الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
66

ذكر أيام العرب في الجاهلية

الجزء الأول 73 عنصر صفحة 388
ص 389

لم يذكر أبو جعفر من أيامها غير يوم ذي قار وجذيمة الأبرش والزباء وطسم وجديس وما ذكر ذلك إلا حيث أنهم ملوك فأغفل ما سوى ذلك ونحن نذكر الأيام المشهورة والوقائع المذكورة التي اشتملت على جمع كثير وقتال شديد ولم أعرج على ذكر غارات تشتمل على النفر اليسير لأنه يكثر ويخرج عن الحصر فنقول وبالله التوفيق

ذكر حرب زهير بن جناب الكلبي مع غطفان وبكر وتغلب وبني القين ص 389

كان زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة الكلبي أحد من اجتمعت عليه قضاعة وكان يدعى الكاهن لصحة رأيه وعاش مائتين وخمسين سنة أوقع فيها مائتي وقعة وقيل عاش أربعمائة وخمسين سنة وكان شجاعا مظفرا ميمون النفيبة

وكان سبب غزاته غطفان أن بني بغيض بن ريث بن غطفان حين خرجوا من تهامة ساروا بأجمعهم فتعرضت لهم صداء وهي قبيلة من مذحج فقاتلوهم وبنوا بغيض سائرون بأهليهم وأموالهم فقاتلوهم على حريمهم فظهروا على صداء وفتكوا فيهم فعزت بغيض بذلك وأثرت وكثرت أموالها فلما رأوا ذلك قالوا والله لنتخذن حرما مثل مكة لا يقتل صيده ولا يهاج عائذه فبنوا حرما ووليه بنو مرة بن عوف فلما بلغ فعلهم وما أجمعوا عليه زهير بن جناب قال والله لا يكون ذلك أبدا وأنا حي ولا أخلي غطفان تتخذ حرما أبدا فنادى في قومه فاجتمعوا إليه فقام فيهم فذكر حال غطفان وما بلغه عنهم

وقال إن أعظم مأثرة يدخرها هو وقومه أن يمنعوهم من ذلك

فأجابوه فغزا بهم غطفان وقاتلهم أبرح قتال وأشده وظفر بهم زهير وأصاب حاجته منهم وأخذ فارسا منهم في حرمهم فقتله وعطل ذلك الحرم ثم من على غطفان ورد النساء وأخذ الأموال وقال زهير في ذلك

( فلم تصبر لنا غطفان لما % تلاقينا وأحرزت النساء )

( فلولا الفضل منا ما رجعتم % إلى عذارء شيمتها الحياء )

( فدونكم ديونا فاطلبوها % وأوتارا ودونكم اللقاء )

( فأنا حيث لا يخفى عليكم % ليوث حين يحتضر اللواء )

( فقد أضحى لحي بني جناب % فضاء الأرض والماء الرواء )

( نفينا نخوة الأعداء عنا % بأرماح أسنتها ظماء )

( ولولا صبرنا يوم التقينا % لقينا مثل ما لقيت صداء )

( غداة تضرعوا لبني بغيض % وصدق الطعن للنوكى شفاء )

وأما حربه مع بكر وتغلب ابني وائل فكان سببها أن أبرهة حين طلع إلى نجد أتاه زهير فأكرمه وفضله على من أتاه من العرب ثم أمره على بكر وتغلب ابني وائل فوليهم حتى أصابهم سنة فاشتد عليهم ما يطلب منهم من الخراج فأقام بهم زهير في الحرب ومنعهم من النجعة حتى يؤدوا ما عليهم فكادت مواشيهم تهلك

فلما رأى ذلك ابن زيابة أحد بني تيم الله بن ثعلبة وكان فاتكا أتى زهيرا وهو نائم فاعتمد التيمي بالسيف على بطن زهير فمر فيها حتى خرج من ظهره مارقا بين الصفاق وسلمت أمعاؤه وما في بطنه وظن التيمي أنه قد قتله وعلم زهير أنه قد سلم فلم يتحرك لئلا يجهز عليه فسكت فانصرف التيمي إلى قومه فأعلمهم أنه قتل زهيرا فسرهم ذلك ولم يكن مع زهير إلا نفر من قومه فأمرهم أن يظهروا أنه ميت وأن يستأذنوا بكرا وتغلب في دفنه فإذا أذنوا دفنوا ثيابا ملفوفة وساروا به مجدين إلى قومهم ففعلوا ذلك فأذنت لهم بكر وتغلب في دفنه فحفروا وعمقوا ودفنوا ثيابا ملفوفة لم يشك من رآها أن فيها ميتا ثم ساروا مجدين إلى قومهم فجمع لهم زهير الجموع وبلغهم الخبر فقال ابن زيابة

( طعنة في غبش الليل % زهيرا وقد توافى الخصوم )

( حين يحمي له المواسم بكر % أين بكر وأين منها الحلوم )

( خانني السيف إذ طعنت زهيرا % وهو سيف مضلل مشؤوم )

وجمع زهير من قدر عليه من أهل اليمن وغزا بكرا وتغلب وكانوا علموا به فقاتلهم قتالا شديدا انهزمت به بكر وقاتلت تغلب بعدها فانهزمت أيضا وأسر كليب ومهلهل ابنا ربيعة وأخذت الأموال وكثرت القتلى في بني تغلب وأسر جماعة من فرسانهم ووجوههم فقال زهير في ذلك من قصيدة

( أين أين الفرار من حذر الموت % إذ يتقون بالأسلاب )

( إذ أسرنا مهلهلا وأخاه % وابن عمرو في القيد وابن شهاب )

( وسبينا من تغلب كل بيضاء % رقود الضحى برود الرضاب )

( حين يدعو مهلهلا يالبكر % ها أهذي حفيظة الأحساب )

( ويحكم ويحكم أبيح حماكم % يا بني تغلب أنا ابن رضاب )

( وهم هاربون في كل فج % كشريد النعام فوق الروابي )

( واستدارت رحى المنايا عليهم % بليوث من عامر وجناب )

( فهم بين هارب ليس يألو % وقتيل معفر في التراب )

( فضل العز عزنا حين نسمو % مثل فضل السماء فوق السحاب )

وأما حربه مع بني القين بن جسر فكان سببها أن أختا لزهير كانت متزوجة فيهم فجاء رسولها إلى زهير ومعه صرة فيها رمل وصرة فيها شوك قتاد فقال زهير إنها تخبركم أنه يأتيكم عدو كثير ذو شوكة شديدة فاحتملوا فقال الجلاح بن عوف السحمي لا نحتمل لقول امرأة فظعن زهير وأقام الجلاح وصبحه الجيش فقتلوا عامة قوم الجلاح وذهبوا بأموالهم وماله ومضى زهير فاجتمع مع عشيرته من بني جناب وبلغ الجيش خبره فقصدوه فقاتلهم وصبر لهم فهزمهم وقتل رئيسهم فانصرفوا عنه خائبين ولما طال عمر زهير وكبر سنه استخلف ابن أخيه عبد الله بن عليم فقال زهير يوما ألا إن الحي ظاعن فقال عبد الله ألا إن الحي مقيم فقال زهير من هذا المخالف علي

فقالوا ابن أخيك عبد الله بن عليم فقال أعدى الناس للمرء ابن أخيه ثم شرب الخمر صرفا حتى مات وممن شرب الخمر صرفا حتى مات عمرو بن كلثوم التغلبي وأبو عامر ملاعب الأسنة العامري

ذكر يوم البردان ص 394

فكان من حديثه أن زياد بن الهبولة ملك الشام وكان من سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة أغار على حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث الكندي ملك عرب بنجد ونواحي العراق وهو يلقب آكل المرار وكان حجر قد أغار في كندة وربيعة على البحرين فبلغ زيادا خبرهم فسار إلى أهل حجر وربيعة وأموالهم وهم خلوف ورجالهم في غزاتهم المذكورة فأخذ الحريم والأموال وسبى منهم هند بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية وسمع حجر وكندة وربيعة بغارة زياد فعادوا عن غزوهم في طلب ابن الهبولة ومع حجر أشراف ربيعة عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وغيرهما فأدركوا عمرا بالبردان دون عين أباغ وقد أمن الطلب فنزل حجر في سفح جبل ونزلت بكر وتغلب وكندة مع حجر دون الجبل بالصحصحان على ماء يقال له حفير فتعجل عوف بن محلم وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وقالا لحجر إنا متعجلان إلى زياد لعلنا نأخذ منه بعض ما أصاب منا فسار إليه وكان بينه وبين عوف إخاء فدخل عليه وقال له يا خير الفتيان اردد علي امرأتي أمامة فردها عليه وهي حامل فولدت بنتا أراد عوف أن يئدها فاستوهبها منه عمرو بن أبي ربيعة وقال لعلها تلد أناسا فسميت أم أناس فتزوجها الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار فولدت عمرا وبعرف بابن أم أناس

ثم إن عمرو بن أبي ربيعة قال لزياد يا خير الفتيان اردد علي ما أخذت من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو

فقال له زياد يا عمرو لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال له عمرو لقد أعطيت قليلا وسميت جليلا وجررت على نفسك ويلا طويلا ولتجدن منه ولا والله لا تبرح حتى أروي سناني من دمك

ثم ركض فرسه حتى صار إلى حجر فلم يوضح له الخبر فأرسل سدوس بن شيبان بن ذهل وصليع بن عبد غنم يتجسسان له الخبر ويعلمان علم العسكر فخرجا حتى هجما على عسكره ليلا وقد قسم الغنيمة وجيء بالشمع فأطعم الناس تمرا وسمنا فلما أكل الناس نادى من جاء بحزمة حطب فله قدره تمر فجاء سدوس وصليع بحطب وأخذا قدرتين من تمر وجلسا قريبا من قبته ثم انصرف صليع إلى حجر فأخبره بعسكر زياد وأراه التمر وأما سدوس فقال لا أبرح حتى آتيه بأمر جلي وجلس مع القوم يتسمع ما يقولون وهند امرأة حجر خلف زياد فقالت لزياد إن هذا التمر أهدى إلى حجر من هجر والسمن من دومة الجندل ثم تفرق أصحاب زياد عنه فضرب سدوس يده إلى جليس له وقال له من أنت مخافة أن يستنكره الرجل فقال أنا فلان بن فلان ودنا سدوس من قبة زياد بحيث يسمع كلامه ودنا زياد من امرأة حجر فقبلها وداعبها وقال لها ما ظنك الآن بحجر فقالت ما هو ظن ولكنه يقين إنه والله لن يدع طلبك حتى تعاين القصور الحمر يعني قصور الشام وكأني به في فوارس من بني شيبان يذمرهم ويذمرونه وهو شديد الكلب تزبد شفتاه كأنه بعير أكل مرارا فالنجاء فالنجاء فإن وراءك طالبا حثيثا وجمعا كثيفا وكيدا متينا ورأيا صليبا

فرفع يده فلطمها ثم قال لها ما قلت هذا إلا من عجبك به وحبك له

فقالت والله ما أبغضت أحدا بغضي له ولا رأيت رجلا أحزم منه نائما ومستيقظا إن كان لتنام عيناه فبعض أعضائه مستيقظ وكان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عسا من لبن فبينا هو ذات ليلة نائم وأنا قريب منه أنظر إليه إذ أقبل أسود سالخ إلى رأسه فنحى رأسه فمال إلى يديه فقبضها فمال إلى رجله فقبضها فمال إلى العس فشربه ثم مجه فقلت يستيقظ فيشربه فيموت فاستريح منه فانتبه من نومه فقال علي بالإناء فناولته فشمه ثم ألقاه فهريق فقال أين ذهب الأسود فقلت وما رأيته فقال كذبت والله وذلك كله يسمعه سدوس فسار حتى أتى حجرا فلما دخل عليه قال

( أتاك المرجفون بأمر غيب % على دهش وجئتك باليقين )

( فمن يك قد أتاك بأمر لبس % فقد آتى بأمر مستبين )

ثم قص عليه ما سمع فجعل حجر يعبث بالمرار ويأكل منه غضبا وأسفا ولا يشعر أنه يأكله من شدة الغضب فلما فرغ سدوس من حديثه وجد حجر المرار فسمي يومئذ آكل المرار والمرار نبت شديد المرارة لا تأكله دابة إلا قتلها

ثم أمر حجر فنودي في الناس وركب وسار إلى زياد فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم زياد وأهل الشام وقتلوا قتلا ذريعا واسنتقذت بكر وكندة ما كان بأيديهم من الغنائم والسبي وعرف سدوس زيادا فحمل عليه فاعتنقه وصرعه وأخذه أسيرا فلما رآه عمرو بن أبي ربيعة حسده فطعن زيادا فقتله فغضب سدوس وقال قتلت أسيري وديته دية ملك

فتحاكما إلى حجر فحكم على عمرو وقومه لسدوس بدية ملك وأعانهم من ماله وأخذ حجر زوجته هندا فربطها في فرسين ثم ركضهما حتى قطعاها ويقال بل أحرقها وقال فيها

( إن من غره الناس بشيء % بعد هند لجاهل مغرور )

( حلوة العين والحديث ومر % كل شيء أجن منها الضمير )

( كل أنثى وإن بدى لك منها % آية الحب حبها خيتعور )

ثم عاد إلى الحيرة

نقض القصة ص 396

قلت هكذا قال بعض العلماء أن زياد بن هبولة السليحي ملك الشام غزا حجرا وهذا غير صحيح لأن ملوك سليح كانوا بأطراف الشام مما يلي البر من فلسطين إلى قنسرين والبلاد للروم ومنهم أخذت غسان هذه البلاد وكلهم كانوا عمالا لملوك الروم كما كان ملوك الحيرة عمالا لملوك الفرس على البر والعرب ولم يكن سليح ولا غسان مستقلين بملك الشام ولا بشبر واحد على سبيل التفرد والاستقلال وقولهم ملك الشام غير صحيح وزياد بن هبولة السليحي ملك مشارف الشام أقدم من حجر آكل المرار بزمان طويل لأن حجرا هو جد الحارث بن عمرو بن حجر الذي ملك الحيرة والعرب بالعراق أيام قباذ أبي أنوشروان وبين ملك قباذ والهجرة نحو مائة وثلاثين سنة وقد ملكت غسان أطراف الشام بعد سليح ستمائة سنة وقيل خمسمائة سنة وأقل ما سمعت فيه ثلاثمائة سنة وست عشرة سنة وكانوا بعد سليح ولم يكن زياد آخر ملوك سليح فتزيد المدة زيادة أخرى وهذا تفاوت كثيرا فكيف يستقيم أن يكون ابن هبولة الملك أيام حجر حتى يغير عليه

ويحث أطبقت رواة العرب على هذه الغزاة فلا بد من توجيهها وأصلح ما قيل فيه

إن زياد بن هبولة المعاصر لحجر كان رئيسا على قوم أو متغلبا على بعض أطراف الشام حتى يستقيم هذا القول والله أعلم

وقولهم أيضا إن حجر عاد إلى الحيرة لا يستقيم أيضا لأن ملوك الحيرة من ولد عدي بن نصر اللخمي لم ينقطع ملكهم لها إلا أيام قباذ فإنه استعمل الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار كما ذكرناه قبل فلما ولي أنوشروان عزل الحارث وأعاد اللخميين ويشبه أن يكون بعض الكنديين قد ذكر هذا تعصبا والله أعلم إن أبا عبيدة ذكر هذا اليوم ولم يذكر أن ابن هبولة من سليح بل قال هو غالب بن هبولة ملك من ملوك غسان ولم يذكر عوده إلى الحيرة فزال هذا الوهم

الغريب

( وسليح ) بفتح السين المهملة وكسر اللام وآخره حاء مهملة

ذكر مقتل حجر أبي امرئ القيس والحروب الحادثة بمقتله إلى أن مات امرؤ ص 398

نذكر أولا سبب ملكهم العرب بنجد ونسوق الحادثة إلى قتله وما يتصل به فنقول

كان سفهاء بكر قد غلبوا على عقلائها وغلبوهم على الأمر وأكل القوي الضعيف فنظر العقلاء في أمرهم فرأوا أن يملكوا عليهم ملكا يأخذ للضعيف من القوي فنهاهم العرب وعلموا أن هذا لا يستقيم بأن يكون الملك منهم لأنه يطيعه القوم ويخالفه آخرون فساروا إلى بعض تبابعة اليمن وكانوا للعرب بمنزلة الخلفاء للمسلمين وطلبوا منه أن يملك عليهم ملكا فملك عليهم حجر بن عمرو آكل المرار فقدم عليهم ونزل ببطن عاقل وأغار ببكر فانتزع عامة ما كان بأيدي اللخميين من أرض بكر وبقي كذلك إلى أن مات فدفن ببطن عاقل فلما مات صار عمرو بن حجر آكل المرار وهو المقصور ملكا بعد أبيه وإنما قيل له المقصور لأنه قصر على ملك أبيه وكان أخوه معاوية وهو الجون على اليمامة فلما مات عمرو ملك بعده ابنه الحارث وكان شديد الملك بعيد الصوت فلما ملك قباذ بن فيروز الفرس خرج في أيامه مزدك فدعا الناس إلى الزندقة كما ذكرناه فأجابه قباذ إلى ذلك وكان المنذر بن ماء السماء عاملا للأكاسرة على الحيرة ونواحيها فدعاه قباذ إلى الدخول معه فامتنع فدعا الحارث بن عمرو إلى ذلك فأجابه فاستعمله على الحيرة وطرد المنذر عن مملكته وقيل في تمليكه غير ذلك وقد ذكرناه أيام قباذ

فبقوا كذلك إلى أن ملك كسرى أنوشروان بن قباذ بعد أبيه فقتل مزدك وأصحابه وأعاد المنذر بن ماء السماء إلى ولاية الحيرة وطلب الحارث بن عمرو وكان بالأنبار وبها منزله فهرب بأولاده وماله وهجانه وتبعه المنذر بالخيل من تغلب وإياد وبهراء فلحق بأرض كلب فنجا وانتهبوا ماله وهجانه وأخذت تغلب ثمانية وأربعين نفسا من بني آكل المرار فيهم عمرو ومالك ابنا الحارث فقدموا بهم على المنذر فقتلهم في ديار بني مرينا وفيهم يقول عمرو بن كلثوم

( فآبوا بالنهاب وبالسبايا % وابنا بالملوك مصفدينا )

وفيهم يقول امرؤ القيس

( ملوك من بني حجر بن عمرو % يساقون العشية يقتلونا )

( فلو في يوم معركة أصيبوا % ولكن في ديار بني مرينا )

( ولم تغسل جماجمهم بغسل % ولكن في الدماء مرملينا )

( تظل الطير عاكفة عليهم % وتنتزع الحواجب والعيونا )

وأقام الحارث بديار كلب فتزعم كلب أنهم قتلوه وعلماء كندة تزعم أنه خرج يتصيد فتبع تيسا من الظباء فأعجزه فأقسم أن لا يأكل شيئا إلا من كبده فطلبته الخيل فأتى به بعد ثلاثة وقد كاد يهلك جوعا فشوى له بطنه فأكل فلذه من كبده حارة فمات

ولما كان الحارث بالحيرة أتاه أشراف عدة قبائل من نزار فقالوا إنا في طاعتك وقد وقع بيننا من الشر بالقتل ما تعلم ونخاف الفناء فوجه معنا بنيك ينزلون فينا فيكفون بعضنا عن بعض ففرق أولاده في قبائل العرب فملك ابنه حجرا على بني أسد بن خزيمة وغطفان وملك ابنه شرحبيل وهو الذي قتل يوم الكلاب على بكر بن وائل بأسرها وعلى غيرها وملك ابنه معد يكرب وهو غلفاء وإنما قيل له غلفاء لأنه كان يغلف رأسه بالطيب على قيس عيلان وطوائف غيرهم وملك ابنه سلمة على تغلب والنمر بن قاسط وبنى سعد بن زيد مناة من تميم فبقي حجر في بني أسد وله عليهم جائزة وأتاوة كل سنة لما يحتاج إليه فبقي كذلك دهرا ثم بعث إليهم من يجبي ذلك منهم وكانوا بتهامة وطردوا رسله وضربوهم فبلغ ذلك حجرا فسار إليهم بجند من ربيعة وجند من جند أخيه من قيس وكنانة فأتاهم فأخذ سرواتهم وخيارهم وجعل يقتلهم بالعصا وأباح الأموال وسيرهم إلى تهامة وحبس منهم جماعة من أشرافهم منهم عبيد بن الأرض الشاعر فقال شعرا يستعطفه لهم فرق لهم وأرسل من يردهم

فلما صاروا على يوم منه تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة بن عامر الأسدي فقال لهم من الملك الصلهب الغلاب غير المغلب في الابل كأنها الربرب هذا دمه يتثعب وهو غدا أول من يستلب

قالوا ومن هو قال لولا بجيش نفس خاشية لاخبرتكم أنه حجر ضاحية فركبوا كل صعب وذلول حتى بلغوا إلى عسكر حجر فهجموا عليه في قبته فقتلوه وطعنه علباء بن الحارث الكاهلي فقتله وكان حجر قتل أباه فلما قتل قالت بنو أسد يا معشر كنانة وقيس أنتم إخواننا وبنو عمنا والرجل بعيد النسب منا ومنكم وقد رأيتم سيرته وما كان يصنع بكم هو وقومه فانتهبوهم فشدوا على هجانه فانتهبوها ولفوه في ربطة بيضاء وألقوه على الطريق فلما رأته قيس وكنانة أنتهبوا أسلابه وأجار عمرو بن مسعود عياله

وقيل إن حجرا لما رأى اجتماع بني أسد عليه خافهم فاستجار عويمر بن شجنة أحد بني عطارد بن كعب بن زيد مناة بن تميم لبنته هند بنت حجر وعياله وقال لبني أسد إن كان هذا شأنكم فإني مرتحل عنكم ومخليكم وشأنكم فودعوه على ذلك وسار عنهم وأقام في قومه مدة ثم جمع لهم جمعا عظيما وأقبل إليهم مدلا بمن معه فتآمرت بنو أسد وقالوا والله لئن قهركم ليحكمن عليكم حكم الصبي فما خير العيش حينئذ فموتوا كراما

فاجتمعوا وساروا إلى حجر فلقوه فاقتتلوا قتالا شديدا وكان صاحب أمرهم علباء بن الحارث فحمل على حجر فطعنه فقتله وانهزمت كندة ومن معهم وأسر بنو أسد من أهل بيت حجر وغنموا حتى ملأوا أيديهم من الغنائم وأخذوا جواريه ونساءه وما معهم فاقتسموه بينهم

وقيل إن حجرا أخذ أسيرا في المعركة وجعل في قبة فوثب عليه ابن أخت علباء فضربه بحديدة كانت معه لأن حجرا كان قتل أباه فلما جرحه لم يقض عليه فأوصى حجر ودفع كتابه إلى رجل وقال له انطلق إلى ابني نافع وكان أكبر أولاده فإن بكى وجزع فاتركه واستقرهم واحدا واحدا حتى تأتي امرأ القيس وكان أصغرهم فأيهم لم يجزع فادفع إليه خيلي وسلاحي ووصيتي وقد كان بين في وصيته من قتله وكيف كان خبره

فانطلق الرجل بوصيته إلى ابنه نافع فوضع التراب على رأسه ثم أتاهم كلهم ففعلوا مثله حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلعب معه بالنرد فقال قتل حجر فلم يلتفت إلى قوله وأمسك نديمه فقال له امرؤ القيس اضرب فضرب حتى إذا فرغ قال ما كنت لأفسد دستك

ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله فأخبره فقال له الخمر والنساء علي حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأطلق مائة

وكان حجر قد طرد امرأ القيس لقوله الشعر وكان يأنف منه وكانت أم امرئ القيس فاطمة بنت ربيعة بن الحارث أخت كليب بن وائل وكان يسير في أحياء العرب يشرب الخمر على الغدران ويتصيد فأتاه خبر قتل أبيه وهو بدمون من أرض اليمن فلما سمع الخبر قال

( تطاول الليل علينا دمون % دمون إنا معشر يمانون % وإننا لقومنا محبون )

ثم قال ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا لأصحو اليوم ولأسكر غدا اليوم خمر وغدا أمر فذهبت مثلا

ثم ارتحل حتى نزل ببكر وتغلب فسألهم النصر على بني أسد فأجابوه فبعث العيون إلى بني أسد فنذروا به فلجأوا إلى بني كنانة وعيون امرئ القيس معهم فقال لهم علباء بن الحارث اعلموا أن عيون امرئ القيس قد عادوا إليه بخبركم وإنكم عند بني كنانة فارحلوا بليل ولا تعلموا بني كنانة

فارتحلوا وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب وغيرهم حتى انتهى إلى بني كنانة وهو يظنهم بني أسد فوضع السلاح فيهم وقال يا لثارات الملك يا لثارات الهمام فقيل له أبيت اللعنه لسنا لك بثأر نحن بنو كنانة فدونك ثارك فاطلبهم فإن القوم قد ساروا بالأمس فتبع بني أسد ففاتوه ليلتهم فقال في ذلك

( أيا يل لهف هند اثر قوم % هموا كانوا الشفاء فلم يصابوا )

( وقاهم جدهم ببني أبيهم % وبالأشقين ما كان العقاب )

( وأفلتهن علباء جريضا % ولو أدركته صفر الوطاب )

يعني ببني أبيهم كنانة فإن أسدا وكنانة ابني خزيمة هما أخوان وقوله ولو أدركته صفر الوطاب قيل كانوا قتلوه واستاقوا إبله فصفرت وطابه من اللبن أي خلت وقيل كانوا قتلوه فخلا جلده وهو وطابه من دمه بقتله

فسار امرؤ القيس في آثار بني أسد فأدركهم ظهرا وقد تقطعت خيله وهلكوا عطشا وبنو أسد نازلون على الماء فقاتلهم حتى كثرت القتلى بينهم وهربت بنو أسد فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم وقالوا قد أصبت ثارك

فقال لا والله فقالوا بلى ولكنك رجل مشؤوم وكرهوا قتلهم بني كنانة فانصرفوا عنه

ومضى إلى ازد شنوءة يستنصرهم فأبوا أن ينصروه وقالوا إخواننا وجيراننا فسار عنهم ونزل بقيل يدعى مرثد الخير بن ذي جدن الحميري وكان بينهما قرابة فاستنصره على بني أسد فأمده بخمسمائة رجل من حمير ومات مرثد قبل رحيل امرئ القيس وملك بعده رجل من حمير يقال له قرمل فزود امرأ القيس ثم سير معه ذلك الجيش وتبعه شذاذ من العرب واستأجر غيرهم من قبائل اليمن فسار بهم إلى بني أسد وظفر بهم

ثم إن المنذر طلب امرأ القيس ولج في طلبه ووجه الجيوش إليه فلم يكن لامرئ القيس بهم طاقة وتفرق عنه من كان معه من حمير وغيرهم فنجا في جماعة من أهله ونزل بالحارث بن شهاب اليربوعي وهو أبو عتيبة بن الحارث فأرسل إليه المنذر يتوعده بالقتال إن لم يسلمهم إليه فسلمهم ونجا امرؤ القيس ومعه يزيد بن معاوية بن الحارث وابنته هند ابنة امرئ القيس وأدراعه وسلاحه وماله فخرج ونزل على سعد بن الضباب الأيادي سيد قومه فأجاره ومدحه امرؤ القيس ثم تحول عنه ونزل على المعلى بن تيم الطائي فأقام عنده واتخذ إبلا هناك فعدا قوم من جديلة يقال لهم بنو زيد عليها فأخذوها فأعطاه بنو نبهان معزى يحلبها فقال

( إذا لم تكن إبل فمعزي % كأن قرون جلتها العصي )

الأبيات ثم رحل عنهم ونزل بعامر بن جوين فأراد أن يغلب امرأ القيس على ماله وأهله فعلم امرؤ القيس بذلك فانتقل إلى رجل من بني ثعل يقال له حارثة بن مر فاستجاره فأجاره فوقعت بين عامر بن جوين والثعلي حرب وكانت أمور كبيرة فلما رأى امرؤ القيس أن الحرب قد وقعت بين طيئ بسببه خرج من عندهم فقصد السموأل ابن عادياء اليهودي فأكرمه وأنزله فأقام عند امرؤ القيس ما شاء الله ثم طلب منه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ليوصله إلى قيصر ففعل ذلك وسار إلى الحارث وأودعه أهله وأدراعه عند السموأل فلما وصل إلى قيصر أكرمه فبلغ ذلك بني أسد فأرسلوا رجلا منهم يقال له الطماح كان امرؤ القيس قتل أخا له فوصل الأسدي وقد سير قيصر مع امرئ القيس جيشا كثيفا فيهم جماعة من أبناء الملوك فلما سار امرؤ القيس قال الطماح لقيصر إن امرأ القيس غوي عاهر وقد ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها وقال فيها أشعارا أشهرها بها في العرب

فبعث إليه قيصر بحلة وشي منسوجة بالذهب مسمومة وكتب إليه إني أرسلت بحلتي التي كنت ألبسها تكرمة لك فالبسها واكتب إلى بخبرك من منزل منزل فلبسها امرؤ القيس وسر بذلك فاسرع فيه السم وسقط جلده فلذلك سمي ذا القروح فقال امرؤ القيس في ذلك

( لقد طمح الطماح من نحو أرضه % ليلبسني مما يلبس أبؤسا )

( فلو أنها نفس تموت سوية % ولكنها نفس تساقط أنفسا )

فلما وصل إلى موضع من بلاد الروم يقال له ( أنقرة ) احتضر بها فقال رب خطبة مسحنفره وطعنه مثعنجره وجفنه مستحيرة حلت بأرض أنقرة

ورأى قبر امرأة من بنات ملوك الروم وقد دفنت بجنب عسيب وهو جبل فقال

( أجارتنا أن الخطوب تنوب % وإني مقيم ما أقام عسيب )

( أجارتنا إنا غريبان ههنا % وكل غريب للغريب نسيب )

ثم مات فدفن إلى جنب المرأة فقبره هناك

ولما مات امرؤ القيس سار الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموأل بن عادياء وطالبه بأدراع امرئ القيس وكانت مائة درع وبما له عنده فلم يعطه فأخذ الحارث ابنا للسموأل فقال إما أن تسلم الدرع وإما قتلت ابنك فأبى السموأل أن يسلم إليه شيئا فقتل ابنه فقال السموأل في ذلك

( وفيت بادرع الكندي إني % إذا ما ذم أقوام وفيت )

( وأوصى عاديا يوما بأن لا % تهدم يا سموأل ما بنيت )

( بنى لي عاديا حصنا حصينا % وماء كلما شئت استقيت )

وقد ذكر الأعشى هذه الحادثة فقال

( كن كالسموأل إذ طاف الهمام به % في جحفل كسواد الليل جرار )

( إذ سامه خطتي خسف فقال له % قل ما تشاء فإني سامع حار )

( فقال غدر وثكل أنت بينهما % فاختر فما فيهما حظ لمختار )

( فشك غير طويل ثم قال له % اقتل أسيرك إني مانع جاري )

وهي أكثر من هذا

يوم خزاز ص 406

وكان من حديثه أن ملكا من ملوك اليمن كان في يديه أسارى من مضر وربيعة وقضاعة فوفد عليه وفد من وجوه بني معد منهم سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة وعوف بن محلم بن ذهل بن شيبان وعوف بن عمرو بن جشم بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضحيان وجشم بن ذهل بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضحيان فلقيهم رجل من بهراء يقال له عبيد بن قراد وكان في الأسارى وكان شاعرا فسألهم أن يدخلوه في عدة من يسألون فيه فكلموا الملك فيه وفي الأسارى فوهبهم لهم فقال عبيد بن قراد البهراوي

( نفسي الفداء الفعال % وعوف ولابن هلال جشم )

( تداركني بعد ما قد هويت % مستمسكا بعراقي الوذم )

( ولولا سدوس وقد شمرت % بي الحرب زلت بنعلي القدم )

( وناديت بهراء كي يسمعوا % وليس بآذانهم من صمم )

( ومن قبلها عصمت قاسط % معدا إذا ما عزيز أزم )

فاحتبس الملك عنده بعض الوفد رهينة وقال للباقين ائتوني برؤساء قومكم لآخذ عليهم المواثيق بالطاعة لي وإلا قتلت أصحابكم

فرجعوا إلى قومهم فأخبروهم الخبر فبعث كليب وائل إلى ربيعة فجمعهم واجتمعت معد عليه وهو أحد النفر الذين اجتمعت عليهم معد على ما نذكره في مقتل كليب فلما اجتمعوا عليه سار بهم وجعل على مقدمته السفاح التغلبي وهو سلمة بن خالد بن كعب بن زهير بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن تغلب وأمرهم أن يوقدوا على خزاز نارا ليهتدوا بها وخزاز جبل بطخفة ما بين البصرة إلى مكة وهو قريب من سالع وهو جبل أيضا وقال له إن غشيك العدو فأوقد نارين فبلغ مذحجا اجتماع ربيعة ومسيرها فأقلوا بجموعم واستنفروا من يليهم من قبائل اليمن وساروا إليهم فلما سمع أهل تهامة بمسير مذحج انضموا إلى ربيعة

ووصل مذحج إلى خزاز ليلا فرفع السفاح نارين فلما رأى كليب النارين أقبل إليهم بجموع فصبحهم فالتقوا بخزاز فاقتتلوا قتالا شديدا أكثروا فيه القتل فانهزمت مذحج وانفضت جموعها فقال السفاح في ذلك

( وليلة بت أوقد في خزاز % هديت كتائبا متحيرات )

( ضللن من السهاد وكن لولا % سهاد القوم أحسب هاديات )

وقال الفرزدق يخاطب جريرا ويهجوه

( لولا فوارس تغلب ابنة وائل % دخل العدو عليك كل مكان )

( ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوا % نارين أشرفتا على النيران )

وقيل إنه لم يعلم أحد من كان الرئيس يوم خزاز لأن عمرو بن كلثوم وهو ابن ابنة كليب يقول

( ونحن غداة أوقد في خزاز % رفدنا فوق رفد الرافدينا )

فلو كان جده الرئيس لذكره ولم يفتخر بأنه رفد ثم جعل من شهد خزازا متساندين فقال

( فكنا الأيمنين إذا التقينا % وكان الأيسرين بنو أبينا )

( فصالوا صولة فيمن يليهم % وصلنا صولة فيمن يلينا )

فقالوا له استأثرت على إخوتك يعني مضر ولما ذكر جده في القصيدة قال

( ومنا قبله الساعي كليب فأي المجد الا قد ولينا )

فلم يدع به الرياسة يوم خزاز وهي أشرف ما كان يفتخر له به

الغريب

( حبيب ) بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان وآخره باء أخرى موحدة

أيام البسوس ذكر مقتل كليب والأيام بين بكر وتغلب ص 409

وكان من حديث الحرب التي وقعت بين بكر وتغلب ابني وائل بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بسبب قتل كليب واسمه وائل بن ربيعة بن الحرث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب وإنما لقب كليبا لأنه كان إذا سار أخذ معه جرو كلب فإذا مر بروضة أو موضع يعجبه ضربه ثم ألقاه في ذلك المكان وهو يصيح ويعوي فلا يسمع عواءه أحد إلا تجنبه ولم يقربه وكان يقال له كليب وائل ثم اختصروا فقالوا كليب فغلب عليه

وكان لواء ربيعة بن نزار للأكبر فالأكبر من ولده فكان اللواء في عنزة بن بن أسد بن ربيعة وكانت سنتهم أنهم يوفرون لحاهم ويقصون شواربهم فلا يفعل ذلك من ربيعة إلا من يخالفهم ويريد حربهم

ثم تحول اللواء في عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار وكانت سنتهم إذا شتموا لطموا من شتمهم وإذا لطموا قتلوا من لطمهم ثم تحول اللواء في النمر بن قاسط بن هنب وكان لهم غير سنة من تقدمهم ثم تحول اللواء إلى بكر بن وائل فساؤوا غيرهم في فرخ طائر كانوا يوثقون الفرخ بقارعة الطريقة فإذا علم بمكانه لم يسلك أحد ذلك الطريق ويسلك من يريد الذهاب والمجيء عن يمينه ويساره ثم تحول اللواء إلى تغلب فوليه وائل بن ربيعة وكانت سنته ما ذكرناه من جرو الكلب ولم تجتمع معد إلا على ثلاثة نفر وهم عامر بن الظرب بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحرث وهو عدوان بن عمرو بن قيس عيلان وهو الناس بن مضر بالنون وهو أخو الياس بن مضر وكان قائد معد حين تمذحجت مذحج وسارت إلى تهامة وهي أول وقعة كانت بين تهامة واليمن

والثاني ربيعة بن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن كلب وكان قائد معد يوم السلان بين أهل اليمامة واليمن

والثالث وائل بن ربيعة وكان قائد معد يوم خزاز ففض جموع اليمن وهزمهم وجعلت له معد قسم الملك وتاجه وطاعته وبقي زمانا من الدهر ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه وكان يقول وحش أرض كذا في جواري فلا يصاد ولا يورد أحد مع إبله ولا يوقد نارا مع ناره ولا يمر أحد بين بيوته ولا يحتبى في مجلسه

وكانت بنو جشم وبنو شيبان اخلاطا في دار واحدة إرادة الجماعة ومخافة الفرقة وتزوج كليب جليلة بنت مرة بن شيبان بن ثعلبة وهي أخت جساس بن مرة وحمى كليب أرضا من العالية في أول الربيع وكان لا يقربها إلا محارب ثم إن رجلا يقال له سعد بن شميس بن طوق الجرمي نزل بالبسوس بنت منقذ التميمية خالة جساس بن مرة وكان للجرمي ناقة اسمها سراب ترعى مع نوق جساس وهي التي ضربت العرب بها المثل فقالت أشأم من سراب وأشأم من البسوس فخرج كليب يوما يتعهد الإبل ومراعيها فأتاها وتردد فيها وكانت إبله وإبل جساس مختلطة فنظر كليب إلى سراب فأنكرها فقال له جساس وهو معه هذه ناقة جارنا الجرمي فقال لا تعد هذه الناقة إلى هذا الحمى فقال جساس لا ترعى إبلي مرعى إلا وهذه معها

فقال كليب لئن عادت لأضعن سهمي في ضرعها فقال الجساس لئن وضعت سهمك في ضرعها لأضعن سنان رمحي في لبتك

ثم تفرقا وقال كليب لامرأته أترين أن في العرب رجلا مانعا مني جاره قالت لا أعلمه إلا جساسا فحدثها الحديث وكان بعد ذلك إذا أراد الخروج إلى الحمى منعته وناشدته الله أن لا يقطع رحمه وكانت تنهى أخاها جساسا أن يسرح إبله

ثم إن كليبا خرج إلى الحمى وجعل يتصفح الإبل فرأى ناقة الجرمي فرمى ضرعها فأنفذه فولت ولها عجيج حتى بكرت بفناء صاحبها فلما رأى ما بها صرخ بالذل وسمعت البسوس صراخ جارها فخرجت إليه فلما رأت ما بناقته وضعت يدها على رأسها ثم صاحت واذلاه وجساس يراها ويسمع فخرج إليها فقال لها اسكتي ولا تراعي وسكن الجرمي وقال لهما إني سأقتل جملا أعظم من هذه الناقة سأقتل غلالا وكان غلال فحل إبل كليب لم ير في زمانه مثله وإنما أراد جساس بمقالته كليبا وكان لكليب عين يسمع ما يقولون فأعاد الكلام على كليب فقال لقد اقتصر من يمينه على غلال ولم يزل جساس يطلب غرة كليب فخرج كليب يوما آمنا فلما بعد عن البيوت ركب جساس فرسه وأخذ رمحه وأدرك كليبا فوقف كليب فقال له جساس يا كليب الرمح وراءك

فقال إن كنت صادقا فأقبل إلي من أمامي ولم يلتفت إليه فطعنه فأرداه عن فرسه فقال يا جساس أغثني بشربة من ماء فلم يأتيه بشيء وقضى كليب نحبه

فأمر جساس رجلا كان معه اسمه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان فجعل عليه أحجارا لئلا تأكله السباع وفي ذلك يقول مهلهل بن ربيعة أخو كليب

( قتيل ما قتيل المرء عمرو % وجساس بن مرة ذي صريم )

( أصاب فؤاده بأصم لدن % فلم يعطف هناك على حميم )

( فإن غدا وبعد غد لرهن % لأمر ما يقام له عظيم )

( جسيما ما بكيت به كليبا % إذا ذكر الفعال من الجسيم )

( سأشرب كأسها صرفا وأسقى % بكأس غير منطقة مليم )

ولما قتل جساس كليبا انصرف على فرسه يركضه وقد بدت ركبتاه فلما نظر أبوه مرة إلى ذلك قال لقد أتاكم جساس بداهية ما رأيته قط بادي الركبتين إلى اليوم

فلما وقف على أبيه قال مالك يا جساس قال طعنت طعنة يجتمع بنو وائل غدا لها رقصا قال ومن طعنت لأمك الثكل قال قتلت كليبا قال أفعلت قال نعم قال بئس والله ما جئت به قومك فقال جساس

( تأهب عنك أهبة ذي امتناع % فإن الأمر جل عن التلاحي )

( فإني قد جنيت عليك حربا % تغص الشيخ بالماء القراح )

فلما سمع أبوه قوله خاف خذلان قومه لما كان من لائمته إياه فقال يجيبه

( فإن تك قد جنيت علي حربا % تغص الشيخ بالماء القراح )

( جمعت بها يديك على كليب % فلا وكل ولا رث السلاح )

( سألبس ثوبها واذوذ عني % بها عار المذلة والفضاح )

ثم إن مرة دعا قومه إلى نصرته فأجابوه وجلوا الأسنة وشحذوا السيوف وقوموا الرماح وتهيأوا للرحلة إلى جماعة قومهم

وكان همام بن مرة أخو جساس ومهلهل أخو كليب في ذلك الوقت يشربان فبعث جساس إلى همام جارية لهم تخبره الخبر فانتهت إليهما وأشارت إلى همام فقام إليه فأخبرته فقال له المهلهل ما قالت لك الجارية وكان بينهما عهد أن لايكتم أحدهما صاحبه شيئا فذكر له ما قالت الجارية وأحب أن يعلمه ذلك في مداعبة وهزل فقال له المهلهل أست أخيك أضيق من ذلك فأقبلا على شربهما

فقال له المهلهل اشرب فاليوم خمر وغدا أمر فشرب همام وهو حذر خائف

فلما سكر مهلهل عاد همام أهله فساروا من ساعتهم إلى جماعة قومهم وظهر أمر كليب فذهبوا إليه فدفنوه فلما دفن شقت الجيوب وخمشت الوجوه وخرجت الأبكار وذات الخدور العواتق إليه وقمن للمأتم فقال النساء لأخت كليب أخرجي جليلة أخت جساس عنافان قيامها فيه شماته وعار علينا وكانت امرأة كليب كما ذكرنا

فقالت لها أخت كليب اخرجي عن مأتمنا فأت أخت قاتلنا وشقيقة واترنا فخرجت تجر عطافها فلقيها أبوها مرة فقال لها ما وراءك يا جليلة فقالت ثكل العدد وحزن الأبد وفقد الخليل وقتل أخ عن قليل وبين هذين غرس الأحقاد وتفتت الأكباد فقال لها أويكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات فقالت أمنية مخدوع ورب الكعبة ألبدن تدع لك تغلب دم ربها

ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب رحلة المعتدي وفراق الشامت ويل غدا لآل مرة من الكرة بعد الكرة

فبلغ قولها جليلة فقالت وكيف تشمت الحرة بهتك سترها وترقب وترها أسعد الله أختى ألا قالت نفرة الحياء وخوف الأعداء ثم أنشأت تقول

( يا ابنة الأقوام إن شئت فلا % تعجلي باللوم حتى تسالي )

( فإذا ما أنت تبينت الذي % يوجب اللوم فلومي واعذلي )

( إن تكن أخت امرئ ليمت على % شفق منها عليه فافعلي )

( جل عندي فعل جساس فيا % حسرتا فيما انجلت أو تنجلي )

( فعل جساس على وجدي به % قاطع ظهري ومدن أجلي )

( لو بعين فقئت عين سوى % أختها فانفتأت لم أحفل )

( تحمل العين قذى العين كما % تحمل الأم أذى ما تفتلي )

( يا قتيلا قوض الدهر به % سقف بيتي جميعا من عل )

( هدم البيت الذي استحدثته % وانثنى في هدم بيتي الأول )

( ورماني قتله من كثب % رمية المصمى به المستأصل )

( يا نسائي دونكن اليوم قد % خصني الدهر برزء معضل )

( خصني قتل كليب بلظى % من ورائي ولظى مستقبل )

( ليس من يبكي ليوميه كمن % إنما يبكي ليوم مقبل )

( يشتفي المدرك بالثأر وفي % دركي ثأري ثكل المثكل )

( ليته كان دما فاحتلبوا % دررا منه دمي من أكحل )

( إنني قابلة مقتولة % ولعل الله أن يرتاح لي )

و أما مهلهل واسمه عدي و قيل امرؤ القيس و هو خال امرئ القيس بن حجر الكندي و إنما لقب مهلهلا لأنه أول من هلهل الشعر وقصدت القصائد و أول من كذب في شعره فإنه لما صحا لم يرعه إلا النساء يصرخن ألا إن كليبا قتل فقال وهو أول شعر قيل في هذه الحادثة

( كنا نغار على العواتق أن ترى % بالأمس خارجة عن الأوطان )

( فخرجن حين توى كليب حسرا % مستيقنات بعده بهوان )

( فترى الكواعب كالظباء عواطلا % إذ حان مصرعه من الأكفان )

( يخمشن من أدم الوجوه حواسرا % من بعده ويعدن بالأزمان )

( متسلبات نكدهن وقد ورى % أجوافهن بحرقة ورواني )

( ويقلن من للمستضيف إذا دعا % أم من لخضب عوالي المران )

( أم لا تساربا لجزور إذا غدا % ريح يقطع معقد الأشطان )

( أم من لا سباق الديات وجمعها % ولفادحات نوائب الحدثان )

( كان الذخيرة للزمان فقد أتى % فقدانه وأخل ركن مكاني )

( يا لهف نفسي من زمان فاجع % ألقى علي بكلكل وجران )

( بمصيبة لا تستقال جليلة % غلبت عزاء القوم والنسوان )

( هدت حصونا كن قبلا ملاوذا % لذوي الكهول معا وللشبان )

( أضحت وأضحى سورها من بعده % متهدم الأركان والبنيان )

( فابكين سيد قومه واندبنه % شدت عليه قباطي الأكفان )

( وابكين للأيتام لما أقحطوا % وابكين عند تخاذل الجيران )

( وابكين مصرع جيده متزملا % بدمائه فلذاك ما أبكاني )

( فلأتركن به قبائل تغلب % قتلى بكل قرارة ومكان )

( قتلى تعاورها النسور أكفها % ينهشنها وحواجل الغربان )

ثم انطلق إلى المكان الذي قتل فيه كليب فرأى دمه و أتى قبره فوقف عليه ثم قال :

( إن تحت التراب حزما وعزما % وخصيما ألد ذامعلاق )

( حية في الوجار أربد لاينفع % منه السليم نفث الراقي )

ثم جز شعره وقصر ثوبه وهجر النساء وترك الغزل وحرم القمار و الشراب وجمع إليه قومه و أرسل رجالا منهم إلى بني شيبان

فأتوا مرة بن ذهل بن شيبان وهو في نادي قومه فقالوا له إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناقة وقطعتم الرحم و انتهكتم الحرمة و إنا نعرض عليك خلالا أربعا لكم فيها مخرج ولنا فيها مقنع

إما أن تحيي لنا كليبا أو تدفع إلينا قاتله جساسا فنقتله به أو هماما فإنه كفء له أو تمكننا من نفسك فإن فيك وفاء لدمه

فقال لهم أما إحيائي كليبا فلست قادرا عليه و أما دفعي جساسا إليكم فإنه غلام طعن طعنة على عجل وركب فرسه فلا أدري أي بلاد قصد و أما همام فإنه أبو عشرة و أخو عشرة وعم عشرة كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه بجريرة غيره و أما أنا فما هو إلا أن تجول الخيل جولة فأكون أول قتيل فما أتعجل الموت ولكن لكم عندي خصلتان أما إحداهما فهؤلاء أبنائي الباقون فخذوا أيهم شئتم فاقتلوه بصاحبكم و أما الأخرى فإني أدفع أليكم ألف ناقة سود الحدق حمر الوبر

فغضب القوم وقالوا قد أسأت ببذل هؤلاء وتسومنا اللبن من دم كليب

ونشبت الحرب بينهم ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها و اعتزلت قبائل بكر الحرب وكرهوا مساعة بني شيبان على القتال و أعظموا قتل كليب فتحولت لجيم ويشكر وكف الحارث بن عباد عن نصرهم ومعه أهل بيته وقال مهلهل عدة قصائد يرثي كليبا منها

( كليب لا خير في الدنيا ومن فيها % إذ أنت خليتها فيمن يخليها )

( كليب أي فتى عز ومكرمة % تحت السقائف إذ يعلوك سافيها )

( نعى النعاة كليبا لي فقلت لهم % مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها )

( الحزم و العزم كانا من صنيعته % ما كل آلائه يا قوم أحصيها )

( القائد الخيل تردى في أعنتها % رهوا إذا الخيل لجت في تعاديها )

( من خيل تغلب ما تلقى أسنتها % إلا وقد خضبوها من أعاديها )

( يهزهزون من الخطي مدمجة % صما أنابيبها زرقا عواليها )

( ليت السماء على من تحتها وقعت % و انشقت الأرض فانجابت بمن فيها )

( لا أصلح الله منا من يصالحكم % ما لاحت الشمس في أعلى مجاريها )

يوم عنيزة ص 416

فالتقوا أول قتال كان بينهم في قول يوم عنيزة وهي عند فلج وكانا على السواء فقال مهلهل :

( كأنا غدوة وبني أبينا % بجنب عنيزة رحيا مدير )

( ولولا الريح أسمع أهل حجر % صليل البيض تقرع بالذكور )

فتفرقوا ثم بقوا زمانا

ثم إنهم التقوا بماء يقال له النهي كانت بنو شيبان نازلة عليه ويروى إنها أول وقعة كانت بينهم و كان رئيس تغلب مهلهل ورئيس شيبان الحارث بن مرة وكانت الدائرة لبني تغلب وكانت الشوكة في بني شيبان واستحر القتال فيهم إلا إنه لم يقتل ذلك اليوم أحد من بني مرة

يوم الذنائب ص 417

ثم التقوا بالذنائب وهي أعظم وقعة كانت لهم فظفرت بنو تغلب وقتلت بكرا مقتلة عظيمة وقال فيها شراحيل بن مرة بن همام بن ذهل بن شيبان وهو جد الحوفزان وجد معن بن زائدة وقتل الحارث بن مرة بن ذهل بن شيبان وقتل من بني ذهل بن ثعلبة عمرو بن سدوس بن شيبان بن ذهل وغيرهم من رؤساء بكر

يوم واردات ص 417

ثم التقوا يوم واردات فاقتتلوا قتالا شديدا فظفرت تغلب أيضا وكثر القتل في بكر فقتل همام بن مرة بن شيبان اخو جساس لأبيه و أمه فمر مهلهل فلما رآه قتيلا قال و الله ماقتل بعدكليب أعز علي منك و تالله لاتجتمع بكر بعدكما على خير أبدا

وقيل أنما قتل يوم القصيبات وقيل يوم قضة قتله ناشرة وكان همام قد التقطه ورباه وسماه ناشرة وكان عنده فلما شب علم أنه تغلبي فلما كان هذا اليوم جعل همام يقاتل فإذا عطش جاء إلى قرية له يشرب منها فتغفله ناشرة فقتله ولحق بقومه تغلب وكاد جساس يؤخذ فسلم فقال مهلهل

( لو أن خيلي أدركتك وجدتهم % مثل الليوث بسترغب عرين ) ويقول فيها

( ولأوردن الخيل بطن أراكة % و لأقضين بفعل ذاك ديوني )

( ولأقتلن جحاجحا من بكركم % و لأبكين بها جفون عيون )

( حتى تظل الحاملات مخافة % من وقعنا يقذفن كل جنين )

وقيل في ترتيب الأيام غير ماذكرنا وسنذكره إن شاء الله تعالى

وكان أبو نويرة التغلبي وغيره طلائع قومه وكان جساس وغيره طلائع قومهم

والتقى بعض الليالي جساس و أبو نويرة فقال له أبو نويرة اختر إما الصراع أو الطعان أو المسايفة فاختار جساس الصراع فاصطرعا و أبطأ كل واحد منهما على أصحاب حيه وطلبهما فأصابوهما وهما يصطرعان وقد كاد جساس يصرعه ففرقوا بينهما وجعلت تغلب تطلب جساسا أشد الطلب فقال له أبوه مرة الحق بأخوالك بالشام فامتنع فألح عليه أبوه فسيره سرا في خمسة نفر وبلغ الخبر إلى مهلهل فندب أبا نويرة ومعه ثلاثون رجلا من شجعان أصحابه فساروا مجدين فأدركوا جساسا فقاتلهم فقتل أبو نويرة و أصحابه ولم يبق منهم غير رجلين وجرح جساس جرحا شديدا مات منه وقتل أصحابه فلم يسلم غير رجلين أيضا فعادت كل واحد من السالمين إلى أصحابه فلما سمع مرة قتل ابنه جساس قال إنما يحزنني إن كان لم يقتل منهم أحدا

فقيل له إنه قتل بيده أبا نويرة رئيس القوم وقتل معه خمسة عشر رجلا ما شركه منا أحد في قتلهم وقتلنا نحن الباقين

فقال : ذلك مما يسكن قلبي عن جساس

وقيل إن جساسا آخر من قتل في حرب بكر وتغلب وكان سبب قتله أن أخته جليلة كانت تحت كليب وائل فلما قتل كليب عادت إلى أبيها وهي حامل وقعت الحرب وكان من الفريقين ما كان ثم عادوا إلى الموادعة بعد ما كادت الفئتان تتفانى فولدت أخت جساس غلاما فسمته هجرسا ورباه جساس وكان لا يعرف أبا غيره فزوجه ابنته فوقع بين هجرس وبين رجل من بكر كلام فقال له البكري ما أنت بمنته حتى نلحقك بأبيك

فأمسك عنه ودخل إلى أمه كئيبا حزينا فأخبرها الخبر فلما نام إلى جنب امرأته رأت من همه وفكره ما أنكرته فقصت على أبيها جساس قصته فقال تأثر ورب الكعبة وبات على مثل الرضف حتى أصبح فاحضر الهجرس فقال له إنما أنت ولدي و أنت مني بالمكان الذي تعلم وزوجتك ابنتي وقد كانت الحرب في ابيك زمانا طويلا وقد اصطلحنا وتحاجزنا وقد رأيت أن تدخل فيما دخل فيه الناس من الصلح و أن تنطلق معي حتى نأخذ عليك مثل ما أخذ علينا

فقال الهجرس أنا فاعل فحمله جساس على فرس فركبه ولبس لأمته وقال مثلي لا يأتي أهله بغير سلاحه

فخرجا حتى أتيا جماعة من قومهما فقص عليهم جساس القصة وأعلمهم أن الهجرس يدخل في الذي فية جماعتهم وقد حضر ليعقد ماعقدتم فلما قربوا الدم وقاموا إلى العقد أخذ الهجرس بواسط رمحه ثم قال وفرسي وأذنيه ورمحي ونصلية وسيفي وغرارية لايترك الرجل قاتل أبيه وهوينظر إلية ثم طعن جساسا فقتلة ولحق بقومة وكان آخر قتيل في بكر والأول أكثر

ونرجع إلى سياقة الحديث

فلما قتل جساس أرسل أبوه مرة إلى مهلهل إنك قد أدركت ثارك وقتلت جساسا فاكفف عن الحرب ودع اللجاج والإسراف وأصلح ذات البين فهو أصلح لحيين وأنكأ لعدوهم فلم يجب إلى ذلك

وكان الحارث بن عباد قد اعتزل الحرب فلم يشهدها فلما قتل جساس وهمام ابنا مرة حمل ابنه بجيرا وهو ابن عمرو بن عباد أخي الحرث بن عباد فلما حمله على الناقة كتب معه إلى مهلهل إنك قد أسرفت في القتل وأدركت ثارك سوى ما قتلت من بكر وقد أرسلت ابني إليك فإما قتلته بأخيك واصلحت بين الحيين وإما أطلقته وأصلحت ذات البين فقد مضى من الحيين في هذه الحروب من كان بقاؤه خيرا لنا ولكم

فلما وقف على كتابه أخذ بعيرا فقتله وقال بؤ بشسع نعل كليب

فلما سمع أبوه بقتله ظن أنه قد قتله بأخيه ليصلح بين الحيين فقال نعم القتيل قتيلا أصلح من بني وائل

فقيل إنه قال بؤ بشسع نعل كليب فغضب عند ذلك الحارث بن عباد وقال

( قربا مربط النعامة مني % لقحت حرب وائل عن حيال )

( قربا مربط النعامة مني % شاب رأسي وأنكرتني رجالي )

( لم أكن من جناتها علم الله % وإني بحرها اليوم صالي )

فأتوه بفرسه النعامة ولم يكن في زمانها مثلها فركبها وولى أمر بكر وشهد حربهم وكان أول يوم شهده يوم قضة وهو يوم تحلاق اللمم وإنما قيل له تحلاق اللمم لأن بكرا حلقوا رؤوسهم ليعرف بعضهم بعضا إلا جحدر بن ضبيعة بن قيس أبو المسامعة فقال لهم أنا قصير فلا تشينوني وأنا أشتري لمتي منكم بأول فارس يطلع عليكم فلطع ابن عناق فشد عليه وكان يرتجز ذلك اليوم ويقول

( ردوا علي الخيل أن ألمت % ان لم أقاتلهم فجزوا لمتي )

وقاتل يومئذ الحارث بن عباد قتالا شديدا فقتل في تغلب مقتله عظيمة وفيه يقول طرفة

( سائلوا عنا الذي يعرفنا % بقوانا يوم تحلاق اللمم )

( يوم تبدي البيض عن أسواقها % وتلف الخيل أفواج النعم )

وفي هذا اليوم أسر الحارث بن عباد مهلهلا واسمه عدي وهو لا يعرفه فقال له دلني على عدي وأنا أخلي عنك

فقال المهلهل عليك عهد الله بذلك إن دللتك عليه

قال نعم قال فأنا عدي فجز ناصيته وتركه وقال في ذلك

( لهف نفسي على عدي ولم أعرف % عديا إذ أمكنتني اليدان )

وكانت الأيام التي اشتدت فيها الحرب بين الطائفتين خمسة أيام يوم عنيزة تكافؤا فيه وتناصفوا ثم اليوم الثاني يوم واردات كان لتغلب على بكر ثم اليوم الثالث الحنو كان لبكر على تغلب ثم اليوم الرابع يوم القصيبات أصيب بكر حتى ظنوا أنهم لن يستقيلوا ثم اليوم الخامس يوم قضة وهو يوم التحالق وشهده الحارث بن عباد

ثم كان بعد ذلك أيام دون هذه منها يوم النقية ويوم الفصيل لبكر على تغلب ثم لم يكن بينهما مزاحفة إنما كان مغاورات ودامت الحرب بينهما أربعين سنة

ثم إن مهلهلا قال لقومه قد رأيت أن تبقوا على قومكم فإنهم يحبون صلاحكم وقد أتت على حربكم أربعون سنة وما لمتكم على ما كان من طلبكم بوتركم فلو مرت هذه السنون في رفاهية عيش لكانت تمل من طولها فكيف وقد فنى الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد ونائحة لا تزال تصرخ في النواحي ودموع لا ترقأ وأجساد لا تدفن وسيوف مشهورة ورماح مشرعة وإن القوم سيرجعون إليكم غدا بمودتهم ومواصلتهم وتتعطف الأرحام حتى تتواسوا في قتال القتل فكان كما قال

ثم قال مهلهل أما أنا فما تطيب نفسي أن أقيم فيكم ولا أستطيع أن أنظر إلى قاتل كليب وأخاف أن أحملكم على الاستئصال وأنا سائر إلى اليمن وفارقهم وسار إلى اليمن ونزل في جنب وهي حي من مذحج فخطبوا إليه ابنته فمنعهم فأجبروه على تزويجها وساقوا إليه صداقها جلودا من أدم فقال في ذلك

( أعزز على تغلب بما لقيت % أخت بني الأكرمين من جشم )

( انكحها فقدها الأراقم في % جنب وكان الحباء من أدم )

( لو بأبا نين جاء يخطبها % ضرج ما انف خاطب بدم )

الأراقم بطن من جشم بن تغلب يعني حيث فقدت الأراقم وهم عشيرتها تزوجها رجل من جنب بأدم

ثم إن مهلهلا عاد إلى ديار قومه فأخذه عمرو بن مالك بن ضبيعة البكري أسيرا بنواحي هجر فأحسن إساره فمر عليه تاجر يبيع الخمر قدم بها من هجر وكان صديقا لمهلهل فأهدى إليه وهو أسير زقا من خمر فاجتمع إليه بنو مالك فنحروا عنده بكرا وشربوا عند مهلهل في بيته الذي أفرد له عمرو فلما أخذ فيهم الشراب تغني مهلهل بما كان يقوله من الشعر ينوح على أخيه كليب فسمع منه عمرو ذلك فقال إنه يريد لريان والله لا يشرب عندي ماء حتى يرد زبيب وهو فحل كان له لا يراد إلا خمسا في حمارة القيظ فطلب بنو مالك زبيبا وهم حراص على أن لا يهلك مهلهل فلم يقدروا عليه حتى مات مهلهل عطشا

وقيل إن ابنة خال المهلهل وهي ابنة المجلل التغلبي كانت امرأة عمرو وأرادت أن تأتي مهلهلا وهو أسير فقال يذكرها

( طفلة ما ابنة المجلل بيضاء % لعوب لذيذة في العناق )

( فاذهبي ما إليك غير بعيد % لا يؤاتي العناق من في الوثاق )

( ضربت على صدرها إلي وقالت % يا عدي لقد وقتك الأواقي )

وهي أبيات ذوات عدد فنقل شعره إلى عمرو بن مالك فحلف عمرو أن لا يسقيه الماء حتى يرد زبيب فسأله الناس أن يورد زبيبا قبل وروده ففعل وأورده وسقاه حتى يتحلل من يمينه ثم إنه سقى مهلهلا من ماء هناك هو أوخم المياه فمات مهلهل

الغريب

( عباد ) بضم العين وفتح الباء الموحدة وتخفيفها

ذكر الحرب بين الحارث الأعرج وبني تغلب ص 423

قال أبو عبيدة إن بكرا وتغلب ابني وائل اجتمعت للمنذر بن ماء السماء وذلك بعد حربهم وكان الذي أصلح بينهم قيس بن شراحيل بن مرة بن همام فغزا بهم المنذر بني آكل المرار وجعل على بني بكر وتغلب ابنه عمرو بن هند وقال اغز أخوالك فغزاهم فاقتتلوا فانهزم بنو آكل المرار وأسروا وجاؤوا بهم إلى المنذر فقتلهم ثم انتفضت تغلب على المنذر ولحقت بالشام ونحن نذكر سبب ذلك في أخبار شيبان إن شاء الله

وعادت الحرب بينهم وبين بكر فخرج ملك غسان بالشام وهو الحارث بن أبي شمر الغساني فمر بأفاريق من تغلب فلم يستقبلوه وركب عمرو بن كلثوم التغلبي فلقيه فقال له ما منع قومك ان يلتقوني

فقال لم يعلموا بمرورك فقال لئن رجعت لأغزونهم غزوة تتركهم ايقاظا لقدومي فقال عمرو ما استيقظ قط إلا نبل رأيهم وعزت جماعتهم فلا توقظن نائمهم فقال كأنك تتوعدني بهم أما والله لتعلمن إذا نالت غطاريف غسان الخيل في دياركم أن أيقاظ قومك سينامون نومة لا حلم فيها تجتث أصولهم وتنفي فلهم إلى اليابس الجدد والنازح الثمد

ثم رجع عمرو بن كلثوم عنه وجمع قومه وقال

( ألا فاعلم أبيت اللعن أنا % أبيت اللعن نأبى ما تريد )

( تعلم أن محملنا ثقيل % وأن دبار كبتنا شديد )

( وإنا ليس حي من معد % يقاومنا إذا لبس الحديد )

فلما عاد الحارث الأعرج غزا بني تغلب فاقتتلوا واشتد القتال بينهم ثم انهزم الحارث وبنو غسان وقتل أخو الحارث عدد كثير فقال عمرو بن كلثوم

( هلا عطفت على أخيك إذا دعا % بالثكل ويل أبيك يا بن أبي شمر )

( فذق الذي جشمت نفسك واعترف % فيها أخاك وعامر بن أبي حجر )

يوم عين أباغ ص 425

وهو بين المنذر بن ماء السماء وبين الحارث بن الأعرج أبي شمر جبلة وقيل أبو شمر عمرو بن جبلة بن الحرث بن حجر بن النعمان بن الحرث الايهم بن الحرث بن مارية الغساني وقيل في نسبه غير هذا وقيل هو أزدي تغلب على غسان والأول أكثر وأصح وهو الذي طلب أدراع امرئ القيس من السمو أل بن عادياء وقتل ابنه وقيل غيره والله أعلم

وسبب ذلك أن المنذر بن ماء السماء ملك العرب سار من الحيرة في معد كلها حتى نزل بعين أباغ بذات الخيار وأرسل إلى الحارث الأعرج بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر الغساني ملك العرب بالشام إما أن تعطيني الفدية فأنصرف عنك بجنودي وإما أن تأذن بحرب

فأرسل إليه الحارث انظرنا ننظر في أمرنا فجمع عساكره وسار نحو المنذر وأرسل إليه يقول له إنا شيخان فلا تهلك جنودي وجنودك ولكن يخرج رجل من ولدي ويخرج رجل من ولدك فمن قتل خرج عوضه آخر وإذا فني أولادنا خرجت أنا إليك فمن قتل صاحبه ذهب بالملك فتعاهدا على ذلك فعمد المنذر إلى رجل من شجعان أصحابه فأمره أن يخرج فيقف بين الصفين ويظهر أنه ابن المنذر فلما خرج أخرج إليه الحارث ابنه أبا كرب فلما رآه رجع إلى أبيه وقال إن هذا ليس بابن المنذر إنما هو عبده أو بعض شجعان أصحابه

فقال يا بني أجزعت من الموت ما كان الشيخ ليغدر

فعاد إليه وقاتله فقتله الفارس وألقى رأسه بين يدي المنذر وعاد فأمر الحارث ابنا له آخر بقتاله والطلب بثأر أخيه فخرج إليه فلما واقفه رجع إلى أبيه وقال يا أبت هذا والله عبد المنذر

فقال يا بني ما كان الشيخ ليغدر

فعاد إليه فشد عليه فقتله فلما رأى ذلك شمر بن عمرو الحنفي وكانت أمه غسانية وهو مع المنذر فقال أيها الملك إن الغدر ليس من شيم الملوك ولا الكرام وقد غدرت بابن عمك دفعتين فغضب المنذر وأمر بإخراجه فلحق بعسكر الحارث فاخبره فقال له سل حاجتك

فقال له حلتك وخلتك فلما كان الغد عبى الحارث أصحابه وحرضهم وكان في أربعين ألفا واصطفوا للقتال فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل المنذر وهزمت جيوشه فأمر الحارث بابنيه القتيلين فحملا على بعير بمنزلة العدلين وجعل المنذر فوقهما فردا وقال يا لعلاوة دون العدلين فذهبت مثلا

وسار إلى الحيرة فانهبها وأحرقها ودفن ابنيه بها وبنى الغربين عليهما في قول بعضهم وفي ذلك اليوم يقول ابن الرعلاء الضبابي

( كم تركنا بالعين عين أباغ % من ملوك وسوقة أكفاء )

( أمطرتهم سحائب الموت تترى % إن في الموت راحة الأشقياء )

( ليس من مات فاستراح بميت % إنما الميت ميت الأحياء )

يوم مرج حليمة وقتل المنذر بن المنذر بن ماء السماء ص 427

لما قتل المنذر بن ماء السماء على ما تقدم ملك بعده ابنه المنذر وتلقب الأسود فلما استقر وثبت قدمه جمع عساكره وسار إلى الحارث الأعرج طالبا بثأر أبيه عنده وبعث إليه إنني قد أعددت لك الكهول على الفحول فأجابه الحارث قد أعددت لك المرد على الجرد

فسار المنذر حتى نزل بمرج حليمة فتركه من به من غسان للأسود وإنما سمي مرج حليمة بحليمة ابنة الحارث الغساني وسنذكر خبرها عند الفراغ من هذا اليوم

ثم إن الحارث سار فنزل بالمرج أيضا فأمر أهل القرى التي في المرج فكان يصنعوا الطعام لعسكره ففعلوا ذلك وحملوه في الجفان وتركوه في العسكر فكان الرجل يقاتل فإذا أراد الطعام جاء إلى تلك الجفان فأكل منها فأقامت الحرب بين الأسود والحارث أياما ينتصف بعضهم من بعض فلما رأى الحارث ذلك قعد في قصره ودعا ابنته هند وأمرها فاتختذت طيبا كثيرا في الجفان وطيبت به أصحابه ثم نادى يا فتيان غسان من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هند

فقال لبيد بن عمرو الغساني لأبيه يا أبت أنا قاتل ملك الحيرة أو مقتول دونه لا محالة ولست أرضى فرسي فأعطني فرسك الزيتية فأعطاه فرسه

فلما زحف الناس واقتتلوا ساعة شد لبيد على الأسود فضربه ضربه فألقاه عن فرسه وانهزم أصحابه في كل وجه ونزل فاحتز رأسه وأقبل به إلى الحارث وهو على قصره ينظر إليهم فألقى الرأس بين يديه فقال له الحارث شأنك بابنة عمك فقد زوجتكها

فقال بل أنصرف فأولى أصحابي بنفسي فإذا انصرف الناس انصرفت

فرجع فصادف أخا الأسود قد رجع إليه الناس وهو يقاتل وقد اشتدت نكايته فتقدم لبيد فقاتل فقتل ولم يقتل في هذه الحروب بعد تلك الهزيمة غيره وانهزمت لخم هزيمة ثانية وقتلوا في كل وجه وانصرفت غسان بأحسن ظفر

وذكر أن الغبار في هذا اليوم اشتد وكثر حتى ستر الشمس وحتى ظهرت الكواكب المتباعدة عن مطالع الشمس لكثرة العساكر لأن الأسود سار بعرب العراق أجمع وسار الحارث بعرب الشام أجمع وهذا اليوم من أشهر أيام العرب وقد فخر به بعض شعراء غسان فقال

( يوم وادي حليمة وازدلفنا % بالعناجيج والرماح الظماء )

( إذ شحنا أكفنا من رقاق % رق من وقعها سنا الحسناء )

( وأتت هند بالخلوق إلى من % كان ذا نجدة وفضل غناء )

( ونصبنا الجفان في ساحة المرج % فملنا إلى جفان ملاء )

وقيل في قتله غير ما تقدم ونحن نذكره قال بعض العلماء وكان سببه أن الحارث بن أبي شمر جبلة بن الحارث الأعرج الغساني خطب إلى المنذر بن المنذر اللخمي ابنته وقصد انقطاع الحرب بين لخم وغسان فزوجه المنذر ابنته هندا وكانت لا تريد الرجال فصنعت بجلدها شبيها بالبرص وقالت لأبيها أنا على هذه الحالة وتهديني لملك غسان

فندم على تزويجها فأمسكها ثم إن الحارث أرسل يطلبها فمنعها أبوها واعتل عليه ثم إن المنذر خرج غازيا فبعث الحارث بن أبي شمر جيشا إلى الحيرة فانتهبها وأحرقها فانصرف المنذر من غزاته لما بلغه من الخبر فسار يريد غسان وبلغ الخبر الحارث فجمع أصحابه وقومه فسار بهم فتوافقوا بعين أباغ فاصطفوا للقتال فاقتتلوا واشتد الأمر بين الطائفتين فحملت ميمنة المنذر على ميسرة الحارث وفيها ابنه فقتلوه وانهزمت الميسرة وحملت ميمنة الحارث على ميسرة المنذر فانهزم من بها وقتل مقدمها فروة بن مسعود بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وحملت غسان من القلب على المنذر فقتلوه وانهزم أصحابه في كل وجه فقتل منهم بشر كثير وأسر خلق كثير منهم من بني تميم ثم من بني حنظلة مائة أسير منهم شأس بن عبدة فوفد أخوه علقمة بن عبدة الشاعرة على الحارث يطلب إليه أن يطلق أخاه ومدحه بقصيدته المشهورة التي أولها

( طحابك قلب في الحسان طروب % بعيد الشباب عصر حان مشيب )

( تكلفني ليلى وقد شط أهلها % وعادت عواد بيننا وخطوب )

يقول فيها

( فإن تسألوني بالنساء فإنني % بصير بأدواء النساء طبيب )

( إذا شاب رأس المرء أو قل ماله % فليس له في ودهن نصيب )

( يردن ثراء المال حيث وجدنه % وشرخ الشباب عندهن عجيب )

( وخالد من غسان أهلها حفاظها % وهند وناس ما صنعت يشيب )

( فلم ينج إلا شطبة بلجامها % وإلا طمر كالقناة نجيب )

( وإلا كمي ذو حفاظ كأنه % بما ابتل من حد الظبات خضيب )

( وفي كل حي قد خبطت بنعمة % فحق لشأس من نداك ذنوب )

( فلا تحرمني نائلا عن جناية % فإني امرؤ وسط القباب غريب )

فلما بلغ إلى قوله فحق لشأس من نداك ذنوب قال الملك أي والله وأذنبة ثم أطلق شأسا وقال له إن شئت الحباء وإن شئت أسراء قومك وقال لجلسائه إن اختار الحباء على قومه فلا خير فيه

فقال أيها الملك ما كنت لأختار على قومي شيئا

فأطلق له الأسرى من تميم وكساه وحباه وفعل ذلك بالأسرى جميعهم وزودهم زادا كثيرا فلما بلغوا بلادهم أعطوا جميع ذلك لشأس وقالوا أنت كنت السبب في إطلاقنا فاستعن بهذا على دهرك فحصل له مال كثير من إبل وكسوة وغير ذلك

الغريب

( عبدة ) بفتح العين والباء الموحدة

وقيل في قتله أنه جمع عسكرا ضخما وسار حتى نزل الشام وسار ملك الشام وهو عند الأكثر الحارث بن أبي شمر فنزل مرج حليمة وهو ينسب إلى حليمة بنت الملك ونزل الملك اللخمي في مرج الصفر فسير الحارث فارسين طليعة أحدهما فارس خصاف وكانت فرسه تجري على ثلاث فلا تلحق فسارا حتى خالطا القوم وقربا من الملك وأمامه شمعة فقتلا حاملها ففزع القوم فاضطربوا بأسيافهم فقتل بعضهم بعضا حتى أصبحوا وأتاهم رسل الحارث ملك غسان بذل الصلح والأتاوة وقال إني باعث رؤوس القبائل لتقرير الحال وندب أصحابه فانتدب له مائة غلام وقيل ثمانون غلاما فالبسهم السلاح وأمر ابنته حليمة أن تطيبهم وتلبسهم ففعلت فلما أمر بها لبيد بن عمرو فارس الزيتية قبلها فأتت أباها باكية فقال هو أسد القوم ولئن سلم لأنكحنه إياك وأمره على القوم وساروا فلما قاربوا العسكر العراقي جمع الملك رؤوس أصحابه وجاءت الغسانيون وعليهم السلاح وقد لبسوا فوقها الثياب والبرانس فلما تتاموا عند الملك أبدوا السلاح فقتلوا من وجدوا وقتل لبيد بن عمرو ملك العراقيين وأحيط بالغسانيين فقتلوا إلا لبيد بن عمرو فإن فرسه لم تبرح فاستوى عليها وعاد فأخبر الملك فقال له قد أنكحتك ابنتي حليمة فقال لا يتحدث الناس أني فل مائة

ثم عاد إلى القوم فقاتل فقتل وتفقد أهل العراق أشرافهم وإذا بهم قد قتلوا فضغفت نفوسهم لذلك وزحفت إليهم غسان فانهزموا

قلت قد اختلف النسابون وأهل السير في مدة الأيام وتقديم بعضها على بعض واختلفوا أيضا في المقتول فيها فمنهم من يقول إن يوم حليمة هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن ماء السماء ويوم أباغ هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن المنذر ومنهم من يقول بضد ذلك ومنهم من يجعل اليومين واحدا فيقول لم يقتل إلا المنذر بن ماء السماء وأما ابنه المنذر فمات بالحيرة وقيل إن المقتول من ملوك الحيرة غيرهما فالصحيح أن المقتول هو المنذر بن ماء السماء لا شك فيه وأما ابنه ففيه خلاف كثير والأصح أنه لم يقتل ومن أثبت قتله اختلفوا في سببه على ما ذكرناه

وإنما ذكرت اختلافهم والحادثة واحدة لأن كل سبب منها قد ذكره بعض العلماء فمتي تركنا أحدهما ظن من ليس له معرفة أن كل سبب منها حادث مستقل وقد أهملناه فاتينا بهما جميعا لذلك ونبهنا عليه

ذكر مقتل مضرط الحجارة ص 432

وهو عمرو بن المنذر بن ماء السماء اللخمي صاحب الحيرة وكان يلقب مضرط الحجارة لشدة ملكه وقوة سياسته وأمه هند بنت الحارث بن عمرو المقصور بن آكل المرار وهي عمة امرئ القيس بن حجر بن الحارث وكان سبب قتله أنه قال يوما لجلسائه هل تعلمون أن أحدا من العرب من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي

قالوا ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة وعمها كليب وائل وزوجها كلثوم وابنها عمرو

فسكت مضرط الحجارة على ما في نفسه وبعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويأمره أن تزور أمه ليلى أم نفسه هند بنت الحارث فقدم عمرو بن كلثوم في فرسان من بني تغلب ومعه أنه ليلى فنزل على شاطئ الفرات وبلغ عمرو بن هند قدومه فأمر فضربت خيامه بين الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فصنع لهم طعاما ثم دعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب السرادق وجلس هو وعمرو بن كلثوم وخواص أصحابه في السرادق ولأمه هند قبة في جانب السرادق وليلى أم عمرو بن كلثوم معها في القبة وقد قال مضرط الحجارة لأمه إذا فرغ الناس من الطعام ولم يبق إلا الطرف فنحي خدمك عنك فإذا دنا الطرف فاستخدمي ليلى ومريها فلتناولك الشيء بعد الشيء ففعلت هند ما أمرها به ابنها فلما استدعى الطرف فقالت هند لليلى ناوليني ذلك الطبق قالت لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها فالحت عليها فقالت ليلى واذلاه يا آل تغلب

فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه والقوم يشربون فعرف عمرو بن هند الشر في وجهه وثار ابن كلثوم إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق وليس هناك سيف غيره فأخذه ثم ضرب به رأس مضرط الحجارة فقتله وخرج فنادى يا آل تغلب فانتبهوا ماله وخيله وسبوا النساء وساروا فلحقوا بالحيرة فقال أفنون التغلبي

( لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا % لتخدم ليلى أمه بموفق )

( فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا % وأمسك من ندمانه بالمخنق )

يوم الكلاب الأول ص 433

قال ابن الكلبي أول من اشتد ملكه من كندة حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث الكندي فلما هلك ملك بعد أبيه عمرو ومثل ملك أبيه فسمي المقصور لأنه قصر على ملك أبيه فتزوج عمرو أم إياس بنت عوف بن محلم

الشيباني فولدت له الحارث فملك بعد أربعين سنة وقيل ستين سنة فخرج يتصيد فرأى عانة وهي حمر الوحش فشد عليها فانفرد منها حمار فتتبعه وأقسم أن لا يأكل شيئا قبل كبده وهو بمسحلان فطلبته الخيل ثلاثة أيام حتى أدركته فأتى به وقد كاد يموت من الجوع فشوى على النار وأطعم من كبده وهي حارة فمات وكان الحارث فرق بنيه في القبائل معد فجعل حجرا في بني أسد وكنانة وهو أكبر ولده وجعل شرحبيل في بكر بن وائل وبني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وبني أسيد بن عمرو بن تميم والرباب وجعل سلمة وهو أصغرهم في بني تغلب والنمر بن قاسط وبني سعد بن زيد مناة بن تميم وجعل ابنه معد يكرب ويعرف بغلفاء في قيس عيلان وقد تقدم هذا في قتل حجر أبي امرئ القيس وإنما أعدناه ههنا للحاجة إليه

فلما هلك الحارث تشتت أمر أولاده وتفرقت كلمتهم ومشى بينهم الرجال وكانت المغاورة بين الأحياء الذين معهم وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه الجموع وزحف إليه بالجيوش فسار شرحبيل فيمن معه وفي الصنائع أيضا وهم قوم كانوا مع الملوك من شذاذ العرب فأقبلوا إلى كلاب وعلى تغلب السفاح بن خالد بن كعب بن زهير فاقتتلوا قتالا شديدا وثبت بعضهم لبعض فلما كان آخر النهار من ذلك اليوم خذلت بنو حنظلة وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل وانهزموا وثبتت بكر وانصرفت بنو سعد ومن معها عن تغلب وصبرت تغلب ونادى منادي شرحبيل من أتاني برأس سلمة فله مائة من الإبل ونادى منادي سلمة من أتاني برأس شرحبيل فله مائة من الإبل فكانت الغلبة آخر النهار لتغلب وسلمة ومضى شرحبيل منهزما فتبعه ذو السنينة التغلبي فالتفت إليه شرحبيل فضربه على ركبته فأطن رجله وكان ذو السنينة أخا أبي حنش لأمه فقال لأخيه قتلني الرجل وهلك ذو السنينة فقال أبو حنش لشرحبيل قتلني الله ان لم أقتلك وحمل عليه فأدركه فقال يا أبا حنش اللبن اللبن يعني الدية

فقال قد هرقت لبنا كثيرا فقال يا أبا حنش أملكا بسوقة فقال إن أخي ملكي فطعنه فألقاه عن فرسه ونزل إليه فأخذ رأسه وبعث به إلى سلمة مع ابن عم له فأتاه به وألقاه بين يديه فقال سلمة لو كنت ألقيته أرفق من هذا وعرفت الندامة في وجه سلمة والجزع عليه فهرب أبو حنش منه فقال سلمة

( ألا أبلغ أبا حنش رسولا % فمالك لا تجيء إلى الثواب )

( لتعلم أن خير الناس طرا % قتيل بين أحجار الكلاب )

( تداعت حوله جشم بن بكر % وأسلمه جعاسيس الرباب )

فأجابه أبو حنش فقال

( أحاذر أن أجيئك ثم تحبو % حباء أبيك يوم ضبيعات )

( وكانت غدرة شنعاء تهفو % تقلدها أبوك إلى الممات )

وكان سبب يوم ضبيعات ان ابنا للحارث كان مسترضعا في تميم وبكر ولدغته حية فمات فأخذ خمسين رجلا من تميم وخمسين رجلا من بكر فقتلهم به ولما قتل شرحبيل قام بنو زيد مناة من تميم دون أهله وعياله فمنعوهم وحالوا بين الناس وبينهم حتى ألحقوهم بقومهم ومأمنهم ولما بلغ خبر قتله أخاه معد يكرب وهو غلفاء قال يرثيه

( ان جنبي عن الفراش لنابي % كتجافي الاسر فوق الظراب )

( من حديث نمى إلى فما ترقأ % عيني ولا أسبغ شرابي )

( مرة كالذعاف أكتمها الناس % على حر ملة كالشهاب )

( من شرحبيل إذ تعاوره الأرماح % من بعد لذة وشباب )

( يا بن أمي ولو شهدك إذ تدعوا % تميما وأنت غير مجاب )

( ثم طاعنت من ورائك حتى % يبلغ الرحب أو تبز ثيابي )

( أحسنت وائل وعادتها الأحسان % بالحبو يوم ضرب الرقاب )

( يوم فرت بنو تميم وولت % خيلهم يتقين بالأذناب )

وهي طويلة ثم إن تغلب أخرجوا سلمة من بينهم فلجأ إلى بكر بن وائل وانضم إليهم ولحقت تغلب بالمنذر بن امرئ القيس اللخمي

الغريب

( الكلاب ) بضم الكاف

أسيد بن عمرو بضم الهمزة وفتح السين المهملة وتشديد الياء المثناة من تحت

وذو السنينة بضم السين المهملة تصغير سن

والرباب بكسر الراء وتخفيف الباء الأولى الموحدة

يوم أوارة الأول ص 436

وهو يوم كان بين المنذر بن امرئ القيس وبين بكر بن وائل وكان سببه أن تغلب لما أخرجت سلمة بن الحارث عنها التجأ إلى بكر بن وائل كما ذكرناه آنفا فلما صار عند بكر أذعنت له وحشدت عليه وقالوا لا يملكنا غيرك فبعث إليهم المنذر يدعوهم إلى طاعته فأبوا ذلك فحلف المنذر ليسيرن إليهم فإن ظفر بهم فليذبحنهم على قلة جبل أوارة حتى يبلغ الدم الحضيض وسار إليهم في جموعه فالتقوا بأوارة فاقتتلوا قتالا شديدا وأجلت الواقعة عن هزيمة بكر وأسر يزيد بن شرحبيل الكندي فأمر المنذر بقتله فقتل وقتل في المعركة بشر كثير وأسر المنذر من بكر أسرى كثيرة فأمر بهم فذبحوا على جبل أوارة فجعل الدم يجمد فقيل له أبيت اللعن لو ذبحت كل بكري على وجه الأرض لم تبلغ دماؤهم الحضيض ولكن لو صببت عليه الماء ففعل فسال الدم إلى الحضيض وأمر بالنساء أن يحرقن بالنار وكان رجل من قيس بن ثعلبة منقطعا إلى المنذر فكلمه في سبي بكر بن وائل فأطلقهن المنذر فقال الأعشى يفتخر بشفاعة القيسي إلى المنذر في بكر

( ومنا الذي اعطاه بالجمع ربه % على فاقة وللملوك هباتها )

( سبايا بني شيبان يوم أوارة % على النار إذ تجلى به فتيانها )

يوم أوارة الثاني ص 437

كان عمرو بن المنذر اللخمي قد ترك ابنا له اسمه أسعد عند زرارة بن عدس التميمي فلما ترعرع مرت به ناقة سمينة فبعث بها فرمى ضرعها فشد عليه ربها سويد أحد بني عبد الله بن دارم التميمي فقتله وهرب فلحق بمكة فحالف قريشا وكان عمرو بن المنذر غزا قبل ذلك ومعه زرارة فأخفق فلما كان حيال جبلي طيء قال له زرارة أي ملك إذا غزا لم يرجع ولم يصب فمل على طيء فإنك بحيالها فمال إليهم فأسر وقتل وغنم فكانت في صدور طيء على زرارة فلما قتل سويد أسعد وزرارة يومئذ عند عمرو فقال له عمرو بن ملقط الطائي يحرض عمرا على زرارة

( من مبلغ عمرا بأن % المرء لم يخلق صباره )

( ها أن عجزة أمع % بالسفح أسفل من أواره )

( فاقتل زرارة لا أرى % في القوم أوفى من زراره )

فقال عمرو يا زرارة ما تقول قال كذب قد علمت عداوتهم فيك قال صدقت

فلما جن الليل سار زرارة إلى قومه ولم يلبث أن مرض فلما حضرته الوفاة قال لابنه يا حاجب ضم إليك غلمتي في بني نهشل وقال لابن أخيه عمرو بن عمرو عليك بعمرو بن ملقط فإنه حرض علي الملك فقال له يا عماه لقد أسندت إلي أبعدهما شقة وأشدهما شوكة

فلما مات زرارة تهيأ عمرو بن عمرو في جمع وغزا طيئا فأصاب الطريفين طريف بن مالك وطريف بن عمرو وقتل الملاقط فقال علقمة بن عبدة في ذلك

( ونحن جلبنا من ضرية خيلنا % نجنبها حد الأكام قطاقطا )

( أصبنا الطريف والطريف بن مالك % وكان شفاء الواصبين الملاقطا )

فلما بلغ عمرو بن المنذر وفاة زرارة غزا بني دارم وقد كان حلف ليقتلن منهم مائة فسار يطلبهم حتى بلغ أوارة وقد أنذروا به فتفرقوا فأقام مكانه وبث سراياه فيهم فأتوه بتسعة وتسعين رجلا سوى من قتلوه في غاراتهم فقتلهم فجاء رجل من البراجم شاعر ليمدحه فاخذه ليقتله ليتم مائة ثم قال إن الشقي وافد البراجم فذهبت مثلا وقيل إنه نذر أن يحرقهم فلذلك سمي محرقا فأحرق منهم تسعة وتسعين رجلا واجتاز رجل من البراجم فشم قتار اللجم فظن أن الملك يتخذ طعاما فقصده فقال من أنت فقال أبيت اللعن أنا وافد البراجم فقال إن الشقي وافد البراجم ثم أمر به فقذف في النار فقال جرير للفرزدق

( أين الذي بنار عمرو احرقوا % أم أين أسعد فيكم المسترضع )

وصار تميم بعد ذلك يعيرون بحب الأكل لطمع البرجمي في الأكل فقال بعضم

( إذا ما مات ميت من تميم % فسرك أن يعيش فجئ بزاد )

( بخبز أو بلحم أو بتمر % أو الشيء الملفف في البجاد )

( تراه ينقب البطحاء حولا % ليأكل رأس لقمان بن عاد )

قيل دخل الأحتف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية ما الشيء الملفف في البجاد يأ أبا بحر قال السخينة يا أمير المؤمنين

والسخينة طعام تعير به قريش كما كانت تعير تميم بالملفف في البجاد قال فلم ير متمازحان أوقر منهما

ذكر قتل زهير بن جذيمة وخالد بن جعفر بن كلاب والحارث بن ظالم المري وذكر يوم الرحرحان ص 439

كان زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس العبسي هو والد قيس بن زهير صاحب حرب داحس والغبراء سيد قيس عيلان فتزوج إليه ملك الحيرة وهو النعمان بن امرئ القيس جد النعمان بن المنذر لشرفة وسؤدده فأرسل النعمان إلى زهير يستزيره بعض أولاده فأرسل ابنه شأسا وكأن أصغر ولده فاكرمه وحباه فلما انصرف إلى أبيه كساه حللا وأعطاهخ مالا طيبا فخرج شأس يريد قومه فبلغ ماء من مياه غني بن أعصر فقتله رباح بن الأشل الغنوي وأخذ ما كان معه وهو لا يعرفه وقيل لزهير إن شأسا أقبل من عند الملك وكان آخر العهد به بماء من مياه غني فسار زهير إلى ديار غني وهم حلفاء في بني عامر بن صعصعة فاجتمعوا عنده فسألهم عن ابنه فحلفوا أنهم لم يعلموا خبره قال لكني أعلمه فقال له أبو عامر فما الذي يرضيك منا قال واحدة من ثلاث إما تحيون ولدي وإما تسلمون إلي غنيا حتى ألقتلهم بولدي وإما الحرب بيننا وبينكم ما بقينا وبقيتم

فقالوا ما جعلت لنا في هذه مخرجا أما إحياء ولدك فلا يقدر عليه إلا الله وأما تسليم غني إليك غهم يمتنعون مما يمتنع منه الأحرار وأما الحرب بيننا فوالله إننا لنحب رضاك ونكره سخطك ولكن إن شئت الدية وإن شئت تطلب قاتل ابنك فنسلمه إليك أو تهب دمه فإنه لا يضيع في القرابة والجوار

فقال ما أفعل إلا ما ذكرت فلما رأى خالد بن جعفر بن كلاب تعدي زهير على أخواله من غني قال والله ما رأينا كاليوم تعدي رجل على قومه

فقال له زهير فهل لك أن تكون طلبتني عندك وأترك غنيا قال نعم قال فانصرف زهير وهو يقول

( فلولا كلاب قد أخذت قرينتي % برد غني أعبدا ومواليا )

( ولكن حمتهم عصبة عامرية % يهزون في الأرض القصار العواليا )

( مساعير في الهيجا مصاليت في الوغي % أخوهم عزيز لا يخاف الأعاديا )

( يقيمون في دار الحفاظ تكرما % إذا ا فني القوم أضحت خواليا )

ثم إنه أرسل امرأة وأمرها أن تكتم نسبها وأعطاها لحم جزور سمينة وسيرها إلى غني لتبيع اللحم بطيب وتسأله عن حال ولده فانطلقت المرأة إلى غني وفعلت ما أمرها فانتهت إلى امرأة رباح بن الأشل وقالت لها قد زوجت بنتا لي وأبغي الطيب بهذا اللحم فأعطتها طيبا وحدثتها بقتل زوجها شأسا فعادت المرأة إلى زهير وأخبرته فجمع خيله وجعل يغير على غني حتى قتل منهم مقتلة عظيمة ووقعت الحرب بين بني عبس وبني عامر وعظم الشر

ثم إن زهير أخرج في بنيته وأهل بيته في الشهر الحرام إلى عكاظ فالتقى هو وخالد بن جعفر بن كلاب فقال له خالد لقد طال شرنا منك يا زهير فقال زهير أما والله ما دامت لي قوة أدرك بها ثارا فلا انصرام له وكانت هوازن تؤتي زهير بن جذيمة الأتاوة كل سنة بعكاظ وهو يسومها الخسف وفي أنفسها منه غيظ وحقد ثم عاد خالد وزهير إلى قومهما فسبق خالد إلى بلاد هوازن فجمع إليه قومه وندبهم إلى قتال زهير فأجابوه وتأهبوا للحرب وخرجوا يريدون زهيرا وهم على طريقه وسار زهير حتى نزل على أطراف بلاد هوازن فقال له ابنه قيس انج بنا من هذه الأرض فإنا قريب من عدونا

فقال له يا عاجز وما الذي تخوفني به من هوازن وتتقي شرها فأنا أعلم الناس بها

فقال ابنه دع عنك اللجاج وأطعني وسر بنا فإني خائف عاديتهم وكانت تماضر بنت الشريد بن رباح بن يقظة بن عصية السلمية أم ولد زهير وقد أصاب بعض اخوتها دما فلحقت ببني عامر وكان فيهم فأرسله خالدا عينا ليأتيه بخبر زهير فخرج حتى أتاهم في منزلهم فعلم قيس بن زهير حاله وأراد هو وأبوه أن يوثقوه ويأخذوه معهم إلى أن يخرجوا من أرض هوازن فمنعت أخته فأخذوا عليه العهود أن لا يخبر بهم وأطلقوه فسار إلى خالد ووقف إلى شجرة يخبرها الخبر فركب خالد ومن معه إلى زهير وهو غير بعيد منهم فاقتتلوا قتالا شديدا والتقى خالد وزهير فاقتتلا طويلا ثم تعانقا فسقطا على الأرض وشد ورقاء بن زهير على خالد وضربه بسيفه فلم يصنع شيئا لأنه قد ظاهر بين ذرعين وحمل جندح بن البكاء وهو ابن امرأة خالد على زهير فقتله وهو وخالد يعتركان فثار خالد عنه وعادت هوازن إلى منازلها وحمل بنو زهير أباهم إلى بلادهم فقال ورقاء بن زهير في ذلك

( رأيت زهيرا تحت كلكل خالد % فأقبلت أسعى كالعجول أبادر )

( إلى بطلين يعتران كلاهما % يريد رياش السيف والسيف نادر )

( فشلت يميني يوم أضرب خالدا % ويمنعه مني الحديد المظاهر )

( فياليت أين قبل أيام خالد % وقبل زهير لم تلدني تماضر )

( لعمري لقد بشرت بي إذ ولدتني % فماذا الذي ردت عليك البشائر )

( فلا يدعني قومي صريحا بحرة % لأن كنت مقتولا ويسلم عامر )

( فطر خالد إن كنت تستطيع طيرة % ولا تقعا إلا وقلبك حاذر )

( أتتك المنايا إن بقيت بضربة % تفارق منها العيش والموت حاضر )

وقال خالد يمن على هوازن بقتله زهيرا

( أبلغ هوازن كيف تكفر بعدما % اعتقتهم فتوالدوا أحرارا )

( وقتلت ربهم زهيرا بعدما % جدع الأنوف وأكثر الأوتارا )

( وجعلت مهر نسائهم ودياتهم % عقل الملوك هجائنا وبكارا )

وكان زهير سيد غطفان فعلم خالد أن غطفان ستطلبه بسيدها فسار إلى النعمان بن امرئ القيس بالحيرة فاستجاره فأجاره فضرب له قبة وجمع بنو زهير لهوازن فقال الحارث بن ظالم المري أكفوني حرب هوازن فأنا أكفيكم خالد بن جعفر وسار الحارث حتى قدم على النعمان فدخل عليه وعنده خالد وهما يأكلان تمرا فأقبل النعمان يسائله فحسده خالد فقال النعمان أبيت اللعن هذا رجل لي عنده يد عظيمة قتلت زهيرا وهو سيد غطفان فصار هو سيدها فقال الحارث سأجزيك على يدك عندي وجعل الحارث يتناول التمر ليأكله فيقع من بين أصابعه من الغضب فقال عروة لأخيه خالد ما أردت بكلامه وقد عرفته فتاكا فقال خالد وما يخوفني منه فوالله لو رآني نائما ما أيقظني

ثم خرج خالد وأخوه إلى قبتهما فشرجاها عليهما ونام خالد وعروة عند رأسه يحرسه فلما أظلم الليل انطلق الحارث إلى خالد فقطع شرج القبة ودخلها وقال لعروة لئن تكلمت قتلتك ثم أيقظ خالدا فلما استيقظ قال أتعرفني قال أنت الحارث قال خذ جزاء يدك عندي وضربه بسيف المعلوب فقتله ثم خرج من القبة وركب راحلته وسار وخرج عروة من القبة يستغيث وأتى باب النعمان فدخل عليه وأخبره الخبر فبث الرجال في طلب الحارث قال الحارث فلما سرت قليلا خفت أن أكون لم أقتله فعدت متنكرا واختلطت بالناس ودخلت عليه فضربته بالسيف حتى تيقنت أنه مقتول وعدت فلحقت بقومي فقال عبد الله بن جعدة الكلابي

( يا حار لو نبهته لوجدته % لا طائشا رعشا ولا معزالا )

( شقت عليه الجعفرية جيبها % جزعا وما تبكي هناك ضلالا )

( فانعوا أبا بحر بكل مجرب % حران يحسب في القناة هلالا )

( فليقتلن بخالد سرواتكم % وليجعلن لظالم تمثالا )

فأجابه الحارث

( تالله قد نبهته فوجدته % رخو اليدين مواكلا عسقالا )

( فعلوته بالسيف أضرب رأسه % حتى أضل بسلحه السربالا )

فجعل النعمان يطلبه ليقتله بجاره وهوازن تطلبه لتقتله بسيدها خالد فلحق بتميم فاستجار بضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم فأجاره على النعمان وهوازن فلما علم النعمان ذلك جهز جيشا إلى بني دارم عليهم ابن الحمس التغلبي وكان يطلب الحرث بدم أبيه لأنه كان قتله ثم ان الأحوص بن جعفر أخا خالد جمع بني عامر وسار بهم فاجتمعوا هم وعسكر النعمان على بني دارم وساروا فلما صاروا بأدنى مياه بني دارم رأوا امرأة تجني الكمأة ومعها جمل لها فأخذها رجل من غني وتركها عنده فلما كان الليل نام فقامت إلى جملها فركبته وسارت حتى صبحت بني دارم وقصدت سيدهم زرارة بن عدس فأخبرته الخبر وقالت أخذني أمس قوم لا يريدون غيرك ولا أعرفهم

قال فصفيهم لي

قالت رأيت رجلا قد سقط حاجباه فهو يرفعهما بخرقة صغير العينين وعن أمره يصدرون

قال ذاك الأحوص وهو سيد القوم قالت ورأيت رجلا قليل المنطق إذا تكلم اجتمع القوم كما تجتمع الإبل لفحلها أحسن الناس وجها ومعه ابنان له يلازمانه قال ذاك مالك بن جعفر وابناه عامر وطفيل قالت ورأيت رجلا جسيما كأن لحيته محمرة معصفرة قال ذاك عوف بن الأحوص قالت ورأيت رجلا هلقاما جسيما قال ذاك ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب

قالت ورأيت رجلا أسود أخنس قصيرا قال ذاك ربيعة بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر قالت ورأيت رجلا أقرن الحاجبين كثير شعر السبلة يسيل لعابه على لحيته إذا تكلم قال ذاك جندح بن البكاء قالت ورأيت رجلا صغير العينين ضيق الجبهة يقود فرسا له معه جفير لا يفارق يده قال ذاك ربيعة بن عقيل بن كعب قالت ورأيت رجلا معه ابنان أصبهان إذا أقبلا رماهما الناس بأبصارهم فإذا أدبرا كانا كذلك قال ذاك الصعق بن عمرو بن خويلد بن نفيل وابناه يزيد وزرعة قالت ورأيت رجلا لا يقول كلمة إلا وهي أحد من شفرة قال ذاك عبد الله بن جعدة بن كعب وأمرها زرارة فدخلت بيتها وأرسل زرارة إلى الرعاء يأمرهم بإحضار الإبل ففعلوا وأمرهم فحملوا الأهل والأثقال وساروا نحو بلاد بغيض وفرق الرسل في بني مالك ين حنظلة فأتوه فأخبرهم الغنوي حال الظعينة وهربها فسقط في أيديهم واجتمعوا يريدون الرأي فقال بعضهم كأني بالظعينة قد أتت قومها فأخبرتهم الخبر فحذروا وأرسلوا أهليهم وأموالهم إلى بلاد بغيض وباتوا معدين لكم في السلاح فاركبوا بنا في طلب نعمهم وأموالهم فإنهم لا يشعرون حتى نصيب حاجتنا وننصرف فركبوا يطلبون ظعن بني دارم فلما أبطأ القوم عن زرارة قال لقومه إن القوم قد توجهوا إلى ظعنكم وأموالكم فسيروا إليهم فساروا مجدين فلحقوهم قبل أن يصلوا إلى الظعن والنعم فاقتتلوا قتالا شديدا فقتلت بنو مالك بن حنظلة بن الحمس التغلبي رئيس جيش النعمان وأسرت بنو عامر معبد بن زرارة وصبر بنو دارم حتى انتصف النهار وأقبل قيس بن زهير فيمن معه من ناحية أخرى فانهزمت بنو عامر وجيش النعمان وعادوا إلى بلادهم ومعبد أسير مع بني عامر فبقي معهم حتى مات وفي تلك الأيام أيضا مات زرارة بن عدس

وقيل في استجارة الحارث ببني تميم غير ذلك وهو أن النعمان طلب شيئا يغيظ به الحارث بعد قتل خالد وهربه فقيل له كان قصد الحيرة ونزل على عياض بن وهب التميمي وهو صديق له فبعث إليه النعمان فأخذ إبلا له فركب الحارث وأتى الحيرة متخفيا واسنتفذ ماله من الرعاة ورده عليه وطلب شيئا يغيظ به النعمان فرأى ابنه غضبان فضرب رأسه بالسيف فقتله وبلغ النعمان الخبر فبعث في طلبه فلم يدركه فقال الحارث في ذلك

( أخصى حمار بات يكدم نجمة % أتؤكل جاراتي وجارك سالم )

( فإن تك أذوادا أصبت ونسوة % فهذا ابن سلمى رأسه متفاقم )

( علوت بذي الحيات مفرق رأسه % ولا يركب المكروه الا الأكارم )

( فتكت به كما فتكت بخالد % وكان سلاحي تحتويه الجماجم )

( بدأت بتلك وانثنيت بهذه % وثالثة تبيض منها المقادم )

( حسبت أبا قابوس أنك مخفري % ولما تذق ثكلا وأنفك راغم )

كذا قال بعضهم وقيل إن المقتول كان شرحبيل بن الأسود بن المنذر وكان الأسود قد ترك ابنه شرحبيل عند سنان بن أبي حارثة المري ترضعه زوجته فمن هناك كان لسنان مال كثير وكان ابنه هرم يعطى منه فجاء الحارث متختفيا فاستعار سرج سنان وسنان لا يعلم ثم أتى امرأة سنان فقال يقول بعلك ابعثي بشرحبيل بن الملك من الحارث بن ظالم حتى يستأمن به ويتخفر به وهذا سرجه علامة فزينته ودفعته إليه فأخذه وقتله وهرب فغزا الأسود بني ذبيان وبني أسد بشط أربل فقتل فيهم قتلا ذريعا وسبى واستأصل الأموال وأقسم ليقتلن الحارث فسار الحارث متخفيا إلى الحيرة ليفتك بالأسود فبينما هو في منزله إذ سمع صارخة تقول أنا في جوار الحارث بن ظالم وعرف حالها وكان الأسود قد أخذ لها صرمة من الإبل فقال لها انطلقي غدا إلى مكان كذا وأتاه الحارث فلما وردت إبل النعمان أخذ مالها فسلمه إليها وفيها ناقة تسمى اللقاع فقال الحارث في ذلك

( إذا سمعت حنة اللقاع % فادعي أبا ليلى فنعم الداعي )

( يمشي بعضب صارم قطاع % يفري به مجامع الصداع )

ثم أقبل يطلب مجيرا فلم يجره أحد من الناس وقالوا من يجيرك على هوازن والنعمان وقد قتلت ولده فأتى زرارة بن عدس وضمرة بن ضمرة فأجاراه على جيمع الناس ثم إن عمرو بن الأطنابة الخزرجي لما بلغه قتل خالد بن جعفر وكان صديقا له قال والله لو وجده يقظان ما أقدم عليه ولوددت أني لقيته

وبلغ الحارث قوله وقال والله لآتينه في رحله ولا ألقاه إلا ومعه سلاحه فبلغ ذلك ابن الاطنابة فقال أبياتا منها

( أبلغ الحارث بن ظالم الموعد % والناذر النذور عليا )

( إنما تقتل النيام ولا تقتل % يقظان ذا سلاح كميا )

فبلغ الحارث شعره فسار إلى المدينة وسأل عن منزل ابن الاطنابة فلما دنا منه نادى يا بن الاطنابة أغثني فأتاه عمرو فقال من أنت قال رجل من بني فلان خرجت أريد بني فلان فعرض لي قوم قريبا منك فأخذوا ما كان معي فاركب معي حتى نستنقذه فركب معه ولبس سلاحه ومضى معه فلما أبعد عن منزله عطف عليه وقال أنائم أنت أم يقظان فقال يقظان فقال أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب فألقى ابن الاطنابة سيفه وقيل رمحه وقال قد أعجلتني فأمهلني حتى آخذ سيفي فقال خذه قال أخاف أن تعجلني عن أخذه قال لك ذمة ظالم لا أعجلك عن أخذه قال فوذمة الأطنابة لا آخذه فانصرف الحارث وهو يقول أبياتا منها

( بلغتنا مقالة المرء عمرو % فالتقينا وكان ذاك بديا )

( فهممنا بقتله إذ برزنا % ووجدناه ذا سلاح كميا )

( غير ما نائم يروع بالفتك % ولكن مقلدا مشرفيا )

( فمننا عليه بعد علو % بوفاء وكنت قدما وفيا )

ثم إن الحارث لما علم أن النعمان قد جد في طلبه وهوازن لا تقعد عن الطلب بثأر خالد خرج متنكرا إلى الشام واستجار بيزيد بن عمرو فأكرمه وأجاره وكان ليزيد ناقة محماة في عنقها مدية وزناد وملح ليمتحن بذلك رعيته فوحمت زوجة الحارث واشتهت شحما ولحما فأخذ الحارث الناقة فأدخلها شعبا فذبحها وحمل إلى امرأته من شحمها ولحمها ورفع منه وفقدت الناقة فطلبت فوجدت عقيرة بالوادي فأرسل الملك إلى كاهن فسأله عنها فذكر له الحارث نحرها فأرسل امرأة بطيب تشتري من لحمها من امرأة الحارث فأدركها الحارث وقد اشترت اللحم فقتلها ودفنها في البيت فسأل الملك الكاهن عن المرأة فقال قتلها من نحر الناقة وإذا كرهت أن تفتش بيته فتأمر الرجل بالرحيل فإذا رحل فتشت بيته ففعل ذلك فلما رحل الحارث فتش الكاهن بيته فوجد المرأة وأحس الحارث بالشر فعاد إلى الكاهن فقتله فأخذ الحارث وأحضر عند الملك فأمر بقتله فقال إنك قد أجرتني فلا تغدر بي

فقال إن غدرت بك مرة واحدة فقد غدرت بي مرارا فقتله

أيام داحس والغبراء ويه بين عبس وذبيان ص 448

وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي سار إلى المدينة ليتجهز لقتال عامر والأخذ بثأر أبيه فأتى أحيحة بن الجلاح يشتري منه درعا موصوفة فقال له لا أبيعها ولولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها منك ولكن اشترها بابن لبون ففعل ذلك وأخذ الدرع وتسمى ذات الحواشي ووهبه أحيحة أيضا أدراعا وعاد إلى قومه وقد فرغ من جهازه فاجتاز بالربيع بن زياد العبسي فدعاه إلى مساعدته على الأخذ بثأره فأجابه إلى ذلك فلما أراد فراقه نظر الربيع إلى عيبته فقال ما في حقيبتك قال متاع عجيب لو أبصرته لراعك

وأناخ راحلته فأخرج الدرع من الحقيبة فأبصرها الربيع فأعجبته ولبسها فكانت في طوله فمنعها من قيس ولم يعطه إياها وترددت الرسل بينهما في ذلك ولج قيس في طلبها ولج الربيع في منعها فلما طالت الأيام على ذلك سير قيس أهله إلى مكة وأقام ينتظر غرة الربيع ثم إن الربيع سير إبله وأمواله إلى مرعى كثير الكلأ وأمر أهله فظعنوا وركب فرسه وسار إلى المنزل فبلغ الخبر قيسا فسار في أهله وإخوته فعارض ظعائن الربيع وأخذ زمام أمه فاطمة بنت الخرشب وزمام زوجته فقالت فاطمة أم الربيع ما تريد يا قيس قال أذهب بكن إلى مكة فأبيعكن بسبب درعي قالت وهي من ضماني وخل عنا ففعل فلما جاءت إلى ابنها قالت له في معنى الدرع فحلف أنه لا يرد الدرع فأرسلت إلى قيس أعلمته بما قال الربيع فأغار على نعم الربيع فاستاق منها أربعمائة بعير وسار بها إلى مكة فباعها واشترى بها خيلا وتبعه الربيع فلم يلحقه فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء

وقيل إن داحسا كان من خيل بني يربوع وإن أباه كان أخذ فرسا لرجل من بني ضبة يقال له أنيف بن جبلة وكان الفرس يسمى السبط وكانت أم داحس لليربوعي فطلب اليربوعي من الضبي أن ينزي فرسه على حجره فلم يفعل فلما كان الليل عمد اليربوعي إلى فرس الضبي فأخذه فأنزاه على فرسه فاستيقظ الضبي فلم ير فرسه فنادى في قومه فأجابوه وقد تعلق باليربوعي فأخبرهم الخبر فغضبت ضبة من ذلك فقال لهم لا تعجلوا دونكم نطفة فرسكم فخذوها

فقال القوم قد أنصف فسطا عليها رجل من القوم فدس يده في رحمها فأخذ ما فيها فلم تزد الفرس إلا لقاحا فنتجت مهرا فسمي داحسا بهذا السبب فكان عند اليربوعي ابنان له وأغار قيس بن زهير على بني يربوع فنهب وسبى ورأى الغلامين أحدهما على داحس والآخر على الغبراء فطلبهما فلم يلحقهما فرجع وفي السبي أم الغلامين واختان لهما وقد وقع داحس والغبراء في قلبه وكان ذلك قبل أن يقع بينه وبين الربيع ما وقع ثم جاء وفد بني يربوع في فداء الأسرى والسبي فأطلق الجميع إلا أم الغلامين واختيهما وقال إن أتاني الغلامان بالمهر والفرس الغبراء وإلا فلا فامتنع الغلامان من ذلك فقال شيخ من بني يربوع كان أسيرا عند قيس أبياتا وبعث بها إلى الغلامين وهي

( إن مهرا فدا الرباب وحملا % وسعاد الخير مهر اناس )

( ادفعوا داحسا بهن سراعا % إنها من فعالها الأكياس )

( دونها والذي يحج له الناس % سبايا يبعن بالأفراس )

( إن قيسا يرى الجواد من الخيل % حياة في متلف الأنفاس )

( يشتري الطرف بالجراجرة الجلة % يعطي عفوا بغير مكاس )

فلما انتهت الأبيات إلى بني يربوع قادوا الفرسين إلى قيس وأخذوا النساء وقيل إن قيسا أنزى داحسا على فرس له فجاءت بمهرة فسماها الغبراء ثم إن قيسا أقام بمكة فكان أهلها يفاخرونه وكان فخورا فقال لهم نحوا كعبتكم عنا وحرمكم عنا وهاتوا ما شئتم فقال له عبد الله بن جدعان إذا لم نفاخرك بالبيت المعمور وبالحرم الآمن فيم نفاخرك فمل قيس مفاخرتهم وعزم على الرحلة عنهم وسر ذلك قريشا لأنهم قد كانوا كرهوا مفاخرته فقال لأخوته ارحلوا بنا من عندهم أولا وإلا تفاقم الشر بنا وبينهم والحقوا ببني بدر فإنهم أكفاؤنا في الحسب وبنو عمنا في النسب وأشراف قومنا في الكرم ومن لا يستطيع الربيع أن يتناولنا معهم فلحق قيس وإخوته ببني بدر وقال في مسيره إليهم

( أسير إلى بني بدر بأمر % هم فيه علينا بالخيار )

( فإن قبلوا الجوار فخير قوم % وإن كرهوا الجوار فغير عار )

( أتينا الحرث الخير بن كعب % بنجران وأي لجا بجار )

( فجاورنا الذين إذا أتاهم % غريب حل في سعة القرار )

( فيأمن فيهم ويكون منهم % بمنزلة الشعار من الدثار )

( وإن نفرد بحرب بني أبينا % بلا جار فإن الله جاري )

ثم نزل ببني بدر فنزل بحذيفة فأجاره هو وأخوه حمل بن بدر وأقام فيهم وكان معه أفراس له ولاخوته لم يكن في العرب مثلها وكان حذيفة يغدو ويروح إلى قيس فينظر إلى خيله فيحسده عليها ويكتم ذلك في نفسه وأقام قيس فيهم زمانا يكرمونه وإخوته فغضب الربيع ونقم ذلك عليهم وبعث إليهم بهذه الأبيات

( ألا أبلغ بني بدر رسولا % على ما كان من شنأ ووتر )

( بأني لم أزل لكم صديقا % أدافع عن فزارة كل أمر )

( أسالم سلمكم وأرد عنكم % فوارس أهل نجران وحجر )

( وكان أبي ابن عمكم زياد % صفي أبيكم بدر بن عمرو )

( فالجأتم أخا الغدرات قيسا % فقد أفعمتم إيغار صدري )

( فحسبي من حذيفة ضم قيس % وكان البدء من حمل بن بدر )

( فاما ترجعوا أرجع إليكم % وإن تابوا فقد أوسعت عذري )

فلم يتغيروا عن جوار قيس فغضب الربيع وغضبت عبس لغضبه ثم إن حذيفة كره قيسا وأراد إخراجه عنهم فلم يجد حجة وعزم قيس على العمرة فقال لأصحابه إني قد عزمت على العمرة فإياكم أن تلابسوا حذيفة بشيء واحتملوا كل ما يكون منه حتى أرجع فإني قد عرفت الشر في وجهه وليس يقدر على حاجته منكم إلا أن تراهنوه على الخيل وكان ذا رأي لا يخطأ فيما يريده وسار إلى مكة ثم إن فتى من عبس يقال له ورد بن مالك أتى حذيفة فجلس إليه فقال له ورد لو اتخذت من خيل قيس فحلا يكون أصلا لخيلك فقال حذيفة خيلي خير من خيل قيس ولجأ في ذلك إلى أن تراهنا على فرسين من خيل قيس وفرسين من خيل حذيفة والرهن عشرة أذواد وسار ورد فقدم قيس بمكة فأعلمه الحال فقال له أراك قد أوقعتني في بني بدر ووقعت معي وحذيفة ظلوم لا تطيب نفسه بحق ونحن لا نقر له بضيم

ورجع قيس من العمرة فجمع قومه وركب إلى حذيفة وسأله أن يفك الرهن فلم يفعل فسأله جماعة فزارة وعبس فلم يجب إلى ذلك وقال إن أقر قيس أن السبق لي وإلا فلا فقال أبو جعدة الفزاري

( آل بدر دعوا الرهان فإنا % قد مللنا اللجاج عند الرهان )

( ودعوا المرء في فزارة جارا % إن ما غاب عنكم كالعيان )

( ليت شعري عن هاشم وحصين % وابن عوف وحارث وسنان )

( حين يأتيهم لجاجك قيسا % وأي صاح أتيت أم نشوان )

وسأل حذيفة اخوته وسادات أصحابه في ترك الرهان ولج فيه وقال قيس علام تراهني قال على فرسيك داحس والغبراء وفرسي الخطار والحنفاء وقيل كان الرهن على فرسي داحس والغبراء قال قيس داحس أسرع وقال حذيفة الغبراء أسرع وقال لقيس أريد أن أعلمك أن بصري بالخيل أثقب من بصرك والأول أصح

فقال له قيس نفس في الغاية وارفع في السبق فقال حذيفة الغاية من إبلي إلى ذات الآصاد وهو قدر مائة وعشرين غلوة والسبق مائة بعير وضمروا الخيل فلما فرغوا قادوا الخيل إلى الغاية وحشدوا ولبسوا السلاح وتركوا السبق على يد عقال بن مروان بن الحكم القيسي وأعدوا الأمناء على إرسال الخيل وأقام حذيفة رجلا من بني أسد في الطريق وأمره أن يلقى داحسا في وادي ذات الآصاد إن مر به سابقا فيرمي به إلى أسفل الوادي فلما أرسلت الخيل سبقها داحس سبقا بينا والناس ينظرون إليه

وقيس وحذيفة على رأس الغاية في جميع قومهما فلما هبط داحس في الوادي عارضه الأسدي فلطم وجهه فألقاه في الماء فكاد يغرق هو وراكبه ولم يخرج إلا وقد فاتته الخيل وأما راكب الغبراء فإنه خالف طريق داحس لما رآه قد أبطأ وعاد إلى الطريق واجتمع مع فرسي حذيفة ثم سقطت الحنفاء وبقي الغبراء والخطار فكانا إذا أحزنا سبق الخطار وإذا أسهلا سبقت الغبراء فلما قربا من الناس وهما في وعث من الأرض تقدم الخطار فقال حذيفة سبقتك يا قيس فقال رويدك يعلون الجدد فذهبت مثلا فلما استوت بهما الأرض قال حذيفة خدع والله صاحبنا فقال قيس ترك الخداع من أجرى من مائة وعشرين فذهبت مثلا

ثم إن الغبراء جاءت سابقة وتبعها الخطار فرس حذيفة ثم الحنفاء له أيضا ثم جاء داحس بعد ذلك والغلام يسير به على رسله فأخبر الغلام قيسا بما صنع بفرسه فأنكر حذيفة ذلك وادعى السبق ظلما وقال جاء فرساي متتابعتين ومضى قيس وأصحابه حتى نظروا إلى القوم الذين حبسوا داحسا واختلفوا وبلغ الربيع بن زياد خبرهم فسره ذلك وقال لأصحابه هلك والله قيس وكأني به إن لم يقتله حذيفة وقد أتاكم يطلب منكم الجوار أما والله لئن فعل ما لنا من ضمه من بد

ثم إن الأسدي ندم على حبس داحس فجاء إلى قيس واعترف بما صنع فسبه حذيفة ثم أن بني بدر قصروا بقيس وإخوته وآذوهم بالكلام فعاتبهم قيس فلم يزدادوا إلا بغيا عليه وبذاء له ثم إن قيسا وحذيفة تناكرا في السبق حتى هما بالمؤاخذة فمنعهما الناس وظهر لهم بغي حذيفة وظلمه ولج في طلب السبق فأرسل ابنه ندبة إلى قيس يطالبه به فلما أبلغه الرسالة طعنه فقتله وعادت فرسه إلى أبيه

ونادى قيس يا بني عبس الرحيل فرحلوا كلهم ولما أتت الفرس حذيفة علم أن ولده قتل فصاح في الناس وركب فيمن معه وأتى منازل عبس فرآها خالية ورأى ابنه قتيلا فنزل إليه وقبله بين عينيه ودفنوه وكان مالك بن زهير أخو قيس متزوجا في فزارة وهو نازل فيهم فأرسل إليه قيس إني قد قتلت ندبة بن حذيفة ورحلت فالحق بنا وإلا قتلت فقال إنما ذنب قيس عليه ولم يرحل فارسل قيس إلى الربيع بن زياد يطلب منه العود إليه والمقام معه إذ هم عشيرة وأهل فلم يجبه ولم يمنعه وكان مفكرا في ذلك ثم أن بني بدر قتلوا مالك بن زهير أخا قيس وكان نازلا فيهم فبلغه مقتله بني عبس والربيع بن زياد فاشتد ذلك عليهم وأرسل الربيع إلى قيس عينا يأتيه بخبره فسمعه يقول

( أينجو بنو بدر بمقتل مالك % ويخذلنا في النائبات ربيع )

( وكان زياد قبله يتقي به % من الدهر أن يوم ألم فظيع )

( فقل لربيع يحتذي فعل شيخه % وما الناس إلا حافظ ومضيع )

( وإلا فما لي في البلاد إقامة % وأمر بني بدر علي جميع )

فرجع الرجل إلى الربيع فأخبره فبكى الربيع على مالك وقال

( منع الرقاد فما أغمض ساعة % جزعا من الخبر العظيم الساري )

( أفبعد مقتل مالك لمضيعة % يرجو نسواتنا عواقب الأطهار )

( من كان محزونا بمقتل مالك % فليأت نسوتنا بوجه نهار )

( يجد النساء حواسرا يندبنه % ويقمن قبل تبلج الأسحار )

( يضربن حر وجوههن على فتى % ضخم الدسيعة غير ما خوار )

( قد كن يكنن الوجوه تسترا % فاليوم حين برزن للنظار )

وهي طويلة

فسمعها قيس فركب هو وأهله وقصدوا الربيع بن زياد وهو يصلح سلاحه فنزل إليه قيس وقام الربيع فاعتنقا وبكيا وأظهرا الجزع لمصاب مالك ولقي القوم بعضم بعضا فنزلوا فقال قيس للربيع إنه لم يهرب منك من لجأ إليك ولم يستغن عنك من استعان بك وقد كان لك شر يومي فليكن لي خير يوميك وإنما أنا بقومي وقومي بك وقد أصاب القوم مالكا لست أهم بسوء لأني إن حاربت بني بدر نصرتهم بنو ذبيان وإن حاربتني خذلني بنو عبس إلا أن تجمعهم علي وأنا والقوم في الدماء سواء قتلت ابنهم وقتلوا أخي فإن نصرتني طمعت فيهم وإن خذلتني طمعوا في

فقال الربيع يا قيس إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل ما لا أراه لي ولا ينفعك أن ترى لي مالا أراه لك وقد مال علي قتل مالك وأنت ظالم ومظلوم ظلموك في جوادك وظلمتهم في دمائهم وقتلوا أخاك بابنهم فإن يبؤ الدم بالدم فعسى أن تلقح الحرب أقم معك وأحب الأمرين إلى مسالمتهم ونخلو بحرب هوازن وبعث قيس إلى أهله وأصحابه فجاؤوا ونزلوا مع الربيع وأنشدهم عنترة بن شداد مرثية في مالك

( فلله عينا من رأى مثل مالك % عقيرة قوم إن جرى فرسان )

( فليتهما لم يطعما الدهر بعدها % وليتهما لم يجمعا لرهان )

( وليتهما ماتا جميعا ببلدة % وأخطاهما قيس فلا يريان )

( لقد جلبا جلبا لمصرع مالك % وكان كريما ماجدا لهجان )

( وكان إذا ما كان يوم كريهة % فقد علموا أني وهو فتيان )

( وكنا لدى الهيجاء نحمي نساءنا % ونضرب عند الكرب كل بنان )

( فسوف ترى إن كنت بعدك باقيا % وأمكنني دهري وطول زماني )

( فاقسم حقا لو بقيت لنظرة % لقرت بها العينان حين تراني )

وقد بلغ حذيفة أن الربيع وقيسا اتفقا فشق ذلك عليه واستعد للبلاء وقيل أن بلاد عبس كانت قد أجدبت فانتجع أهلها بلاد فزارة وأخذ الربيع جورا من حذيفة وأقام عندهم فلما بلغه مقتل مالك قال لحذيفة لي ذمتي ثلاث أيام فقال حذيفة ذلك لك فانتقل الربيع من بني فزارة فبلغ ذلك حمل بن بدر فقال لحذيفة أخيه بئس الرأي رأيت قتلت مالكا وخليت سبيل الربيع والله ليضرمنها عليك نارا

فركبا في طلب الربيع ففاتهم فعلما أنه قد أضمر الشر واتفق الربيع وقيس وجمع حذيفة قومه وتعاقدوا على عبس وجمع الربيع وقيس قومهما واستعدوا للحرب فأغارت فزارة على بني عبس فأصابوا نعما ورجالا فحميت عبس واجتمعت للغارة فنذرت بهم فزارة فخرجوا إليهم فالتقوا على ماء يقال له العذق وهي أول وقعة كانت بينهم فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل عوف بن يزيد قتله جندب بن خلف العبسي وانهزمت فزارة وقتلوا قتلا ذريعا وأسر الربيع بن زياد حذيفة بن ندبة وكان حر بن الحارث العبسي قد نذر إن قدر على حذيفة أن يضربه بالسيف وله سيف قاطع يسمى الأصرم فأراد ضربه بالسيف لما أسر وافاء بنذره فأرسل الربيع إلى امرأته فغيبت سيفه ونهوه عن قتله وحذروه عاقبة ذلك فأبى إلا ضربه فوضعوا عليه الرجال فضربه فلم يصنع السيف شيئا وبقي حذيفة أسيرا فاجتمعت غطفان وسعوا في الصلح فاصطلحوا على أن يهدروا دم بدر بن حذيفة بدم مالك بن زهير ويعقلوا عوف بن بدر ويعطوا حذيفة عن ضربته التي ضربه حر مائتين من الابل وأن يجعلوها عشارا كلها وأربعة أعبد وأهدر حذيفة دماء من قتل من فزارة في الوقعة وأطلق من الأسر فلما رجع إلى قومه ندم على ذلك وساءت مقالته في بني عبس وركب قيس بن زهير وعمارة بن زياد فمضيا إلى حذيفة وتحدثا معه فأجابهما إلى الاتفاق وأن يرد عليهما الإبل التي أخذ منهما وكانت توالدت عنده فبينما هم في ذلك إذ جاءهم سنان بن أبي حارثة المري فقبح رأي حذيفة في الصلح وقال إن كنت لا بد فاعلا فاعطهم إبلا عجافا مكان إبلهم واحبس أولادها فوافق ذلك رأي حذيفة فأبى قيس وعمارة ذلك وقيل إن الإبل التي طلبوها منه هي إبل كان قد أخذها سبقا من قيس وقيل أيضا إن مالك بن زهير قتل بعد هذه الوقعة المذكورة قال حميد بن بدر في ذلك

( قتلنا بعوف مالكا وهو ثارنا % ومن يبتدع شيئا سوى الحق يظلم )

وجعل سنان يحث حذيفة على الحرب فتيسروا لها ثم إن الأنصار بلغهم ما عزموا عليه فاتفق جماعة من رؤسائهم وهم عمرو بن الأطنابة ومالك بن عجلان وأحيحة بن الجلاح وقيس بن الخطيم وغيرهم وساروا ليصلحوا بينهم فوصلوا إليهم وترددوا في الاتفاق فلم يجب حذيفة إلى ذلك وظهر لهم بغيه فحذروه عاقبته وعادوا عنه وأغار حذيفة على عبس وأغارت عبس على فزارة وتفاقم الشر وأرسل حذيفة أخاه حملا فأغار وأسر ريان بن الأسلع بن سفيان وشده وثاقا وحمله إلى حذيفة فأطلقه ليرهنه ابنيه وجير ابن أخيه عمرو بن الاسلع ففعل ريان ذلك ثم سار قيس إلى فزارة فلقي منهم جمعا فيهم مالك بن بدر فقتله قيس وانهزمت فزارة فأخذ حينئذ حذيفة ولدي ريان فقتلهما وهما يستغيثان يا أبتاه حتى ماتا وأما ابن أخيه فمنعه أخواله

ولما قتل مالك والغلامان اشتدت الحرب بين الفريقين وأكثرهما في فزارة ومن معها ففي بعض الأيام التقوا واقتتلوا قتالا شديدا دامت الحرب بينهم إلى آخر النهار وأبصر ريان بن الأسلع زيد بن حذيفة فحمل عليه فقتله وانهزمت فزارة وذبيان وأدرك الحارث بن بدر فقتل ورجعت عبس سالمة لم يصب منها أحد فلما قتل زيد والحارث جمع حذيفة جميع بني ذبيان وبعث إلى أشجع وأسد بن خزيمة فجمعهم فبلغ ذلك بني عبس فضموا أطرافهم وأشار قيس بن زهير بالسبق إلى ماء العقيقة ففعلوا ذلك وسار حذيفة في جموع إلى عبس ومشى السفراء بينهم فحلف حذيفة أنه لا يصلح حتى يشرب من ماء العقيقة فأرسل إليه قيس منه في سقاء وقال لا أترك حذيفة يخدعني واصطلحوا على أن تعطي بنو عبس حذيفة ديات من قتل له ووضعوا الرهائن عنده إلى أن يجمعوا الديات وهي عشر وكانت الرهائن ابنا لقيس بن زهير وابنا للربيع بن زياد فوضعوا أحدهما عند قبطة بن سنان والآخر عند رجل من بكر بن وائل أعمى فعير بعض الناس حذيفة بقبول الدية فحضر هو وأخوه حمل عند قطبة بن سنان والبكري وقال ادفعا إلينا الغلامين لنكسوهما ونسرحهما إلى أهلهما فأما قطبة فدفع إليهما الغلام الذي عنده وهو ابن قيس وأما البكري فامتنع من تسليم من عنده فلما أخذا ابن قيس عادا فلقيا في الطريق ابنا لعمارة بن زياد العبسي وابن عم له فأخذاهما وقتلاهما مع ابن قيس

فلما بلغ ذلك بني عبس أخذوا ما كانوا جمعوا من الديات فحملوا عليه الرجال واشتروا السلاح ثم خرج قيس في جماعة فلقوا ابنا لحذيفة ومعه فوارس من ذبيان فقتلوهم فجمع حذيفة وسار إلى عبس وهم على ماء يقال له عرعر فاقتتلوا فكان الظفر لفزارة ورجعت سالمة وجد حذيفة في الحرب وكرهها أخوه حمل وندم على ما كان وقال لأخيه في الصلح فلم يجب إلى ذلك وجمع الجموع من أسد وذبيان وسائر بطون غطفان وسار نحو بني عبس فاجتمعت عبس وتشاوروا في أمرهم فقال لهم قيس بن زهير إنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به وليس لبني بدر إلا دماؤكم والزيادة عليكم وأما من سواهم فلا يريدون غير الأموال والغنيمة والرأي أننا نترك الأموال بمكانها ونترك معها فارسين على داحس وعلى فرس آخر جواد ونرحل نحن ونكون على مرحلة من المال فإذا جاء القوم إلى الأموال سار إلينا الفارسان فأعلمانا وصولهم فإن القوم يشتغلون بالنهب وحيازة الأموال وإن نهاهم ذووا الرأي عن ذلك فإن العامة تخالفهم وتنتقض تعبيتهم ويشتغل كل إنسان بحفظ ما غنم ويعلقون أسلحتهم على ظهورالإبل ويأمنون فنعود نحن إليهم عند وصول الفارسين فندركهم وهم على حال تفرق وتشتت فلا يكون لأحدهم همة إلا نفسه ففعلوا ذلك وجاء حذيفة ومن معه فاشتغلوا بالنهب فنهاهم حذيفة وغيره فلم يقبلوا منه وكانوا على الحال التي وصف قيس وعادت بنو عبس وقد تفرقت أسد وغيرهم وبقي بنو فزارة في آخر الناس فحملوا عليهم من جوانبهم فقتل مالك بن سبيع التغلبي سيد غطفان وانهزمت فزارة وحذيفة معهم وانفرد في خمسة فوارس وجد في الهرب وبلغ خبره بني عبس فتبعه قيس بن زهير والربيع بن زياد وقرواش بن عمرو بن الأسلع وريان بن الأسلع الذي قتل حذيفة ابنيه وتبعوا أثرهم في الليل وقال قسي كأني بالقوم وقد وردوا جفر الهباءة ونزلوا فيه فساروا ليلتهم كلها حتى أدركوهم مع طلوع الشمس في جفر الهباءة في الماء وقد أرسلوا خيولهم فأخذوا بجمعها فحال قيس وأصحابه بينهم وبينها وكان مع حذيفة في الجفر أخوه حمل بن بدر وابنه حصن بن حذيفة وغيرهم فهجم عليهم قيس والربيع ومن معهما وهم ينادون ليبكم لبيكم يعني أنهم يجيبون نداء الصبيان لما قتلوا ينادون يا أبتاه فقال لهم قيس يا بني بكر كيف رأيتم عاقبة البغي فناشدوهم الله والرحم فلم يقبلوا منهم ودار قرواش بن عمرو حتى وقف خلف ظهر حذيفة فضربه فدق صلبه وكان قرواش قد رباه حذيفة حتى كبر عنده في بيته وقتلوا حملا أخاه وقطعوا رأسيهما واستبقوا حصن ابن حذيفة لصباه وكان عدد من قتل في هذه الوقعة من فزارة وأسد وغطفان ما يزيد على أربعمائة قتيل وقتل من عبس ما يزيد على عشرين قتيلا وكانت فزارة تسمي هذه الوقعة البوار وقال قيس بن زهير

( أقام على الهباءة خير ميت % وأكرمه حذيفة لا يريم )

( لقد فجعت به قيس جميعا % موالي القوم والقوم الصميم )

( وعم به لمقتله بعيد % وخص به لمقتله حميم )

وهي طويلة وقال أيضا

( ألم تر أن خير الناس أمسى % على جفر الهباءة لا يريم )

( فلولا ظلمه ما زلت أبكي % عليه الدهر ما طلع النجوم )

( ولكن الفتى حمل بن بدر % بغى والبغي مرتعه وخيم )

وأكثروا القول في يوم الهباءة

ثم إن عبسا ندمت على ما فعلت يوم الهباءة ولام بعضهم بعضا فاجتمعت فزارة إلى سنان بن أبي حارثة المري وشكوا إليه ما نزل بهم فأعظمه وذم عبسا وعزم على أن يجمع العرب ويأخذ بثار بني بدر وفزارة وبث رسله فاجتمع من العرب خلق كثير لا يحصون ونهى أصحابه عن التعرض إلى الأموال والغنيمة وأمرهم بالصبر وساروا إلى بني عبس فلما بلغهم مسيرهم إليهم قال قيس الرأي أننا لا نلقاهم فإننا قد وترناهم فهم يطالبوننا بالذحول والطوائل وقد رأوا ما نالهم بالأمس باشتغالهم بالنهب والمال فهم لا يتعرضون إليه الآن والذي ينبغي أن نفعله أننا نرسل الظعائن والأموال إلى بني عامر فإن الدم لنا قبلهم فهم لا يتعرضون لكم ويبقى أولو القوة والجلد على ظهور الخيل ونماطلهم القتال فإن أبوا إلا القتال كنا قد أحرزنا أهلينا وأموالنا وقاتلناهم وصبرنا لهم فإن ظفرنا فهو الذي نريد وإن كانت الأخرى كنا قد احترزنا ولحقنا بأموالنا ونحن على حامية ففعلوا ذلك وسارت ذبيان ومن معها فلحقوا بني عبس على ذات الجراجر فاقتتلوا قتالا شديدا يومهم ذلك وافترقوا

عنترة بن شداد ص 459

فلما كان الغد عادوا إلى اللقاء فاقتتلوا أشد من اليوم الأول وظهرت في هذه الأيام شجاعة عنترة بن شداد فلما رأى الناس شدة القتال وكثرة القتلى لاموا سنان بن أبي حارثة على منعه حذيفة عن الصلح وتطيروا منه وأشاروا عليه بحقن الدماء ومراجعة السلم فلم يفعل وأراد مراجعة الحرب في اليوم الثالث فلما رأى فتور أصحابه وركونهم إلى السلم رحل عائدا فلما عاد عنهم رحل قيس وبنو عبس إلى بني شيبان بن بكر وجاوروهم وبقوا معهم مدة فرأى قيس من غلمان شيبان ما يكرهه من التعرض لأخذ أموالهم فرحلوا عنهم فتبعهم جمع من شيبان فلقيتهم بنو عبس واقتتلوا فانهزمت شيبان وسارت عبس إلى هجر ليحالفوا ملكهم وهو معاوية بن الحارث الكندي فعزم معاوية على الغارة عليهم ليلا فبلغهم الخبر فساروا عنه مجدين وسار معاوية مجدا في أثرهم فتاه بهم الدليل على عمد لئلا يدركوا عبسا إلا وهم قد لحقهم ودوابهم النصب فأدركوهم بالفروق فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم معاوية وأهل هجر وتبعتهم عبس فأخذت من أموالهم وقتلوا منهم ما أرادوا ورجعوا سائرين فنزلوا بماء يقال له عرعر عليه حي من كلب فركبوا ليقاتلوا بني عبس فبرز الربيع وطلب رئيسهم فبرز إليه واسمه مسعود بن مصاد فاقتتلا حتى سقطا إلى الأرض وأراد مسعود قتل الربيع فانحسرت البيضة عن رقبته فرماه رجل من بني عبس بسهم فقتله فثار به الربيع فقطع رأسه وحملت عبس على كلب والرأس على رمح فانهزمت كلب وغنمت عبس أموالهم وذاريهم فساروا إلى اليمامة فحالفوا أهلها من بني حنيفة وأقاموا ثلاث سنين فلم يحسنوا جوارهم وضيقوا عليهم فساروا عنهم وقد تفرق كثير منهم وقتل منهم وهلكت دوابهم ووترهم العرب فراسلتهم بنو ضبة وعرضوا عليهم المقام عندهم ليستعينوا بهم على حرب تميم ففعلوا وجاوروهم

فلما انقضى الأمر بين ضبة وتميم تغيرت ضبة لعبس وأرادوا اقتطاعهم فحاربتهم عبس فظفرت وغنمت من أموال ضبة وسارت إلى بني عامر وحالفوا الأحوص بن جعفر بن كلاب فسر بهم ليقوى بهم على حرب بني تميم لأنه كان بلغه أن لقيط بن زرارة يريد غزو بني عامر والأخذ بثأر أخيه معبد فأقامت عبس عند بني عامر فقصدتهم تميم وكانت وقعة شعب جبلة وسنذكره إن شاء الله

ثم إن ذبيان غزوا بني عامر بن صعصعة وفيهم بنو عبس فاقتتلوا فهزمت عامر وأسر قرواش بن هنى العبسي ولم يعرف فلما قدموا به الحي عرفته امرأة منهم فلما عرفوه سلموه إلى حصن بن حذيفة فقتله ثم رحلت عبس عن عامر ونزلت بتيم الرباب فبغت تيم عليهم فاقتتلوا قتالا شديدا وتكاثرت عليهم تيم فقتلوا من عبس المواشي فقال لهم قيس ما ترون قالوا نرجع إلى إخواننا من ذبيان فالموت معهم خير من البقاء مع غيرهم

فساروا حتى قدموا على الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري وقيل على هروم بن سنان بن أبي حارثة ليلا وكان عنده حصن بن حذيفة بن بدر فلما عاد ورآهم رحب بهم وقال من القوم

قالوا إخوانك بنو عبس وذكروا حاجتهم فقال نعم وكرامة أعلم حصن بن حذيفة فعاد إليه وقال طرقت في حاجة قال أعطيتها قال بنو عبس وجدت وفودهم في منزلي قال حصن صالحوا قومكم أما أنا فلا أدي ولا أتدي قد قتل آبائي وعمومتي عشرين من عبس فعاد إلى عبس وأخبرهم بقول حصن وأخذهم إليه فلما رآهم قال قيس والربيع بن زياد نحن ركبان الموت قال بل ركبان السلم إن تكونوا اختللتم إلى قومكم فقد اختل قومكم إليكم ثم خرج معهم حتى أتو سنانا فقالوا له قم بأمر عشيرتك وأصلح بينهم فإني سأعينك ففعل ذلك وتم الصلح بينهم وعادت عبس

وقيل إن قيس بن زهير لم يسر مع عبس إلى ذبيان وقال لا تراني غطفانية أبدا وقد قتلت أخاها أو زوجها أو ولدها أو ابن عمها ولكني سأتوب إلى ربي

فتنصر وساح في الأرض حتى انتهى إلى عمان فترهب بها زمانا فلقيه حوج بن مالك العبدي فعرفه فقتله وقال لا رحمني الله إن رحمتك وقيل إن قيسا تزوج في النمير بن قاسط لما عادت عبس إلى ذبيان وولد له ولد اسمه فضالة فقدم على النبي وعقد له على من معه من قومه وكانوا تسعة وهم عاشرهم انقضى حرب داحس والغبراء والحمد لله

يوم شعب جبلة ص 462

كان لقيط بن زرارة قد عزم على غزو بني عامر بن صعصعة للأخذ بثأر أخيه معبد بن زرارة وقد ذكرنا موته عندهم أسيرا فبينما هو يتجهز أتاه الخبر بحلف بني عبس وبني عامر فلم يطمع في القوم وأرسل إلى كل من كان بينه وبين عبس ذحل يسأله الحلف والتظافر على غزو عبس وعامر فاجتمعت إليه أسد وغطفان وعمرو بن الجون ومعاوية بن الجون واستوثقوا واستكثروا وساروا فعقد معاوية بن الجون الألوية فكان بنو أسد وبنو فزارة بلواء مع معاوية بن الجون وعقد لعمرو بن تميم مع حاجب بن زرارة وعقد للرباب مع حسان بن همام وعقد لجماعة من بطون تميم مع عمرو بن عدس وعقد لحنظلة بأسرها مع لقيط بن زرارة وكان مع لقيط ابنته دختنوس وكان يغزو بها معه ويرجع إلى رأيها وساروا في جمع عظيم لا يشكون في قتل عبس وعامر وإدراك ثأرهم فلقي لقيط في طريقه كرب بن صفوان بن الحباب السعدي وكان شريفا فقال ما منعك أن تسير معنا في غزاتنا

قال أنا مشغول في طلب إبل لي قال لا بل تريد أن تنذر بنا القوم ولا أتركك حتى تحلف أنك لا تخبرهم

فحلف لهم ثم سار عنهم وهو مغضوب فلما دنا من عامر أخذ خرقة فصر فيها حنظلة وشوكا وترابا وخرقتين من يمانية وخرقة حمراء وعشرة أحجار سود ثم رمى بها حيث يسقون ولم يتكلم فأخذها معاوية بن قشير فأتى بها الأحوص بن جعفر وأخبره أن رجلا ألقاها وهم يسقون

فقال الأحوص لقيس بن زهير العبسي ما ترى في هذا الأمر قال هذا من صنع الله لنا هذا رجل قد أخذ عليه عهد على أن لا يكلمكم فأخبركم أن أعداءكم قد غزوكم عدد التراب وأن شوكتهم شديدة وأما الحنظلة فهي رؤساء القوم وأما الخرقتان اليمانيتان فهما حيان من اليمن معهم وأما الخرقة الحمراء فهي حاجب بن زرارة وأما الأحجار فهي عشر ليال يأتيكم القوم إليها قد أنذرتكم فكونوا أحرارا فاصبروا كما يصبر الأحرار منكم

قال الأحوص فإنا فاعلون وآخذون برأيك فإنه لم تنزل بك شدة إلا رأيت المخرج منها قال فإذا قد رجعتم إلى رأيي فأدخلوا نعمكم شعب جبلة ثم أظمؤها هذه الأيام ولا توردوها الماء فإذا جاء القوم أخرجوا عليهم الإبل وانخسوها بالسيوف والرماح فتخرج مذاعير عطاشا فتشغلهم وتفرق جمعهم واخرجوا أنتم في آثارها واشفوا نفوسكم

ففعلوا ما أشار به وعاد كرب بن صفوان فلقي لقيطا فقال له أنذرت القوم فأعاد الحلف له أنه لم يكلم أحدا فخلى عنه فقالت دختنوس ابنة لقيط لأبيها ردني إلى أهلي ولا تعرضني لعبس وعامر فقد أنذرهم لا محالة

فاستحمقها وساءه كلامها وردها وسار حتى نزل على فم الشعب بعساكر جرارة كثيرة الصواهل وليس لهم هم إلا الماء فقصدوه فقال لهم قيس أخرجوا عليهم الآن الإبل ففعلوا ذلك فخرجت الإبل مذاعير عطاشا وهم في أعراضها وأدبارها فخبطت تميما ومن معها وقطعتهم وكانوا في الشعب وأبزرتهم إلى الصحراء على غير تغبية وشغلوا عن الاجتماع إلى ألويتهم وحملت عليهم عبس وعامر فاقتتلوا قتالا شديدا وكثرت القتلى في تميم وكان أول من قتل من رؤسائهم عمرو بن الجون وأسر معاوية بن الجون وعمرو بن عمرو بن عدس زوج دختنوس بنت لقيط وأسر حاجب بن زرارة وانحاز لقيط بن زرارة فدعا قومه وقد تفرقوا عنه فاجتمع إليه نفر يسير فتحرز برايته فوق جرف ثم حمل فقتل فيهم ورجع وصاح أنا لقيط وحمل ثانية فقتل وجرح وعاد فكثر جمعه فانحط الجرف بفرسه وحمل عليه عنترة فطعنه طعنه قصم بها صلبه وضربه قيس بالسيف فألقاه متشحطا في دمه فذكر ابنته دختنوس فقال

( يا ليت شعري عنك دختنوس % إذا أتاها الخبر المرموس )

( أتحلق القرون أم تميس % لا بل تميس إنها عروس )

ثم مات وتمت الهزيمة على تميم وغطفان ثم فدوا حاجبا بخمسمائة من الإبل وفدوا عمر بن عمرو بمائتين من الإبل وعاد من سلم إلى أهله وقالت دختنوس ترثي أباها قصائد منها

( عثر الأغر بخير خندف % كهلها وشبابها )

( وأضرها لعدوها % وأفكها لرقابها )

( وقريعها ونجيبها % في المطبقات ونابها )

( ورئيسها عند الملوك % وزين يوم خطابها )

( وأتمها نسبا إذا % رجعت إلى أنسابها )

( فرعى عمودا للعشيرة % رافعا لنصابها )

( ويعولها ويحوطها % ويذب عن أحسابها )

( ويطأ مواطن للعدو % وكان لا يمشي بها )

( فعل المدل من الأسود % لحينها وتبابها )

( كالكوكب الدري في % سيماء لا يخفى بها )

( عبث الأغر به وكل % منية لكتابها )

( فرت بنو أسد فرار % الطير عن أربابها )

( وهوازن أصحابهم % كالفأر في أذنابها )

رواية ابن إسحاق

وذكر محمد بن إسحاق في يوم جبلة غير ما ذكرنا قال كان سببه أن بني خندف كان لهم على قيس أكل تأكله القعدد من خندف فكان ينتقل فيهم حتى انتهى إلى تميم ثم من تميم إلى بني عمرو بن تميم وهم أقل بطنا منهم وأذله فأبت قيس أن تعطي الأكل وامتنعت منه فجمعت تميم وحالفت غيرها من العرب وساروا إلى قيس فذكر القصة نحو ما تقدم وخالف في البعض فلا حاجة إلى ذكره

وفي هذا اليوم ولد عامر بن الطفيل العامري

وقد قال بعض العلماء إن المجوسية كان يدين بها بعض العرب بالبحرين وكان زرارة بن عدس وابناه حاجب ولقيط والأقرع بن حابس وغيرهم مجوسا وأن لقيطا تزوج ابنته دختنوس وسماها بهذا الاسم الفارسي وأنه قتل وهي تحته فقال في ذلك

( يا ليت شعري عنك دختنوس % ) الأبيات والأول أصح والله أعلم

يوم ذات نكيف ص 465

كان بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة مبغضين لقريش مضطغنين عليهم ما كان من قصي حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة حين قسمها رباعا وخططا بين قريش فلما كانوا على عهد عبد المطلب هموا بإخراج قريش من الحرم وأن يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه وعدت بنو بكر على نعم لبني الهون بن خزيمة فاطردوها ثم جمعوا جموعهم وجمعت قريش جموعهم واستعدت وعقد عبد المطلب للحلف بين قريش والأحابيش وهم بنو الحرث بن عبد مناة وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق من خزاعة فلقوا بني بكر ومن انضم إليهم وعلى الناس عبد المطلب فاقتتلوا بذات نكيف فانهزم بنو بكر وقتلوا قتلا ذريعا فلم يعودوا لحرب قريش قال ابن شعلة الفهري

( فلله عينا من رأى من عصابة % غوت غي بكر يوم ذات نكيف )

( أناخوا إلى أبنائنا ونسائنا % فكانوا لنا ضيفا بشر مضيف )

فقتل يومئذ عبد بن السفاح القارئ من القارة قتادة بن قيس أخا بلعاء بن قيس واسم بلعاء مساحق ويومئذ قيل قد أنصف القارة من راماها والقارة من ولد الهون بن خزيمة وهو من ولد عضل بن الديش قال رجل منهم

( دعونا قارة لا تنفرونا % فنجفل مثل أجفال الظليم )

وقيل بهذا البيت سموا قارة وكان يقال للقارة رماة الحدق

ذكر الفجار الأول والثاني ص 466

أما الفجار الأول فلم يكن فيه كثير امر ليذكر وإنما ذكرناه لئلا يرى ذكر الفجار الثاني وما كان فيه من الأمور العظيمة فيظن أن الأول مثله وقد أهملناه فلهذا ذكرناه قال ابن إسحاق كان الفجار الأول بين قريش ومن معها من كنانة كلها وبين قيس عيلان

وسببه أن رجلا من كنانة كان عليه دين لرجل من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن فأعدم الكناني فوافى النصري سوق عكاظ بقرد وقال من يبيعني مثل هذا بما لي على فلان الكناني فعل ذلك تعييرا للكناني وقومه فمر به رجل من كنانة فضرب القرد بالسيف فقتله أنفة مما قال النصري فصرخ النصري في قيس وصرخ الكناني في كنانة فاجتمع الناس وتحاوروا حتى كاد يكون بينهم القتال ثم اصطلحوا

وقيل كان سببه أن فتية من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر وهي وضيئة عليها برقع فقالوا لها اسفري لننظر وجهك فلم تفعل فقام غلام منهم فشق ذيل إلى ظهرها ولم تشعر فلما قامت انكشفت دبرها فضحكوا وقالوا منعتينا النظر إلى وجهك فقد نظرنا إلى دبرك فصاحت المرأة يا بني عامر فضحت

فأتاها الناس واشتجروا حتى كان يكون قتال ثم رأوا أن الأمير يسير فاصطلحوا

وقيل بل قعد رجل من بني غفار يقال له أبو معشر بن مكرز وكان غازيا منيعا في نفسه وكان بسوق عكاظ فمد رجله ثم قال

( نحن بنو مدركة بن خندف % من يطعنوا في عينه لا يطرف )

( ومن يكونوا قومه يغطرف % كأنه لجة بحر مسرف )

أنا والله أعز العرب فمن زعم أنه أعز مني فليضربها بالسيف فقام رجل من قيس يقال له أحمر بن مازن فضربها بالسيف فخدشها خدشا غير كثير فاختصم الناس ثم اصطلحوا بنو نصر بن بالنون

وأما الفجار الثاني وكان بعد الفيل بعشرين سنة وبعد موت عبد المطلب باثني عشرة سنة ولم يكن في أيام العرب أشهر منه ولا أعظم وإنما سمي الفجار لما استحل الحيان كنانة وقيس فيه من المحارم وكان قبله يوم جبلة وهو مذكور من أيام العرب والفجار أعظم منه وكان سببه أن البراض بن قيس بن رافع الكناني ثم الضمري وكان رجلا فاتكا خليعا قد خلعه قومه لكثرة شره وكان يضرب المثل بفتكه فيقال أفتك من البراض قال بعضهم

( والفتى من تعرفته الليالي % فهو فيها كالحية النضناض )

( كل يوم له بصرف الليالي % فتكه مثل فتكة البراض )

خرج حتى قدم على النعمان بن المنذر وكان النعمان يبعث كل عام بلطيمة للتجارة إلى عكاظ تباع له هناك وكان عكاظ وذو المجاز ومجنة أسواقا تجتمع بها العرب كل عام إذا حضر الموسم فيؤمن بعضهم بعضها حتى تنقضي أيامها وكانت مجنة بالظهران وكان عكاظ بين نخلة والطائف وكان ذو المجاز بالجانب الأيسر إذا وقفت على الموقف فقال النعمان وعنده البراض وعروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب المعروف بالرحال وإنما قيل له ذلك لكثرة رحلته إلى الملوك

من يجيز لي لطيمتي هذه حتى يبلغها عكاظ

فقال البراض أبيت اللعن أنا أجيزها على كنانة فقال النعمان إنما أريد من يجيزها على كنانة وقيس فقال عروة أكلب خليع يجيزها لك أبيت اللعن أنا أجيزها على أهل الشيخ والقيصوم من أهل تهامة وأهل نجد فقال البراض وغضب وعلى كنانة تجيزها يا عروة قال عروة وعلى الناس كلهم

فدفع النعمان اللطيمة إلى عروة الرحال وأمره بالمسير بها وخرج البراض يتبع أثره وعروة يرى مكانه ولا يخشى منه حتى إذا كان عروة بني ظهري قومه بواد يقال له تيمن بنواحي فدك أدركه البراض بن قيس فأخرج قداحه يستقسم بها في قتل عروة فمر بها عروة فقال ما تصنع يا براض فقال استقسم في قتلك أيؤذن لي أم لا فقال عروة استك أضيق من ذلك فوثب إليه البراض بالسيف فقتله فلما رآه الذين يقومون على العير والأحمال قتيلا انهزموا فاستاق البراض العير وسار على وجهه إلى خيبر وتبعه رجلان من قيس ليأخذاه أحدهما غنوي والآخر غطفاني اسم الغنوي أسد بن جوين واسم الغطفاني مساور بن مالك فلقيهما البراض بخيبر أول الناس فقال لهما من الرجلان قالا من قيس قدمنا لنقتل البراض فأنزلهما وعقل راحلتيهما ثم قال أيكما أجرأ عليه وأجود سيفا قال الغطفاني أنا فأخذه ومشى معه ليدله بزعمه على البراض فقال للغنوي احفظ راحلتيكما ففعل وانطلق البراض بالغطفاني حتى أخرجه إلى خربة في جانب خيبر خارجا من البيوت فقال الغطفاني هو في هذه الخربة أليها يأوي فأمهلني حتى أنظر أهو فيها فوقف ودخل البراض ثم خرج فقال هو فيها وهو نائم فأرني سيفك حتى أنظر إليه أضارب هو أم لا

فأعطاه سيفه فضربه به حتى قتله ثم أخفى السيف وعاد إلى الغنوي فقال له لم أر رجلا أجبن من صاحبك تركته في البيت الذي فيه البراض وهو نائم فلم يقدم عليه فقال انظر لي من يحفظ الراحلتين حتى أمضي إليه فأقتله فقال دعهما وهما علي ثم أنطلقا إلى الخربة فقتله وسار بالعير إلى مكة فلقي رجل من بني أسد بن خزيمة فقال له البراض هل لك إلى أن أجعل لك جعلا على أن تنطلق إلى حرب بن أمية وقومي فإنهم قومي وقومك لأن أسد بن خزيمة من خندف أيضا فتخبرهم أن البراض بن قيس قتل عروة الرحال فليحذروا قيسا وجعل له عشرا من الإبل فخرج الأسدي حتى أتى عكاظ وبها جماعة الناس فأتى حرب بن أمية فأخبره الخبر فبعث إلى عبد الله بن جدعان التيمي وإلى هشام بن المغيرة المخزومي وهو والد أبي جهل وهما من أشراف قريش وذوي السن منهم وإلى كل قبيلة من قريش أحضر منها رجلا وإلى الحليس بن يزيد الحرثي وهو سيد الأحابيش فأخبرهم أيضا فتشاوروا وقالوا نخشى من قيس أن يطلبوا ثأر صاحبهم منا فإنهم لا يرضون أن يقتلوا به خليعا من بني ضمرة

فاتفق رأيهم على أن يأتوا أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ملاعب الأسنة وهو يومئذ سيد قيس وشريفها فيقولوا له إنه قد كان حدث بين نجد وتهامة وأنه لم يأتنا علمه فأجز بين الناس حتى تعلم وتعلم فأتوه وقالوا له ذلك فأجاز بين الناس وأعلم قومه ما قيل له ثم قام نفر من قريش فقالوا يا أهل عكاظ إنه قد حدث في قومنا بمكة حدث أتانا خبره ونخشى إن تخلفنا عنهم تفاقم الشر فلا يروعنكم تحملنا ثم ركبوا على الصعب والذلول إلى مكلة فلما كان آخر اليوم أتى عامر بن مالك ملاعب الأسنة الخبر فقال غدرت قريش وخدعني حرب بن أمية والله لا تنزل كنانة عكاظ أبدا ثم ركبوا في طلبهم حتى أدركوهم بنخلة فاقتتل القوم فاشتعلت قيس فكادت قريش تنهزم إلا إنها على حاميتها تبادر دخول الحرم ليأمنوا به فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا الحرم مع الليل وكان رسول الله معهم وعمره عشرون سنة

وقال الزهري لم يكن معهم ولو كان معهم لم ينهزموا

وهذه العلة ليست بشيء لأنه قد كان بعد الوحي والرسالة ينهزم أصحابه ويقتلون وإذا كان في جمع قبل الرسالة وانهزموا فغير بعيد

ولما دخلت قريش الحرم عادت عنهم قيس وقالوا لهم يا معشر قريش إنا لا نترك دم عروة وميعادنا عكاظ في العام المقبل وانصرفت إلى بلادها يحرص بعضها بعضا ويبكون عروة الرحال

ثم إن قيسا جمعت جموعها ومعها ثقيف وغيرها وجمعت قريش جموعها منهم كنانة جميعا والأحابيش وأسد بن خزيمة وفرقت قريش السلاح في الناس فأعطى عبد الله بن جدعان مائة رجل سلاحا تاما وفعل الباقون مثله وخرجت قريش للموعد على كل بطن منها رئيس فكان على بني هاشم الزبير بن عبد المطلب ومعه رسول الله وإخوته أبو طالب وحمزة والعباس بنو عبد المطلب وعلى بني أمية وأحلافها حرب بن أمية وعلى بني عبد الدار عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وعلى بني أسد بن عبد العزى خويلد بن أسد وعلى بني مخزوم هشام بن المغيرة أبو أبي جهل وعلى بني تيم عبد الله بن جدعان وعلى بني جمح معمر بن خبيب بن وهب وعلى بني سهم العاص بن وائل وعلى بني عدي زيد بن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد وعلى بني عامر بن لؤي عمرو بن عبد شمس والد سهيل بن عمرو وعلى بني فهر عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة وعلى الأحابيش الحليس بن يزيد وسفيان بن عويف هما قائداهم

والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة وعضل والقارة والديش من بني الهون بن خزيمة والمصطلق بن خزاعة سموا بذلك لحلفهم بني الحارث والتحبش والتجمع وعلى بني بكر بلعاء بن قيس وعلى بني فراس بن غنم من كنانة عمير بن قيس بن جذل الطعان وعلى بني أسد بن خزيمة بشر بن أبي حازم وكان على جماعة الناس حرب بن أمية لمكانه من عبد مناف سنا ومنزلة

وكانت قيس قد تقدمت إلى عكاظ قبل قريش فعلى بني عامر ملاعب الأسنة أبو براء وعلى بني نصر وسعد ثقيف سبيع بن ربيع بن معاوية وعلى بني جشم الصمة والددريد وعلى غطفان عوف بن أبي حارثة المري وعلى بني سليم عباس بن زعل بن هنى بن أنس وعلى فهم وعدوان كدام بن عمرو

وسارت قريش حتى نزلت عكاظ وبها قيس وكان مع حرب بن أمية اخوته سفيان وأبو سفيان والعاص وأبو العاص بنو أمية فعقل حرب نفسه وقيد سفيان وأبو العاص نفسيهما وقالوا لن يبرح رجل منا مكانه حتى نموت أو نظفر فيومئذ سموا العنابس والعنبس الأسد واقتتل الناس قتالا شديدا فكان الظفر أول النهار لقيس وانهزم كثير من بني كنانة وقريش فانهزم بنو زهرة وبنو عدي وقتل معمر بن خبيب الجمحي وانهزمت طائفة من بني فراس وثبت حرب بن أمية وبنو عبد مناف وسائر قبائل قريش ولم يزل الظفر لقيس على قريش وكنانة إلى أن انتصف النهار ثم عاد الظفر لقريش ولم يزل الظفر لقيس على قريش وكنانة إلى أن انتصف النهار ثم عاد الظفر لقريش وكنانة فقتلوا من قيس فأكثروا وحمي القتال واشتد الأمر فقتل يومئذ تحت راية بني الحرث بن عبد مناة بن كنانة مائة رجل وهم صابرون فانهزمت قيس وقتل من أشرافهم عباس بن زعل السلمي وغيره فلما رأى أبو السيد عم مالك بن عوف النصري ما تصنع كنانة من القتل نادى يا معشر بني كنانة اسرفتم في القتل فقال ابن جدعان أنا معشر يسرف ولما رأى سبيع بن ربيع بن معاوية هزيمة قبائل قيس عقل نفسه واضطجع وقال يا معشر بني نصر قاتلوا عني أو ذروا فعطفت عليه بنو نصر وجشم وسعد بن بكر وفهم وعدان وانهزم باقي قبائل قيس فقاتل هؤلاء أشد قتال رآه الناس ثم انهم تداعوا إلى الصلح فاصطلحوا على أن يعدوا القتلى فأي الفريقين فضل له قتلى أخذ ديتهم من الفريق الآخر فتعادوا القتلى فوجدوا قريشا وبني كنانة قد أفضلوا على قيس عشرين رجلا فرهن حرب بن أمية يومئذ ابنه أبا سفيان في ديات القوم حتى يؤديها ورهن غيره من الرؤساء وانصرف الناس بعضهم عن بعض ووضعوا الحرب وهدموا ما بينهم من العداوة والشر وتعاهدوا على أن لا يؤذي بعضهم بعضا فيما كان من أمر البراض وعروة

يوم ذي نجب ص 472

وكان من حديث يوم ذي نجب أن بني عامر لما أصابوا من تميم ما أصابوا يوم جبلة رجوا أن يستأصلوهم فكاتبوا حسان بن كبشة الكندي وكان ملكا من ملوك كندة وهو حسان بن معاوية بن حجر فدعوه إلى أن يغزو معهم بني حنظلة من تميم فأخبروه أنهم قد قتلوا فرسانهم ورؤسائهم فأقبل معهم بصنائعه ومن كان معه فلما أتى بني حنظلة خبر مسيرهم قال لهم عمرو بن عمرو يا بني مالك إنه لا طاقة لكم بهذا الملك وما معه من العدد فانتقلوا من مكانكم

وكانوا في أعالي الوادي مما يلي مجيء القوم وكانت بنو يربوع بأسفله فتحولت بنو مالك حتى نزل خلف بني يربوع وصارت بنو يربوع تلي الملك فلما رأوا ما صنع بنو مالك استعدوا وتقدموا إلى طريق الملك فلما كان وجه الصبح وصل ابن كبشة فيمن معه وقد استعد القوم فاقتتلوا مليا فضرب جشيش بن نمران الرياحي بن كبشة الملك على رأسه فصرعه فمات وقتل عبيدة بن مالك بن جعفر وانهزم طفيل بن مالك على فرسه قرزل وقتل عمرو بن الأحوص بن جعفر وكان رئيس عامر وانهزمت بنو عامر وصنائع ابن كبشة قال جرير في الاسلام يذكر اليوم بذي نجب

( بذي نجب ذدنا وواكل مالك % أخا لم يكن عند الطعان بواكل )

وكان يوم ذي نجيب بعد يوم جبلة بسنة وبقي الأحوص بعد ابنه عمرو يسيرا وهلك أسفا عليه

يوم نعف قشاوة ص 473

وهو يوم لشيبان على تميم

قال أبو عبيدة أغار بسطام بن قيس على بني يربوع من تميم وهو بنعف قشاوة فأتاهم ضحى وهو يوم ريح ومطر فوافق النعم حين سرح فأخذه كله ثم كر راجعا وتداعت عليه بنو يربوع فلحقوه وفيهم عمارة بن عتيبة بن الحارث بن شهاب فكر عليه بسطام فقتله ولحقهم مالك بن حطان اليربوعي فقتله وأتاهم أيضا بجير بن أبي مليل فقتله بسطام وقتلوا من يربوع جمعا وأسروا آخرين منهم مليل بن أبي مليل وسلموا وعادوا غانمين فقال بعض الأسرى لبسطام أيسرك أن أبا مليل مكاني قال نعم قال فإن دللتك عليه أتطلقني الآن قال نعم قال فإن ابنه بجيرا كان أحب خلق الله إليه وستجده الآن مكبا عليه يقبله فخذه أسيرا فعاد بسطام فرآه كما قال فأخذه أسيرا وأطلق اليربوعي فقال له أبو مليل قتلت بجيرا وأسرتني وابني مليلا والله لا أطعم الطعام أبدا وأنا موثق فخشي بسطام أن يموت فأطلقه بغير فداء على أن يفادي مليلا وعلى أن لا يتبعه بدم ابنه بجير ولا يبغيه غائلة ولا يدل على عورة ولا يغير عليه ولا على قومه أبدا وعاهده على ذلك فأطلقه وجز ناصيته فرجع إلى قومه وأراد الغدر ببسطام والنكث به فأرسل بعض بني يربوع إلى بسطام بخبره فحذره وقال متمم بن نويرة

( أبلغ شهاب بني بكر وسيدها % عنى بذاك أبا الصهباء بسطاما )

( أروي الأسنة من قومي فانهلها % فاصبحوا في بقيع الأرض نواما )

( لا يطبقون إذا هب النيام ولا % في مرقد يحلمون الدهر أحلاما )

( أشجى تميم بن مر لا مكايدة % حتى استعادوا له اسرى وأنعاما )

( هلا أسير افدتك النفس تطعمه % مما أراد وقدما كنت مطعاما )

وهي أبيات عدة

يوم الغبيط ص 473

وهو يوم كانت الحرب فيه بين شيبان وتميم أسر فيه بسطام بن قيس الشيباني وسبب ذلك أن بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك وفروق بن عمر وساروا في جمع من بني شيبان إلى بلاد تميم فأغاروا على ثعلبة بن يربوع وثعلبة بن سعد بن ضبة وثعلبة بن عدي وثعلبة بن سعد بن ذبيان وكانوا متجاورين بصحراء فلج فاقتتلوا فانهزمت الثعالبة وقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم بنو شيبان أموالهم ومروا على بني حنظلة من تميم وهم بين صحراء فلج وغبيط المدرة فاستاقوا إبلهم فركبت إليهم بنو مالك يقدمهم عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي وفرسان بني يربوع وساروا في أثر بني شيبان ومعه من رؤساء تميم الأحيمر بن عبد الله وأسيد بن جباة وحر بن سعد ومالك بن نويرة فأدركوهم بغبيط المدرة فقاتلوهم وصبر الفريقان ثم انهزمت شيبان واستعادت تميم ما كانوا غنموه من أموالهم وقتلت بنو شيبان أبا مرحب ربيعة بن حصية وألح عتيبة بن الحارث على بسطام بن قيس فأدركه فقال له استأسر أبا الصهباء فأنا خير لك من الفلاة والعطش فاستأسر له بسطام بن قيس فقال بنو ثعلبة لعتيبة إن أبا مرحب قد قتل وقد أسرت بسطاما وهو قاتل مليل وبجير ابني أبي مليل ومالك بن حطان وغيرهم فاقتله قال إني معيل وأنا أحب اللبن قالوا إنك تفاديه فيعود فيحربنا ما لنا فأبى عليهم وسار إلى بني عامر بن صعصعة لئلا يؤخذ فيقتل وإنما قصد عامرا لأن عمته خولة بنت شهاب كانت ناكحا فيهم فقال ملك بن نويرة في ذلك

( لله عتاب بن مية إذ رأى % إلى ثأرنا في كفه يتلدد )

( أتحيي امرءا أردى بجيرا ومالكا % وأتوى حريثا بعدما كان يقصد )

( ونحن ثأرنا قبل ذاك ابن أمه % غداة الكلابيين والجمع يشهد )

فلما توسط عتيبة بيوت بني عامر صاح بسطام وأشيباناه ولا شيبان لي اليوم فبعث إليه عامر بن الطفيل إن استطعت أن تلجأ إلى قبتي فافعل فإني سأمنعك وإن لم تستطع فاقذف نفسك في الركا فإني عتيبة تابعه من الجن فأخبره بذلك فأمر ببيته فقوض فركب فرسه وأخذ سلامه ثم أتى مجلس بني جعفر وفيه عامر بن الطفيل الغنوي فحياهم وقال يا عامر قد بلغني الذي أرسلت به إلى بسطام فأنا مخيرك فيه خصالا ثلاثا فقال عامر وما هي قال إن شئت فاعطني خلعتك وخلعة أهل بيتك حتى أطلقه لك فليست خلعتك وخلعة أهل بيتك بشر من خلعته وخلعة أهل بيته فقال عامر هذا لا سبيل إليه قال عتيبة ضع رجلك مكان رجله فليست عندي بشر منه فقال ما كنت لأفعل قال عتيبة تتبعني إذا جازوت هذه الرابية فتقار عني عنه على الموت فقال عامر هذه أبغضهن إلي فانصرف به عتيبة إلى بني عبيد بن ثعلبة فرأى بسطام مركب أم عتيبة رثا فقال يا عتيبة هذا رحل أمك قال نعم قال ما رأيت رحل أم سيد قط مثل هذا فقال عتيبة واللات والعزى لا أطلقك حتى تأتيني أمك بهودجا وكان كبيرا ذا ثمن كثير وهذا الذي أراد بسطام ليرغب فيه فلا يقتله فأرسل بسطام فأحضر هودج أمه وفادى نفسه بأربعمائة بعير وقيل بألف بعير وثلاثين فرسا وهودج أمه وحدجها وخلص من الأسر فلما خلص من الأسر أذكى العيون على عتيبة وإبله فعادت إليه عيونه فأخبروه أنها على أراب فأغار عليها وأخذ الإبل كلها ومالهم معها

( عتيبة ) بالتاء فوقها نقطتان والياء تحتها نقطتان ساكنة وفي آخرها باء موحدة

يوم لشيبان على بني تميم ص 475

قال أبو عبيدة خرج الأقرع بن حابس وأخوه فراس التميميان وهما الأقرعان في بني مجاشع من تميم وهما يريدان الغارة على بكر بن وائل ومعهما البروك أبو جعل فلقيهم بسطام بن قيس الشيباني وعمران بن مرة في بني بكر بن وائل بزبالة فاقتتلوا قتالا شديدا ظفرت فيه بكر وانهزمت تميم وأسر الأقرعان وأبو جعفر وناس كثير وافتدى الأقرعان نفسيهما من بسطام وعاهداه على إرسال الفداء فأطلقهما فبعدا ولم يرسلا شيئا وكان في الأسرى إنسان من يربوع فسمع بسطام بن قيس في الليل يقول

( فدى بوالدة علي شفيقة % فكأنها حرض على الأسقام )

( لو أنها علمت فيسكن جأشها % أني سقط العشاء به على بسطام )

( سقط العشاء به على متنعم % سمح اليدين معاود الأقدام )

فلما سمع بسطام ذلك منه قال له وأبيك لا يخبر أمك عنه غيرك وأطلقه وقال ابن رميض العنزي

( جاءت هدايا من الرحمن من مرسلة % حتى أنخيت لدى أبيات بسطام )

( جيش الهذيل وجيش الأقرعين معا % وكبة الخيل والازواد في عام )

( مسوم خيله تعدوا مقانبه % على الذوائب من أولاد همام )

وقال أوس بن حجر

( وصبحنا عار طويل بناؤه % نسب به ما لاح في الأفق كوكب )

( فلم أر يوما كان أكثر باكيا % ووجها ترى فيه الكآبة تجنب )

( أصابوا البروك وابن حابس عنوة % فظل لهم بالقاع يوم عصبصب )

( وإن أبا الصهباء في حومة الوغى % إذا ازورت الأبطال ليث مجرب )

وأبو الصهباء هو بسطام بن قيس وأكثر الشعراء في هذا اليوم وفي مدح بسطام بن قيس تركنا ذكره اختصار

( حجر ) بفتح الحاء والجيم

يوم مبايض ص 476

وهو لشيبان على بني تميم قال أبو عبيدة حج طريف بن تميم العنبري التميمي وكان رجلا جسيما يلقب مجدعا وهو فارس قومه ولقيه حميصة بن جندل الشيباني من بني أبي ربيعة وهو شاب قوي وشجاعلا وهو يطوف بالبيت فأطال النظر إليه فقال له طريف لم تشد نظرك إلي قال حميصة أريد أن أثبتك لعلي أن ألقاك في جيش فاقتلك فقال طريف اللهم لا تحول الحول حتى ألقاه ودعا حميصة مثله فقال طريف

( أو كلما وردت عكاظ قبيلة % بعثوا إلي عريفهم يتوسم )

( لا تنكروني إنني داء لكم % شاكي السلاح في الحوادث معلم )

( حولي فوارس من أسيد جمة % وبني الهجيم وحول بيتي خضم )

( تحتي الأغر وفوق جلدي نثرة % زعنف ترد السيف وهو مثلم )

في أبيات

ثم إن بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وبني مرة بن ذهل بن شيبان كان بينهم شر وخصام فاقتتلوا شيئا من قتال ولم يكن بينهم دم فقال هانئ بن مسعود رئيس بني أبي ربيعة لقومه إني أكره أن يتفاقم الشر بيننا فارتحل بهم فنزل على ماء يقال له مبايض وهو قريب من مياه بني تميم فأقاموا عليه أشهرا وبلغ خبرهم بني تميم فأسل بعضهم إلى بعض وقالوا هذا حي منفرد وإن اصطلمتموهم أوهنتم بكر بن وائل واجتمعوا وساروا على ثلاثة رؤساء أبو الجدعاء الطهوي على بني حنظلة وابن فدكى المنقري على بني سعد وطريف بن تميم على بني عمرو بن تميم فلما قاربوا بني أبي ربيعة بلغهم الخبر فاستعدوا للقتال فخطبهم هانئ بن مسعود وحثهم على القتال فقال إذا أتوكم فقاتلوهم شيئا من قتال ثم انحازوا عنهم فإذا اشتغلوا بالنهب فعودوا إليهم فانكم تصيبون منهم حاجتكم وصبحهم بنو تميم والقوم حذرون فاقتتلوا قتالا شديدا وفعلت بنو شيبان ما أمرهم هانئ فاشتغلت تميم بالغنيمة وسار به وبقيت تميم مع الغنيمة والسبي فعادت شيبان عليهم فهزموهم وقتلوهم وأسروهم كيف شاؤوا ولم تصب تميم بمثلها لم يفلت منهم إلا القليل ولم يلو أحد على أحد وانهزم طريف فاتبعه حميصة فقتله واستردت شيبان الأهل والمال وأخذوا مع ذلك ما كان معهم وفادى هانئ بن مسعود ابنه بمائة بعير وقال بعض شيبان في هذا اليوم

( ولقد دعوت طريف دعوة جاهل % غر وأنت بمنظر لا تعلم )

( وأتيت حيا في الحروب محلهم % والجيش باسم أبيهم يستهزم )

( فوجدتهم يرعون حول ديارهم % بسلا إذا حام الفوارس أقدموا )

( وإذا اعتزوا بأبي ربيعة أقبلوا % بكتيبة مثل النجوم تلملم )

( ساموك درعك والأغر كليهما % وبنو أسيد أسلموك وخضم )

وقال عمرو بن سواد يرثي طريفا

( لا تبعدن يا خير عمرو بن جندب % لعمري لمن زار القبور ليبعدا )

( عظيم رماد النار لا متعبس % ولا مؤيسا منها إذا هو أوقدا )

( وما كان وقافا إذا الخيل أحجمت % وما كان عيطانا إذا ما تجردا )

يوم الزويرين ص 479

قال أبو عبيدة كانت بكر بن وائل قد أجدبت بلادهم فانتجعوا بلاد تميم بين اليمامة وهجر فلما تدانوا جعلوا لا يلقون بكري تميميا إلا قتله ولا يلقى تميمي بكريا إلا قتله إذا أصاب أحدهما مال الآخر حتى تفاقم الشر وعظم فخرج الحوفزان بن شريك والوادك بن الحرث الشيبانيان ليغيرا على بني دارم فاتفق أن تميما في تلك الحال اجتمعت في جمع كثير من عمرو بن حنظلة والرباب وسعد وغيرها وسارت إلى بكر بن وائل وعلى تميم أبو الرئيس الحنظلي فبلغ خبرهم بكر بن وائل فتقدموا وعليهم الأصم عمرو بن قيس بن مسعود أبوة مفروق وحنظلة بن سيار العجلي وحمران بن عب عمرو العبسي فلما تلقوا جعلت تميم والرباب بعيرين وجللوهما وجعلوا عندهما من يحفظهما وتركوهما بين الصفين معقولين وسموهما زويرين يعني إلهين وقالوا لا نفر حتى يفر هذان البعيران فلما رأى أبو مفروق البعيرين سأل عنهما فأعلم حالهما فقال أنا زويركم وبرك بين الصفين وقال قاتلوا عني ولا تفروا حتى أفر

فاقتتل الناس قتالا شديدا فوصلت شيبان إلى البعيرين فأخذوهما فذبحوهما واشتد القتال عليهما فانهزمت تميم وقتل أبو الرئيس مقدمهم ومعه بشر كثير واجترفت بكر أموالهم ونساءهم وأسروا أسرى كثيرة ووصل الحوفزان إلى النساء والأموال وقد سار الرجل عنها للقتال فأخذ جميع ما خلفوه من النساء والأموال وعاد إلى أصحابه سالما وقال الأعشى في ذلك اليوم

( يا سلم لا تسألي عنا فلا كشف % عند اللقاء ولا سود مقاريف )

( نحن الذين هزمنا يوم صبحنا % يوم الزويرين في جمع الأحاليف )

( ظلوا وظلت تكر الخيل وسطهم % بالشيب منا وبالمرد الغطاريف )

( تستأنس الشرف الأعلى بأعينها % لمح الصقور علت فوق الأظاليف )

( انسل عنها نسيل الصيف فانجردت % تحت اللبون متون كالزحاليف )

وقد أكثر الشعراء في هذا اليوم لا سيما الأغلب العجلي فمن ذلك أرجوزته التي أولها

( إن سرك العز فجحجح بجشم % )

يقول فيها

( جاؤوا بزوريهم وجئنا بالأصم % شيخ لنا كالليث من باقي إرم )

( شيخ لنا معاود ضرب إليهم % يضرب بالسيف إذا الرمح انقصم )

( هل غيرك غارصك غارا فانهزم % )

الغاران بكر وتميم وله الأرجوزة التي أولها يا ربت حرب ثرة الأخلاف يذكر فيها هذا اليوم

ذكر أسر حاتم طيء ص 480

قال أبو عبيدة أغار حاتم طيء بجيش من قومه على بكر بن وائل فقاتلوهم وانهزمت طيء وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة فكان في الأسرى حاتم بن عبد الله الطائي فبقي موثقا عند رجل من عنيزة فأتته امرأة منهم اسمها عالية بناقة فقالت له افصد هذه فنحرها فلما رأتها منحورة صرخت فقال حاتم

( عالي لا تلد من عالية % إن الذي اهلكت من ماليه )

( إن ابن أسماء لكم ضامن % حتى يؤدي أنس ناويه )

( لا أفصد الناقة في أنفها % لكنني أوجرها العالية )

( إني عن الفصد لفي مفخر % يكره مني المفصد الآليه )

( والخيل إن شمص فرسانها % تذكر عند الموت أمثاليه )

وقال رميض العنزي يفتخر

( نحن أسرنا حاتما وابن ظالم % فكل ثوى في قيدنا وهو يخشع )

( وكعب إياد قد أسرنا وبعده % أسرنا أبا حسان والخيل تطمع )

( وريان غادرنا بوج كأنه % وأشياعه فيها صريم مصرع )

وقال يحيى بن منصور الذهلي قصيدة يفتخر بأيام قومه وهي طويلة وفيها آداب حسنة تركناها كراهية التطويل وأولها

( أمن عرفان منزلة ودار % تعاورها البوارح والسواري )

وقال أبو عبيدة جاء الإسلام وليس في العرب أحد أعز دارا ولا أمنع جارا ولا أكثر حليفا من شيبان كانت عنينة من لخم في الأحلاف وكانت در مكة بن كندة في بني هند وكانت عكرمة من طيئ وحوتكة من عذرة وبنانة كل هؤلاء في بني الحرث بن همام وكانت عائذة من قريش وضبة وحواس من كندة هؤلاء في بني أبي ربيعة وكانت سليمة من بني عبد القيس في بني أسعد بن همام وكانت وثيلة من ثعلبة وبنو خيبري من طيئ في بني تميم بن شيبان وكانت عوف بن حارث من كندة في بني محلم كل هذه قبائل وبطون جاورت شيبان فعزت بها وكثرت

يوم مسحلان ص 481

قال أبو عبيدة غزا ربيعة بن زياد الكلبي في جيش من قومه فلقي جيشا لبني شيبان عامتهم بنو أبي ربيعة فاقتتلوا قتالا شديدا فظفرت بهم بنو شيبان وهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وذلك يوم مسحلان وأسروا ناسا كثيرا وأخذوا ما كان معهم وكان رئيس شيبان يومئذ حيان بن عبد الله بن قيس المحلمي وقيل كان رئيسهم زياد بن مرثد من بني أبي ربيعة فقال شاعرهم

( ربيعة سائل حيث حل بجيشه % مع الحي كلب حيث نبت فوارسه )

( عشية ولى جمعهم فتتابعوا % فصار إلينا نهبه وعوانسه )

ثم إن الربيع بن زياد الكلبي نافر قومه وحاربهم فهزموه فاعتزلهم وسار حتى حل ببني شيبان فاستجار برجل اسمه زياد من بني أبي ربيعة فقتلهم بنو أسعد بن همام ثم إن شيبان حملوا ديته إلى كلب مائتي بعير فرضوا

حرب لسليم وشيبان ص 482

قال أبو عبيدة خرج جيش لبنين سليم عليهم النصيب السلمي وهم يريدون الغارة على بكر بن وائل فلقيهم رجل من بني شيبان اسمه صليع بن عبد غنم وهو محرم على فرس له يسمى البحراء فقال لهم أين تذهبون قالوا نريد الغارة على بني شيبان فقال لهم مهلا فإني لكم ناصح إياكم وبني شيبان فإني أقسم لكم بالله لتأتينكم على ثلاثمائة فرس خصي سوى الفحول والإناث

فأبوا إلا الغارة عليهم فدفع صليع فرسه ركضا حتى أتى قومه فأنذرهم فركبت شيبان واستعدوا فأتاهم بنو سليم وهم معدون فاقتتلوا قتالا شديدا فظفرت شيبان وانهزمت سليم وقتل منهم مقتلة كثيرة وأسر منهم ناس كثير ولم ينج إلا القليل وأسر النصيب رئيسهم اسره عمران بن مرة الشيباني فضرب رقبته فقال صليع

( نهيت بني زعل غداة لقيتهم % وجيش نصيب والظنون تطاع )

( وقلت لهم إن الحريب وراكسا % به نعم ترعى المرار رتاع )

( ولكن فيه الموت يرتع سربه % وحق لهم أن يقبلوا ويطاعوا )

( متى تأته تلقى على الماء حارثا % وجيشا له يوفى بكل بقاع )

يوم جدود ص 482

وهو يوم بين بكر بن وائل وبني منقر من تميم وكان من حديثه أن الحوفزان واسمه الحارث بن شريك الشيباني كانت بينه وبين بني سليط بن يربوع موادعة فهم بالغدر بهم وجمع بني شيبان وذهلا واللهازم وعليم حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو ثم غزا وهو يرجو أن يصيب غرة من بني يربوع فلما انتهى إلى بني يربوع نذر به عتيبة بن الحارث بن شهاب فنادى في قومه فحالوا بين الحوفزان وبين الماء وقال لعتيبة إني لا أرى معك إلا رهطك وأنا في طوائف من بني بكر فلئن ظفرت بكم قل عددكم وطمع فيكم عدوكم ولئن ظفرتم بي ما تقتلون إلا أقاصي عشيرتي وما إياكم أردت فهل لكم أن تسالمونا وتأخذوا ما معنا من التمر ووالله لا نروع يربوعا أبدا

فأخذا ما معهم من التمر وخلى سبيلهم فسارت بكر حتى أغاروا على بني ربيع بن الحارث وهو مقاعس بجدود وإنما سمي مقاعسا لأنه تقاعس عن حلف بني سعد فأغار عليهم وهم خلوف فأصاب سببا ونعما فبعث بنو ريبع صريخهم إلى بني كليب فلم يجيبوهم فأتى الصريخ بني منقر بن عبيد فركبوا في الطلب فلحقوا بكر بن وائل وهم مقاتلون فما شعر الحوفزان وهو في ظل شجرة إلا بالأهتم بن سمي بن سنان المنقري واقفا على رأسه فركب فرسه فنادى الأهتم يا آل سعد ونادى الحوفزان يا آل وائل ولحق بنو منقر فقاتلوا قتالا شديدا فهزمت بكر وخلوا السبي والأموال وتبعتهم منقر فمن قتل أسير وأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو ولم يكن لقيس بن عاصم المنقري همة إلا الحوفزان فتبعه على مهر والحوفزان على فرس فارج فلم يلحقه وقد قاربه فلما خاف أن يفوته حفزه بالرمح في ظهره فاحتفز بالطعنة ونجا فسمي يومئذ الحوفزان وقيل غير هذا وقال الأهتم في أسره حمران

( نيطت بحمران المنية بعد ما % حشاه سنان من شراعة أزرق )

( دعا يا ل قيس واعزيت لمنقر % وكنت إذا لاقيت في الخيل أصدق )

وقال سوار بن حيان المنقري يفتخر على رجل من بكر

( ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة % كسته نجيعا من دم البطن أشكلا )

( وحمران قسرا أنزلته رماحنا % فعالج غلا في ذراعيه مثقلا )

( فيا لك من أيام صدق نعدها % كيوم جؤاثى النباج فاجزلا )

( فلست بمسطيع السماء ولم تجد % لعز بناه الله فوقك منقلا )

( منقر ) بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف ( وربيع ) بضم الراء وفتح البا الموحدة

يوم الاياد وهو يوم أعشاش ويوم العظالى ص 484

وإنما سمي يوم العظالى لأن بسطام بن قيس وهانئ بن قبيصة ومفروق بن عمرو تعاظلوا على الرياسة وكانت بكر تحت يدي كسرى وفارس وكانوا يقرونهم ويجهزونهم فأقبلوا من عند عامل عين التمر في ثلاثمائة متساندين وهم يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن فاجتمع بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد في الحزن فحلت بنو زبيد الحديقة وحلت بنو عتيبة وبنو عبيد روضة الثمد فاقبل جيش بكر حتى نزلوا حضبة الحصى فرأى بسطام السواد بالحديقة وثم غلام عرفه بسطام وكان قد عرف غلمان بني ثعلبة حين أسره عتيبة فسأله بسطام عن السواد الذي بالحديقة فقال هم بنو زبيد قال كم هم من بيت قال خمسون بيتا قال فأين بنو عتيبة وبنو عبيد قال هم بروضة الثمد وسائر الناس بخفاف وهو موضع فقال بسطام أتطيعونني يا بني بكر قالوا نعم قال أرى لكم أن تغنموا هذا الحي المتفرد بني زبيد وتعودوا سالمين قالوا وما يغني بنو زبيد عنا قال إن في السلامة إحدى الغنيمتين قالوا إن عتيبة بن الحارث قد مات وقال مفروق قد انتفخ سحرك يا أبا الصهباء قال هانئ اخسأ فقال إن أسيد بن جباة لا يفارق فرسه الشقراء ليلا ونهارا فإذا أحس بكم ركبها حتى يشرف على مليحة فينادي يا آل ثعلبة فيلقاكم طعن ينسيكم الغنيمة ولم يبصر أحد منكم مصرع صاحبه وقد عصيتموني وأنا تابعكم وستعلمون فأغاروا على بني زبيد وأقبلوا نحو بني أسيد وتوجه نحو بني يربوع بمليحة ونادى يا سوء صباحاه يا آل ثعلبة بن يربوع فما ارتفع الضحى حتى تلاحقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت شيبان بعد أن قتلت من تميم جماعة من فرسانهم وقتل من شيبان أيضا وأسر جماعة منهم هانئ بن قبيصة ففدى نفسه ونجا فقال متمم بن نويرة في هذا اليوم

( لعمري لنعم الحي أسمع غدوة % أسيد وقد جد الصراخ )

( وأسمع فتيانا كجنة عبقر % لم ريق عند الطعان ومصدق )

( أخذن بهم جنبي أفاق وبطنها % فما رجعوا حتى أرقوا وأعتوقوا )

وقال العوام في هذا اليوم

( فبح الاله عصابة من وائل % يوم الأفاقة أسلموا بسطامها )

( ورأى أبو الصهباء دون سوامهم % طعنا يسلي نفسه وزحاما )

( كنتم أسودا في الوغا فوجدتم % يوم الأفاقة في الغبيط نعاما )

وأكثر العوام الشعر في هذا اليوم فلما ألح فيه أخذ بسطام إبله فقالت أمه

( أرى كل ذي شعر أصاب شعره % خلا أن عواما بما قال عيلا )

( فلا ينطقن شعرا يكون جوازه % كما شعر عوام أعام وأرجلا )

يوم الشقيقة وقتل بسطام بن قيس ص 485

هذا يوم بني شيبان وضبة بن أد قتل فيه بسطام بن قيس سيد شيبان وكان سببه أن بسطام بن قيس بن مسعود بن خالد بن عبد الله ذي الجدين غزا بني ضبة ومعه أخوه السليل بن قيس ومعه رجل يزجر الطير من بني أسد بن خزيمة يسمى نقيدا فلما كان بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتيا أتاه فقال له الدلو تأتي الغرب المزلة فقص رؤياه على نقيد فتطير وقال ألا قلت ثم تعود باديا مبتله فتفرط عنك النحوس ومضى بسطام على وجهه فلما دنا من نقا يقال له الحسن في بلاد ضبة صعده ليراه فإذا هو بنعم قد ملأ الأرض فيه ألف ناقة لمالك بن المنتفق الضبي من بني ثعلبة بن سعد بن ضبة قد فقأ عين فحلها وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية إذا بلغت إبل أحدهم ألف بعير فقأوا عين فحلها لترد عنها العين وهي إبل مرتبعة ومالك بن المنتفق فيها على فرس له جواد

فلما أشرف بسطام على النقا تخوف أن يروه فينذروا به فاضطجع وتدهدى حتى بلغ الأرض وقال يا بني شيبان لم أر كاليوم قط في الغرة وكثرة النعم ونظر إلى نقيد إلى لحية بسطان معفرة بالتراب لما تدهدى فتطير له أيضا وقال إن صدقت الطير فهو أول من يقتل وعزم الأسدي على فراقه فأخذته رعدة تهيبا لفراقه والانصراف عنه وقال له ارجع يا أبا الصهباء فإني أتخوف عليك أن تقتل فعصاه ففارقه نقيد وركب بسطام وأصحابه وأغاروا على الإبل واطردوها وفيها فحل لمالك يقال له أبو شاعر وكان أعور فنجا مالك على فرسه إلى قومه من ضبة حتى إذا أشرف على تعشار نادى يا صباحاه وعاد راجعا وأدرك الفوارس القوم وهم يطردون النعم فجعل فحله أبو شاعر يشذ من النعم ليرجع وتتبعه الإبل فكلما تبعته ناقة عقرها بسطام فلما رأى مالك ما يصنع بسطام وأصحابه قال ماذا السفه يا بسطام لا تعقرها فإما لنا وإما لك فأبى بسطام وكان في آخريات الناس على فرس أدهم يقال له الزعفران يحمي أصحابه فلما لحقت خيل ضبة قال لهم مالك ارموا روايا القوم فجعلوا يرمونها فيشقونها فلحقت بنو ثعلبة وفي أوائلهم عاصم بن خليفة الصباحي وكان ضعيف القتل وكان قبل ذلك يعقب قناة له فيقال له ما تصنع بهم يا عاصم فيقول أقتل عليها بسطاما فيهرعون منه

فلما جاء الصريخ ركب فرس أبيه ومر بغير أمره ولحقه الخيل فقال لرجل من ضبة أيهم الرئيس قال صاحب الفرس الأدهم فعارضه عاصم حتى حاذاه ثم حمل عليه فطعنه بالرمح في صماخ أذنه أنفذ الطعنه إلى الجانب الآخر وخر بسطام على شجرة يقال لها الألاءة فلما رأت ذلك شيبان خلوا سبيل النعم وولوا الأدبار فمن قتيل وأسير وأسر بنو ثعلبة نجاد بن قيس أخا بسطام في سبعين من بني شيبان وكان عبد الله بن عنمة الضبي مجاورا في شيبان فخاف أن يقتل فقال يرثي بسطاما

( لأم الأرض ويل ما أجنت % غداة أضر بالحسن السبيل )

( يقسم ماله فينا وندعو % أبا الصهباء إذ جنح الأصيل )

( اجدك لن تريه ولن نراه % تخب به عذافرة ذمول )

( حقيبة بطنها بدن وسرج % تعارضها مزببة دؤل )

( إلى ميعاد أرعن مكفهر % تضمر في جوانبه الخيول )

( لك المرباع منها والصفايا % وحكمك والنشيطة والفضول )

( لقد صمت بنو زيد بن عمرو % ولا يوفي ببسطام قتيل )

( فخر على الألاءة لم يوسد % كأن جبينه سيف صقيل )

( فان يجزع عليه بنو أبيه % فقد فجعوا وفاتهم جليل )

( بمطعام إذا الأشوال راحت % إلى الحجرات ليس لها فصيل )

فلم يبق في بكر إلا وائل بيت إلا وألقى لقتله لعلو محله

وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة الضبي يذكره

( ويوم شقيقة الحسنين لاقت % بنو شيبان آجالا قصارا )

( شككنا بالرماح وهن زور % صماخى كبشهم حتى استدارا )

( وأوجزناه أسمر ذا كعوب % يشبه طوله مسدا مغارا )

( الشقيقة ) أرض صلبة بين جبلي رمل ( والحسنان ) نقوا رمل كانت الوقعة عندهما وقالت أم بسطام بن قيس ترثيه

( لبيك ابن ذي الجدين بكر بن وائل % فقد بان منها زينها وجمالها )

( إذا ما غدا فيهم غدوا وكأنهم % نجوم سماء بينهن هلالها )

( فلله عينا من رأى مثله فتى % إذا الخيل يوم الروع هب نزالها )

( عزيز المكر لا يهد جناحه % وليث إذا الفتيان زلت نعالها )

( وحمال أثقال وعائد محجر % تحل إليه كل ذاك رحالها )

( سيبكيك عان طالما لم يجد من يفكه % ويبكيك فرسان الوغى ورجالها )

( وتبكيك أسرى طالما قد فككتهم % وأرملة ضاعت وضاع عيالها )

( مفرج حومات الخطوب ومدرك الحروب % إذا صالت وعز صيالها )

( تغشى بها حينا كذاك ففجعت % تميم به أرماحها ونبالها )

( فقد ظفرت منا تميم بعثرة % تلك لعمري عثرة لا تقالها )

( أصيبت به شيبان والحي يشكر % وطير يرى إرسالها وحبالها )

( عنمة ) بفتح العين المهملة والنون

يوم النسار ص 489

النسار أجبل متجاورة وعندها كانت الوقعة وهو موضع معروف عندهم وكان سبب ذلك اليوم أن بني تميم بن مر بن أد كانوا يأكلون عمومتهم ضبة بن أد وبني عبد مناة بن أد فأصابت ضبة رهطا من تميم فطلبتهم تميم فانزاحت جماعة الرباب وهم تيم وعدي وثور وأطحل وعكل بنو عبعد مناة بن أد وضبة بن أد وإنما سمو الرباب لأنهم غمسوا أيديهم في الرب حتى تحالفوا فلحقت ببني أسد وهم يومئذ حلفاء لبني ذبيان بعن بغيض فنادى صارخ بني ضبة يا آل خندف فاصرختهم بنو أسد وهو أول يوم تخندفت فيه ضبة واستمدوا حليفهم ظبيا وغطفان فكان رئيس أسد يوم النسار عوف بن عبد الله بن عامر بن جذيمة بن نصر بن قعين وقيل خالد بن نضلة وكان رئيس الرباب حذيفة بن بدر وفيه يقول زهير بن أبي سلمى

( ومن مثل حصن في الحروب ومثله % لا نداد ضيم أو لأمر يحاوله )

( إذا حل أحياء الأحاليف حوله % بذي نجب هداته وصواهله )

فلما بلغ بني تميم ذلك استمدوا بني عامر بن صعصعة فأمدوهم وكان حاجب بن زرارة على بني تميم وكان عامر بن صعصعة جوابا وهو لقب مالك بن كعب من بني أبي بكر بن كلاب لأن بني جعفر كانوات جوابين قد أخرجهم إلى بني الحارث بن كعب فحالفوهم وقيل كان رئيس عامر شريح بن مالك القشيري وسار الجمعان فالتقوا بالنسار واقتتلوا فصبرت عامر واستحر بهم القتل وانفضت تميم فنجت ولم يصب منهم كثير وقتل شريح القشيري رأس بني عامر وقتل عبيد بن معاوية بن عبد الله بن كلاب وغيرهما وأخذ عدة أشراف نساء بني عامر منهن سلمى بنت المخلف والعنقاء بنت همام وغيرهما فقالت سلمى تعير جوابا والطفيل

( لحي الاله أبا ليلى بفرته % يوم النسار وقنب العير جوابا )

( كيف الفخار وقد كانت بمعترك % يوم النسار بنو ذبيان أربابا )

( لم تمنعوا القوم إذا أشلوا سوامكم % ولا النساء وكان القوم أحرابا )

وقال رجل يعير جوابا والطفيل بفراره عن امرأتيه

( وفر عن ضرتيه وجه خارئة % ومالك فر قنب العير جواب )

( القنب ) غلاف الذكر وجواب لقب لأنه كان يجوب الآثار واسمه ملك وقال بشر بن أبي خازم في هزيمة حاجب

( وأفلت حاجب جوب العوالي % على شقراء تلمع في السراب )

( ولو أدركن رأس بني تميم % عفرن الوجه منه بالتراب )

وكان يوم النسار بعد يوم جبلة وقتل لقيط بن زرارة

( جواب ) بفتح الجيم وتشديد الواو وآخره باء موحدة

( وخازم ) بالخاء المعجمة والزاي

يوم الجفار ص 490

لما كان على رأس الحول من يوم النسار اجتمع من العرب من كان شهد النسار وكان رؤوساؤهم بالجفار الرؤساء الذين كانوا يوم النسار إلا أن بني عامر قيل كان رئيسهم بالجفار عبد الله بن جعدة بن كعب بن ربيعة فالتقوا بالجفار واقتتلوا وصبرت تميم فعظم فيها القتل وخاصة في بني عمرو بن تميم وكان يوم الجفار يسمى ( الصليم ) لكثرة من قتل به وقال بشر بن أبي خازم في عصبة تميم لبني عامر

( عصبت تميم أن يقتل عامر % يوم النسار فأعقبوا بالصيلم )

( كنا إذا نفروا لحرب نفرة % نشفي صداعهم برأس صلدم )

( نعلوا الفوارس بالسيوف ونعتري % والخيل مشعلة النحور من البدم )

( يخرجن من خلل الغبار عوابسا % خبب السباع بكل ليث ضيغم )

وهي عدة أبيات وقال أيضا

( يوم الجفار ويوم النسار كانا عذابا وكانا غراما )

( فاما تميم تميم بن مر % فألفاهم القوم روبى نياما )

( وأما بنو عامر بالجفار % ويوم النسار فكانوا نعاما )

فلما أكثر بشر على تميم قيل له مالك ولتميم وهم أقرب الناس منك أرحاما فقال إذا فرغت منهم فرغت من الناس ولم يبق أحد

يوم الصفقة والكلاب الثاني ص 491

أما يوم الصفقة وسببه فإن باذان نائب كسرى أبرويز بن هرمز باليمن أرسل إليه حملا من اليمن فلما بلغ الحمل إلى نطاع من أرض نجد أغارت تميم عليه وانتهبوه وسلبوا رسل كسرى وأساورته فقدموا على هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة مسلوبين فأحسن إليهم وكساهم وقد كان قبل هذا إذا أرسل كسرى لطيمة تباع باليمن يجهز رسله ويخفرهم ويحسن جوارهم وكان كسرى يشتهي أن يراه ليجازيه على فعله فلما أحسن أخيرا إلى هؤلاء الرسل الذين أخذتهم تميم قالوا له إن الملك لا يزال يذكرك ويؤثر أن تقدم عليه

فسار معهم إليه فلما قدم عليه أكرمه وأحسن إليه وجعل يحادثه لينظر عقله فرأى ما سره فأمر له بمال كثير وتوجه بتاج من تيجانه وأقطعه أموالا نهجر وكان هوذة نصرانيا وأمره كسرى ان يغزو هو المكعبر مع عساكر كسرى بني تميم فساروا إلى هجر ونزلوا بالمشقر وخاف المكعبر وهوذة إن يدخلا بلاد تميم لأنها لا تحتملها العجم وأهلها بها ممتنعون فبعثا رجالا من تميم يدعونهم إلى الميرة وكانت شديدة فأقبلوا على كل صعب وذلول فجعل المكعبر يدخلهم الحصن خمسمة خمسة وعشرة عشرة وأقل وأكثر يدخلهم من باب على أنه يخرجهم من آخر فكل من دخل ضرب عنقه فلما طال ذلك عليهم ورأوا أن الناس يدخلون ولا يخرجون بعثوا رجالا يستعلمون الخبر فشد رجل من عبس فضرب السلسلة فقطعها وخرج من كان بالباب فأمر المكعبر بغلق الباب وقتل كل من كان بالمدينة وكان يوم الفصح فاستوهب هوذة منه مائة رجل فكساهم وأطلقهم يوم الفصح فقال الأعشى من قصيدة يمدح هوذة

( بهم يقرب يوم الفصح ضاحية % يرجو الاله بما أسدى وما صنعا )

فصار يوم المشقر مثلا وهو يوم صفقة لا صفاق الباب وهو إغلاقه وكان يوم الصفقة وقد بعث النبي وهو بمكة بعد لم يهاجر وأما يوم الكلاب الثاني فإن رجلا من بني قيس بن ثعلبة قدم أرض نجران على بني الحارث بن كعب وهم أخواله فسألوه عن الناس خلفه فحدثهم أنه أصفق على بني تميم باب المشقر وقتلت المقاتلة وبقيت أموالهم وذاريهم في مساكنهم لا مانع لها فاجتمعت بنو الحرث من مذحج وأحلافها من نهد وجرم بن زبان فاجتمعوا في عسكر عظيم بلغوا ثمانية آلاف ولا يعلم في الجاهلية جيش أكثر منه ومن جيش كسرى بذي قار ومن يوم جبلة وساروا يريدون بني تميم أعيانا وتغزون أحيانا سعد وريانا وتردون مياهها جيابا فتلقون عليها ضرابا وتكون غنيمتكم ترابا فأطيعوا أمري ولا تغزو تميما فعصوه وساروا إلى عروة فبلغ الخبر تميما فاجتمع ذوو الرأي منهم إلى أكثم بن صيفي وله يومئذ مائة وتسعون سنة فقالوا له يا أبا حيدة حقق هذا الأمر فانا قد رضيناك رئيسا فقال لهم

( وإن امرأ قد عاش تسعين حجة % إلى مائة لم يسأم العيش جاهل )

( مضت مائتان غير عشر وفاؤها % وذلك من عد الليالي قلائل )

ثم قال لهم لا حاجة لي في الرياسة ولكني أشير عليكم لينزل حنظلة بن مالك بالدهناء ولينزل سعد بن زيد مناة والرباب وهم ضبة بن أد وثور وعكل وعدي بنو عبد مناة بن أد الكلاب فأي الطريقين أخذ القوم كفى أحدهما صاحبه ثم قال لهم احفظوا وصيتي لا تحضروا النساء الصفوف فإن نجاة اللئيم في نفسه ترك الحريم وأقلوا الخلاف على امرائكم ودعوا كثرة الصياح في الحرب فإنه من الفشل والمرء يعجز لا محالة فإن أحمق الحمق الفجور وأكيس الكيس التقى كونوا جميعا في الرأي فإن الجميع معزز للجميع إياكم والخلاف فإنه لا جماعة لمن اختلف ولا تلبثوا ولا تسرعوا فإن أحزم الفريقين الركين ورب عجلة تهب ريثا وإذا عز أخوك فيهن البسوا جلود النمور وأبرزوا للحرب وادرعوا الليل واتخذوه جملا فإن الليل أخفى للويل والثبات أفضل من القوة وأهنأ الظفر كثرة الأسرى وخير الغنيمة المال ولا ترهبوا الموت عند الحرب فإن الموت من ورائكم وحب الحياة لدى الحرب زلل ومن خير أمرائكم النعمان بن مالك بن حارث بن جساس وهو من بني تميم بن عبد مناة بن أد فقبلوا مشورته

ونزلت عمرو بن حنظلة الدهناء ونزلت سعد والرباب الكلاب واقبلت مذحج ومن معها من قضاعة فقصدوا الكلاب وبلغ سعدا والرباب الخبر فلما دنت مذحج نذرهم شميت بن زنباع اليربوعي فركب جمله وقصد سعدا ونادى يا آل تميم يا صباحاه فثار الناس وانتهت مذحج إلى النعم فانتهبها الناس وراجزهم يقول

( في كل عام نعم ننتباه % على الكلاب غيب أصحابه % يسقط في آثاره غلابه )

فلحق قيس بن عاصم المنقري والنعمان بن جساس ومالك بن المنتفق في سرعان الناس فاجابه قيس يقول

( عما قليل تلتحق أربابه % مثل النجوم حسرا سحابه )

( ليمنعن النعم اغتصابه % سعد وفرسان الوغى أربابه )

ثم حمل عليهم قيس وهو يقول

( في كل عام نعم تحوونه % يلحقه قوم وينتجونه )

( أربابه نوكى فلا يحمونه % ولا يلاقون طعانا دونه )

( أنعم الأبناء تحسبونه % هيهات هيهات لما ترجونه )

فاقتتل القوم قتالا شديدا يومهم أجمع فحمل يزيد بن شداد بن قنان الحارثي على النعمان بن مالك بن جساس فرماه بسهم فقتله وصارت الرياسة لقيس بن عاصم واقتتلوا حتى حجز بينهم الليل وباتوا يتحارسون فلما أصبحوا غدوا على القتال وركب قيس بن عاصم وركبت مذحج واقتتلوا أشد من القتال الأول فكان أول من انزهم من مذحج مدرج الرياح وهو عامر بن الجون بن عبد الله الجرمي وكان صاحب لوائهم فالقى اللواء وهرب فلحقه رجل من بني سعد فعقر به دابته فنزل يهرب ماشيا ونادى قيس عاصم يا آل تميم عليكم الفرسان ودعوا الرجالة فإنها لكم وجعل يلتقط الأسارى وأسر عبد يغوث بن الحارث بن وقاص الحارثي رئيس مذحج فقتل بالنعمان بن مالك بن جساس وكان عبد يغوث شاعرا فشدوا لسانه قبل قتله لئلا يهجوهم فاشار إليهم ليحلوا لسانه ولا يهجوهم فحلوه فقال شعرا

( ألا لا تلوموني كفى اللوم مابيا % فمالكما في اللوم نفع ولا ليا )

( ألم تعلما أن الملامة نفعها % قليل وما لومي أخي من شماليا )

( فيا راكبا إما عرضت فبلغن % نداماي من نجران أن لا تلاقيا )

( أبا كرب والا يهمين كليهما % وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا )

( أقول وقد شدوا لساني بنسعة % معاشر تيم أطلقوا من لسانيا )

( كأني لم أركب جوادا ولم أقل % لخيلي كرى كرة من ورائيا )

( ولم أسبأ الزق الروى ولم أقل % لإيسار صدق عظموا ضوء ناريا )

( وقد علمت عرسي مليكة أنني % أنا الليث معدوا عليه وعاديا )

( لحى الله قوما بالكلاب شهدتهم % صميمهم والتابعين والمواليا )

( ولو شئت نجتني من القوم شطبة % ترى خلفها الكمت العتاق تواليا )

( وكنت إذا ما لخيل شمصها القنا % لبيقا بتصريف القناة بنانيا )

( فيا عاص فك القيد عني فانني % صبور على مر الحوادث ناكيا )

( فإن تقتلوني تقتلوا بي سيدا % وإن تطلقوني تحربوني ماليا )

( أبو كرب ) بشر بن علقمة بن الحارث

( والأيهمان ) الأسود بن علقمة بن الحرث والعاقب وهو عبد المسيح بن الأبيض وقيس بن معد يكرب فزعموا أن قيسا قال لو جعلتني أول القوم لأفتديته بكل ما أملك ثم قتل ولم يقبل له فدية

( رباب ) بالراء والباء الموحدة

يوم ظهر الدهناء ص 495

هو يوم بين طيء وأسد بن خزيمة وسبب ذلك أن أوس بن حارثة بن لأم الطائي كان سيدا مطاعا في قومه وجوادا مقداما فوفد هو وحاتم الطائي على عمرو بن هند فدعا عمرو أوسا فقال له أنت أفضل أم حاتم فقال أبيت اللعن إن حاتما أوحدها وأنا أحدها ولو ملكني حاتم وولدي ولحمتي لوهبنا في غداة واحدة ثم دعا عمرو حاتما فقال له أنت أفضل أم أوس فقال أبيت اللعن إنما ذكرت أوسا ولأحد ولده أفضل مني فاستحسن ذلك منهما وحباهما وأكرمهما ثم إن وفود العرب من كل حي اجتمعت عند النعمان بن المنذر وفيهم أوس فدعا بحلة الملوك من حلل الملوك وقال للوفود احضروا في غد فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم فلما كان الغد حضر القوم إلا أوسا فقيل له لم تتخلف فقا لإن كان المراد غيري فاجمل الأشياء بي أن لا أكون حاضرا وإن كنت المراد فسأطلب فلما جلس النعمان ولم ير أوسا قال اذهبوا إلى أوس فقولوا له احضر آمنا مما خفت فحضر فالبس الحلة فحسده قوم من أهله فقالوا للحطيئة أهجه ولك ثلثمائة ناقة فقال كيف أهجو رجلا لا أرى في بيتي أثاثا ولا مالا إلا منه ثم قال

( كيف الهجاء وما تنفعك صالحة % من أهل لأم بظهر الغيب تأتيني )

فقال لهم بشر بن أبي خازم أنا أهجوه لكم فأعطوه النوق وهجاه فافحش في هجائه وذكر أمه سعدى فلما عرف أوس ذلك أغار على النوق فاكتسحها وطلبه فهرب منه والتجأ إلى بني أسد عشيرته فمنعوه منه ورأوا تسليمه إليه عارا فجمع أوس جديلة طيئ وسار بهم إلى أسد فالتقوا بظهر الدهناء تلقاء تيم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت بنو أسد وقتلوا قتلا ذريعا وهرب بشر فجعل لا يأتي حيا يطلب جوارهم ألا امتنع من إجارته على أوس ثم نزل على جندب بن حصن الكلابي بأعلى الصمان فأرسل إليه أوس يطلب منه بشرا فأرسله إليه فلما قدم به على أوس أشار عليه قومه بقتله فدخل على أمه سعدى فاستشارها فأشارت أن يرد عليه ماله ويعفو عنه ويحبوه فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه فقبل ما أشارت به وخرج إليه وقال يا بشر ما ترى إني اصنع بك فقال

( إني لأرجو منك يا أوس نعمة % وإني لأخرى منك يا أوس راهب )

( وإني لأمحو بالذي أنا صادق % به كل ما قد قلت إذ أنا كاذب )

( فهل نافعي في اليوم عندك أنني % ساشكران انعمت والشكر واجب )

( فدى لابن سعدي اليوم كل عشيرتي % بني أسد أقصاهم والأقارب )

( تداركني أوس بن سعدي بنعمة % وقد أمكنته من يدي العواقب )

فمن عليه أوس وحمله على فرس جواده ورد عليه ما كان أخذ منه وأعطاه من ماله مائة من الإبل فقال بشر لا جرم مدحت أحدا حتى أموت غيرك ومدحه بقصيدته المشهروة التي أولها

( أتعرف من هنيدة رسم دار % بخرجي ذروة فإلى لواها )

( ومنها منزل ببراق خبت % عفت حقبا وغيرها بلاها )

وهي طويلة

يوم لقيط ص 496

وكان من حديثه أن اللهازم تجمعت وهي قيس وتيم اللات ابنا ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ومعهما عجل بن لجيم وعنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار لتغير على بني تميم وهم غارون فرأى ذلك الأعور وهو ناشب بن بشامة العنبري وكان أسيرا في قيس بن ثعلبة فقال لهم أعطوني رجلا أرسله إلى أهلي أوصيهم ببعض حاجاتي فقالوا له ترسله ونحن حضور قال نعم فاتوه بغلام مولد فقال أتيتموني بأحمق فقال الغلام والله ما أنا بأحمق فقال إني أراك مجنونا قال والله ما بي جنون قال أتعقل قال نعم إني لعاقل قال فالنيران أكثر أم الكواكب قال الكواكب ولك كثيرة فملأ كفه رملا وقال كم في كفي قال لا أدري فإنه لكثير فأومأ إلى الشمس بيده وقال ما تلك قال الشمس قال ما أراك إلا عاقلا فالبغهم السلام وقل لهم ليحسنوا إلى أسيرهم فإني عند قوم يحسنون إلي ويكرموني وقل لهم فليعروا جملي الأحمر ويركبوا ناقتي العيساء وليرعوا حاجتي في بني مالك وأخبرهم أن العوسج قد أورق وأن النساء قد اشتكت وليعصوا همام بن بشامة فإنه مشؤوم مجدود وليطيعوا هذيل بن الأخنس فإنه حازم ميمون واسألوا الحرث عن خبري وسار الرسول فأتى قومه فأبلغهم فلم يدروا ما أراد فأحضروا الحارث وقصوا عليه خبر الرسول فقال للرسول اقصص علي أول قصتك فقص عليه أول ما كلمه حتى أتى على آخره فقال أبلغه التحية والسلام وأخبره أنا نستوصي بما أوصى به فعاد الرسول ثم قال لبني العنبران صاحبكم قد بين لكم أما الرمل الذي جعله في كفه فإنه يخبركم أنه قد أتاكم عدد لا يحصى وأما الشمس التي أومأ إليها فإنه يقول ذلك أوضح من الشمس وأما جمله الأحمر فالصمان فإنه يأمركم أن تعروه يعني ترتحلوا عنه وأما ناقته العيساء فإنه يأمركم أن تحترزوا في الدهناء وأما بنو مالك فإنه يأمركم أن تنذروهم معكم وأما إيراق العوسج فإن القوم قد لبسوا السلاح وأما اشتكاء النساء فإنه يريد أن النساء قد خرزن الشكاء وهي أسقية الماء للغزو فحذر بنو العنبر وركبوا الدهناء وأنذروا بني مالك فلم يقبلوا منهم ثم إن اللهازم وعجلا وعنزة أتوا بني حنظلة فوجدوا عمرا قد أجلت فاوقعوا ببني دارم بالوقيط فاقتتلوا قتالا شديدا وعظمت الحرب بينهم فأسرت ربيعة جماعة من رؤساء بني تميم منهم ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة فجزوا ناصيته وأطلقوه وأسروا عثجل بن المأمون بن زرارة وجويرة بن بدر بن عبد الله بن دارم ولم يزل في الوثاق حتى رآهم يوما يشربون فأنشأ يتغني يسمعهم ما يقول

( وقائلة ما غاله أن يزورنا % وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل )

( وقد أدركتني والحوادث جمة % مخالب قوم لاضعاف ولا عزل )

( سراع إلى الجلى بطاء عن الخنا % رزان لدى الباذين في غير ما جهل )

( لعلهم أن يمطروني بنعمة % كما صاب ماء المزن في البلد المحل )

( فقد ينعش الله الفتى بعد ذلة % وقد تبتني الحسنى سراة بني عجل )

فلما سمعوا الأبيات أطلقوه واسر أيضا نعيم وعوف ابنا القعقاع بن معبد بن زرارة وغيرهما من سادات بني تميم وقتل حكيم بن النهشلي ولم يشهدها من نهشل غيره وعادت بكر فمرت بطريقها بعد الوقعة بثلاثة بجذيمة بن الاصليع نفر من بني العنبر لم يكونوا ارتحلوا مع قومهم فلما رأوهم طردوا إبلهم فاحرزوها من بكر وأكثر الشعراء في هذا اليوم فمن ذلك قول أبي مهوش الفقسعي يعير تميما بيوم الوقيط

( فما قاتلت يوم الوقيطين نهشل % ولا الانكد الشؤمي فقيم بن دارم )

( ولا قتضت عوف رجال مجاشع % ولا قشر الاستاه غير البراجم )

وقال أبو الطفيل عمرو بن خالد بن محمود بن عمرو بن مرثد

( حكت تميم بركها لما التقت % راياتنا ككواسر العقبان )

( دهموا الوقيط بجحفل جم الوغى % ورماحها كنوازع الاشطان )

يوم المروت ص 499

وهو يوم بني تميم وعامر بن صعصعة وكان سببه أنه التقى قعنب بن عتاب الرياحي وبحير بن عبد الله بن سلمة العامري بعكاظ فقال بحير لقعنب ما فعلت فرسك البيضاء قال هي عندي وما سؤالك عنها قال لأنها نجتك مني يوم كذا وكذا فأنكر قعنب ذلك وتلاعنا وتداعيا أن يجعل الله ميته الكاذب بيد الصادق فمكثا ما شاء الله وجمع بحير بني عامر وسار بهم فأغار على بني العنبر بن عمرو بن تميم بارم الكلبة وهم خلوف فاستاق السبي والنعم ولم يلق قتالا شديدا وأتى الصريخ بني العنبر بن عمرو بن تميم وبني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وبني يربوع بن حنظلة فركبوا في الطلب فتقدمت عمرو بن تميم فلما انتهى بحير إلى المروت قال يا بني عامر انظروا هل ترون شيئا قالوا نرى خيلا عارضة رماحها على كواهل خيلها قال هذه عمرو بن تميم وليست بشيء فلحق بهم بنو عمرو فقاتلهوهم شيئا من القتال ثم صدروا عنهم ومضى بحير ثم قال يا بني عامر انظروا هل ترون شيئا قالوا نرى خيلا ناصبة رماحها قال هذه مالك بن حنظلة وليست بشيء فلحقوا فقاتلوا شيئا من قتال ثم صدروا عنهم ومضى بحير وقال يا بني عامر انظروا هل ترون شيئا قالوا نرى خيلا ليست معها رماح كأنما عليها الصبيان قال هذه يربوع رماحها بين آذان خيلها إياكم والموت الزؤام فاصبروا ولا أرى أن تنجو فكان أول من لحق من بني يربوع الواقعة وهو نعيم بن عتاب وكان يسمى الواقعة لبليته فحمل على المثلم القشيري فأسره وحملت قشير على دوكس بن واقد بن حوط فقتلوه وأسر نعيم المصفى القشيري فقتله وحمل كدام بن بجيلة المازني على بحير فعانقه ولم يكن لقعنب همة إلا بحير فنظر إليه وإلى كدام قد تعانقا فاقبل نحوهما فقال كداميا قعنب أسيري فقال قعنب ماز رأسك والسيف يريد يا مازني فخلى عنه كدام وشد عليه قعنب فضربه فقتله وحمل قعنب أيضا على صهبان وأم صهبان مازنية فأسره فقالت بنو مازن يا قعنب قتلت أسيرنا فاعطنا ابن أخينا مكانه فدفع إليهم صهبان في بحير فرضوا بذلك واستنقذت بنو يربوع أموال بني العنبر وسبيهم من بني عامر وعادوا

( بحير ) بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة

يوم فيف الريح ص 500

وهو بين عامر بن صعصعة والحرث بن كعب وكان خبره ان بني عامر كانت تطلب بني الحرث بن كعب بأوتار كثيرة فجمع لهم الحصين بن يزيد بن شداد بن قنان الحارثي وهو ذو الغصة واستعان بجعفة زبيد وقبائل سعد العشيرة ومراد وصداء ونهد وخثعم وشهران وناهس ثم أقبلوا يريدون بني عامر وهم منتجعون مكانا يقال له فيف الريح ومع مذحج النساء والذراري حتى لا يفروا فاجتمعت بنو عامر فقال لهم عامر بن الطفيل أغيروا بنا على القوم فإني أرجو أن نأخذ غنائمهم ونسبي نساءهم ولا تدعوهم يدخلون عليكم فأجابوه إلى ذلك وساروا إليهم فلما دنوا من بني الحرث ومذحج ومن معهم أخبرتهم عيونهم وعادت إليهم مشايخهم فحذروا فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيام يعاودونهم القتال بفيف الريح فالتقى الصميل بن الأعور الكلابي وعمرو بن صبيح النهدي فطعنه عمرو فاعتنق الصميل فرسه وعاد فلقيه رجل من خثعم فقتله وأخذ درعه وفرسه وشهدت بنو نمير يومئذ مع عامر بن الطفيل فأبلوا بلاء حسنا وسموا ذلك اليوم حريجة الطعان لأنهم اجتمعوا برماحهم فصاروا بمنزلة الحرجة وهي شجر مجتمع وسبب اجتماعهم أن بني عامر جالوا جولة إلى موضع يقال له العرقوب والتفت عامر بن الطفيل فسأل عن بني نمير فوجدهم قد تخلفوا في المعركة فرجع وهو يصيح يا صباحاه يا نميراه ولا نمير لي بعد اليوم حتى اقتحم فرسه وسط القوم فقويت نفوسهم وعادت بنو عامر وقد طعن عامر بن الطفيل ما بين ثغرة نحره إلى سرته عشرين طعنه وكان عامر في ذلك اليوم يتعهد الناس فيقول يا فلان ما رأيتك فعلت شيئا فمن أبلى فليرني سيفه ورمحه ومن لم يبل شيئا تقدم فأبلى فكان كل من أبلى بلاء حسنا أتاه فأراه الدم على سنان رمحه أو سيفه فأتاه رجل من الحارثيين اسمه مسهر فقال له يا أبا علي أنظر ما صنعت بالقوم انظر إلى رمحي فلما أقبل عليه عامر لينظر وجأه بالرمح في وجنته ففلقها وفقأ عينه وترك رمحه وعاد إلى قومه وإنما دعاه إلى ذلك ما رآه يفعل بقومه فقال هذا والله مبير قومي فقال عامر بن الطفيل

( أتونا بشهران العريضة كلها % وأكلب طرافي جياد النسور )

( لعمري وما عمري علي بهين % لقد شان حر الوجه طعنه مسهر )

( فبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا % جبانا وما أغنى لدى كل محضر )

وأسرت بنو عامر يومئذ سيد مراد جريحا فلما برأ من جراحته أطلق وممن أبلى يومئذ أريد بن قيس بن حر بن خالد بن جعفر وعبيد بن شريح بن الأحوص بن جعفر وقال لبيد بن ربيعة ويقال انها لعامر بن الطفيل

( أتونا بشهران العريضة كلها % وأكلها في مثل بكر بن وائل )

( فبتنا ومن ينزل به مثل ضيفنا % يبت عن قرى أضيافه غير غافل )

( أعاذل لو كان البداد لقوبلوا % ولكن أتانا كل جن وخابل )

( وخعم حي يعدلون بمذحج % فهل نحن إلا مثل احدى القبائل )

يوم اليحاميم ويعرف أيضا بقارات حوق ص 502

وهو بين قبائل طيء بعضها في بعض وكان سبب ذلك أن الحرث بن جبلة الغساني كان قد أصلح بين طيء فلما هلك عادت إلى حربها فالتقت جديلة والغوث بموضع يقال له غرثان فقتل قائد بني جديلة وهو أسبع بن عمرو بن لأم عم أوس بن خالد بن حارثة بن لأم وأخذ رجل من سنبس يقال له مصعب أذنيه فخصف بهما نعليه وفي ذلك يقول أبو سروة السنبسي

( نخصف بالآذان منكم نعالنا % ونشرب كرها منكم في الجماجم )

وتناقل الحيان في ذلك اشعارا كثيرة وعظم ما صنعت الغوث على أوس بن خالد بن لأم وعزم على لقاء الحرب بنفسه وكان لم يشهد الحروب المتقدمة هو ولا أحد من رؤساء طيء كحاتم بن عبد الله وزيد الخيل وغيرهم من الرؤساء فلما تجهز أوس للحرب وأخذ في جمع جديلة ولفها قال أبو جابر

( أقيموا علينا القصد يا آل طيء % والا فإن العلم عند التحاسب )

( فمن مثلنا يوما إذا الحرب شمرت % ومن مثلنا يوما إذا لم نحاسب )

( فإن تقطعيني أو تريدي مساءتي % فقد قطع الخوف المخوف ركائبي )

وبلغ الغوث جمع أوس لها وأوقدت النار على مناع وهي ذروة اجأ وذلك أول يوم توقد عليه النار فاقبلت قبائل الغوث كل قبيلة وعليها رئيسها منهم زيد الخيل وحاتم وأقبلت جديلة مجتمعة على أوس بن حارثة بن لأم وحلف أوس أن لا يرجع عن طيء حتى ينزل معها جبليها أجأ وسلمى وتجبى له أهلها وتزاحفوا والتقوة ا بقارات حوق على راياتهم فاقتتلوا قتالا شديدا ودارت الحرب على بني كباد بن جندب فابيروا قال عدي بن حاتم إني لواقف يوم اليحاميم والناس يقتتلون إذا نظرت إلى زيد الخيل قد حضر ابنيه مكنفا وحريثا في شعب لا منفذ له وهو يقول أي بني أبقيا على قومكما فإن اليوم يوم التفاني فإن يكن هؤلاء أعماما فهؤلاء أخوال فقلت كأنك كرهت قتال أخوالك قال فاحمرت عيناه غضبا وتطاول إلي حتى نظرت إلى ما تحته من سرجه فخفته فضربت فرسى وتنحيت عنه واشتغل بنظره إلي عن ابنيه فخرجا كالصقرين وحمل قيس بن عازب على بحير بن زيد الخيل بن حارثة بن لأم فضرب على رأسه ضربة عنق لها بحير فرسه وولى فانهزمت جديلة عند ذلك وقتل فيها قتل ذريع فقال زيد الخيل

( يجيء بني لأم جياد كأنها % عصائب طير يوم طل وحاصب )

( فإن تنج منها لا يزل بك شامة % أناء حيا بين الشجا والترائب )

( وفر ابن لأم واتقانا بظهره % يردعه بالرمح قيس بن عازب )

( وجاءت بنو معن كأن سيوفهم % مصابيح من سقف فليس بآيب )

( وما فر حتى أسلم بن حمارس % لوقعة مصقول من البيض قاضب )

فلم تبق لجديلة بقية للحرب بعد يوم اليحاميم فدخلوا بلاد كعب فحالفوهم وأقاموا معهم

يوم ذي طلوح ص 503

وهو يوم الصمد ويوم أود أيضا وهو بين بكر وتميم وكان من حديثه أن عميرة بن طارق بن ارقم اليربوعي التميمي تزوج مرية بنت جابر العجلي أخت أبجر وسار إلى عجل ليبتني بأهله وكان له في بني تميم امرأة أخرى تعرف بابنة النطف من بني تميم فاتى أبجر اخته يزورها وزوجها عندها فقال لها أبجر إني لأرجوا أن آتيك بابنة النطف امرأة عميرة فقال له ما أراك تبقي علي حين تسلبني أهلي فندم أبجر وقال له ما كنت لأغزو قومك ولكنني متأسر في هذا الحي من تميم وجمع أبجر والحوفزان بن شريك الشيباني الحوفزان على شيبان وأبجر على اللهازم ووكلا بعميرة من يحرسه لئلا يأتي قومه فينذرهم فسار الجيش فاحتال عميرة على الموكلك بحفظه وهرب منه وجد السير إلى أن وصل إلى بني يربوع فقال لهم قد غزاكم الجيش من بكر بن وائل فاعلموا بني ثعلبة بطنا منهم فأرسلوا طليعة منهم فبقوا ثلاثة أيام ووصلت بكر فركبت يربوع والتقوا بذي طلوح فركب عميرة ولقي أبجر فعرفه نفسه والتقى القوم واقتتلوا فكان الظفر ليربوع وانهزمت بكر واسر الحوفزان وابنه شريك وابن عنمة الشاعر وكان مع بني شيبان فافتكه متمم بن نويرة وأسر أكثر الجيش البكري وقال ابن عنمة يشكر متمما

( جزى الله رب الناس عني متمما % بخير الجزاء ما أعف واجودا )

( اجيرت به ابناءنا ودماؤنا % وشارك في اطلاقنا وتفردا )

( أبا نهشل إني لكم غير كافر % ولا جاعل من دونك المال سرمدا )

يوم أقرن ص 504

قال أبو عبيدة غزا عمرو بن عمرو بن عدس التميمي بني عبس فأخذ ابلهم واستاق سبيهم وعاد حتى إذا كان أسفل ثنية أقرن نزل وابتنى بجارية من السبي ولحقه الطلب فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل أنس الفوارس بن زياد العبسي عمرا وابنه حنظلة واستردوا الغنيمة والسبي فنعى جرير على بني دارم ذلك فقال

( أتنسون عمرا يوم برقة أقرن % وحنظلة المقتول إذ هو يافعا )

وكان عمرو أسلع أبرص وكان هو ومن معه قد أخطأوا ثنية الطريق في عودهم وسلكوا غير الطريق فسقطوا من الجبل الذي سلكوه فلقوا شدة ففي ذلك يقول عنترة

( كأن السرايا يوم نيق وصارة % عصائب طير ينتحين لمشرب )

( شفى النفس مني أو دنا لشفائها % تهورهم من حالق متصوب )

( وقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم % مراتب عمرو وسط نوح مسلب )

وكانت أم سماعة بن عمرو بن عمرو من عبس فزاره خاله فقتل بابيه فقال في ذلك مسكين الدرامي

( وقاتل خاله بابيه منا % سماعة لم يبغ نسبا بخال )

يوم السلان ص 505

قال أبو عبيدة كان بنو عامر بن صعصعة حمسا والحمس قريش ومن له فيهم ولادة والحمس متشددون في دينهم وكانت عامر أيضا لقاحا لا يدينون للملوك فلما ملك النعمان بن المنذر ملكه كسرى ابرويز وكان يجهز كل عام لطيمة وهي التجارة لتباع بعكاظ عرضت بنو عامر لبعض ما جهزه فاخذوه فغضب لذلك النعمان وبعث إلى أخيه لأمه وهو وبرة بن رومانس الكلبي وبعث إلى صنائعه ووضائعه والصنائع من كان يصطنعه من العرب ليغزيه والوضائع هم الذين كانوا شبه المشايخ وأرسل إلى بني ضبة بن أد وغيرهم من الرباب وتميم فجمعهم فاجابوه فأتاه ضرار بن عمرو الضبي في تسعة من بنيه كلهم فوارس ومعه حبيش بن دلف وكان فارسا شجاعا فاجتمعوا في جيش عظيم فجهز النعمان معهم عيرا وأمرهم بتسييرها وقال لهم إذا فرغتم من عكاظ وانسلخت الحرب ورجع كل قوم إلى بلادهم فاقصدوا بني عامر فإنهم قريب بنواحي السلان فخرجوا وكتموا أمرهم وقالوا خرجنا لئلا يعرض أحد للطيمة الملك فلما فرغ الناس من عكاظ علمت قريش بحالهم فارسل عبد الله بن جدعان قاصدا إلى بني عامر يعلمهم الخبر فسار إليهم وأخبرهم خبرهم فحذروا وتهيؤا للحرب وتحرزوا ووضعوا العيون وعاد عامر عليهم عامر بن مالك ملاعب الأسنة وأقبل الجيش فالتقوا بالسلان فاقتتلوا قتالا شديدا فبينما هم يقتتلون إذ نظر يزيد بن عمرو بن خويلد الصعق إلى وبرة بن رومانس أخي النعمان فأعجبه هيئته فحمل عليه فأسره فلما صار في أيديهم هم الجيش بالهزيمة فناهم ضرار بن عمرو الضبي وقام بأمر الناس فقاتل هو وبنوه قتالا شديدا فلما رآه أبو براء عامر بن مالك وما يصنع ببني عامر هو وبنوه حمل عليه وكان أبو براء رجلا شديد الساعد فلما حمل على ضرار اقتتلا فسقط ضرار إلى الأرض وقاتل عليه بنوه حتى خلصوه وركب وكان شيخا فملا ركب قال من سره بنوه ساءته نفسه فذهبت مثلا يعني من سره بنوه إذا صاروا رجالا كبر وضعف فساءه ذلك وجعل أبو براء يلح على ضرار طمعا في فدائه وجعل بنوه يحمونه فلما رأى ذلك أبو براء قال له لتموتن أو لأموتن دونك فاحلني على رجل له فداء فأومأ ضرار إلى حبيش بن دلف وكان سيدا فحمل عليه أبو براء فأسره وكان حبيش أسود نحيفا دميما فلما رآه كذلك ظنه عبدا وأن ضرار خدعه فقال له إنا لله أعزز سائر القوم ألا في الشؤم وقعت فلما سمعها حبيش منه خاف أن يقتله فقال أيها الرجل أن كنت تريد اللبن يعني الأبل فقد أصبته فافتدى نفسه بأربعمائة بعير وهزم جيش النعمان فلما رجع الفل اليه أخبروه بأسر أخيه وبقيام ضرار بأمر الناس وما جرى له مع أبي براء وافتدى وبرة بن رومانس نفسه بألف بعير وفرس من يزيد الصعق فاستغنى يزيد وكان قبله خفيف الحال وقال لبيد يذكر أيام قومه

( إني امرؤ منعت أرومة عامر % ضيمي وقد حنقت علي خصوم )

يقول فيها

( وغداة قاع القريتين أتاهم % رهوا يلوح خلالها التسويم )

( بكتائب رجح تعود كبشها % نطح الكباش كأنهن نجوم )

قوله قاع القريتين يعني يوم السلان

( حبيس بن دلف ) بضم الحاء المهملة وبالباء الموحدة وبالياء المثناة من تحتها نقطتان وآخره شين معجمة

يوم ذي علق ص 506

وهو يوم التقى فيه بنو عامر بن صعصعة وبنو أسد بذي علق فاقتتلوا قتالا عظيما قتل في المعركة ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري أبو لبيد الشاعر وانهزمت عامر فتبعهم خالد بن نضلة الأسدي وابنه حبيب والحرث بن خالد بن المضلل وأمعنوا في الطلب فلم يشعروا الا وقد خرج عليهم أبو براء عامر بن مالك من وراء ظهورهم في نفر من أصحابه فقال لخالد يا أبا معقل إن شئت أجزتنا وأجزناك حتى نحمل جرحانا وندفن قتلانا قال قد فعلت فتواقفوا فقال له أبو براء هل علمت ما فعل ربيعة قال نعم تركته قتيلا قال ومن قتله قال ضربته أنا وأجهز عليه صامت بن الافقم فلما سمع أبو براء بقتل ربيعة حمل على خالد هو ومن معه فمانعهم خالد وصاحباه وأخذوا سلاح حبيب بن خالد ولحقهم بنو أسد فمنعوا أصحابهم وحموهم فقال الجميح

( سائل معدا عن الفوارس % لا أوفوا بجيرانهم ولا سلموا )

( يسعى بهم قرزل ويستمع الناس % إليهم وتخفق اللمم )

( ركضا وقد غادروا ربيعة في الآثار % لما تقارب النسم )

( في صدره صعدة ويخلجه بالرمح حران باسلا أضم )

قرزل فرس الطفيل والدعامر بن الطفيل وقال لبيد من قصيدة يذكر أباه

( ولا من ربيعة المقترين وريته % بذي علق فاقني حياءك واصبري )

يوم الرقم ص 507

قال أبو عبيدة غزت عامر بن صعصعة غطفان ومع بني عامر يومئذ عامر بن الطفيل شابا لم يرأس بعد فبلغوا وادي الرقم وبه بنو مرة بن عوف بن سعد ومعهم قوم من أشجع بن ذئب بن غطفان وناس من فزارة بن ذبيان فنذورا ببني عامر وهجمت عليهم بنو عامر بالرقم وهو واد بقرب تضرع فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فأقبل عامر بن الطفيل فرأى امرأة من فزارة فسألها فقالت أنا أسماء بنت نوفل الفزاري وقيل كانت أسماء بنت حصن بن حذيفة فبينا عامر يسألها خرج عليه المنهزمون من قومه وبنو مرة في أعقابهم فلما رأى ذلك عامر ألقى درعه إلى أسماء وولى منهزما فأدتها إليه بعد ذلك وتبعتهم مرة وعليهم سنان بن حارثة بن أبي حارثة المري وجعل الأشجعيون يذبحون كل من أسروه من بني عامر لوقعة كانت أوقعتها بهم بنو عامر فذلك البطن من بني أشجع يسمون بني مذحج فذبحوا سبعين رجلا منهم فقال عامر بن طفيل يذكر غطفان ويعرض باسماء

( قد ساءلت أسماء وهي خفية % لضحائها أطردت أم لم أطرد )

( فلأبغينكم القنا وعوارضا % ولأقبلن الخيل لابة ضرغد )

( ولأبرزن بمالك وبمالك % واخي المرورات الذي لم يسند )

في أبيات عدة فلما بلغ شعره غطفان هجاه منهم جماعة وكان نابغة بن ذبيان حينئذ غائبا عند ملوك غسان قد هرب من النعمان فلما آمنه النعمان وعاد سأل قومه عما هجوا به عامر بن الطفيل فانشدوه ما قالوا فيه وما قاله فيهم فقال لقد أفحشتم وليس مثل عامر يهجي بمثل هذا ثم قال يخطئ عامرا في ذكره امرأة من عقائلهم

( فإن يك عامر قد قال جهلا % فإن مطية الجهل الشباب )

( فإنك سوف تحلم أو تباهي % إذا ما شبت أو شاب الغراب )

( فكن كأبيك أو كأبي براء % توفقك الحكومة والصواب )

( فلا تذهب بحلمك طامثات % من الخيلاء ليس لهن باب )

إلى أخرها فلما سمعها عامر قال ما هجيت قبلها

يوم ساحوق ص 508

قال أبو عبيدة غزت بنو ذبيان بني عامر وهم بساحوق وعلى ذبيان سنان بن أبي حارثة المري وقد جهزهم وأعطاهم الخيل والإبل وزودهم فأصابوا نعما كثيرة وعادوا فلحقتهم بنو عامر واقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزمت بنو عامر وأصيب منهم رجال وركبوا الفلاة فهلك أكثرهم عطشا وكان الحر شديدا وجعلت ذبيان تدرك الرجل منهم فيقولون له قف ولك نفسك وضع سلاحك فيفعل وكان يوما عظيما على عامر وانهزم عامر بن الطفيل وأخوه الحكم ثم أن الحكم ضعف وخاف أن يؤسر فجعل في عنقه حبلا وصعد إلى شجرة وشده ودلى نفسه فاختنق وفعل مثله رجل من بني غني فلما ألقى نفسه ندم فاضطرب فأدركوه وخلصوه وعيروه بجزعه وقال عروة بن الورد العبسي في ذلك

( ونحن صبحنا عامرا في ديارها % علالة ارماح وضربا مذكرا )

( بكل رقاق الشفرتين مهند % ولدن من الخطي قد طرا سمرا )

( عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم % ومقتلهم إذ يلتقي كان أعذرا

يوم أعيار ويوم النقيعة ص 509

كان المثلم بن المشجر العائذي ثم الضبي مجاورا لبني عبس فتقامر هو وعمارة بن زياد هو أحد الكملة فقمره عمارة حتى اجتمع عليه عشرة أبكر فطلب منه المثلم أن يخلي عنه حتى يأتي أهله فيرسل إليه بالذي له فأبى ذلك فرهنه ابنه شرحاف بن المثلم وخرج المثلم فاتى قومه فأخذ البكارة فأتى بها عمارة وافتك ابنه فلما انطلق بابنه قال له في الطريق يا أبتاه من معضال قال ذلك رجل من بني عمك ذهب فلم يوجد إلى الساعة قال شرحاف فإني قد عرفت قاتله قال أبوه ومن هو قال عمارة بن زياد سمعته يقول للقوم يوما وقد أخذ فيه الشراب أنه قتله لم يلق له طالبا ولبثوا بعد ذلك حينا وشب شرحاف ثم أن عمارة جمع جمعا عظيما من عبس وأغار بهم على بني ضبة فأخذوا إبلهم وركبت بنو ضبة فأدركوهم في المرعى فلما نظر شرحاف إلى عمارة قال يا عمارة أتعرفني قال من أنت قال أنا شرحاف أد إلي ابن عمي معضالا لا مثله يوم قتلته وحمل عليه فقتله واقتتلت ضبة وعبس قتالا شديدا واستنقذت ضبة الإبل وقال شرحاف

( ألا أبلغ سراة بني بغيض % بما لاقت سراة بني زياد )

( وما لاقت جذيمة إذ تحامي % وما لاقى الفوارس من بجاد )

( تركنا بالنقيعة آل عبس % شعاعا يقتلون بكل واد )

( وما إن فاتنا إلا شريد % يؤم الفقر في تيه البلاد )

( فسل عنا عمارة آل عبس % وسل وردا وما كان بداد )

( تركتهم بوادي البطن رهنا % لسيدان القرارة والجلاد )

يوم النباة ص 509

قال أبو عبيدة خرجت بنو عامر تريد غطفان لتدرك بثارها يوم الرقم ويوم ساحوق فصادفت بني عبس وليس معهم أحد من غطفان وكانت عبس لم تشهد يوم الرقم ولا يوم ساحوق مع غطفان ولم يعينوهم على بني عامر وقيل بل شهدها أشجع وفرازة وغيرهما من بين غطفان على ما نذكره قال وأغارت بنو عامر على نعم بني عبس وذبيان وأشجع فأخذوها وعادا متوجهين إلى بلادهم فضلوا في الطريق فسلكوا وادي النباة فامعنوا فيه ولا طريق لهم ولا مطلع حتى قاربوا آخره وكاد الجبلان يلتقيان إذا هم بامرأة من بني عبس تخبط الشجر لهم في قلة الجبل فسألوها عن المطلع فقالت لهم الفوارس المطلع وكانت قد رأت الخيل قد أقبلت وهي على الجبل ولم يرها بنو عامر لأنهم في الوادي فارسلوا رجلا إلى قلة الجبل ينظر فقال لهم أرى قوما كأنهم الصبيان على متون الخيل أسنة رماحهم عند آذان خيلهم قالوا تلك فزارة قال وأرى قوما بيضا جعادا كأن عليهم ثيابا حمرا قالوا تلك أشجع قال وأرى قوما نسورا قد قلعوا خيولهم ببدادهم كأنهما يحملونها حملا بافخاذهم آخذين بعوامل رماحهم يجرونها قالوا تلك عبس أتاكم الموت الزؤام ولحقهم الطلب بالوادي فكان عامر بن الطفيل أول من سبق على فرسه الورد ففات القوم وأعيا فرسه الورد وهو المربوق أيضا فعقره لئلا تفتحله فزارة واقتتل الناس ودام القتال بينهم وانهزمت عامر فقتل منهم مقتلة كبيرة قتل فيها من أشرافهم البراء بن عامر بن مالك وبه يكنى أبوه وقتل نهشل وأنس وهزار بنو مرة بن أنس بن خالد بن جعفر وقتلوا عبد الله بن الطفيل أخا عامر قتله الربيع بن زياد العبسي وغيرهم كثير وتمت الهزيمة على بني عامر

يوم الفرات ص 510

قال أبو عبيدة أغار المثنى بن حارثة الشيباني وهو ابن أخت عمران بن مرة على بني تغلب وهم عند الفرات وذلك قبيل الإسلام فظفر بهم فقتل من أخذ من مقاتلتهم وغرق منهم ناس كثير في الفرات وأخذ أموالهم وقسمها بين أصحابه فقال شاعرهم في ذلك

( ومنا الذي غشى الدليكة سيفه % على حين أن أعيا الفرات كتائبه )

( ومنا الذي شد الركي ليستقي % ويسقي محضا غير ضاف جوانبه )

( ومنا غريب الشام لم ير مثله % أفك لعان قد تناءى أقاربه )

( الدليكة ) فرس المثنى بن حارثة والذي شد الركي مرة بن همام وغريب الشام ابن القلوص بن النعمان بن ثعلبة

يوم بارق ص 511

قال المفضل الضبي إن بني تغلب والنمر بن قاسط وناسا من تميم اقتتلوا حتى نزلوا ناحية بارق وهي أرض السواد وأرسلوا وفدا منهم إلى بكر بن وائل يطلبون إليهم الصلح فاجتمعت شيبان ومن معهم وأرادوا قصد تغلب ومن معهم فقال زيد بن شريك الشيباني إني قد اجرت أخوالي وهم النمر بن قاسط فامضوا جواره وساروا وأوقعوا ببني تغلب وتميم فقتلوا منهم مقتله عظيمة لم تصب تغلب بمثلها واقتسموا الأسرى والأموال وكان من أعظم الأيام عليهم قتل الرجال ونهب الأموال وسبى الحريم فقال أبو كلبة الشيباني

( وليلة بسعادي لم تدع سندا % لتغلبي ولا أنفا ولا حسبا )

( والنمريون لولا سر من ولدوا % من آل مرة شاع الحي منتهبا )

يوم طخفة ص 511

وهو لبني يربوع على عساكر النعمان بن المنذر قال أبو عبيدة وكان سبب هذه الحرب أن الرجافة وهي بمنزلة الوزارة وكان الرديف يجلس عن يمين الملك كانت لبني يربوع من تميم يتوارثونها صغيرا عن كبير فلما كان أيام النعمان وقيل أيام ابنه المنذر سألها حاجب بن زرارة الدرامي التميمي النعمان أن يجعلها للحرث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع الدرامي التميمي فقال النعمان لبني يربوع في هذا وطلب منهم أن يجيبوا إلى ذلك فامتنعوا وكان منزلهم أسفل طخفة فحيث امتنعوا من ذلك بعث إليهم النعمان قابوس إبنه وحسانا أخاه ابني المنذر قابوس على الناس وحسان على المقدمة وضم إليهما جيشا كثيفا منهم الصنائع والوضائع وناس من تميم وغيرهم فساروا حتى أتوا طخفة فالتقوا هم ويربوع واقتتلوا وصبرت يربوع وانهزم قابوس ومن معه وضرب طارق أبو عميرة فرس قابوس فعقره وأسره وأراد أن يجز ناصيته فقال إن الملوك لا تجز نواصيها فأرسله وأما حسان فأسره بشر بن عمرو بن جوين فمن عليه وأرسله فعاد المنهزمون إلى النعمان وكان شهاب بن قيس بن كياس اليربوعي عند الملك فقال له يا شهاب أدرك ابني وأخي فإن أدركتهما حيين فلبني يربوع حكمهم وأرد عليهم ردافتهم وأترك لهم من قتلوا وما غنمواوأعطيهم الفي بعير فسار شهاب فوجدهما حيين فأطلقهما ووفى الملك لبني يربوع بما قال ولم يعرض لهم في ردافتهم وقال مالك بن نويرة

( ونحن عقرنا مهر قابوس بعدما % رأى القوم منه الموت والخيل تلجب )

( عليه دلاص ذات نسج وسيفه % جران من الهندي أبيض مقضب )

( طلبنا بها إنا مداريك نيلها % إذا طلب الشأو البعيد المغرب )

يوم النباج وثيتل ص 512

قال أبو عبيدة غزا قيس بن عاصم المنقري ثم التميمي مقاعس وهم بطون من تميم وهم صريم وربيع وعبيد بنو الحرث بن عمرو بن كعب بن سعد وغزا معه سلامة بن ظرب الحماني في الأحارث وهم بطون من تميم أيضا وهم حمان وربيعة ومالك والأعرج بنو كعب بن سعد فغزوا بكر بن وائل فوجدوا اللهازم وهم بنو قيس وتيم اللات أبناء ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ومعهم بنو ذهل بن ثعلبة وعجل بن لجيم وعنزة بن أسد بن ربيعة بالنباج وثيتل وبينهما روحة فأغار قيس على النباج ومضى سلامة إلى ثيتل ليغير على من بها فلما بلغ قيس إلى النباح سقى خيله ثم أراق ما معهم من الماء وقال لمن معه قاتلوا فالموت بين أيديكم والفلاة من ورائكم فأغار على من به من بكر صبحا فقاتلوهم قتالا شديدا وانهزمت بكر وأصيب من غنائمهم مالا يحد كثرة فلما فرغ قيس من النهب عاد مسرعا إلى سلامة ومن معه نحو ثيتل فأدركوهم ولم يغر سلامة على من به فأغار عليه قيس أيضا فقاتلوه وانهزموا وأصاب من الغنائم نحو ما أصاب بالنباج وجاء سلامة فقال أغرتم على من كان لي فتنازعوا حتى كاد الشر يقع بينهم ثم اتفقوا على تسليم الغنائم إليه ففي ذلك يقول ربيعة بن طريف

( فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم % فأنت لنا عز عزيز ومعقل )

( وأنت الذي خويت بكر بن وائل % وقد عضلت بها النباج وثيتل )

وقال قرة بن زيد بن عاصم

( أنا ابن الذي شق المرار وقد رأى % بثيتل أحياء اللهازم حضرا )

( فصبحهم بالجيش قيس بن عاصم % فلم يجدوا إلا الأسنة مصدرا )

( سقاهم بها الذيفان قيس بن عاصم % وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا )

( على الجرد يعلكن الشيكم عوابسا % إذا الماء من أعطافهن تحدرا )

( فلم يرها الراؤن إلا فجاءة % نثرن عجاجا كالدواخن أكدرا )

( وحمرتن أدته إلينا رماحنا % فنازع غلافي ذراعيه أسمرا )

( ثيتل ) بالثاء المثلثة المفتوحة والياء المسكنة المثناة من تحتها والتاء المثناة من فوقها

يوم فلج ص 513

قال أبو عبيدة هذا يوم لبكر بن وائل على تميم وسببه أن جمعا من بكر ساروا إلى الصعاب فشتوا بها فلما انقضى الربيع انصرفوا فمروا بالدو فلقوا ناسا من بني تميم من بني عمرو وحنظلة فأغاروا على نعم كثير لها ومضوا واتى بني عمرو وحنظلة الصريخ فاستجاشوا لقومهم فاقبلوا في آثار بكر بن وائل فساروا يومين وليلتين حتى جهدهم السير وانحدروا في بطن فلج وكانوا قد خلفوا رجلين على فرسين سابقين ربيئة ليخبراهم بخبرهم إن ساروا إليه فلما وصلت تميم إلى الرجلين أجريا فرسيهما وسارا مجدين فأنذرا قومهما فأتاهم الصريخ بمسير تميم عند وصولهم إلى فلج فضرب حنظلة بن يسار العجلي قبتة ونزل فنزل الناس معه وتهيؤا للقتال معه ولحقت بنو تميم فقاتلهم بكر بن وائل قتالا شديدا وحمل عرفجة بن بجير العجلي على خالد بن مالك بن سلمة التميمي فطعنه وأخذه أسيرا وقتل في المعركة ربعي بن مالك بن سلمة فانهزمت تميم وبلغت بكر بن وائل منها ما أرادت ثم أن عرفجة أطلق خالد بن مالك وجز ناصيته فقال خالد

( وجدنا الرفد رفد بني لجيم % إذا ما قلت الارفاد زادا )

( همو ضربوا القباب ببطن فلج % وذادوا عن محارمهم ذيادا )

( وهم منوا علي وأطلقوني % وقد طاوعت في الجنب القيادا )

( أليسوا خير من ركب المطايا % وأعظمهم إذا اجتمعوا رمادا )

( أليس همو عماد الحي بكرا % إذا نزلت مجللة شدادا )

وقال قيس بن عاصم يعير خالدا

( لو كنت حريا يا بن سلمى بن جندل % نهضت ولم تقصد لسلمى بن جندل )

( فما بال أصداء بفلج غريبة % تنادي مع الأطلال يا لابن حنظل )

( صوادي لا مولى عزيز يجيبها % ولا أسرة تستقي صداها بمنهل )

( وغادرت ربعيا ملحبا % وأقبلت في أولى الرعيل المعجل )

( تؤامل من خوف الردي ولا وقيته % كما نالت الكدراء من حين أجدل )

يعيره حيث لم يأخذ بثار أخيه ربعي ومن قتل معه يوم فلج ويقول إن أصداءهم تنادي ولا يسقيها أحد على مذهب الجاهلية ولولا التطويل لشرحناه أبين من هذا

يوم الشيطين ص 514

قال أبو عبيدة كان الشيطان لبكر بن وائل فلما ظهر الإسلام في نجد سارت بكر قبل السواد وبقي مقايس بن عمرو العائذي بن عائذة من قريش حليف بني شيبان بالشيطين فلما أقامت بكر في السواد لحقهم الوباء والطاعون الذي كان أيام كسرى شيرويه فعادوا هاربين فنزلوا لعلع وهي مجدبة وقد أخصب الشيطان فسارت تميم فنزلوا بها وبلغت أخبار خصب الشيطين إلى بكر فاجتمعوا وقالوا نغير على تميم فإن في دين ابن عبد المطلب يعنون النبي ان من قتل نفسا بها فنغير هذه الغارة ثم نسلم عليها فارتحلوا مت لعلع بالذراري والأموال ورئيسهم بشر بن مسعود بن قيس بن خالد فأتوا الشيطين في أربع ليال والذي بينهما ميسرة ثمان ليال فسبقوا كل خبر حتى صبحوهم وهم لا يشعرون فقاتلوهم قتالا شديدا وصبرت تميم ثم انهزمت فقال رشيد بن رميض العنبري يفتخر بذلك

( وما كان بين الشيطين ولعلع % لنسوتنا إلا مناقل أربع )

( فجئنا بجمع لم ير الناس مثله % يكاد له ظهر الوديعة يطلع )

( بأرعن دهم تنسل البلق وسطه % له عارض فيه المنية تلمع )

( صبحنا به سعدا وعمرا ومالكا % فظل لهم يوم من الشر أشنع )

( وذا حسب من آل ضبة غادروا % يجري كما يجري الفصيل المفزع )

( تقصع يربوع بسرة أرضنا % وليس ليربوع بها متقصع )

ثم إن النبي كتب إلى بكر بن وائل على ما بأيديهم

( الشيطين ) بالشين المعجمة والياء المشددة المثناة من تحتها وبالطاء المهملة أخره نون

أيام الأنصار وهم الأوس والخزرج التي جرت بينهم ص 515

الأنصار لقب قبيلتي الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان لقبهم به رسول الله لما هاجر إليهم ومنعوه ونصروه وأم الأوس والخزرج قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد ولذلك يقال لهم أبناء قيلة وإنما لقب ثعلبة العنقاء لطول عنقه ولقب عمرو مزيقياء لأنه كان يمزق عنه كل يوم حلة لئلا يلبسها أحد بعده ولقب عامر ماء السماء لسماحته وبذله كأنه ناب مناب المطر وقيل لشرفه ولقب امرؤ القيس البطريق لأنه أول من استعان به بنو إسرائيل من العرب بعد بلقيس فبطرقه رحبعم بن سليمان بن داود عليه السلام فقيل له البطريق وكانت مساكن الأزد بمأرب من اليمن إلى أن أخبر الكهان عمرو بن عامر مزيقياء أن سيل العرم يخرب بلادهم ويغرق أكثر أهلها عقوبة لهم بتكذيبهم رسل الله تعالى إليهم فلما علم ذلك عمرو وباع ماله من مال وعقار وسار عن مأرب هو ومن تبعه ثم تفرقوا في البلاد فسكن كل بطن ناحية اختاروها فسكنت خزاعة الحجاز وسكنت غسان الشام ولما سارا ثعلبة بن عمرو بن عامر فيمن معه اجتازوا بالمدينة وكانت تسمى يثرب فتخلف بها الأوس والخزرج ابنا حارثة فيمن معهما وكان فيها قرى وأسواق وبها قبائل من اليهود من بني إسرائيل وغيرهم منهم قريظة والنضير وبنو قينقاع وبنو ماسلة وزعورا وغيرهم وقد بنوا لهم حصونا يجتمعون بها إذا خافوا فنزل عليهم الأوس والخزرج فابتنوا المساكن والحصون إلا أن الغلبة والحكم لليهود إلى أن كان من الفطيون ومالك بن العجلان ما نذكره إن شاء الله تعالى فعادت الغلبة للأوس والخزرج ولم يزالوا على حال اتفاق واجتماع إلى أن حدث بينهم حرب سيمر على ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر غلبة الأنصار على المدينة وضعف أمر اليهود بها وقتل الفطيون ص 516

قد ذكرنا أن الاستيلاء كان لليهود على المدينة لما نزلها الأنصار ولم يزل الأمر كذلك حتى إلى أن ملك عليهم الفطيون اليهودي وهو من بني إسرائيل ثم من بني ثعلبة وكان رجل سوء فاجرا وكانت اليهود تدبن له بأن لاتزوج امرأة منهم إلا دخلت عليه قبل زوجها وقيل إنه يفعل ذلك بالأوس والخزرج ايضا ثم أن اختا لمالك بن العلاج السالمي الخزرجى تزوجت فلما كان زفافها خرجت عن مجلس قومها وفيه أخوها مالك وقد كشفت عن ساقيها فقال لها مالك لقد جئت بسوء قالت الذي يراد بي الليلة أشد من هذا ادخل على غير زوجي ثم عادت فدخل عليها أخوها فقال لها هل عندك من خبر قالت نعم فما عندك قال أدخل مع النساء فإذا خرجن ودخل عليك قتلته قالت افعل فلما ذهب بها النساء إلى الفطيون انطلق مالك معهن في زي امرأة ومعه سيفه فلما خرج النساء من عندها ودخل عليها الفطيون قتله مالك وخرج هاربا فقال بعضهم في ذلك من أبيات

( هل كان للفطيون عقر نسائكم % حكم النصيب فبئس حكم الحاكم )

( حتى حباه مالك بمرشة % حمراء تضحك عن نجيع قاتم )

ثم خرج مالك بن العجلان هاربا حتى دخل الشام فدخل على ملك من ملوك غسان يقال له أبو جبيلة واسمه عبيد بن سالم بن مالك بن سالم وهو أحد بني غضب بن جشم بن الخزرج وكان قد ملكهم وشرف فيهم وقيل إنه لم يكن ملكا وإنما كان عظيما عند ملك غسان وهو الصحيح لأن ملوك غسان لم يعرف فيهم هذا وهو أيضا من الخزرج على ما ذكر فلما دخل عليه مالك شكا إليه ما كان من الفطيون وأخبره بقتله وأنه لا يقدر على الرجوع فعاهد الله أبو جبيلة أن لا يمس طيبا ولا يأتي النساء حتى يذل اليهود ويكون الأوس والخزرج أعز أهلها ثم سار من الشام في جمع كثير وأظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة فنزل بذي حرض وأعلم الأوس والخزرج ما عزم عليه ثم أرسل إلى وجوه اليهود يستدعيهم إليه وأظهر لهم أنه يريد الاحسان إليهم فأتاه أشرافهم في حشمهم وخاصتهم فلما اجتمعوا ببابه أمر بهم فادخلوا رجلا رجلا وقتلهم عن آخرهم فلما فعل بهم ذلك صارت الأوس والخزرج أعز أهل المدينة فشاركوا اليهود في النخل والدور ومدح الرمق بن زيد الخزرجي أبا جبيلة بقصيدة منها

( وأبو جبيلة خير من % يمشي وأوفاه يمينا )

( وأبرهم برا وأعلمهم % بهدى الصالحينا )

( أبقت لنا الأيام والحرب % المهمة تعترينا )

( كبشاله قرن يعض % حسامه الذكر السنينا )

فقال له أبو جبلة عسل طيب في وعاء سوء وكان الرمق رجلا ضئيلا فقال الرمق إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه ورجع أبو جبيلة إلى الشام ( حرض ) بضم الحاء والراء المهملتين وآخره ضاد معجمة

حرب سمير ص 518

ولم يزل الأنصار على حال اتفاق واجتماع وكان أول اختلاف وقع بينهم حرب كانت لهم حرب سمير وكان سببها أن رجلا من بني ثعلبة من سعد بن ذبيان يقال له كعب بن العجلان نزل على مالك بن العجلان السالمي فحالفه وأقام معه فخرج كعب يوما إلى سوق بني قينقاع فرأى رجلا من غطفان معه فرس وهو يقول ليأخذ هذا الفرس أعز أهل يثرب فقال رجل فلان وقال رجل آخر أحيحة بن الجلاح الأوسي وقال غيرهما فلان بن فلان اليهودي أفضل أهلها فدفع الغطفاني الفرس إلى مالك بن العجلان فقال كعب ألم أقل لكم أن حليفي مالكا أفضلكم فغضب من ذلك رجل من الأوس من بني عمرو بن عوف يقال له سمير وشتمه وافترقا وبقي كعب ما شاء الله ثم قصد سوقا لهم بقباء فقصده سمير ولازمه حتى خلا السوق فقتله وأخبر مالك بن العجلان بقتله فارسل إلى بني عمرو بن عوف يطلب قاتله فأرسلوا أنا لا ندري من قتله وترددت الرسل بينهم هو يطلب سميرا وهم ينكرون قتله ثم عرضوا عليه الدية فقبلها وكانت دية الحليف فيهم نصف دية النسيب منهم فأبى مالك إلا أخذ دية كاملة وامتنعوا من ذلك وقالوا نعطي دية الحليف وهي النصف ولج الأمر بينهم حتى أتى إلى المحاربة فاجتمعوا والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا وافترقوا ودخل فيها سائر بطون الأنصار ثم أرسلت الأوس إلى مالك يدعونه إلى أن يحكم بينهم المنذر بن حرام النجاري الخزرجي جد حسان بن ثابت بن المنذر فاجابهم إلى ذلك فأتوا المنذر فحكم بينهم المنذر بان يدوا كعبا حليف مالك دية الصريح ثم يعودون إلى سنتهم القديمة فرضوا بذلك وحملوا الدية وافترقوا وقد شبت البغضاء في نفوسهم وتمكنت العداوة بينهم

ذكر حرب كعب بن عمرو المازني ص 518

ثم إن بني جحجبا من الأوس وبني مازن بن النجار من الخزرج وقع بينهم حرب كان سببها ان كعب بن عمرو المازني تزوج امراة من بني سالم فكان يختلف إليها فأمر أحيحة بن الجلاح سيد بني جحجبا جماعة فرصدوه حتى ظفروا به فقتلوه فبلغ ذلك أخاه عاصم بن عمر فأمر قومه فاستعدوا للقتال وأرسل إلى بني جحجبا يؤذنهم بالحرب التقوا بالرحابة فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت بنو جحجبا ومن معهم وانهزم معهم أحيحة فطلبه عاصم بن عمرو فأدركه وقد دخل حصنه فرماه بسهم فوقع في باب الحصن فقتل عاصم أخا لأحيحة فمكثوا بعد ذلك ليالي فبلغ أحيحة أن عاصما يتطلبه ليجد له غرة فيقتله فقال أحيحة

( نبئت أنك جئت تسري % بين داري والقبابه )

( فلق وجدت بجانب الضحيان % شبانا مهابه )

( فتيان حرب في الحديد وشامرين كأسد غابه )

( هم نكبوك عن الطريق % فبت تركب كل لابه )

( أعصيتم لا تجزع فان الحرب % ليست بالدعابه )

( فانا الذي صبحتكم % بالقوم إذ دخلوا الرحابه )

( وقتلت كعبا قبلها % وعلوت بالسيف الذؤابه )

فأجابه عاصم

( أبلغ أحيحة أن عرضت % بداره عني جوابه )

( وأنا الذي أعجلته % عن مقعد ألهي كلابه )

( ورميته سهما فاخطأه % وأغلق ثم بابه )

في أبيات ثم أن أحيحة أجمع أن يبيت بني النجار وعنده سلمى بنت عمرو بن زيد النجارية وهي أم عبد المطلب جد النبي فما رضيت فلما جنا الليل وقد سهر معها أحيحة فنام فلما نام سارت إلى بني النجار فاعلمتهم ثم رجعت فحذروا وغدا أحيحة بقومه مع الفجر فلقيهم بنو النجار في السلاح فكان بينهم شيء من قتال وانحاز أحيحة وبلغه أن سلمى أخبرتهم فضربها حتى كسر يدها وأطلقها وقال أبياتا منها

( لعمر أبيك ما يغني مكاني % من الحلفاء آكلة غفول )

( تؤوم لا تقلص مشمعلا % مع الفتيان مضجعه ثقيل )

( تنزع للحليلة حيث كانت % كما يعتاد لقحته الفصيل )

( وقد اعددت للحدثان حصنا % لو أن المرء ينفعه العقول )

( جلاء القين ثمت لم تخنه % مضاربه ولاطته فلول )

( فهل من كاهن آوى إليه % إذا ما حان من آل نزول )

( يراهنني ويرهنني بنيه % وارهنه بني بما أقول )

( فما يدري الفقير متى غناه % وما يدري الغني متى يعيل )

( وما تدري وإن انتجت سقيا % لغيرك أم يكون لك الفصيل )

( وما أن أخوة كبروا وطابوا % بباقية وأمهم هبول )

( ستثكل أو يفارقها بنوها % بموت أو يجيء لهم قتول ) ذكر

[ذكر] الحرب بين بني عمرو بن عوف وبني الحرث وهو يوم السرارة $ ص 521

ثم أن بني عمرو بن عوف من الأوس وبني الحرث من الخزرج كان بينهما حرب شديدة وكان سببها أن رجلا من بني عمرو قتله رجل من بني الحرث فعدا بنو عمرو على القاتل فقتلوه غيله فاستكشف أهله فعلموا كيف قتل فتهيؤا للقتال وأرسلوا إلى بني عمرو بن عوف يؤذنونهم بالحرب فالتقوا بالسرارة وعلى الأوس حضير بن سماك والد أسيد بن حضير وعلى الخزرج عبد الله بن سلول أبو الحباب الذي كان رأس المنافقين فاقتتلوا قتالا شديدا صبر بعضهم لبعض أربعة أيام ثم انصرفت الأوس إلى دورها ففخرت الخزرج بذلك وقال حسان بن ثابت في ذلك

( فدى لبني النجار أمي وخالتي % غداة لقومهم بالمثقفة السمر )

( وصرم من الأحياء عمرو بن مالك % إذا ما دعوا كانت لهم دعوة النصر )

( فوالله لا أنسى حياتي بلاءهم % غداة رموا عمرا بقاصمة الظهر )

وقال حسان أيضا

( لعمر أبيك الخير بالحق مانبا % علي لساني في الخطوب ولا يدي )

( لساني وسيفي صارمان كلاهما % ويبلغ مالا يبلغ السيف مذودي )

( فلا الجهد ينسيني حياتي وحفظتي % ولا وقعات الدهر يفللن مبردي )

( أكثر أهلي من عيال سواهم % وأطوى على الماء القراح المبرد )

ومنها

( وإني لمنجاء المطي على الوجى % وإني لنزال لما لم أعود )

( وإني لقوال لذي اللوث مرحبا % وأهلا إذا ما ريع من كل مرصد )

( وإني ليدعوني الندى فاجيبه % وأضرب بيض العارض المتوقد )

( فلا تعجلن يا قيس وأربع فانما % قصاراك أن تلقى بكل مهند )

( حسام وأرماح بأيدي أعزة % متى ترهم يا بن الخطيم تلبد )

( أسود لدى الأشبال يحمي عرينها % مداعيس بالخطى في كل مشهد )

وهي أبيات كثيرة فأجابه قيس بن الخطيم

( تروح عن الحسناء أم أنت مغتدي % وكيف انطلاق عاشق لم يزود )

( تراءت لنا يوم الرحيل بمقلتي % بملتف من السدر مفرد )

( وجيد كجيد الريم حال يزينه % على النحر ياقوت وفص زبرجد )

( كأن الثريا فوق ثغرة نحرها % توقد في الظلماء أي توقد )

( إلا أن بين الشرعبي وراتج % ضرابا كتجذيم السيال المعضد

( لنا حائطان الموت أسفل منهما % وجمع متى يصرخ بيثرب يصعد )

( ترى اللابة السوداء يحمر لونها % ويسهل منها كل ربع وفدفد )

( فاني لأغني الناس عن متكلف % يرى الناس ضلالا وليس بمهتد )

( نشا غمرا بورا شقيا ملعنا % الد كأن رأسه رأس أصيد )

( كثير المني بالزاد لا صبر عنده % إذا جاع يوما يشتكيه ضحى الغد )

( وذي شيمة عسراء خالف شيمتي % فقلت له دعني ونفسك أرشد )

( فما المال والاخلاق إلا معارة % فما اسطعت من معروفها فتزود )

( متى ما تقد بالباطل الحق يأبه % فإن قدت بالحق الرواسي تنقد )

( إذا ما أتيت الأمر من غير بابه % ضللت تدخل من الباب تهتد )

وهي طويلة وقال عبيد بن ناقد

( لمن الديار كأنهن المذهب % بليت وغيرها الدهور تقلب )

يقول فيها في ذكر الوقعة

( لكن فرار أبي الحباب بنفسه % يوم السرارة سيء منه الأقرب )

( ولي وألقى يوم ذلك درعه % إذ قيل جاء الموت خلفك يطلب )

( نجاك منا بعد ما قد أشرعت % فيك الرماح هناك شد المذهب )

وهي طويلة أيضا وأبو الحباب هو عبد الله بن سلول

حرب الحصين بن الاسلت ص 523

ثم كانت حرب بين بني وائل بن زيد الأوسيين وبين بني مازن بن النجار الخزرجيين وكان سببها أن الحصين بن الأسلت الاوسي الوائلي نازع رجلا من بني مازن فقتله الوائلي ثم انصرف إلى أهله فتبعه نفر من بني مازن فقتلوه فبلغ ذلك أخاه أبا قيس بن الأسلت فجمع قومه وأرسل إلى بني مازن يعلمهم أنه على حربهم فتهيؤا للقتال ولم يختلف من الأوس والخزرج أحد فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا وقتل أبو قيس بن الاسلت الذين قتلوا أخاه ثم انهزمت الأوس فلام وحوح بن الأسلت أخاه أبا قيس وقال لا يزال منهزم من الخزرج فقال أبو قيس لاخيه ويكنى أبا حصين

( أبلغ أبا حصن وبعض % القول عندي ذو كباره )

( أن ابن أم المرء ليس % من الحديد ولا الحجاره )

( ماذا عليكم أن يكون % لكم بها رحلا عماره )

( يحمي ذمار كم وبعض % القوم لا يحمي ذماره )

( يبني لكم خيرا وبنيان % الكريم له أثاره )

في أبيات

حرب ربيع الظفري ص 525

ثم كانت حرب بين بني ظفر من الأوس وبين بني مالك بن النجار من الخزرج وكان سببها أن ربيعا الظفري كان يمر في مال لرجل من بني النجار إلى ملك له فمنعه النجاري فتنازعا فقتله ربيع فجمع قومهما فاقتتلوا قتالا شديدا كان أشد قتال بينهم فانهزمت بنو مالك بن النجار فقال قيس بن الخطيم الأوسي في ذلك

( أجد بعمرة غنيانها % فتهجر أم شاننا شانها )

( فان تمس شطت بها دارها % وباح لك اليوم هجرانها )

( فما روضة من رياض القطا % كأن المصابيح حوذانها )

( باحسن منها ولا نزهة % ولوج تكشف أدجانها )

( وعمرة من سروات النساء % ينفخ بالمسك أردانها )

منها

( ونحن الفوارس يوم الربيع % قد علموا كيف أبدانها )

( جنونا لحرب وراء الصريخ % حتى تقصد مرانها )

( تراهن يخلجن خلج الدلا % يبادر بالنزع أشطانها )

وهي طويلة فأجابه حسان بن ثابت الخزرجي بقصيدة أولها

( لقد هاج نفسك أشجانها % وغادرها اليوم أديانها )

ومنها

( ويثرب تعلم أنا بها % إذا التبس الحق ميزانها )

( ويثرب تعلم أنا بها % إذا أقحط القطر نوآنها )

( ويثرب تعلم إذ حاربت % بأنا لدى الحرب فرسانها )

( ويثرب تعلم أن المبيت % عند الهزاهز ذلانها )

ومنها

( متى ترنا الأوس في بيضنا % نهز القنا تخب نيرانها )

( وتعط المقاد على رغمها % وتنزل من الهام عصيانها )

( فلا تفخرن والتمس ملجأ % فقد عاود الأوس أديانها )

حرب فارع بسبب الغلام القضاعي ص 527

ومن أيامهم يوم فارع وسببه أن رجلا من بني النجار أصاب غلاما من قضاعة ثم من بلى وكان عم الغلام جارا لمعاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأوسي والد سعد بن معاذ فأتى الغلام عمه يزوره فقتله النجاري فأرسل معاذ إلى بني النجار أن ادفعوا إلي دية جاري أو ابعثوا إلي بقاتله أرى فيه رأيي فأبوا أن يفعلوا فقال رجل من بني عبد الأشهل والله إن لم تفعلوا لا نقتل به إلا عامر بن الاطنابة وعامر من أشراف الخرزج فبلغ ذلك عامرا فقال

( ألا من مبلغ الاكفاء عني % وقد تهدى النصيحة للنصيح )

( فانكم وما ترجون شطري % من القول المزجى والصريح )

( سيندم بعضكم عجلا عليه % وما أثر اللسان إلى الجروح )

( أبت لي عزتي وأبى بلائي % وأخذي الحمد بالثمن الربيح )

( وإعطائي على المكروه مالي % وضربي هامة البطل المشيخ )

( وقولي كلما جشأت وجاشت % مكانك تحمدي أو تستريحي )

( لأدفع عن مآثر صالحات % وأحمي بعد عن عرض صحيح )

( بذي شطب كلون الملح صاف % ونفس لا تقر على القبيح )

فقال الربيع بن أبي الحقيق اليهودي في عراض قول عامر بن الأطنابة

( ألا من مبلغ الأكفاء عني % فلا ظلم لدي ولا افتراء )

( فلست بغائظ الأكفاء ظلما % وعندي للملامات اجتزاء )

( فلم أر مثل من يدنو لخسف % له في الأرض سير واستواء )

( وما بعض الاقامة في ديار % يهان بها الفتى إلا عناء )

( وبعض القول ليس له علاج % كمحص الماء ليس له إناء )

( وبعض خلائق الأقوام داء % كداء الشح ليس به دواء )

( وبعض الداء ملتمس شفاه % وداء النوك ليس له شفاء )

( يحب المرء أن يلقى نعيما % ويأبى الله إلا ما يشاء )

( ومن يك عاقلا لم يلق بؤسا % ينخ يوما بساحته القضاء )

( تعاوره بنات الدهر حتى % تثلمه كما ثلم الأناء )

( وكل شدائد نزلت بحي % سيأتي بعد شدتها رخاء )

( فقل للمتقي عرض المنايا % توق فليس ينفعك اتقاء )

( فما يعطي الحريص غنى بحرص % وقد ينمي لدى الجود الثراء )

( وليس بنافع ذا البخل مال % ولا مزر بصاحبه الحباء )

( غني النفس ما استغنى بشيء % وفقر النفس ما عمرت شقاء )

( يود المرء ما تفد الليالي % وكان فناؤهن له فناء )

فلما رأى معاذ بن العمان امتناع بني النجار من الدية أو تسليم القاتل إليه تهيأ للحرب وتجهز هو وقومه واقتتلوا عند فارع وهو أطم حسان بن ثابت واشتد القتال بينهم ولم تزل الحرب بينهم حتى حمل ديته عامر بن الاطنابة فلما فعل صلح الذي كان بينهم وعادوا إلى أحسن ما كانوا عليه فقال عامر بن الاطنابة في ذلك

( صرمت ظليمة خلتي ومراسلي % وتباعدت ضنا بزاد الراحل )

( جهلا وما تدري ظليمة أنني % قد أستقل بصرم غير الواصل )

( ذلل ركابي حيث شئت مشيعي % إني أروع قطا المكان العاقل )

( اظليم ما يدريك ربه خلة % حسن مرغمها كظبي الحائل )

( قد بت مالكها وشارب قهوة % درياقة رويت منها واغلي )

( بيضاء صافية يرى من دونها % قعر الأناء يضيء وجه الناهل )

( وسراب هاجرة قطعت إذا جرى % فوق الاكام بذات لون باذل )

( أجد مراحلها كأن عفاءها % سقطان من كتفي ظليم جافل )

( فلنأكلن بنا جز من مالنا % ولنشربن بدين عام قابل )

( إني من القوم الذين إذا انتدوا % بدأوا ببر الله ثم النائل )

( المانعين من الخنى جيرانهم % والحاشدين على طعام النازل )

( والخالطين غنيهم بفقيرهم % والباذلين عطاءهم للسائل )

( والضاربين الكبش يبرق بيضه % ضرب المهند عن حياض الناهل )

( والعاطفين على المصاف خيولهم % والملحقين رماحهم بالقاتل )

( والمدركين عدوهم بذحولهم % والنازلين لضرب كل منازل )

( والقائلين معا خذوا أقرانكم % إن المنية من وراء الوائل )

( خزر عيونهم إلى أعدائهم % يمشون مشي الأسد تحت الوابل )

( ليسوا بأنكاس ولا ميل إذا % ما الحرب شبت اشعلوا بالشاعل )

( لا يطبعون وهم على أحسابهم % يشفون بالاحلام داء الجاهل )

( والقائلين فلا يعاب خطيبهم % يوم المقالة بالكلام الفاصل )

وإنما أثبتنا هذه الأبيات وليس فيها ذكر الوقعة لجودتها وحسنها

حرب حاطب ص 530

ثم كانت الوقعة المعروفة بحاطب وهو حاطب بن قيس من بني أمية بن يزيد بن مالك بن عوف الأوسي وبينها وبين حرب سمير نحو مائة سنة وكان بينما أيام ذكرنا المشهور منها وتركنا ما ليس بمشهور وحرب حاطب آخر وقعة كانت بينهم إلا يوم بعاث حتى جاء الله بالإسلام وكان سبب هذه الحرب إن حاطبا كان رجلا شريفا سيدا فأتاه رجل من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان فنزل عليه ثم أنه غدا يوما إلى سوق بني قينقاع فرآه يزيد بن الحرث المعروف باسم فسحم وهي أمه وهو من بني الحرث بن الخزرج فقال يزيد لرجل يهودي لك ردائي أن كسعت هذا الثعلبي فاخذ رداءه وكسعه كسعة سمعها من بالسوق فنادى الثعلبي يا لحاطب كسع ضيفك وفضح وأخبر حاطب بذلك فجاء إليه فسأله من كسعه فأشار إلى اليهودي فضربه حاطب بالسيف فلق هامته فاخبر ابن فسحم الخبر وقيل له اليهودي قتله حاطب فأسرع خلف حاطب فأدركه وقد دخل بيوت أهله فلقي رجلا من بني معاوية فقتله فثارت الحرب بين الأوس والخزرج واحتشدوا واجتمعوا والتقوا على جسر ردم بني الحرث بن الخزرج وكان على الخزرج يومئذ عمرو بن النعمان البياضي وعلى الأوس حضير بن سماك الأشهلي وقد كان ذهب ذكر ما وقع بينهم من الحروب فيمن حولهم من العرب فسار إليهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وخيار بن مالك بن حماد الفزاري فقدما المدينة وتحدثا مع الأوس والخزرج في الصلح وضمنا أن يتحملا كل ما يدعي بعضهم على بعض فأبوا ووقعت الحرب عند الجسر وشهدها عيينة وخيار فشاهدا من قتالهم وشدتها ما أيسا معه من الاصلاح بينهم فكان الظفر يومئذ للخزرج وهذا اليوم من أشهر أيامهم وكان بعده عدة وقائع كلها من حرب حاطب فمنها

يوم الربيع ص 531

ثم التقت الأنصار بعد يوم الجسر بالربيع وهو حائط في ناحية السفح فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كاد يفني بعضهم بعضا فانهزمت الأوس وتبعها الخزرج حتى بلغوا دورهم وكانوا قبل ذلك إذا انهزمت إحدى الطائفتين فدخلت دورهم كفت الأخرى عن اتباعهم فما تبعر الخزرج الأوس إلى دورهم طلبت الأوس الصلح فامتنعت بنو النجار من الخزرج عن إجابتهم فحصنت الأوس النساء والذراري في الآطام وهي الحصون ثم كفت عنهم الخزرج فقال صخر بن سليمان البياضي

( ألا أبلغا عني سويد بن صامت % ورهط سويد بلغا وابن الاسلت )

( بأنا قتلنا بالربيع سراتكم % وأفلت مجروحا به كل مفلت )

( فلولا حقوق في العشيرة إنها % أدلت بحق واجب إن أدلت )

( لنالهم منا كما كان نالهم % مقانب خيل أهلكت حين حلت )

فأجابه سويد بن الصامت

( ألا أبلغا عني صخيرا رسالة % فقد ذقت حرب الأوس فيها ابن الاسلت )

( قتلنا سراياكم بقتلى سراتنا % وليس الذي ينجو اليكم بمفلت ) $

ومنها يوم البقيع ) ص 532

ثم التقت الأوس والخزرج ببقيع الغرقد فاقتتلوا قتالا شديدا فكان الظفر يومئذ للأوس فقال عبيد بن ناقد الأوسي

( لما رأيت بني عوف وجمعهم % جاؤوا وجمع بني النجار قد حفلوا )

( دعوت قومي وسهلت الطريق لهم % إلى المكان الذي أصحابه حللوا )

( جادت بأنفسها من مالك عصب % يوم اللقاء فما خافوا ولا فشلوا )

( وعاوروكم كؤوس الموت إذ برزوا % شطر النهار وحتى أدبر الاصل )

( حتى استقاموا وقد طال المراس بهم % فكلهم من دماء القوم قد نهلوا )

( تكشف البيض عن قتلى أولى رحم % لولا المسالم والأرحام ما نقلوا )

( تقول كل فتاة غاب قيمها % أكل من خلفنا من قومنا قتلوا )

( لقد قتلتم كريما ذا محافظة % قد كان حالفه القينات والحلل )

( جزل نوافله حلو شمائله % ريان واغله تشقى به الإبل )

والواغل الذي يدخل على القوم وهم يشربون فأجابه عبد الله بن رواحة الحارثي الخزرجي

( لما رأيت بني عوف وأخوتهم % كعبا وجمع بني النجار قد حفلوا )

( قدما أباحوا حماكم بالسيوف ولم % يفعل بكم أحد مثل الذي فعلوا )

وكان رئيس الأوس يومئذ في رحب حاطب أبو قيس بن الأسلت الوائلي فقام في حربهم وهجر الراحة فشحب وتغير وجاء يوما إلى امرأته فأنكرته حتى عرفته بكلامه فقالت له لقد أنكرتك حتى تكلمت فقال

( قالت ولم تقصد لقيل الخنى % مهلا فقد أبلغت أسماعي )

( واستنكرت لونا له شاحبا % والحرب غول ذات أوجاع )

( من يذق الحرب يجد طعمها % مرا وتتركه بجعجاع )

( قد حصت البيضة رأسي فما % أطعم نوما غير تهجاع )

( أسعى على جل بني مالك % كل امرئ في شأنه ساعي )

( أعددت للأعداء موضونة % فضفاضة كالنهي بالقاع )

( أحفزها عني بذي رونق % مهند كاللمع قطاع )

( صدق حسام وادق حده % ومنحن أسمر قراع )

وهي طويلة ثم إن قيسا بن أسلت جمع الأوس وقال لهم ما كنت رئيس قوم قط إلا هزموا فرئسوا عليكم من أحببتم فرأسوا عليهم حضير الكتائب بن السماك الأشهلي وهو والد أسيد بن حضير لولده صحبة وهو بدري فصار حضير يلي أمورهم في حروبهم فالتقى الأوس والخزرج بمكان يقال له الغرس فكان الظفر للأوس ثم تراسلوا في الصلح فاصطلحوا على أن يحسبوا القتلى فمن كان عليه الفضل أعطى الدية فأضلت الأوس على الخزرج ثلاثة نفر فدفعت الخزرج ثلاثة غلمة منهم رهنا بالديات فغدرت الأوس فقتلت الغلمان

حرب الفجار الأول للأنصار ص 533

وليس بفجار كنانة وقيس فلما قتلت الأوس الغلمان جمعت الخرزج وحشدوا والتقوا بالحدائق وعلى الخزرج عبد الله بن أبي بن سلولن وعلى الأوس أبو قيس بن الأسلت فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كان بعضهم يفني بعضا وسمي ذلك اليوم يوم الفجار لغدرهم بالغلمان وهو الفجار الأول فكان قيس بن الخطيم في حائط له فانصرف فوافق قومه قد برزوا للقتال فعجز عن أخذ سلاحه إلا السيف ثم خرج معهم فعظم مقامه يومئذ وأبلى بلاء حسنا وجرح جراحة شديدة فمكث حينا يتداوى منها وأمر أن يحتمي عن الماء فذلك يقول عبد الله بن رواحة

( رميناك أيام الفجار فلم تزل % حميا فمن يشرب فلست بشارب )

يوم معبس ومضرس ص 534

ثم التقوا عند معبس ومضرس وهما جداران فكانت الخزرج وراء مضرس وكانت الأوس وراء معبس فاقاموا أياما يقتتلون قتالا شديدا ثم انهزمت الأوس حتى دخلت البيوت والآطام وكانت هزيمة قبيحة لم ينهزموا مثلها ثم إن بني عمرو بن عوف وبني أوس مناة من الأوس وادعوا الخزرج فامتنع من الموادعة بنو عبد الأشهل وبنو ظفر وغيرهم من الأوس وقالوا لا نصالح حتى ندرك ثأرنا من الخزرج فألحت الخزرج عليهم بالأذى والغارة حين وادعهم بنو عمر بن عوف وأوس بن مناة فعزمت الأوس إلا من ذكرنا على الانتقال من المدينة فأغارت بنو سلمة على مال لبني الأشهل يقال له الرعل فقاتلوهم عليه فجرح سعد بن معاذ الأشهلي جراحة شديدة واحتمله بنو سلمة إلى عمرو بن الجموح الخزرجي فأجاره وأجار الرعل من الحريق وقطع الأشجار فلما كان يوم بعاث جازاه سعد على ما نذكره إن شاء الله ثم سارت الأوس إلى مكة لتحالف قريشا على الخزرج وأظهروا أنهم يريدون العمرة وكانت عادتهم أنه إذا أراد أحدهم العمرة أو الحج لم يعرض إليه خصمه ويعلق المعتمر على بيته كرانيف النخل ففعلوا ذلك وساروا إلى مكة فقدموها وحالفوا قريشا وأبو جهل غائب فلما قدم أنكر ذلك وقال لقريش أما سمعتم قول الأول ويل للأهل من النازل أنهم لأهل عدد وجلد ولقلما نزل قوم على قوم إلا أخرجوهم من بلادهم وغلبوهم عليه قالوا فما المخرج من حلفهم قال أا أكفيكموهم ثم خرج حتى جاء الأوس فقال إنكم حالفتم قومي وأنا غائب فجئت لأحالفكم واذكر لكم من أمرنا ما تكونون بعده على رأس أمركم أنا قوم تخرج أماؤنا إلى أسواقنا ولا يزال الرجل منا يدرك الأمة فيضرب عجيزتها فإن طابت أنفسكم أن تفعل نساؤكم مثل ما تفعل نساؤنا حالفناكم وإن كرهتم ذلك فردوا إلينا حلفنا فقالوا لا نقر بهذا وكانت الأنصار بأسرها فيهم غيرة شديدة فردوا إليهم حلفهم وساروا إلى بلادهم فقال حسان بن ثابت يفتخر بما أصاب قومه من الأوس

( ألا أبلغ أبا قيس رسولا % إذا ألقى له سمع مبين )

( فلست بحاضر إن لم يزركم % خلال الدار مسبلة طحون )

( يدين لها العزيز إذا رآها % ويسقط من مخافتها الجنين )

( تشيب الناهد العذراء منها % ويهرب من مخافتها القطين )

( يطوف بها من النجار أسد كأسد الغيل مسكنها العرين )

( يظل الليث فيها مستكينا % له في كل ملتفت أنين )

( كأن بهاءها للناظريها % من الأسلات والبيض الفتين )

( كأنهم من الماذي عليهم % جمال حين يجتلدون جون )

( فقد لاقاك قبل بعاث قتل % وبعد بعاث ذل مستكين )

وهي طويلة أيضا

يوم الفجار الثاني للأنصار ص 535

كانت الأوس قد طلبت من قريظة والنضير أن يحالفوهم على الخزرج فبلغ ذلك الخزرج فأرسلوا إليهم يؤذنونهم بالحرب فقالت اليهود لا نريد ذلك فأخذت الخزرج رهنهم على الوفاء وهم أربعون غلاما من قريظة والنضير ثم أن يزيد بن فسحم شرب يوما فسكر فتغنى بشعر يذكر فيه ذلك

( هلم إلى الاحلاف إذ رق عظمهم % وإذا أصلحوا مالا لجذمان ضائعا )

( إذا ما امرؤ منهم أساء عمارة % بعثنا عليهم من بني العير جادعا )

( فأما الصريخ منهم فتحملوا % وأما اليهود فاتخذنا بضائعا )

( أخذنا من الأولى اليهود عصابة % لغدرهم كانوا لدينا ودائعا )

( فذلوا لرهن عندنا في حبالنا % مصانعة يخشون منا القوارعا )

( وذاك بانا حين نلقى عدونا % نصول بضرب يترك العز خاشعا )

فبلغ قوله قريظة والنضير فغضبوا وقال كعب بن أسد نحن كما قال إن لم نغر فحالف الأوس على الخزرج فلما سمعت الخزرج بذلك قتلوا كل من عندهم من الرهن من أولاد بني قريظة والنضير فاطلقوا نفرا منهم سليم بن أسد القرظي جد محمد بن كعب بن سليم واجتمعت الأوس وقريظة والنضير على حرب الخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا وسمي ذلك الفجار الثاني لقتل الغلمان من اليهود

وقد قيل في قتل الغلمان غير هذا وهو أن عمرو بن النعمان البياضي الخزرجي قال لقومه بين بياضة إن أباكم أنزلكم منزلة سوء والله لا يمس رأسي ماء حتى أنزلكم منازل قريظة والنضير أو أقتل رهنهم وكانت منازل قريظة والنضير خير البقاع فأرسل إلى قريظة والنضير أما أن تخلوا بيننا وبين دياركم وأما أن نقتل الرهن فهموا بأن يخرجوا من ديارهم فقال لهم كعب بن أسيد القرظي يا قوم امنعوا دياركم وخلوه يقتل الغلمان ما هي إلا ليلة يضيب فيها أحدكم امرأة حتى يولد له مثل أحدهم فارسلوا إليهم أنا لا ننتقل عن ديارنا فانظروا في رهننا فعوالنا فعدا عمرو بن النعمان على رهنهم فقتلهم وخالفه عبد الله بن أبي سلول فقال هذا بغي واثم ونهاه عن قتلهم وقتال قومهم من الأوس وقال له كأني بك وقد حملت قتيلا في عباءة يحملك أربعة رجال فلم يقتل هو ومن أطاعه أحدا من الغلمان وأطلقوهم ومنهم سليم بن أسد جد محمد بن كعب وحالفت حينئذ قريظة والنضير الأوس على الخزرج وجرى بينهم قتال سمي ذلك اليوم يوم الفجار الثاني وهذا القول أشبه بأن يسمى اليوم فجارا وأما على القول الأول فإنما قتلوا الرهن جزاءا للغدر من اليهود فليس بفجار من الخزرج إلا أن يسمى فجارا لغدر اليهود

يوم بعاث ص 537

ثم إن قريظة والنضير جددوا العهود مع الأوس على الموازرة والتناصر واستحكم أمرهم وجدوا في حربهم ودخل معهم قبائل من اليهود غير ما ذكرنا فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت وحشدت وراسلت حلفاءها من أشجع وجهينة وراسلت الأوس حلفاءها من مزينة ومكثوا أربعين يوما يتجهزون للحرب والتقوا ببعاث وهي من أعمال قريظة وعلى الأوس حضير الكتائب بن سماك والد أسيد بن حضير وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي وتخلف عبد الله بن أبي سلوك في من تبعه عن الخزرج وتخلف بنو حارثه بن الحرث عن الأوس فما التقوا اقتتلوا قتالا شديدا وصبروا جميعا ثم إن الأوس وجدت مس السلاح فولوا منهزمين نحو العريض فلما رأى حضير هزيمتهم برك وطعن قدمه بسنان رمحه وصاح واعقراه كعقر الجمل والله لا أعود حتى أقتل فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا فعطفوا عليه وقاتل عنه غلامان من بني عبد الأشهل يقال لهما محمود ويزيد ابنا خليفة حتى قتلا وأقبل سهم لا يدري من رمى به فأصاب عمرو بن النعمان البياضي رئيس الخزرج فقال فبين عبد الله بن أبي سلول يتردد راكبا قريبا من بعاث يتجسس الأخبار إذ طلع عليه بعمرو بن النعمان قتيلا في عباءة يحمله أربعة رجال كما كان قال له فلما رآه قال ذق وبال البغي وانهزمت الخزرج ووضعت فيهم الأوس السلاح فصاح صائح يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا أخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب فانتهوا عنهم ولم يسلبوهم وإنما سلبهم قريظة والنضير وحملت الأوس حضيرا مجروحا فمات وأحرقت الأوس دور الخزرج ونخيلهم فأجار سعد بن معاذ الأشهلي أمول بني سلمة ونخليهم ودورهم جزاءا بما فعلوا له في الرعل وقد تقدم ذكره ونجى يومئذ الزبير بن إياس بن باطا ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي أخذه فجز ناصيته وأطلقه وهي اليد التي جازاه بها ثابت في الإسلام يوم بني قريظة وسنذكره وكان يوم بعاث آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج ثم جاء الإسلام واتفقت الكلمة واجتمعوا على نصر الإسلام وأهله وكفى الله المؤمنين القتال وأكثرت الأنصار الأشعار في يوم بعاث فمن ذلك قول قيس بن الخطيم الظفري الأوسي

( أتعرف رسما كالطراز المذهب % لعمرة ركبا غير موقف راكب )

( ديار التي كانت ونحن على مني % تحل بنا لولا رجاء الركائب )

( تبدت لنا كالشمس تحت غمامة % بدا حاجب منها وضنت بحاجب )

ومنها

( وكنت أمرأ لا أبعث الحرب ظالما % فلما أبوا شعلتها كل جانب )

( أذنت بدفع الحرب حتى رأيتها % عن الدفع لا تزداد غير تقارب )

( فلما رأيت الحرب حربا تجردت % لبست من البردين ثوب المحارب )

( مضعفة يغشى الأنامل ريعها % كان قتيرتها عيون الجنادب )

( ترى قصد المران تلقى كأنها % تذرع خرصان بأيدي الشواطب )

( وسامحني ملكا هنين ومالك % وثعلبة الأخيار رهط المصائب )

( رجال متى يدعوا إلى الحرب يسرعوا % كمشي الجمال المشعلات المصائب )

( إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا % صدود الخدود وازورار المناكب )

( صدود الخدود والقنا متشاجر % ولا تبرح الأقدام عند التضارب )

( ظأرنا كموا بالبيض حتى لأنتموا % أذل من السقبان بين الحلائب )

( يجردن بيضا كل يوم كريهة % ويرجعن حمرا جارحات المضارب )

( لقيتكموا يوم الحدائق حاسرا % كأن يدي بالسيف مخراق لاعب )

( ويوم بعاث أسلمتنا سيوفنا % إلى حسب في جذم غسان ثاقب )

( قتلناكموا يوم الفجار وقبله % ويوم بعاث كان يوم التغالب )

( أتت عصب للأوس تخطر بالقنا % كمشي الأسود في رشاش الأهاضب )

فأجابه عبد الله بن رواحة

( أشاقتك ليلى في الخليط المجانب % نعم فرشاش الدمع في الصدر غالب )

( بكى أثر من شطت نواه ولم يقم % لحاجة مخزون شكا الحب ناصب )

( لدن غدوة حتى إذا الشمس عارضت % أراحت له من لبه كل غارب )

( نحامي على أحسابنا بتلادنا % لمفتقر أو سائل الحق واجب )

( وأعمى هدته للسبيل سيوفنا % وخصم أقمنا بعد مانج ثاعب )

( ومعترك ضنك برى الموت وسطه % مشينا له مشي الجمال المصاعب )

( برجل ترى الماذي فوق جلودهم % وبيضا نقيا مثل لون الكواكب )

( وهم في حسر لا في الدروع تخالهم % أسودا متى تنشا الرماح تضارب )

( معاقلهم في كل يوم كريهة % مع الصدق منسوب السيوف القواضب )

وهي طويلة وليلى التي شبب بها ابن رواحة هي أخت قيس بن الخطيم وعمرة التي شبب بها ابن الخطيم هي أخت عبد الله بن رواحة وهي أم النعمان بن بشير الأنصاري

( بعاث ) بضم الباء الموحدة وبالعين المهملة وقال صاحب كتاب العين وحده وهو بالغين المعجمة

ذكر غلبة ثقيف على الطائف والحرب بين الأحلاف وبني مالك ص 540

كانت أرض الطائف قديما لعدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر فلما كثر بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان غلبوهم على الطائف بعد قتال شديد وكان بنو عامر يصيفون بالطائف ويشتون بأرضهم من نجد وكانت مساكن ثقيف حول الطائف وقد اختلف الناس فيهم فمنهم من جعلهم من إياد فقال ثقيف اسمه قسي بن نبت بن منبه بن منصور بن يقدم بن افصى بن دعمي بن إياد من معد ومنهم من جعلهم من هوازن فقال هو قيس بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان فرأت ثقيف البلاد فأعجبهم نباتها وطيب ثمرها فقالوا لبني عامر إن هذه الأرض لا تصلح للزرع وإنما هي أرض ضرع ونراكم على أن آثرتم الماشية على الغراس نحن أناس ليست لنا مواش فهل لكم أن تجمعوا الزرع والضرع بغير مؤنة تدفعون إلينا بلادكم هذه فنثيرها ونغرسها ونحفر فيها الأطوار ولا نكلفكم مؤنة نحن نكفيكم المؤنة والعمل فإذا كنت وقت إدراك الثمر كان لكم النصف كاملا ولنا النصف بما عملنا فرغب بنو عامر في ذلك وسلموا إليهم الأرض فنزلت ثقيف الطائف واقتسموا البلاد وعملوا الأرض وزرعوها من الأعناب والثمار ووفوا بم شرطوا لبني عامر حينا من الدهر وكان بنو عامر يمنعون ثقيفا ممن أرادهم من العرب فلما كثرت ثقيف وشرفت حصنت بلادها وبنوا سورا على الطائف وحصنوه ومنعوا عامرا مما كانوا يحملونه إليهم عن نصف الثمار وأراد بنو عامر أخذه منهم فلم يقدروا عليه فقاتلوهم فلم يظفروا وكانت ثقيف بطنين الأحلاف وبني مالك وكان للأحلاف في هذا أثر عظيم ولم يزل تعتد بذلك على بني مالك فأقاموا كذلك ثم إن الأحلاف أثروا وكثرت خيلهم فحموا لها حمى من أرض بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن يقال له جلذان فغضب من ذلك بنو نصر وقاتلوهم عليه ولجت الحرب بينهم وكان رأس بني نصر عفيف بن عوف بن عباد النصري ثم اليربوعي ورأس الأحلاف مسعود بن معتب فلما لجت الحرب بين بني نصر والأحلاف اغتنم ذلك بنو مالك ورئيسهم جندب بن عوف بن الحرث بن مالك بن حطيط بن جشم من ثقيف لضغائن كانت بينهم وبين الأحلاف فحالفوا بني يربوع على الأحلاف فلما سمعت الأحلاف بذلك اجتمعوا وكان أول قتال كان بين الأحلاف وبين بني مالك وحلفائهم من بني نصر يوم الطائف واقتتلوا قتالا شديدا فانتصر الأحلاف وأخرجوهم منه إلى واد من وراء الطائف يقال له لحب وقتل من بني مالك وبني يربوع مقتلة عظيمة في شعب من شعاب ذلك الجبل يقال له الابان ثم اقتتلوا بعد ذلك أياما مسميات منهن يوم عمر ذي كندة من نحو نخلة ومنهن يوم كروبا من نحو حلوان وصاح عفيف بن عوف اليربوعي في ذلك اليوم صيحة يزعمون أن سبعين حبلى منهم ألقت ما في بطنها فاقتتلوا أشد قتال ثم افترقوا فسارت بنو مالك تبتغي الحلف من دوس وخثعم وغيرهما على الأحلاف وخرجت الأحلاف إلى المدينة تبتغي الحلف من الأنصار على بني مالك فقدم مسعود بن معتب على أحيحة بن الجلاح أحد بني عمرو بن عوف من الأوس أشرف الأنصار في زمانه فطلب منه الحلف فقال له أحيحة والله ما خرج رجل من قومه إلى قوم قط بحلف أو غيره إلا أقر لأولئك القوم بشر مما أنف منه من قومه فقال له مسعود إني أخوك وكان صديقا له فقال أخوك الذي تركته وراءك فارجع إليه وصالحه ولو بجدع أنفك وأذنكم فإن أحدا لن يبر لك في قومك إذ خالفته فانصرف عنه وزوده بسلاح وزاد وأعطاه غلاما كان يبني الآطام يعني الحصون بالمدينة فبنى لمسعود بن معتب أطما فكان أول أطم بني بالطائف ثم بنيت الآطام بعده بالطائف ولم يكن بعد ذلك بينهم حرب تذكر وقالوا في حربهم أشعارا كثيرة فمن ذلك قول محبر وهو ربيعة بن سفيان أحد بني عوف بن عقدة من الأحلاف

( وما كنت ممن أرث الشر بينهم % ولكن مسعودا جناها وجندبا )

( قريعى ثقيف أنشبا الشر بينهم % فلم يك عنها منزع حين أنشبا )

( عناقا ضروسا بين عوف ومالك % شديدا لظاها مترك الطفل أشيبا )

( مضرمة شبا أشا وقودها % بأيديهما ما أورياها وأثقبا )

( أصابت براء من طوائف مالك % وعوف بما جرا عليها وأجلبا )

( كجمثورة جاؤوا تخطوا بنا مآبنا % إليهم وتدعوا في اللقاء معتبا )

( وتدعو بني عوف بن عقدة في الوغى % وتدعو علاجا والحليف المطيبا )

( حبيبا وحيا من رباب كتائبا % وسعدا إذا الداعي إلى الموت ثوبا )

( وقوما بمكر وثاء شنت معتب % بغارتها فكان يوما عصبصبا )

( فاسقط أحبال النساء بصوته % عفيف إذا نادى بنصر فطربا )

( عفيف ) هذا بضم العين وفتح الفاء

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.