيت وأمر مكة وقيل إن حليل بن حبشية أوصى قصيا بذلك وقال أنت أحق بولاية البيت من خزاعة فجمع قومه وأرسل إلى أخيه يستنصره فحضر في قضاعة في الموسم وخرجوا إلى عرفات وفرغوا من الحج ونزلوا منى وقصي مجمع على حربهم وإنما ينتظر فراغ الناس من عرفات وتجيزهم إذا تفرقوا من منى ولم يبق إلا الصدر وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفات وتجيزهم إذا تفرقوا من منى إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار ورجل من صوفة يرمي للناس لا يرمون حتى يرمي فإذا فرغوا من منى أخذت صوفة بناحيتي العقبة وحبسوا الناس فقالوا أجيزي صوفة فإذا نفرت صوفة ومضت خلى سبيل الناس فانطلقوا بعدهم فلما كان ذلك العام فعلت صوفة كما كانت تفعل قد عرفت لها العرب ذلك فهو دين في أنفسهم فأتاهم قصي ومن معه من قومه ومن قضاعة فمنعهم وقال نحن أولى بهذا منكم

فقاتلوه وقاتلهم قتالا شديدا فانهزمت صوفة وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم وانحازت عند ذلك ذلك خزاعة وبنو بكر وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة فلما انحازوا عنه بادأهم فقاتلهم فكثر القتل في الفريقين وأجلى خزاعة عن البيت وجمع قصي قومه إلى مكة من الشعاب والأودية والجبال فسمي مجمعا ونزل بني بغيض بن عامر بن لؤي وبني تيم الأدرم بن غالب بن فهر وبني محارب بن فهر وبني الحارث بن فهر إلا بني هلال بن أهيب رهط أبي عبيدة بن الجراح وإلا رهط عياض بن غنم بظواهر مكة فسموا قريش الظواهر وتسمى سائر بطون قريش البطاح وكانت قريش الظواهر تغير وتغزو وتسمى قريش البطاح الضب للزومها الحرم فلما ترك قصي قريشا بمكة وما حولها ملكوه عليهم فكان أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاعه به قومه وكان إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف قريش كله وقسم مكة أرباعا بين قومه فبنوا المساكن واستأذنوه في قطع الشجر فمنعهم فبنوا والشجر في منازلهم ثم إنهم قطعوه بعد موته وتيمنت قريش بأمره فما تنكح امرأة ولا رجل إلا في داره ولا يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره ولا يعقدون لواء للحرب إلا في داره يعقده بعض ولده وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع إلا في داره وكان أمره في قومه كالدين المتبع في حياته وبعد موته فاتخذ دار الندوة وبابها في المسجد وفيها كانت قريش تقضي أمورها فلما كبر ورق وكان ولده عبد الدار أكبر ولده وكان ضعيفا وكان عبد مناف قد ساد في حياة أبيه وكذلك اخوته فقال قصي لعبد الدار والله لألحقنك بهم

فأعطاه دار الندوة والحجابة وهي حجابة الكعبة واللواء فهو كان يعقد لقريش ألويتهم والسقاية كان يسقي الحاج والرفادة وهي خرج تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع منه طعاما للحاج يأكله الفقراء وكان قصي قد قال لقومه إنكم جيران الله وأهل بيته وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج ففعلوا فكانوا يخرجون من أموالهم فيصنع به الطعام أيام منى فجرى الأمر على ذلك في الجاهلية والإسلام إلى الآن فهو الطعام الذي يصنعه الخلفاء كل عام بمنى

فأما الحجابة فهي في ولده إلى الآن وهم بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار

وأما اللواء فلم يزل في ولده إلى أن جاء الإسلام فقال بنو عبد الدار يا رسول الله اجعل اللواء فينا فقال الإسلام أوسع من ذلك فبطل

وأما الرفادة والسقاية فإن بني عبد مناف بن قصي عبد شمس وهاشم والمطلب ونوفل أجمعوا أن يأخذوها من بني عبد الدار لشرفهم عليهم وفضلهم فتفرقت عند ذلك قريش فكانت طائفة من بني عبد مناف وطائفة من بني عبد الدار لا يرون تغيير ما فعله قصي وكان صاحب أمر بني عبد الدار عارم بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار فكان بنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة بن كلاب وبنو تميم بن مرة وبنو الحارث بن فهر مع بني عبد مناف وكان بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي مع بني عبد الدار فتحالف كل قوم حلفا مؤكدا وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعوها عند الكعبة وتحالفوا وجعلوا أيديهم في الطيب فسموا المطيبين وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم وتحالفوا فسموا الأحلاف وتعبوا للقتال ثم تداعوا إلى الصلح على ان يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة فرضوا بذلك وتحاجز الناس عن الحرب واقترعوا عليها فصارت لهاشم بن عبد المناف ثم بعده للمطلب بن عبد المناف ثم لأبي طالب بن عبد المطلب ولم يكن له مال فادان من أخيه العباس بن عبد المطلب بن عبد مناف مالا فانفقه ثم عجز عن الاداء فاعطى العباس السقاية والرفادة عوضا عن دينه فوليها ثم ابنه عبد الله ثم علي ثم عبد الله ثم محمد بن علي ثم داود بن علي بن سليمان بن علي ثم وليها المنصور وصار يليها الخلفاء وأما دار الندوة فلم تزل لعبد الدار ثم لولده حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار من معاوية فجعلها دار الإمارة بمكة وهي الآن في الحرم معروفة مشهورة ثم هلك قصي فأقام أمره في قومه من بعده ولده وكان قصي لا يخالف سيرته وأمره ولما مات دفن بالحجون فكانوا يزورون قبره ويعظمونه وحفر بمكة بئرا سماها العجول وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة

( سيل ) بفتح السين المهملة والياء المثناة التحية

و ( حرام ) بفتح الحاء والراء المهملتين و ( رزاح ) بكسر الراء وفتح الزاي وبعد الألف حاء مهملة

و ( حبى ) بضم الحاء المهلمة وتشديد الباء الموحدة

و ( ملكان ) بكسر الميم وسكون اللام وأما ملكان بن حزم بن ريان وملكان بن عباد بن عياض فهما بفتح الميم واللام

( ابن كلاب ) ويكنى أبا زهرة وأم كلاب هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك وله أخوان لأبيه من غير أمه وهما تميم ويقظة أمهما اسماء بنت جارية البارقية وقيل يقظة لهند بنت سرير أم كلاب

( يقظة ) بالياء تحتها نقطتان وبفتح القاف والظاء المعجمة

( ابن مرة ) ويكنى أبا يقظة وأم مرة محشية ابنة شيبان بن محارب بن فهر وأخواه لأبيه وأمه هصيص وعدي وقيل أم عدي رقاش بن ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس غيلان

( هصيص ) بضم الهاء وفتح الصاد المهملة بعدها ياء تحتها نقطتان وصاد ثانية

ابن كعب ويكنى أبا هصيص وأم كعب مارية ابنة كعب بن القين بن جسر القضاعية وله أخوان لأبيه وأمه أحدهما عامر والآخر سامة ولهم من أبيهم أخ كان يقال له عوف أمه الباردة ابنة عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان وانتمى ولده إلى غطفان وكان خرج مع أمه الباردة إلى غطفان فتزوجها سعد بن ذبيان فتبناه سعد ولكعب أيضا أخوان من غير أمه أحدهما خزيمة وهي عائذة قريش وعائذة امه وهي ابنة الحمس بن قحافة من خثعم والآخر سعد ويقال له بنانة وبنانة أمه فأهل البادية منهم في بني سعد بن همام في بني شيبان بن ثعلبة والحاضرة ينتمون إلى قريش وكان كعب عظيم القدر عند العرب فلهذا أرخوا لموته إلى عام الفيل ثم أرخوا بالفيل وكان يخطب الناس أيام الحج وخطبته مشهورة يخبر فيها النبي

( جسر ) بفتح الجيم وسكون السين المهملة وآخره راء

ابن لؤي ويكنى أبا كعب وأم لؤي عاتكة ابنة يخلد بن النضر بن كنانة وهي أول العواتك اللاتي ولدن رسول الله من قريش وله أخوان أحدهما تيم الأدرم والدرم نقصان في الذقن قيل إنه كان ناقص اللحي والآخر قيس ولم يبق منهم أحد وآخر من مات منهم في زمن خالد بن عبد الله القسري فبقي ميراثه لا يدري من يستحقه

وقيل إن أمهم سلمى بنت عمرو بن ربيعة وهو يحيى بن حارثة الخزاعي

( يخلد ) بفتح الياء تحتها نقطتان وسكون الخاء المعجمة وبعد اللام دال مهملة

ابن غالب ويكنى أبا تيم وأم غالب ليلى ابنة الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل وأخوته من أبيه وأمه الحارث ومحارب وأسد وعوف وجون وذئب وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر فدخلت الحارث الأبطح

ابن فهر ويكنى أبا غالب وفهر هو جماع قريش في قول هشام وأمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي وقيل غير ذلك وكان فهر رئيس الناس بمكة وكان حسان فيم قيل أقبل من اليمن مع حمير وغيرهم يريد أن ينقل أحجار الكعبة إلى اليمن فنزل بنخلة فاجتمع قريش وكنانة وخزيمة وأسد وجذام وغيرهم ورئيسهم فهر بن مالك فاقتتلوا قتالا شديدا وأسر حسان وانهزمت حمير وبقي حسان بمكة ثلاث سنين وافتدى نفسه وخرج فمات بين مكة واليمن

( ابن مالك ) وكنيته أبو الحارث وأمه عاتكة بنت عدوان وهو الحارث بن قيس بن عيلان ولقبه عكرشة وقيل غير ذلك

( ابن النضر ) ويكنى أبا يخلد كنى بابنه يخلد واسم النضر قيس وقيل إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا وقيل لما جمعهم قصي قيل لهم قريش والتقرش التجمع وقيل لما ملك قصي الحرم وفعل أفعالا جميلة قيل له القرشي وهو أول من سمي به وهو من الاجتماع أيضا أي لاجتماع خصال الخير فيه وقد قيل في تسمية قريش قريشا أقوال كثيرة لا حاجة إلى ذكرها وقصي أول من أحدث وقود النار بالمزدلفة وكانت توقد على عهد رسول الله ومن بعده وإنما قيل له النضر لجماله وأمه برة ابنة مر بن أد بن طابخة أخت تميم بن مر واخوته لأبيه وأمه نصير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسعد وعوف ومخرمة وجرول وغزوان وجدال وأخوهم لأبيهم عبد مناة وأمه فكيهة وهي الذفراء ابنة هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وأخوه عبد مناة لأمه علي بن مسعود بن مازن الغساني وكان قد حضن أولاد أخيه عبد مناة فنسبوا إليه فقيل لبني عبد مناة بنو علي وإياهم عنى الشاعر بقوله

( لله دربني علي % أيم منهم وناكح )

وقيل تزوج امرأة عبد مناف فولدت له وحضن بني عبد مناة فغلب على نسبهم ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود فقتله فواراه أسد بن خزيمة

ابن كنانة ويكن أبا النضر وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس عيلان وقيل هند ابنة عمرو بن قيس واخوته لأبيه أسد وأسدة ويقال إنه أبو جذام والهون وأمهم برة بنت مرو وهي أم النضر خلف عليها بعد أبيه

( ابن خزيمة ) ويكنى أبا أسد وأمه سلمى ابنة أسلم بن الحاف بن قضاعة وأخوه لأمه تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف وأخيه خزيمة لأبيه وأمه هذيل وقيل أمهما سلمى بنت أسد بن ربيعة وخزيمة هو الذي نصب هبل على الكعبة فكان يقال هبل خزيمة

أسلم بضم اللام

( ابن مدركة ) اسمه عمرو ويكنى أبا هذيل وقيل أبا خزيمة وأمه خندف وهي ليلى ابنة حلوان بن عمران وأمها ضرية ابنة ربيعة بن نزار وبها سمي حمى ضرية

وأخوه مدركة لأبيه وأمه عامر وهو طابخة وعمير وهو قمعة يقال إنه أبو خزاعة

قال هشام خرج إلياس في نجعة له فنقرت إبله من أرنب فخرج إليها عمرو فأدركها فسمي مدركة وأخذها عامر فطبخها فسمي طابخة وانقمع عمير في الخباء فسمي قمعة وخرجت أمهم ليلى تمشي فقال لها إلياس أين تخندفين فسميت خندف والخندفة ضرب من المشي

( ابن إلياس ) وكان يكنى أبا عمرو وأمه الرباب ابنة جندة بن معد وأخوه لأبيه وأمه الناس بالنون وهو عيلان وسمي عيلان لفرس له كان يدعى عيلان وقيل لأنه ولد في أصل جبل يسمى عيلان وقيل غير ذلك ولما توفي حزنت عليه خندف حزنا شديدا فلم تقم حيث مات ولم يظلها سقف حتى هلكت فضرب بها المثل وتوفي يوم الخميس فكانت تبكي كل خميس من غدوته إلى الليل

( ابن مضر ) وأمه سودة بنت عك وأخوه لأبيه وأمه أياد ولهما أخوان من أبيهما ربيعة وأنمار أمهما جدالة ابنة وعلان من جرهم

وذكر أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه وقسم ماله بينهم فقال يا بني هذه القبة وهي من أدم حمراء وما أشبهها من مالي لمضر فسمي مضر الحمراء وهذا الخباء الأسود وما أشبه من مالي لربيعة وههذ الخادم وما أشبهها من مالي لإياد وكانت شمطاء فأخذ البلق والنقد من غنمه وهذه البردة والمجلس لأنمار يجلس عليه فأخذ أنمار ما أصابه فإن أشكل في ذلك عليكم شيء واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي

فاختلفوا فتوجهوا إلى الأفعى الجرهمي فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي فقال إن البعير الذي قد رعى هذه الكلأ لأعور وقال ربيعة هو أزور وقال إياد هو أبتر وقال أنمار هو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحله فسألهم عن البعير فقال مضر هو أعور قال نعم قال ربيعة هو أزور قال نعم قال إياد هو أبتر قال نعم وقال أنمار هو شرود قال نعم هذه صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له ما رأوه فلزمهم وقال كيف أصدقكم وهذه صفة بعيري فساروا جميعا حتى قدموا نجران فنزلوا على الأفعى الجرهمي فقص عليه صاحب البعير حديثه فقال لهم الجرهمي كيف وصفتموه ولم تروه قال مضر رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور وقال ربيعة رأيت إحدى يديه ثابته والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أزور وقال إياد عرفت أنه أبتر باجتماع بعره ولو كان أذنب لمصع به وقال أنمار عرفت أنه شرود لأنه يرعى المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان أرق منه نبتا وأخبث فقال الجرهمي ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم من هم فأخبروه فرحب بهم وقال أتحتاجون أنتم إلي وأنتم كما أرى ودعا لهم بطعام فأكلوا وشربوا فقال مضر لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر وقال ربيعة لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلبه وقال إياد لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي ينتمي إليه وقال أنمار لما أر كاليوم كلاما أنفع لحاجتنا وسمع الجرهمي الكلام فعجب فأتى أمه وسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها فحملت به وسأل القهرمان عن الخمر فقال من حبلة غرستها على قبر أبيك وسأل الراعي عن اللحم فقال شاه أرضعتها لبن كلبة فقيل لمضر من أين عرفت الخمر فقال لأني أصابني عطش شديد وقال لربيعة فيما قال فذكر كلاما وأتاهم الجرهمي وقال صفوا لي صفتكم فقصوا عليه قصتهم فقضى بالقبة الحمراء والدنانير والابل وهي حمر لمضر وقضى بالخباء الأسود والخيل الدهم لربيعة وقضى بالخادم وكانت شمطاء والماشية البلق لإياد وقضى بالأرض والدراهم لأنمار ومضر أول من حدا وكان سبب ذلك أنه سقط من بعيره فانكسرت يده فجعل يقول يا يداه يا يداه فأتته الإبل من المرعى فلما صلح وركب حدا وكان من أحسن الناس صوتا وقيل بل انكسرت يد مولى له فصاح فاجتمعت الابل فوضع مضر الحداء زاد الناس فيه وهو أول من قال حينئذ بصبصن إذ حدين بالأذناب فذهب مثلا وروي أن النبي قال ( لا تسبوا مضر وربيعة فإنهما مسلمان )

( ابن نزار ) وقيل كان يكنى أبا إياد وقيل أبا ربيعة أمه معانة ابنة جوشم بن جلهمة بن عمرو بن جرهم وإخوته لأبيه وأمه فنص وقناصة وسالم وجندة وجناد وجنادة والقحم وعبيد الرباح والغرف والعوف وشك وقضاعة وبه كان يكنى معد وعدة درجوا

( ابن معد ) وأمه مهدة ابنة اللهم ويقال اللهم بن جلحب بن جديس وقيل ابن طسم وإخوته من أبيه الريث وقيل الريث عك وقيل عك بن الريث وعدن بن عدنان قيل هو صاحب عدن أبين وإليه تنسب أبين ودرج نسله ونسل عدن وأد وأبي بن عدنان ودرج والضحاك والغنى فلحق ولد عدنان باليمن عند حرب بختنصر وحمل أرميا وبرخيا معدا إلى حران فأسكناه بها فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة فرأى أخوته قد لحقوا باليمن

( ابن عدنان ) ولعدنان أخوان يدعى أحدهما نبتا والآخر عامرا

فنسب النبي لا يختلف الناسبون فيه إلى معد بن عدنان على ما ذكرت ويختلفون فيما بعد ذلك اختلافا عظيما لا يحصل منه على غرض فتارة يجعل بعضهم بين عدنان وبين إسماعيل عليه السلام أربعة آباء ويجعل آخر بينهما أربعين أبا ويختلفون أيضا في الأسماء أشد من اختلافهم في العدد فحيث رأيت الأمر كذلك لم أعرج على ذكر شيء منه ومنهم من يروي عن النبي في نسبه حديثا يصله باسماعيل ولا يصح في ذلك الحديث

ذكر الفواطم والعواتك ص 564

أما الفواطم اللائي ولدن رسول الله فخمس قرشية وقيسيتان ويمانيتان أما القرشية فأم أبيه عبد الله بن عبد المطلب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزومية وأما القيسيتان فأم عمرو بن عايذ بن فاطمة ابنة عبد الله بن رزاح بن ربيعة بن جحوش بن معاوية بن بكر بن هوازن وأمها فاطمة بنت الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور وأما اليمانيتان فأم قصي بن كلاب فاطمة بنت سعد بن سيل بن أزد شنواة وأم حيي بنت حليل بن حبشية بن كعب بن سلول وهي أم ولد قصي فاطمة بنت نصر بن عوف بن عمرو بن ربيعة بن حارثة الخزاعية

وأما العوتك فاثنتا عشرة اثنتان من قريش وواحدة من بني يخلد بن النضر وثلاث من سليم وعدويتان وهذلية وقضاعية وأسدية فأما القرشيتان فأم أمه آمنة بنت وهب برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار وأم برة أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى وأم أسد ريطة بنت كعب بن سعد بن تيم وأمه أميمة بنت عامر الخزاعية وأمها عاتكة بنت هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهم وأم هلال هند بنت هلال بن عامر بن صعصعة وأم أهيب بن ضبة عاتكة بنت غالب بن فهر وأمها عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة وأما السلميات فأم هاشم بن عبد المناف عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن بهثة بن سليم بن منصور وأم عبد مناف عاتكة بنت هلال بن فالج والثالثة أم جده لأمه وهب وهي عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال

قلت هكذا ذكر بعض العلماء عواتك سليم وجعل أم عبد مناف عاتكة بنت مرة وليس بشيء فإن أم عبد المناف حيي بنت حليل الخزاعية وقال غيره أم هاشم عاتكة بنت مرة وأم مرة بن هلال عاتكة بنت جابر بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم وأم هلال بن فالج عاتكة بنت عصية بن خفاف بن امرئ القيس

وأما العدويتان فمن جهة أبيه عبد الله فإن أم عبد الله فاطمة بنت عمرو وأم فاطمة تخمر بنت عبد قصي وأمها هند بنت عبد الله بن الحارث بن وائلة بن الظرب وأمها زينب بنت مالك بن ناصرة بن كعب الفهمية وأمها عاتكة بنت عامر بن الظرب بن عمرو بن عباد بن بكر بن الحارث وهو عدوان بن عمرو بن قيس عيلان وأم مالك بن النضر عاتكة وهي عكرشة وهي الحصان بنت عدوان

وأما الأزدية فأم النضر بن كنانة بنت مرة بن أد أخت تميم وأمها مارية من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار وأمها عاتكة بنت الأزد بن الغوث وقد ولدته هذه الأزدية مرة أخرى من قبل غالب بن فهر فإن أم غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل وأمها سلمى بنت طابخة بن الياس بن مضر وأمها عاتكة بنت الأزد هذه

وأما الهذلية فعاتكة بنت سعد بن سيل هي أم عبد الله بن زرام جد عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم لأمه وعمرو جد رسول الله أبو أمه

وأما القضاعية فأم كعب بن لؤي مارية بنت القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة وأمها وحشية بنت ربيعة بن حرام بن ضنة العذرية وأمها عاتكة بنت رشدان بن قيس بن جهينة

وأما الأسدية فأم كلاب بن مرة هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كلاب وأمها عاتكة بنت دودان بن أسد بن خزيمة

( وعايذ بن عمران ) بالياء المثناة من تحتها والذال المعجمة و ( سعد بن سيل ) بفتح السين المهملة والياء المثناة من تحتها الفتوحة و ( حيي ) بضم الحاء المهملة وبالياء المثناة من تحتها وتشديد الياء الممالة و ( حليل ) بضم الحاء المهملة وبالياء المثناة من تحتها و ( جسر ) بفتح الجيم وتسكين السين المهملة و ( حارثة ) بالحاء المهملة والثاء المثلثة و ( وائلة بن الظرب ) بالياء المثناة من تحتها و ( ضبة بن الحارث ) بالضاد المعجمة المفتوحة والباء المشددة الموحدة ( وشيع الله ) بالشين المعجمة المفتوحة والياء المثناة من تحتها الساكنة و ( حرام ) بفتح الحاء المهملة والراء المهملة ( وضنة العذرية ) بكسر الضاد المعجمة والنون المشددة و ( عصية ) بالعين المهملة المضمومة وفتح الصاد والياء المثناة من تحتها

انتقال النبي إلى أبي طالب ص 566

عدنا إلى ذكر النبي توفي عبد المطلب بعد الفيل بثمان سنين وأوصى أبا طالب برسول الله فكان أبو طالب هو الذي قام بأمر النبي بعد جده ثم إن أب طالب خرج إلى الشام فلما أراد المسير لزمه رسول الله فرق له وأخذه معه ولرسول الله تسع سنين فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له وكان ذا علم في النصرانية ولم يزل بتلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم وبها كتاب يتوارثونه فلما رآهم بحيرا صنع لهم طعاما كثيرا وذلك لأنه رأى على رسول الله غمامة تظلله من بين القوم ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الشجرة وقد هصرت أغصانها حتى استظل لها فنزل إليهم من صومعته ودعاهم فلما رأى بحيرا رسول الله جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها من صفته فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا سأل النبي عن أشياء من حاله في يقظته ونومه فوجدها بحيرا موافقة لما عنده من صفته ثم نظر إلى خاتم النبوة بين كفيه ثم قال بحيرا لعمه أبي طالب ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما ينبغي أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي مات أبوه وأمه حبلى به قال صدقت ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فإنه كائن له شأنا عظيم فخرج به عمه حتى أقدمه مكة وقيل بينما هو يقول لعمه في إعادته إلى مكة وتخوهم عليه من الروم إذ أقبل سبعة نفر من الروم فقال لهم بحيرا ما جاء بكم قالوا جئنا لأن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا بعثنا إلى طريقك قال أرأئتم أمرا أراه الله هل يستطيع أحد من الناس رده قالوا لا وتابعوا إلى بحيرا وأقاموا عنده وقال رسول الله ما هممت بشيء مما كان الجاهلية يعملونه غير مرتين كل ذلك يحول الله بيني وبينه ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته قلت ليلة للغلام يرعى معي بأعلى مكة لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب فقال افعل فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفا فقلت ما هذا فقالوا عرس فلان بفلانه فجلست أسمع فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس فعدت إلى صاحبي فسألني فأخبرته ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة ثم ما هممت بعده بسوء

ذكر نكاح النبي على خديجة ص 568

ونكح رسول الله خديجة بنت خويلد وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة وسبب ذلك أن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي كانت امرأة تاجر ذات شرف ومال وتستأجر في مالها وتضاربهتم إياه بشيء تجعله لهم منه وكانت قريش تجارا فلما بلغها عن رسول الله صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من غلامها ميسرة فأجابها وخرج معه ميسرة حتى قدم الشام فنزل رسول الله في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب فأطلع الراهب رأسه إلى ميسرة فقال من هذا فقال ميسرة هذا رجل من قريش فقال الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي

ثم باع رسول الله واشترى وعاد فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره فلما قدم مكة ربحت خديجة ربحا كثيرا وحدثها ميسرة عن قول الراهب وما رأى من إظلال الملكين إياه وكانت خديجة امرأة حازمة عاقلة شريفة مع ما أراده الله من كرامتها فأرسلت إلى رسول الله فعرضت عليه نفسها وكانت أوسط نساء قريش نسبا وأكثرهن مالا وشرفا وكل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه فلما أرسلت إلى النبي قال لأعمامه وخرج معه حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب وغيرهما من عمومته حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها فولدت له أولاده كلهم إلا إبراهيم زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه كان يكنى وعبد الله والطاهر والطيب وقيل إن عبد الله ولد في الإسلام هو والطاهر والطيب فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية

وأما بناته فكن أدركن الاسلام فاسلمن وهاجرن معه وقيل إن الذي زوجها عمها عمرو بن أسد وأن أباها مات قبل التجارة قال الواقدي وهو الصحيح لأن أباها توفي قبل الفجار وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الي يعرف بها اليوم فقال إن معاوية اشتراه وجعله مسجدا يصلي فيه وكان الرسول بين خديجة وبين النبي نفيسه بنت منية أخت يعلى بن منية وأسلمت يوم الفتح فبرها رسول الله وأكرمها

( منية ) بالنون الساكنة والياء المثناة من تحتها

ذكر حلف الفضول ص 569

قال ابن إسحاق وكان نفر من جرهم وقطوراء يقال لهم الفضيل بن الحارث الجرهمي والفضيل بن وداعة القطوري والمفضل بن فضالة الجرهمي اجتمعوا فتحالفوا أن لا يقروا ببطن مكة ظالما وقالوا لا ينبغي إلا ذلك لما عظم الله من حقها فقال عمرو بن عوف الجرهمي

( أن الفضول تحالفوا وتعاقدوا % أن لا يقر ببطن مكة ظالم )

( أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا % فالجار والمعتر فيهم سالم )

ثم درس ذلك فلم يبق إلا ذكره في قريش ثم أن قبائل من قريش تداعت إلى ذلك الحلف فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه وكانوا بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة فتحالفوا وتعاقدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول وشهده رسول الله فقال حين أرسله الله تعالى

( لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعيم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت ) قال وقال محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان منازعة في مال كان بينهما والوليد يومئذ أمير على المدينة ن لعمه معاوية فتحامل الوليد لسلطانه فقال له الحسين أقسم بالله لتنصفني أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله ثم لأدعون بحلف الفضول فقال عبد الله بن الزبير وكان حاضرا وأنا أحلف بالله لو دعا به لأجبته حتى ينصف من حقه أو نموت وبلغ المسور بن مخرمة الزهري فقال مثل ذلك وبلغ عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي فقال مثل ذلك فلما بلغ الوليد ذلك انصف الحسين من نفسه حتى رضي

ذكر هدم قريش الكعبة وبنائها ص 570

وفي سنة خمس وثلاثين من مولده هدمت قريش الكعبة وكان سبب هدمهم إياها أنها كانت رضيمة فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنزها وفي غزالان من ذهب وكان في بئر في جوف الكعبة وكان أرم غزالي الكعبة أن الله لما أمر إبراهيم واسماعيل ببناء الكعبة ففعلا ذلك وقد تقدم ذكره وأقام إسماعيل بمكة وكان يلي البيت حياته وبعده وليه ابنه نبت فلما مات نبت ولم يكثر ولد إسماعيل غلبت جرهم على ولاية البيت فكان أول من وليه منهم مضاض ثم ولده من بعده حتى بغت جرهم واستحلوا حرمة البيت فظلموا من دخل مكة حتى قيل إن أسافا ونائلة زنيا في البيت فمسخا حجرين وكانت خزاعة قد أقامت بتهامة بعد تفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن فأرسل الله على جرهم الرعاف أفناهم فاجتمعت خزاعة على إجلاء من بقي منهم ورئيس خزاعة عمرو بن ربيعة بن حارثة فاقتتلوا فلما أحس عامر بن الحارث الجرهمي بالهزيمة خرج بغزالي الكعبة والحجر الأسود يلتمس التوبة وهو يقول

( لا هم إن جرهما عبادكا % والناس طرف وهم تلادكا % وهم قديما عمروا بلادكا )

فلم تقبل توبته فدفن غزالي الكعبة ببئر زمزم وطمها وخرج بمن بقي من جرهم إلى أرض جهينة فجاءهم سيل فذهب بهم أجمعين وقال عمرو بن الحارث

( كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا % أنيس ولم يسمر بمكة سامر )

( بلى نحن كنا أهلها فأبادنا % صروف الليالي والجدود العواثر )

وولي البيت بعد جرهم عمرو بن ربيعة وقيل وليه عمرو بن الحارث الغساني ثم خزاعة بعده غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال الإجازة بالحج من عرفة وكان ذلك إلى الغوث بن مر بن أد وهو صوفة والثانية الإفاضة من جمع إلى منى وكانت إلى بني زيد بن عدوان وآخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد والثالثة النسيء للشهور الحرام فكان ذلك إلى المقلس وهو حذيفة بن فقيم بن كنانة ثم إلى بنيه من بعده ثم صارت ذلك إلى أبي ثمامة وهو جنادة بن عوف بن قلع بن حذيفة وقام الإسلام وقد عادت الأشهر الحرام إلى أصلها فأبطل الله عز وجل النسيء

ثم وليت البيت بعد خزاعة قريش وقد ذكرنا ذلك عند ذكر قصي بن كلاب ثم حفر عبد المطلب زمزم فأخرج الغزالين كما تقدم وكان الذي وجد الغزلان عند دويك مولى لبني مليح ين خزاعة فقطعت قريش يده وكان فيهم اتهم في ذلك عامر بن الحارث بن نوفل وأبو هارب بن عزيز وأبو لهب بن عبد المطلب وكان البحر قد ألقى سفينة إلى جدة لتاجر رومي فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها فتهيأ لهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة وكان لا يدنو منها أحد إلا كشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها فبينما هي يوما على جدار الكعبة اختطفها طائر فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله عز وجل قد رضي ما أردناه وكان ذلك ورسول الله ابن خمس وثلاثين عاما وبعد الفجار بخمس عشرة سنة فلما أرادوا هدمها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول حجرا من الكعبة فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها إلا طيبا ولا تدخلوا فيها مهر بغى ولا زنا ولا مظلمة أحد وقيل إن الوليد بن المغيرة قال هذا

ثم إن الناس هابوا هدمها فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدأكم به فأخذ المعول فهدم فتربص الناس به تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصاب لم نهدم منها شيئا فاصبح الوليد سالما وغدا إلى عمله فهدم والناس معه حتى انتهى الهدم إلى الأساس ثم أفضوا إلى حجارة خضر أخذ بعضها ببعض فأدخل رجل من قريش عتلة بين حجرين منهما ليقلع به أحدهما فلما تحرك الحجر تحركت مكة بأسرها ثم جمعوا الحجارة لبنائها ثم بنوا حتى بلغ البنيان موضع الركن فأراد كل قبيلة رفعه إلى موضعه حتى تحالفوا وتواعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هو وبنو عدي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم فسموا لعقة الدم بذلك فمكثوا على ذلك أربع ليال ثم تشاوروا فقال أبو أمية بن المغيرة وكان أسن قريش اجعلوا بينكم حكما أول من يدخل من باب المسجد يقضي بينكم فكان أول من دخل رسول الله فلما رأوه قالوا هذا الأمين قد رضينا بك وأخبروه الخبر فقال هلموا إلى ثوبا فأتى به فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا ذلك فلما بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.