الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الأول / ذكر الوقت الذي أرسل فيه رسول الله
68

ذكر الوقت الذي أرسل فيه رسول الله

الجزء الأول 16 عنصر صفحة 573
ص 573

بعث الله نبيه محمدا لعشرين سنة مضت من ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان وكان على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي عاملا للفرس على العرب قال ابن عباس من رواية حمزة وعكرمة عنه وأنس بن مالك وعروة بن الزبير أن النبي بعث وأنزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة

وقال ابن عباس من رواية عكرمة أيضا عنه وسعيد بن المسيب إنه أنزل عليه وهو ابن ثلاث وأربعين سنة وكان نزول الوحي عليه يوم الأثنين بلا خلاف واختلفوا في أي الأثانين كان ذلك فقال أبو قلابة الجرمي أنزل الفرقان على النبي لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان وقال آخرون كان ذلك لتسع عشرة مضت من رمضان وكان قبل أن يظهر له جبريل يرى ويعاين آثارا من آثار من يريد الله إكرامه بفضله وكان من ذلك ما ذكرت من شق الملكين بطنه واستخراجهما ما في قلبه من الغل والدنس ومن ذلك أنه كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه فكان يلتفت يمينا وشمالا فلا يرى أحدا وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمه قومها بذلك قال عامر بن ربيعة سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول إنا لننتظر نبيا من ولد اسماعيل ثم من بني عبد المطلب ولا أراني أدركه وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أن نبي فإن طالت بك حياة ورأيته فاقرأه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت هلم قال هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله ولا تفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قومه ويكرهون ما جاء به ويهاجر إلى يثرب فيظهر بها أمره فإياك أن تنخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأله من اليهود والنصارى والمجوس يقول هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون لم يبق نبي غيره قال عامر فلما أسلمت أخبرت رسول الله بقول زيد واقرأته السلام فرد عليه رسول الله وترحم عليه وقال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا وقال جبير بن مطعم كنا جلوسا عند صنم بوانة قبل أن يبعث رسول الله بشهر نحرنا جزورا فإذا صائح يصيح من جوف الصنم اسمعوا إلى العجب ذهب استراق الوحي ونرمى بالشهب لنبي بمكة إسمه أحمد مهاجره إلى يثرب قال فأمسكنا وعجبنا وخرج رسول الله والأخبار عن دلائل نبوته كثيرة وقد صنف العلماء في ذلك كتبا كثيرة ذكروا فيها كل عجيبة ليس هذا موضع ذكرها

ذكر ابتداء الوحي إلى النبي ص 574

قالت عائشة رضي الله عنها كان أول ما ابتدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة كانت تجيء مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها حتى فجأة الحق فأتاه جبريل فقال يا محمد أنت رسول الله قال رسول الله فجثوت لركبتي ثم رجعت ترجف بوادري فدخلت على خديجة فقلت زملوني زملوني ثم ذهب عني الروع

ثم أتاني فقال يا محمد أنت رسول الله قال فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق فتبدى لي حين هممت بذلك فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله قال اقرأ قلت وما أقرأ قال فأخذني فغتني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق فقرأت فأتيت خديجة فقلت لقد أشفقت على نفسي وأخبرتها خبري فقالت أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الامانة وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق

ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان قد تنصر وقرأ الكتاب وسمع من أهل التوراة والانجيل فقالت اسمع من ابن أخيك فسألني فأخبرته خبري فقال هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران ليتني كنت حيا حين يخرجك قومك قلت أمخرجي هم قال نعم إنه لم يجئ أحد بمثل ما جئت به إلا عودي ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا

ثم إن أول ما نزل عليه من القرآن بعد اقرأ ن والقلم وما يسطرون و يا أيها المدثر والضحى وقالت خديجة لرسول الله فيما تثبته فيما أكرمه الله بن من نبوته يا بن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك الذي يأتيك إذا جاءك قال نعم قال فجاءه جبريل فأعلمها فقالت قم فاجلس على فخذي فقام فجلس عليها فقال هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فجلس عليها فقالت هل تراه قال نعم فتحسرت فالقت خمارها ورسول الله في حجرها ثم قالت هل تراه قال لا قالت يا بن عم اثبت وأبشر فوالله إنك ملك ما هو بشيطان

وقال يحيى بن أبي كثير سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن قال نزلت يا أيها المدثر أول قلت إنهم يقولون اقرأ باسم ربك قال سألت جابر بن عبد الله قال لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله قال جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فسمعت صوتا فنظرت عن يمين فلم أر شيئا ونظرت عن يساري فلم أر شيئا ونظرت عن خلفي وأمامي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فإذا هو يعني الملك جالس على عرش بين السماء والأرض فخشيت منه فأتيت خديجة فقلت دثروني دثروني وصبوا علي الماء ففعلوا فنزلت يا أيها المدثر هذا حديث صحيح

قال هشام بن الكلبي أتى جبريل النبي أول ما أتاه ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له برسالة الله يوم الاثنين فعلمه الوضوء والصلاة وعلمه اقرأ باسم ربك الذي خلق وكان لرسول الله أربعون سنة قال الزهري فتر الوحي عن رسول الله فترة فحزن حزنا شديدا وجعل يغدوا إلى رؤوس الجبال ليتردى منها فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فيقول إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وترجع نفسه فلما أمر الله نبيه أن ينذر قومه عذاب الله تعالى على ما هم عليه من عبادة الأصنام دون الله الذي خلقهم ورزقهم وأن يحدث بنعمة ربه عليه وهي النبوة في قول ابن اسحاق فكان يذكر ذلك سرا إلى من يطمئن إليه من أهله فكان أول من آمن به وصدقه من خلق الله تعالى خديجة بنت خويلد زوجته

قال الواقدي أجمع أصحابنا أن أول من استجاب لرسول الله من أهل القبلة خديجة ثم كان أول شيء فرض الله من شرائع الاسلام عليه بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان الصلاة وإن الصلاة لما فرضت عليه أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت فيه عين فتوضأ جبريل وهو ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة ثم توضأ رسول الله مثله ثم قام جبريل فصلى به وصلى النبي بصلاته ثم انصرف وجاء رسول الله إلى خديجة فعلمها الوضوء ثم صلى بها فصلت بصلاته

ذكر المعراج برسول الله ص 577

اختلف الناس في وقت المعراج فقيل كان قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل بسنة واحدة واختلفوا في الموضع الذي أسري برسول الله منه فقيل كان نائما بالمسجد في الحجر فأسري به منه وقيل كان نائما في بيت أم هانئ بنت أبي طالب وقال هذه يقول الحرم كله مسجد وقد روى حديث المعراج جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة قالوا قال رسول الله أتاني جبريل وميكائيل فقالا بأيهم أمرنا فقالا أمرنا بسيدهم ثم ذهبا ثم جاءا من القابلة وهم ثلاثة فألقوه وهو نائم فقلبوه لظهره وشقوا بطنه وجاؤوا بماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه من غل وغيره وجاؤوا بطست مملوء إيمانا وحكمة فملئ قلبه وبطنه إيمانا وحكمة قال وأخرجني جبريل من المسجد وإذا أنا بدابة وهي البراق وهي فوق الحمال دون البغل ثم مثل البراق خطوة عند منتهى طرفه فقال اركب فلما وضعت يدي عليه تشامس واستعصب فقال جبريل يا براق ما ركبك نبي أكرم على الله من محمد فانصب عرقا وانخفض لي حتى ركبته وسار بي نحو المسجد الأقصى فأتيت بإنائين أحدهما لبنا والآخر خمر فقيل لي اختر أحدهما فأخذت اللبن فشربته فقيل لي أصبت الفطرة أما أنكم لو شربت الخمر لغوت أمتك بعدك ثم سرنا فقال لي انزل فصل فصليت فقال هذا طور سيناء حيث كلم الله موسى ثم سرنا حتى أتينا بيت المقدس فلما انتهينا إلى باب المسجد أنزلني جبريل وربط البراق بالحلقة التي كان يربط بها الأنبياء فلما دخلت المسجد إذا أنا بالأنبياء حوالي وقيل بأرواح الأنبياء الذين بعثهم الله قبلي فسلموا علي فقلت يا جبريل من هؤلاء قال اخوانك من الأنبياء زعمت قريش أن لله شريكا وزعمت النصارى أن لله ولدا سل هؤلاء هل كان لله عز وجل شريك أو ولد فذلك قوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون فأقروا بالوحدانية لله عز وجل ثم جمعهم جبريل وقدمني فصليت بهم ركعتين ثم انطلق بي جبريل إلى الصخرة فصعد بي عليها فإذا معراج إلى السماء لا ينظر الناظرون إلى شيء أحسن منه ومنه تعرج الملائكة أصله في صخرة بيت المقدس ورأسه ملتصق بالسماء فاحتملني جبريل ووضعني على جناحه وصعد بي إلى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء ففتح فدخلنا فإذا أنا برجل يخرج منه ريح خبيثة فإذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك وإذا نظر إلى الباب الذي عن يساره بكى فقلت من هذا وما هذان البابان فقال هذا أبوك آدم والباب الذي عن يمينه باب الجنة فإذا نظر إلى من يدخلها من ذريته ضحك والباب الذي عن يساره باب جهنم إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته بكى وحزن ثم صعد بي إلى السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل حياه الله مرحبا به ونعم المجيء جاء ففتح لنا فدخلنا فإذا بشابين فقلت يا جبريل من هذان فقال هذان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء

فدخلنا فإذا أنا برجل قد فضل الناس بالحسن قلت من هذا يا جبريل قال هذا أخوك يوسف ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء فدخلنا فإذا أنا برجل فقلت من هذا قال ادريس رفعه الله مكانا عليا

ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء فدخلنا فإذا رجل جالس وحوله قوم يقص عليهم قلت من هذا قال هذا هارون والذين حوله بنو إسرائيل

ثم صعد بي إلى السماء السادسة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء فدخلنا فإذا أنا برجل جالس فجاوزناه فبكى الرجل فقلت يا جبريل من هذا قال هذا موسى قلت فما باله يبكي قال يزعم بنو إسرائيل أني أكرم على الله من بني آدم وهذا الرجل من بني آدم قد خلفني وراءه قال ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به ونعم المجيء جاء فدخلنا فإذا رجل أشمط جالس على كرسي على باب الجنة وحوله قوم بيض الوجوه أمثال القراطيس وقوم في ألوانهم شيء فقام الذين في ألوانهم شيء فاغتسلوا في نهر وخرجوا وقد سارت وجوههم مثل وجوه أصحابهم فقلت من هذا قال أبوك إبراهيم وهؤلاء البيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم وأما الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم وإذا إبراهيم مستند إلى بيت فقال هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه قال وأخذني جبريل فانتهينا إلى سدرة المنتهى وإذا نبقها مثل قلال هجر يخرج من أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فأما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات قال وغشينا من نور الله ما غشينا وغشيها الملائكة كأنهم جراد من ذهب من خشية اللهخ وتحولت حتى ما يستطيع أحد أن ينعتها وقام جبريل في وسطها فقال جبريل تقدم يا محمد فتقدمت وجبريل معي إلى حجاب فاخذ بي ملك وتخلف عني جبريل فقلت إلى أين فقال وما منا إلا له مقام معلوم وهذا منتهى الخلائق فلم أزل كذلك حتى وصلت إلى العرش فاتضع كل شيء وكل لساني من هيبة الرحمن ثم أنطق الله لساني فقلت التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله وفرض الله علي وعلى أمتي في كل يوم وليلة خمسين صلاة ورجعت إلى جبريل فأخذ بيدي وأدخلني الجنة فرأيت القصور من الدر والياقوت والزبرجد ورأيت نهرا يخرج من أصله ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يجري على رضراض من الدر والياقوت والمسك فقال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك

ثم عرض علي النار فنظرت إلى أغلالها وسلاسلها وحياتها وعقاربها وما فيها من العذاب ثم أخرجني فانحدرنا حتى أتينا موسى فقال ماذا فرض عليك وعلى أمتك قلت خمسين صلاة قال فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك وعالجتهم أشد المعالجة على أقل من هذا فلم يفعلوا فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فرجعت إلى ربي وسألته فخفف عني عشرا فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع واسأله التخفيف فرجعت فخفف عني عشرا فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع اسأله التخفيف فرجعت فخفف عني عشرا فلم أزل بين ربي وموسى حتى جعلها خمسا فقال ارجع فاسأله التخفيف فقلت إني كنت قد استحيت من ربي وما أنا براجع فنوديت إني قد فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة والخمس بخمسين وقد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ثم انحدرت وأنا وجبريل إلى مضجعي وكان كل ذلك في ليلة واحدة

فلما رجع إلى مكة علم أن الناس لا يصدقونه فقعد في المسجد مغموما فمر به أبو جهل فقال له كالمستهزئ هل استفدت الليلة شيئا قال نعم أسري بن الليلة إلى بيت المقدس قال ثم أصبحت بين ظهرانينا فقال نعم فخاف أن يخبر بذلك عنه فيجحده النبي فقال أتخبر قومك بذلك قال نعم فقال أبو جهل يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا فأقبلوا فحدثهم النبي فمن بين مصدق ومكذب ومصفق وواضع يده على رأسه وارتد الناس ممن كان آمن به وصدقه وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر فقالوا إن صاحبك يزعم كذا وكذا فقال إن كان قال كذا فقد صدق إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو ورحة فسمي أبو بكر الصديق من يومئذ قالوا فانعت لنا المسجد الأقصى قال فذهبت أنعت حتى التبس علي قال فجيء بالمسجد وإني أنظر إليه فجعلت أنعته قالوا فأخبرنا عن عيرنا قال قد مررت على عير بن فلان بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه فأخذت قدحا فيه ماء فشربته فسلوهم عن ذلك ومررت بعير بني فلان وفلان فسلوهما فرأيت راكبا وقعودا بذي مر فنفر بكرهما مني فسقط فلان فانكسرت يده فسلوهما قال ومررت بعيركم بالتنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم من طلوع الشمس فخرجوا إلى الثنية فجلسوا ينظرون طلوع الشمس ليكذبوه إذ قال قائل هذه الشمس قد طلعت فقال آخر والله هذه العير قد طلعت يقدمها بعير أورق كما قال فلم يفلحوا وقالوا إن هذا سحر مبين

ذكر الاختلاف في أو من أسلم ص 581

اختلف العلماء في أول من أسلم مع الاتفاق على أن خديجة أول خلق الله إسلاما فقال قوم أول من ذكر آمن علي روي عن علي عليه السلام أنه قال أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي ألا كاذب مفتر صليت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين

وقال ابن عباس أول من صلى علي وقال جابر بن عبد الله بعث النبي يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء وقال زيد بن أرقم أول من أسلم مع النبي علي

وقال عفيف الكندي كنت امرأ تاجرا فقدمت مكة أيام الحج فأتيت العباس فبينما نحن عنده إ ذ خرج رجل فقام تجاه الكعبة يصلي ثم خرجت امرأة تصلي معه ثم خرج غلام فقام يصلي معه فقلت يا عباس ما هذا الدين فقال هذا محمد بن عبد الله ابن أخي زعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه وهذه امرأته خديجة آمنت به وهذا الغلام علي بن أبي طالب آمن به وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض أحدا على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة قال عفيف ليتني كنت رابعا وقال محمد بن المنذر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم المدني والكلبي أول من أسلم علي قال الكلبي كان عمره تسع سنين وقيل إحدى عشرة سنة وقال ابن إسحاق أول من أسلم علي وعمره إحدى عشرة سنة وكان من نعمة الله عليه أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة فقال يوما رسول الله لعمه العباس يا عم إن أبا طالب كثير العيال فانطلق بنا نخفف عن عيال أبي طالب فانطلقا إليه وأعلماه ما أرادا فقال أبو طالب اتركا لي عقيلا واصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله عليا وأخذ العباس جعفرا فلم يزل علي عند النبي حتى أرسله الله فاتبعه وكان النبي إذا أراد الصلاة فانطلق هو وعلي إلى بعض الشعاب بمكة فيصليان ويعودان فعثر عليهما أبو طالب فقال يا بن أخي ما هذا الدين قال دين الله وملائكته ورسله ودين أبينا إبراهيم بعثني الله تعالى به إلى العباد وأنت أحق من دعوته إلى الهدى وأحق من أجابني قال لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي ولكن والله لا تخلص قريش إليك بشيء تكرهه ما حييت فلم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه قال وقال أبو طالب لعلي ما هذا الدين الذي أنت عليه قال يا ابت آمنت بالله وبرسوله وصليت معه فقال أما أنه لا يدعونا إلا إلى الخير فالزمه

وقيل أول من أسلم أبو بكر رضي الله عنه قال الشعبي سألت ابن عباس عن أول من أسلم فقال أما سمعت قول حسان بن ثابت

( إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة % فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا )

( خير البرية أتقاها وأعدلها % بعد النبي وأوفاها بما حملا )

( والثاني التالي المحمود مشهده % وأول الناس قدما صدق الرسلا )

وقال عمرو بن عبسة أتيت رسول الله بعكاظ فقلت يا رسول الله من تبعك على هذا الأمر قال تبعني عليه حر وعبد أبو بكر وبلال فأسلمت عند ذلك فلقد رأيتني رابع الاسلام وكان أبو ذر يقول لقد رأيتني رابع الاسلام لم يسلم قبلي ألا النبي وأبو بكر وبلال وقال إبراهيم النخعي أبو بكر أول من أسلم

وقيل أول من أسلم زيد بن حارثة قال الزهري وسليمان بن يسار وعمران بن أبي أنس وعروة بن الزبير أول من أسلم زيد بن حارثة وكان هو وعلي يلزمان النبي وكان يخرج إلى الكعبة أول النهار ويصلي صلاة الضحى وكانت قريش لا تنكرها وكان إذا صلى غيرها قعد علي وزيد بن حارثة يرصدانه وقال ابن إسحاق أول ذكر أسلم بعد النبي علي وزيد بن حارثة ثم أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه وكان مانعا لقومه محببا فيهم وكان أعلم بأنساب قريش وما كان فيها وكان تاجرا يجتمع إليه قوم فجعل يدعوا من يثق به من قومه فأسلم على يده عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى النبي حين استجابوا له فأسلموا وصلوا وكان هؤلاء النفر هم الذين سبقوا إلى الاسلام ثم تتابع الناس في الإسلام حتى فشا ذكر الاسلام بمكة وتحدث به الناس

قال الواقدي وأسلم أبو ذر قالوا رابعا أو خامسا وأسلم عمرو بن عبسة السلمي رابعا أو خامسا وقيل إن الزبير أسلم رابعا أو خامسا وأسلم خالد بن سعيد بن العاص خامسا وقال ابن إسحاق أسلم هو وزوجته همينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة بعد جماعة كثيرة

ذكر أمر الله تعالى نبيه بإظهار دعوته ص 583

ثم إن الله تعالى أمر نبيه بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما يؤمر وكان قبل ذلك في السنين الثلاث مستترا بدعوته لا يظهرها إلا لمن يثق به فكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا فبينمان سعد بن أبي وقاص وعمار وابن مسعود وخباب وسعيد بن زيد يصلون في شعب اطلع عليهم نفر من المشركين منهم أبو سفيان بن حرب والأخنس بن شريق وغيرهما فسبوهم وعابوهم حتى قاتلوهم فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه فكان أول دم أريق في الاسلام في قول

قال ابن عباس لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين خرج رسول الله فصعد على الصفا فهتف يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك كذبا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا ثم قال فنزلت تبت يدا أبي لهب السورة

وقال جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم لما أنزل الله على رسوله وأنذر عشيرتك الأقربين اشتد ذلك عليه وضاق به ذرعا فجلس في بيته كالمريض فأتته عماته يعدنه فقال ما اشتكيت شيئا ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فقلن له فادعهم ولا تدع أبا لهب فيهم فإنه غير مجيبك فدعاهم فحضروا معه نفر من بني المطلب بن عبد مناف فكانوا خسمة وأربعين رجلا فبادره أبو لهب وقال هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصباة واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة وإن أحق من أخذك فحبسك بنو أبيك وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به فسكت رسول الله ولم يتكلم في ذلك المجلس ثم دعاهم ثانية وقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لن ثم قال إن الرائد لا يكذب أهله والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون وإنها الجنة أبدا والنار أبدا

فقال أبو طالب ما أحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقنا لحديثك وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب فقال أبو لهب هذه والله السوأة خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم فقال أبو طالب والله لنمنعنه ما بقينا

وقال علي بن أبي طالب لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين دعاني النبي فقال يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت ذرعا وعلمت أني متى أبادرهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبريل فقال يا محمد إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عسا من لبن واجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعته لهم فلما وضعته تناول رسول الله حزة من اللحم فنتفها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال خذوا باسم الله فأكل القوم حتى مالهم بشيء من حاجة وما أرى إلا مواضع أيديهم وأيم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعا وأيم الله إن كان الرجل الواحد ليشرب مثله فلما أراد رسول الله أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال لعلما سحركم به صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم فلما كان الغد قال يا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت من القول فتفترقوا قبل أن أكلمهم فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم أجمعهم إلي ففعل مثل فعل بالأمس فأكلوا وسقيتهم ذلك العس فشربوا حتى رووا جميعا وشبعوا ثم تكلم رسول الله فقال يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاب في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنها جيمعا وقلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال إن هذا أخي ووصيتي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال فقام القوم يضحكون فيقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لأبنك وتطيع

وأمر رسول الله أن يصدع بما جاءه من عند الله وأن يبادئ الناس بأمره ويدعوهم إلى الله فكان يدعو في أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بالظهور للدعاء ثم صدع بأمر الله وبادأ قومه بالإسلام فلم يبعدوا منه ولم يردوا عليه إلا بعض الرد حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك أجمعوا على خلافه إلا من عصمه الله منهم بالاسلام وهم قليل مستخفيون وحدب عليه عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده شيء فلما رأت قريش أنه لا يعتبهم من شيء يكرهونه وأن أبا طالب قد قام دونه ولم يسلمه لهم مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ومن مشى منهم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فقال لهم أبو طالب قولا جميلا وردهم ردا رفيقا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله لما هو عليه

ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال فتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله وقد تآمروا فيه فمشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا وإنا قد استنهيناك أن تنهي ابن أخيك فلم تفعل وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آلهتنا وآبائنا وتسفيه أحلامنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا

ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم تطلب نفسه بإسلام رسول الله وخذلانه وبعص إلى رسول الله فأعلمه ما قالت قريش وقال له أبق على نفسك وعلي ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله أنه قد بدا لعمه بدو وأنه خذله وقد ضعف عن نصرته فقال رسول الله ( يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته )

ثم بكى رسول الله وقام فلما ولى ناداه أبو طالب فأقبل عليه وقال اذهب بابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا فلما علمت قريش أن أبا طالب لا يخذل رسول الله وأنه يجمع لعداوتهم مشوا بعمارة بن الوليد فقالوا يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد فتى قريش وأشعرهم وأجملهم فخذه فلك عقله ونصرته فاتخذه ولدا وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي سفه أحلامنا وخالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك نقلته فإنما رجل برجل فقال والله لبئس ما تسوموني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله لا يكون أبدا

فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف والله لقد أنصفك قومك وما أراك تريد أن تقبل منهم فقال أبو طالب والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومضاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك فاشتد الأمر عند ذلك وتنابذ القوم واشتدت قريش على من في القبائل من الصحابة الذين أسلموا فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب وقام أبو طالب في بني هاشم فدعاهم إلى منع رسول الله فأجابوا إلى ذلك واجتمعوا إليه إلا ما كان من أبي لهب فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره أقبل يمدحهم ويذكر فضل رسول الله فيهم وقد مشت قريش إلى أبي طالب عند موته وقالوا له أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه قال له هؤلاء سروات قومك يسألونك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك

قال له رسول الله ( أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها كلمة يقولونها تدين لهم بها العرب ويملكون رقاب العجم فقال أبو جهل ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها قال تقولون لا إله إلا الله فنفروا وتفرقوا وقال سل غيرها فقال لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها قال فغضبوا وقاموا من عنده غضابى وقالوا والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا فنزل قوله تعالى وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إلى قوله إلا اختلاق وأقبل على عمه فقال قل كلمة أشهد لك بها يوم القيامة قال لولا أن تعيبكم بها العرب وتقول جزع من الموت لأعطيتكها ولكن على ملة الأشياخ فنزلت إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء

ذكر تعذيب المستضعفين من المسلمين ص 587

وهم الذين سبقوا إلى الاسلام ولا عشائر لم تمنعهم ولا قوة لهم يمنعون بها فأما من كانت له عشيرة تمنعه فلم يصل الكفار إليه فلما رأوا امتناع من له عشيرة وثبت كل قبيلة على من فيها من مستضعفي المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة والنار ليفتنوهم عن دينهم فمنهم من يفتتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان ومنهم من تصلب في دينه ويعصمه الله منهم

فمنهم بلال بن رباح الحبشي مولى أبي بكر وكان أبوه من سبي الحبشة وأمه حمامة سبية أيضا وهو من مولدي السراة وكنيته أبو عبد الله فصار بلال لأميه بن خلف الجمحي فكان إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه في الرمضاء على وجهه وظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتلقى على صدره ويقول لاتزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى

فكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب وهو يقول أحد أحد فيقول أحد والله يا بلال ثم يقول لأميه أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا فرآه أبو بكر يعذب فقال لأميه بن خلف الجمحي ألا تتقي الله في هذا المسكين فقال أنت أفسدته فابعدته فقال عندي غلام على دينك أسود أجلد من هذا أعطيكه به قال قبلت فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذ بلالا فأعتقه فهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله

ومنهم عمار بن ياسر أبو اليقظان العنسي وهو بطن من مراد وعنس هذا بالنون أسلم هو وأبوه وأمه وأسلم قديما ورسول الله في دار الأرقم بن أبي الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلا أسلم هو وصهيب في يوم واحد وكان ياسر حليفا لبني مخزوم فكانوا يخرجون عمارا وأباه وأمه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحر الرمضاء فمر بهم النبي فقال ( صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) فمات ياسر في العذاب واغلظت امرأته سمية القول لأبي جهل فطعنها في قلبها بحربة في يده فماتت وهي أول شهيدة في الاسلام وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى وبالتغريق أخرى فقالوا لا نتركك حتى تسب محمدا وتقول في اللات والعزى خيرا ففعل فأتى النبي يبكي فقال ما وراءك قال شر يا رسول الله كان الأمر كذا وكذا قال فكيف تجد قلبك قال أجده مطمئنا بالإيمان فقال يا عمار إن عادوا فعد فأنزل الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فشهد المشاهد كلها مع رسول الله وقتل بصفين مع علي وقد جازو التسعين قيل بثلاث وقيل بأربع سنين

ومنهم خباب بن الأرت كان أبوه سواديا من كسكر فسباه قوم من ربيعة وحملوه إلى مكة فباعوه من سباع بن عبد العزى الخزاعي حليف بني زهرة وسباع هو الذي بارزه حمزة يوم أحد وخباب تميمي وكان اسلامه قديما قيل سادس ستة قبل دخول رسول الله دار الأرقم فأخذه الكفار وعذبوه عذابا شديدا فكانوا يعرونه ويلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالرضف وهي الحجارة المحماة بالنار ولووا رأسه فلم يجبهم إلى شيء مما أرادوا منه وهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ونزل الكوفة ومات سنة ست وثلاثين

ومنهم صهيب بن سنان الرومي ولم يكن روميا وإنما نسب إليهم لأنهم سبوه وباعوه وقيل لأنه كان أحمر اللون وهو من نمر بن قاسط كناه رسول الله أبا يحيى قبل أن يولد له وكان ممن يعذب في الله فعذب عذابا شديدا ولما أراد الهجرة منعته قريش فافتدى نفسه منهم بماله أجمع وجعله عمر بن الخطاب عند موته يصلي بالناس إلى أن يستخلف بعض أهل الشورى وتوفي بالمدينة في شوال من سنة ثمان وثلاثين وعمره سبعون سنة

وأما عامر بن فهيرة فهو مولى الطفيل بن عبد الله الأزدي وكان الطفيل أخا عائشة لامها أم رومان أسلم قديما قبل دخول رسول الله دار الأرقم وكان من المستضعفين يعذب في الله فلم يرجع عن دينه واشتراه أبو بكر وأعتقه فكان يرعى غنما له وكان يروح بغنم أبي بكر إلى النبي وإلى أبي بكر لما كانا في الغار وهاجر معهما إلى المدينة يخدمهما وشهد بدرا وأحدا واستشهد يوم بئر معونه وله أربعون سنة ولما طعن قال فزت ورب الكعبة ولم توجد جثته لتدفن مع القتلى فقيل إن الملائكة دفنته

ومنهم أبو فكيهة واسمه أفلح وقيل يسار وكان عبد لصفوان بن أمية بن خلف الجمحي أسلم مع بلال فأخذه أمية بن خلف وربط في رجله حبلا وأمر به فجر ثم ألقاه في الرمضاء ومر به جعل فقال له أمية أليس هذا ربك فقال الله ربي وربك ورب هذا فخنقه خنفا شديدا ومعه أخوه أبي بن خلف يقول زده عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره ولم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد مات ثم أفاق فمر به أبو بكر فاشتراه وأعتقه وقيل إن بني عبد الدار كانوا يعذبونه وإنما كان مولى لهم وكانوا يعضون الصخرة على صدره حتى دلع لسانه فلم يرجع عن دينه وهاجر ومات قبل بدر

ومنهم لبينة جارية بني مؤمل بن حبيب بن عدي بن كعب أسلمت قبل إسلام عمر بن الخطاب وكان عمر يعذبها حتى تفتن ثم يدعها ويقول إني لم أدعك إلا سآمة فتقول كذلك يفعل الله بك إن لم تسلم فاشتراها أبو بكر فأعتقها

ومنهم زنيرة وكانت لبني عدي وكان عمر يعذبها وقيل كانت لبني مخزوم وكان أبو جهل يعذبها حتى عميت فقال لها إن اللات والعزى فعلا بك فقالت وما يدري اللات والعزى من يعبدهما ولكن هذا أمر من السماء وربي قادر على رد بصري فأصبحت من الغد وقد رد الله بصرها فقالت قريش هذا من سحر محمد فاشتراها أبو بكر فاعتقها

( زنيرة ) بكسر الزاي وتشديد النون وتسكين الياء المثناة من تحتها وفتح الراء

ومنهم النهدية مولاة لبني نهد فصارت لامرأة من بني عبد الدار فأسلمت وكانت تعذبها وتقول والله لا أقلعت عنك أو يبتاعك بعض أصحاب محمد فابتاعها أبو بكر فاعتقها

ومنهم أم عبيس بالباء الموحدة وقيل عنيس بالنون وهي أمة لبني زهرة فكان الأسود بن عبد يغوث يعذبها فابتاعها أبو بكر فأعتقها وكان أبو جهل يأتي الرجل الشريف ويقول له أتترك دينك ودين أبيك وهو خير منك ويقبح رأيه وفعله ويسفه حلمه ويضع شرفه وإن كان تاجرا يقول ستكسد تجارتك ويهلك مالك وإن كان ضعيفا أغرى به حتى يعذب $

ذكر المستهزئين ومن كان أشد الأذى للنبي ) ص 591

وهم جماعة من قريش فمنهم عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب كان شديدا عليه وعلى المسلمين عظيم التكذيب له دائم الأذى فكان يطرح العذرة والنتن على باب النبي وكان جاره فكان رسول الله يقول أي جوار هذا يا بني عبد المطلب فرآه يوما حمزة فأخذ العذرة وطرحها على رأس أبي لهب فجعل ينفضه عن رأسه ويقول صاحبي أحمق وأقصر عما كان يفعله لكنه يضع من يفعل ذلك ومات أبو لهب بمكة عند وصول الخبر بانهزام المشركين ببدر بمرض يعرف بالعدسة

ومنهم الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة وهو ابن خال النبي وكان من المستهزئين وكان إذا رأى فقر المسلمين قال لأصحابه هؤلاء ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى وكان يقول للنبي أما كلمت اليوم من السماء يا محمد وما أشبه ذلك فخرج من أهله فأصابه السموم فاسود وجهه فلما عاد إليهم لم يعرفوه وأغلقوا الباب دونه فرجع متحيرا حتى مات عطشا وقيل إن جبريل أومأ إلى السماء فأصابته الأكلة فامتلأ قيحا فمات

ومنهم الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم السهمي كان أحد المستهزئين الذين يؤذون رسول الله وهو ابن العيطلة وهي أمه وكان يأخذ حجرا يعبده فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني وكان يقول قد غر محمد أصحابه ووعدهم أن يحيوا بعد الموت والله ما يهلكنا إلا الدهر وفيه نزلت أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأكل حوتا مملوحا فلم يزل يشرب الماء حتى مات وقيل أخذته الذبحة وقيل امتلأ رأسه قيحا فمات

ومنهم الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان الوليد يكنى أبا عبد شمس وهو العدل لأنه كان عدل قريش كلها لأن قريشا كانت تكسو البيت جميعها وكان الوليد يكسوها وحده وهو الذي جمع قريشا وقال إن الناس يأتونكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد فتختلف أقواكم فيه فيقول هذا ساحر ويقول هذا كاهن ويقول هذا شاعر ويقول هذا مجنون وليس يشبه واحدا مما يقولون ولكن أصلح ما قيل فيه ساحر لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته وقال أبو جهل لئن سب محمد آلهتنا سببنا إلهه فأنزل الله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ومات بعد الهجرة بعد ثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة ودفن بالحجون وكان مر برجل من خزاعة يريش نبلا له فوطئ على سهم منهما فخدشه ثم أومأ جبريل إلى ذلك الخدش بيده فانتقض ومات منه فأوصى إلى بنيه أن يأخذوا ديته من خزاعة فأعطت خزاعة ديته

ومنهم أمية وأبي ابنا خلف وكانا على شر ما عليه أحد من أذى رسول الله وتكذيبه جاء أبي إليه بعظم فخذ ففته في يده وقال زعمت أن ربك يحيي هذا العظم فنزلت قال من يحيي العظام وهي رميم وصنع عقبة بن أبي معيط طعاما ودعا إليه رسول الله فقال لا أحضره حتى تشهد أن لا إله إلا الله ففعل فقام معه فقال له أمية بن خلف أقلت كذا وكذا فقال إنما قلت ذلك لطعامنا فنزلت ويوم يعض الظالم على يديه وقتل أميه يوم بدر كافرا قتله خبيب وبلال وقيل قتله رفاعة بن رافع الأنصاري وأما أخوه أبي فقتله رسول الله يوم أحد رماه بحربه فقتله

ومنهم أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة وكان ممن يوذي رسول الله ويعين أبا جهل على أذاه قتله حمزة يوم بدر

ومنهم العاص بن وائل السهمي والد عمرو بن العاص وكان من المستهزئين وهو القائل لما مات القاسم ابن النبي إن محمدا أبتر لا يعيش له ولد ذكر فأنزل إن شانئك هو الأبتر فركب حمارا له فلما كان بشعب من شعاب مكة ربض به حماره فلدغ في رجله فانتفخت حتى صارت كعنق البعير فمات بعد هجرة النبي ثاني شهر دخل المدينة وهو ابن خمس وثمانين سنة

ومنهم النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار يكنى أبا قائد وكان أشد قريش في تكذيب النبي والأذى له ولأصحابه وكان ينظر في كتب الفرس ويخالط اليهود والنصارى وسمع بذكر النبي وقرب مبعثه فقال إن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم فنزلت وأقسموا بالله جهد أيمانهم الآية وكان يقول إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين فنزل في عدة أيات أسره المقداد يوم بدر وأمر رسول الله بضرب عنقه فقتله علي بن أبي طالب صبرا بالأثيل

ومنهم أبو جهل بن هشام المخزومي كان أشد الناس عداوة للنبي وأكثرهم أذى له ولأصحابه واسمه عمرو وكنيته أبو الحكم وأما أبو جهل فالمسلمون كنوه به وهو الذي قتل سمية أم عمار بن ياسر وأفعاله مشهورة وقتل ببدر قتله ابنا عفراء وأجهز عليه عبد الله بن مسعود

ومنهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان وكانا على ما كان عليه أصحابهما من أذى رسول الله والطعن عليه وكانا يلقيانه فيقولان له أما وجد الله من يبعثه غيرك إن ههنا من هو أسن منك وأيسر فقتل منبه قتله علي بن أبي طالب ببدر وقتل أيضا العاص بن منبه بن الحجاج قتله أيضا علي ببدر وهو صاحب ذي الفقار وقيل منبه بن الحجاج صاحبه وقيل نبيه

( نبيه ) بضم النون وفتح الباء الموحدة

ومنهم زهير بن أبي أمية أخو أم سلمة لأبيها وأمه عاتكة بنت عبد المطلب وكان ممن يظهر تكذيب رسول الله ويرد ما جاء به ويطعن عليه إلا أنه ممن أعان على نقض الصحيفة واختلف في موته فقيل سار إلى بدر فمرض فمات وقيل أسر ببدر فأطلقه رسول الله فلما عاد مات بمكة وقيل حضر وقعة أحد فأصابه سهم فمات منه وقيل سار إلى اليمن بعد الفتح فمات هناك كافرا

ومنهم عقبة بن أبي معيط واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس ويكنى أبا الوليد وكان من أشد الناس أذى لرسول الله وعداوة له وللمسلمين عمد إلى مكتل فجعل فيه عذرة وجعله على باب رسول الله فبصر به طليب بن عمير بن وهب بن عبد مناف بن قصي وأمه أروى بنت عبد المطلب فأخذ المكتل منه وضرب به رأسه وأخذ بأذنيه فشكاه عقبه إلى أمه فقال قد صار ابنك ينصر محمدا فقالت ومن أولى به منا أموالنا وأنفسنا دون محمد واسر عقبة ببدر فقتل صبرا قتله عاصم بن ثابت الأنصاري فلما أراد قتله قال يا محمد من للصبية قال النار قتل بالصفراء بعرق الظبية وصلب وهو أول مصلوب في الإسلام

ومنهم الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي وكان من المستهزئين ويكنى أبا زمعة وكان وأصحابه يتغامزون بالنبي وأصحابه ويقولون قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر ويصفرون به ويصفقون فدعا عليه رسول الله أن يعمى ويثكل ولده فجلس في ظل شجرة فجعل جبريل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها وبشوكها حتى عمي وقيل أومأ إلى عينيه فعمي فشغله عن رسول الله وقتل ابنه معه ببدر كافرا قتله أبو دجانة وقتل ابن ابنه عتيب قتله حمزة وعلي اشتركا في قتله وقتل ابن ابنه الحارث بن زمعة بن الأسود قتله علي وقيل هو الحارث بن الأسود والأول أصح وهو القائل

( أتبكي أن يضل لها بعير % ويمنعها من النوم السهود )

ومات والناس يتجهزون إلى أحد وهو يحرض الكفار وهو مريض

ومنهم مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف يكنى أبا الريان وكان ممن يؤذي رسول الله ويشتمه ويسمعه ويكذبه وأسر ببدر وقتل كافرا صبرا قتله حمزة

ومنهم مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان من المستهزئين وكان سفيها فدعا عليه رسول الله فأشار جبريل إلى رأسه فامتلأ قيحا فمات

ومنهم ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب كان شديد العداوة لقي النبي فقال يا بن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب فإن صرعتني علمت أنك صادق ولم يكن يصرعه أحد فصرعه النبي ثلاث مرات ودعاه رسول الله إلى الإسلام فقال لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة فقل لها رسول الله أقبلي فأقبلت تخد الأرض فقال ركانة ما رأيت سحرا أعظم من هذا مرها فلترجع فأمرها فعادت فقال هذا سحر عظيم

هؤلاء أشد عداوة لرسول الله ومن عداهم من رؤساء قريش كانوا أقل عداوة من هؤلاء كعبة وشيبة وغيرهما وكان جماعة من قريش من أشد الناس عليه فأسلموا تركنا ذكرهم لذلك منهم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية المخزومي أخو أم سلمة لأبيها وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله وأبو سفيان بن حرب والحكم بن أبي العاص والد مروان وغيرهم اسلموا يوم الفتح

ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة ص 595

ولما رأى رسول الله ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله عز وجل وعمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم قال لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكا لا يظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة في الإسلام فخرج عثمان بن عفان وزوجته رقية ابنة النبي معه وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وأمرأته معه سهلة بنت سهيل والزبير بن العوام وغيرهم تمام عشرة رجال وقيل أحد عشرة رجلا وأربع نسوة وكان مسيرهم في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة فأقاموا شعبان وشهر رمضان وقدموا في شوال سنة خمس من النبوة وكان سبب قدومهم إلى النبي أنه لما رأى مباعدة قومه له شق عليه وتمنى أن يأتيه الله بشيء يقاربهم به وحدث نفسه بذلك فأنزل الله والنجم إذا هوى فلما وصل إلى قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه لما كان تحدث به نفسه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى فلما سمع ذلك قريش سرهم والمسلمون مصدقون بذلك لرسول الله لا يتهمونه ولا يظنون به سهوا ولا خطأ فلما انتهى إلى سجدة سجد معه المسلمون والمشركون إلا الوليد بن المغيرة فإنه لم يطق السجود لكبره فأخذ كفا من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس وبلغ الخبر من بالحبشة من المسلمين إن قريشا أسلمت فعاد منهم قوم وتخلف قوم وأتى جبريل رسول الله فأخبره بما قرأ فحزن رسول الله وخاف فأنزل الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فذهب عنه الحزن والخوف واشتدت قريش على المسلمين فلما قرب المسلمون الذين كانوا بالحبشة من مكة بلغهم أن إسلام أهل مكة باطل فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا فدخل عثمان في جوار أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية فأمن بذلك ودخل أبو حذيفة بن عتبة بجوار أبيه ودخل عثمان بن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة ثم قال أكون في ذمة مشرك جوار الله أعز فرد عليه جواره وكان لبيد بن ربيعة ينشد قريشا قوله ( ألا كل ما خلا الله باطل )

فقال عثمان بن مظعون صدقت فلما قال ( وكل نعيم لا محالة زائل ) قال كذبت نعيم الجنة لا يزول فقال لبيد يا معشر قريش ما كانت مجالسكم هكذا ولا كان السفه من شأنكم فأخبروه خبره وخبر ذمته فقام بعض بني المغيرة فلطم عين عثمان فضحك الوليد شماته به حيث رد جواره وقال لعثمان ما كان أغناك عن هذا فقال إن عيني الأخرى لمحتاجة إلى ما نال لمثل هذا فقال له هل لك أن تعود إلى جواري قال لا أعود إلى جوار غير الله فقام سعد بن أبي وقاص إلى الذي لطم عين عثمان فكسر أنفه فكان أول دم أريق في الإسلام في قول وأقام المسلمون بمكة يؤذون فلما رأوا ذلك رجعوا مهاجرين إلى الحبشة ثانيا فخرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إلى الحبشة فكمل بها تمام اثنين وثمانين رجلا والنبي مقيم بمكة يدعوا الله سرا وجهرا فلما رأت قريش أنه لا سبيل لها إليه رموه بالسحر والكهانة والجنون وأنه شاعر وجعلوا يصدون عنه من خافوا أن يسمع قوله وكان أشد ما بلغوا منه ما ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص قال حضرت قريش يوما بالحجر فذكروا النبي وما نال منهم وصبرهم عليه فبينما هم كذلك إذ طلع النبي ومشى حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها ثم الثالثة فقال أتسمعون يا معشر قريش والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح قال فكأنما على رؤوسهم الطير واقع حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد وانصرف رسول الله حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم حتى إذا أتاكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله فوثبوا إليه وثبة رجل واحد يقولون له أنت الذي تقول كذا وكذا فيقول أنا الذي أقول ذلك فأخذ عقبة بن أبي معيط بردائه وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه هذا أشد ما بلغت منه

ذكر إرسال قريش إلى النجاشي في طلب المهاجرين ص 597

لما رأت قريش أن المهاجرين قد اطمأنوا بالحبشة وأمنوا وأن النجاشي قد أحسن صحبتهم ائتمروا بينهم فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية ومعهما هدية إليه وإلى أعيان أصحابه فسارا حتى وصلا الحبشة فحملا إلى النجاشي هديته وإلى أصحابه هداياهم وقالا لهم إن ناسا من سفهائنا فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد أرسلنا أشراف قومهم إلى الملك ليردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يرسلهم معنا من غير أن يكلمهم وخافا أن يسمع النجاشي كلام المسلمين أن لا يسلمهم فوعدهما أصحاب النجاشي المساعدة على ما يريدان ثم إنهما حضرا عند النجاشي فأعلماه ما قد قالاه فأشار أصحابه بتسليم المسلمين إليهما فغضب من ذلك وقال لا والله لا أسلم قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم وأسألهم عما يقول هذان فإن كانا صادقين سلمتهم إليهما وإن كانوا على غير ما يذكر هذان منعتهم وأحسنت جوارهم

ثم أرسل النجاشي إلى أصحاب النبي فدعاهم فحضروا وقد أجمعوا على صدقه فيما ساءه وسره وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب فقال لهم النجاشي ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من الملل

فقال جعفر أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا لتوحيد الله وأن لا يشرك به شيئا ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وأمرنا بالصلاة والصيام وعدد عليه أمور الإسلام قال فآمنا به وصدقناه وحرمنا ما حرم علينا وحللنا ما أحل لنا فتعدى علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأثان فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترنا على من سواك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك

فقال النجاشي هل معك مما جاء به عن الله شيء قال نعم فقرأ عليه سطرا من كهيعص فبكى النجاشي وأساقفته وقال النجاشي إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة انطلقا والله لا أسلمهم إليكما أبدا فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص والله لآتينه غدا بما يبيد خضراءهم فقال له عبد الله بن أبي أمية وكان أتقى الرجلين لا تفعل فإن لهم أرحاما فلما كان الغد قال للنجاشي إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل النجاشي فسألهم عن قولهم في المسيح فقال جعفر نقول في الذي جاءنا به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال ما عدى عيسى ما قلت هذا العود فنخرت بطارقته فقال وإن نخرتم وقال للمسلمين اذهبوا فأنتم آمنون ما أحب أن لي جبلا من ذهب وإنني آذيت رجلا منكم ورد هدية قريش وقال ما أخذ الله الرشوة مني حتى آخذها منكم ولا أطاع الناس في حتى أطيعهم فيه وأقام المسلمون بخير دار وظهر ملك من الحبشة فنازع النجاشي في ملكه فعظم ذلك على المسلمين وسار النجاشي إليه ليقاتله وأرسل المسلمون الزبير بن العوام ليأتيهم بخبره وهم يدعون له فاقتتلوا فظفر النجاشي فما سر المسلمون بشيء سرورهم بظفره قيل إن معنى قوله إن الله لم يأخذ الرشوة مني أن أبا النجاشي لم يكن له ولد غيره وكان له عم قد أولد اثني عشر ولدا فقالت الحبشة لو قتلنا أبا النجاشي وملكناه أخاه فإنه لا ولد له غير ذلك الغلام وكان أخوه وأولاده يتوارثون الملك دهرا فقتلوا أباه وملكوا عمه ومكثوا على ذلك حينا وبقي النجاشي عند عمه وكان عاقلا فغلب على أمر عمه فخافت الحبشة أن يقتلهم جزاء لقتل أبيه فقالوا لعمه إما أن تقتل النجاشي وإما أن تخرجه من بين أظهرنا فقد خفناه فأجابهم إلى إخراجه من بلادهم على كره منه فخرجوا إلى السوق فباعوه من تاجر بستمائة درهم فسار به التاجر في سفينته فلما جاء العشاء هاجت سحابة فأصابت عمه بصاعقة ففزعت الحبشة إلى أولاده فإذا هم لا خير فيهم فهرج على الحبشة أمرهم فقال بعضهم والله لا يقيم أمركم إلا النجاشي فإن كان لكم بالحبشة رأى فأدركوه فخرجوا في طلبه حتى أدركوه وملكوه وجاء التاجر وقال لهم إما أن تعطوني مالي وإما أن أكلمه فقالوا كلمه فقال أيها الملك ابتعت غلاما بستمائة درهم ثم أخذوا الغلام والمال فقال النجاشي إما أن تعطوه دراهمه وإما أن يضع الغلام يده في يده فليذهبن به حيث شاء فأعطوه دراهمه فهذا معنى قوله فكان ذلك أول ما علم من عدله ودينه قال ولما مات النجاشي كانوا لا يزالون يرون على قبره نورا

ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب ص 600

ثم إنا أبا جهل مر برسول الله وهو جالس عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه وعاب دينه ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك ثم انصرف عنه فجلس في نادي قريش عند الكعبة فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل من قنصه متوشحا قوسه وكان إذا رجع لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان يقف على أندية قريش ويسلم عليهم ويتحدث معهم وكان أعز قريش وأشدهم شكيمة فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله ورجع إلى بيته فقالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم بن هشام فإنه سبه وآذاه ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد قال فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته فخرج سريعا لا يقف على أحد كما يصنع يريد الطواف بالكعبة معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به حتى دخل المسجد فرآه جالسا في القوم فأقبل نحوه وضرب رأسه بالقوس فشجه شجة منكرة وقال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول فاردد علي إن استطعت وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة على إسلامه فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله قد عز وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه واجتمع يوما أصحابه فقالوا ما سمعت قريش القرآن يجهر لها به فمن رجل يسمعهموه فقال ابن مسعود أنا فقالوا نخشى عليك إنما نريد من له عشيرة يمنعونه قال إن الله سيمنعني فغدا عليهم في الضحى حتى أتى المقام وقريش في أنديتها ثم رفع صوته وقرأ سورة الرحمن فلما علمت قريش أنه يقرأ القرآن قاموا إليه يضربونه وهو يقرأ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه فقالوا هذا الذي خشينا عليك فقال ما كان أعداء الله أهون علي منهم اليوم ولئن شئتم لاغادينهم قالوا حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون

ذكر إسلام عمر بن الخطاب ص 600

ثم أسلم عمر بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة وقيل أسلم بعد أربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة وقيل أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا وأحدى وعشرين امرأة وكان رجلا جلدا منيعا وأسلم بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة وكان أصحاب النبي لا يقدرون يصلون عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عندها وصلى معه أصحاب النبي وكان قد أسلم قبله حمزة بن عبد المطلب فقوي المسلمون بهما وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله والمسلمين قالت أم عبد الله بنت أبي حثمة وكانت زوج عامر بن ربيعة إنا لنرحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر لبعض حاجته إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى وقف علي وكنا نلقى منه البلاء أذى وشدة فقال أتنطلقون يا أم عبد الله قالت قلت نعم والله لنخرجن في أرض الله فقد آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا فرجا قالت فقال صحبكم الله ورأيت له رقة وحزنا قالت فلما عاد عامر أخبرته وقلت له لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا قال أطمعت في إسلامه قالت نعم فقال لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب لما كان يرى من غلظته وشدته على المسلمين فهداه الله تعالى فأسلم فصار على الكفار أشد منه على المسلمين

وكان سبب إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعيد بن زيد بن عمرو العدوي وكانا مسلمين يخفيان إسلامه من عمر وكان نعيم بن عبد الله النحام العدوي قد أسلم أيضا وهو يخفي إسلامه فرقا من قومه وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة يقرأها القرآن فخرج عمر يوما ومعه سيف يريد النبي والمسلمين وهم مجتمعون في دار الأرقم عند الصفا وعنده من يهاجر من المسلمين في نحو أربعين رجلا فلقيه نعيم بن عبد الله فقال أين تريد يا عمر فقال أريد محمدا الذي فرق أمر قريش وعاب وسب آلهتها فأقتله فقال نعيم والله لقد غرتك نفسك أترى بني عند مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم قال وأي أهلي قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة فقد والله أسلما فرجع عمر إليهما وعندهما خباب بن الأرت يقرأهما القرآن فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب وأخذت فاطمة الصحيفة فألقتها تحت فخذيها وقد سمع عمر قراءة خباب فلما دخل قال ما هذه الهينمة قالا ما سمعت شيئا قال بلى وقد أخبرت أنكما تابعتما محمد على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته لتكفه فضربها فشجها فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما شئت

ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم وقال لهما أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأون فيها الآن حتى أنظر إلى ما جاء به محمد قالت إنا نخشاك عليها فحلف أنه يعيدها قالت له وقد طمعت في إسلامه إنك نجس على شركك ولا يمسها إلا المطهرون فقان فاغتسل فأعطته الصحيفة وقرأها وفيها طه وكان كاتبا فلما قرأ بعضها قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه فلما سمع خباب خرج إليه وقال يا عمر إني والله لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول اللهم أيد الاسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام فالله الله يا عمر

فقال عمر عند ذلك فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم فدله حباب فأخذ سيفه وجاء إلى النبي وأصحابه فضرب عليه الباب فقام رجل منهم فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا سيفه فأخبر النبي بذلك فقال حمزة ائذن له فإن كل جاء يريد خيرا بذلناه له وإن أراد شرا قتلناه بسيفه فأذن له فنهض إليه النبي حتى لقيه فأخذ بمجامع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة وقال ما جاء بك ما أراك تنتهي حتى ينزل الله عليك القارعة

فقال عمر يا رسول الله جئت لأومن بالله وبرسوله فكبر تكبيرة عرف من في البيت أن عمر أسلم فلما أسلم قال له أي قريش أنقل للحديث قيل جميل بن معمر الجمحي فجاءه فأخبره بإسلامه فمشى إلى المسجد وعمر وراءه وصرخ يا معشر قريش ألا إن ابن الخطاب قد صبأ فيقول عمر من خلفه كذب ولكني أسلمت فقاموا فلم يزل يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس وأعيي فقعد وهم على رأسه فقال افعلوا ما بدا لكم فلو كنا ثلاثمائة نفر تركناها لكم أو تركتموها لنا يعني مكة فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخ عليه حلة فقال ما شأنكم قالوا صبأ عمر قال فمه رجل اختار لنفسه أمر فماذا تريدون أترون بن عدي يسلمون لكن صاحبهم هكذا خلوا عن الرجل وكان الرجل العاص بن وائل السهمي قال عمر لما أسلمت أتيت باب أبي جهل بن هشام فضربت عليه بابه فخرج إلي وقال مرحبا بابن أخي ما جاء بك قلت جئت لأخبرك أني قد أسلمت وآمنت بمحمد وصدقت ما جاء به قال فضرب الباب في وجهي وقال قبحك الله وقبح ما جئت به وقيل في إسلامه غير هذا

ذكر أمر الصحيفة ص 603

ولما رأت قريش الاسلام يفشو ويزيد وأن المسلمين قووا بإسلام حمزة وعمر وعاد إليهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أمية من النجاشي بما يكرهون من منع المسلمين عنهم وأمنهم عنده ائتمروا في أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوا إليهم ولا يبيعوهم ولا يبتاعون منهم شيئا فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا لذلك الأمر على أنفسهم فلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا وخرج من بني هاشم أبو لهب بن عبد المطلب إلى قريش فلقي هندا بنت عتبة فقال كيف رأيت نصري اللات والعزة قالت لقد أحسنت فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرا وذكروا أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد ومعه قمح يريد به عمته خديجة وهي عند رسول الله في الشعب فتعلق به وقال والله لا تبرح حتى أفضحك فجاء أبو البختري بن هشام فقال مالك وله عنده طعام لعمته أفتمنعه أن يحمله إليها خل سبيله فأبى أبو جهل فنال منه فضربه أبو البختري بلحى جمل فشجه ووطئه وطئا شديدا وحمزة ينظر إليهم وهم يكرهون أن يبلغ النبي ذلك فيشمت بهم هو والمسلمون ورسول الله يدعو الناس سرا وجهرا والوحي متتابع إليه فبقوا كذلك ثلاث سنين

وقام في نقض الصحيفة نفر من قريش وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن الحارث بن عمرو بن لؤي وهو ابن أخي نضلة بن هشام بن عبد مناف لأمه وكان يأتي بالبعير قد أوقر طعاما ليلا ويستقبل به الشعب ويخلع خطامه فيدخل الشعب فلما رأى ما هم فيه وطول المدة عليهم مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي أخي أم سلمة وكان شديد الغيرة على النبي والمسلمين وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم يعني أبا جهل ثم دعوته إلى ما دعاك إليه ما أجابك أبدا فقال ماذا أصنع وإنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لنقضتها فقال قد وجدت رجلا قال ومن هو قال أنا قال زهير أبغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد ذلك موافق فيه أما والله لئن أمكننموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم أسرع قال ما أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال أبغنا ثالثا قال قد فعلت قال من هو قال زهير بن أبي أمية قال أبغنا رابعا فذهب إلى أبي البحتري بن هشام وقالوا له نحو مما قال للمطعم قال وهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال أنا وزهير والمطعم قال ابغنا خامسا فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه وذكر له قرابتهم قال وهل على هذا الأمر معين قال نعم وسمى له القوم فاتعدوا خطم الحجون الذي بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة فقال زهير أنا أبدأكم

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة قال أبو جهل كذبت والله لا تشق قال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب ما رضينا بها حين كتبت قال أبو البختري صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها قال المطعم بن عدي صدقتما وكذب من قال غير ذلك وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك قال أبو جهل هذا أمر قضي بليل وأبو طالب في ناحية المسجد فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان باسمك الله كانت تفتح بها كتبها وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة فشلت يده

وقيل كان سبب خروجهم من الشعب أن الصحيفة لما كتبت وعلقت بالكعبة اعتزل الناس بني هاشم وبني المطلب وأقام رسول الله وأبو طالب ومن معهما بالشعب ثلاث سنين فأرسل الله الأرضة وأكلت ما فيها من ظلم وقطيعة رحم وتركت ما فيها من أسماء الله تعالى فجاء جبريل إلى النبي فأعلمه بذلك فقال النبي لعمه أبي طالب وكان أبو طالب لا يشك في قوله فخرج من الشعب إلى الحرم فاجتمع الملأ من قريش وقال إن ابن أخي أخبرني أن الله أرسل على صحيفتكم الأرضة فأكلت ما فيها من قطيعة رحم وظلم وتركت اسم الله تعالى فأحضروها فإن كان صادقا علمتم أنكم ظالمون لنا قاطعون لأرحامنا وإن كان كاذبا علمنا أنكم على حق وأنا على باطل فقاموا سراعا وأحضروا فوجدوا الأمر كما قاله رسول الله وقويت نفس أبي طالب واشتد صوته وقال قد تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة فنكسوا رؤوسهم ثم قالوا إنما تأتوننا بالسحر والبهتان وقام أولئك النفر في نقضها كما ذكرنا وقال أبو طالب في أمر الصحيفة وأكل الأرضة ما فيها من ظلم وقطيعة رحم أبياتا منها

( وقد كان في أمر الصحيفة عبرة % متى ما يخبر غائب القوم يعجب )

( محا الله منهم كفرهم وعقوقهم % وما نقموا من ناطق الحق معرب )

( فاصبح ما قالوا من الأمر باطلا % ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب )

ذكر وفاة أبي طالب وخديجة وعرض رسول الله نفسه على العرب ص 605

توفي أبو طالب وخديجة قبل الهجرة بثلاث سنين وبعد خروجهم من الشعب فتوفي أبو طالب في شوال أو في ذي القعدة وعمره بضع وثمانون سنة وكانت خديجة ماتت قبله بخمسة وثلاثين يوما وقيل كان بينهما خمسة وخمسون يوما وقيل ثلاثة أيام فعظمت المصيبة على رسول الله بهلاكهما فقال رسول الله ( ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ) وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته حتى ينثر بعضهم التراب على رأسه وحتى إن بعضهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي وكان رسول الله يخرج ذلك على العود ويقول أي جوار هذا يا بني عبد مناف ثم يلقيه بالطريق

فلما اشتد عليه الأمر بعد موت أبي طالب خرج ومعه زيد بن حارثة إلى ثقيف يلتمس منهم النصر فلما انتهى إليهم عمد إلى ثلاثة نفر منهم وهم يومئذ سادة ثقيف وهم اخوة عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير فدعاهم إلى الله وكلمهم في نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه فقال أحدهم مارد يمرط ثياب الكعبة ان كان الله أرسلك وقال آخل أما وجد الله من يرسله غيرك

وقال الثالث والله لا أكلمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك

فقام رسول الله وقد يئس من خير ثقيف وقال لهم اذا أبيتم فاكتموا علي ذلك وكره أن يبلغ قومه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم فاجتمعوا إليه وألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهو البستان وهما فيه ورجع السفهاء عنه وجلس إلى ظل حبلة وقال الله إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهو أني على الناس اللهم يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع إني أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل بي سخطك

فلما رأى ابنا ربيعة ما لحقه تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا اسمه عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب واذهب به إلى ذلك الرجل

ففعل فلما وضعه بين يدي رسول الله وضع يده فيه وقال بسم الله ثم أكل فقال عداس والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة فقال له النبي من أي البلاد أنت وما دينك

قال أنا نصراني من أهل نينوى فقال رسول الله أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال له وما يدريك ما يونس قال رسول الله ذلك أخي كان نبيا وأنا نبي فأكب عداس على يدي رسول الله ورجليه يقبلهما فعاد فيقول ابنا الربيعة أحدهما للآخر أما غلامك فقد أفسده عليكط فلما جاء عداس قالا له ويحك مالك تقبل يديه ورجليه قال ما في الأرض خير من هذا الرجل قالا ويحك إن دينك خير من دينه

ثم انصرف رسول الله راجعا إلى مكة حتى إذا كان في جوف الليل قام قائما يصلي فمر به نفر من الجن وهم سبعة نفر من جن نصيبين رائحين إلى اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولو إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا

وذكر بعضهم أن رسول الله لما عاد من ثقيف أرسل إلى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلغ رسالة ربه فأجاره وأصبح المطعم قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه فدخلوا المسجد فقال أبو جهل أمجير أم متابع قال بل مجير قال قد أجرنا من أجرت فدخل النبي مكة وأقام بها فلما رآه أبو جهل قال هذا نبيكم يا عبد مناف فقال عتبة بن ربيعة وما ينكر أن يكون منا نبي وملك

فأخبر رسول الله بذلك فأتاهم فقال ما أنت يا عتبة فما حميت لله وإنما حميت لنفسك وأما أنت يا أبا جهل فوالله لا يأتي عليك غير بعيد حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا وأما أنتم يا معشر قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كثير حتى تدخلوا فيما تنكرون وأنتم كارهون فكان الأمر كذلك

وكان رسول الله يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب فأتى كندة في منازلهم وفيهم سيد يقال له مليح فدعاهم إلى الله وعرض نفسه عليهم فأبوا عليه فأبى كلبا إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض نفسه عليهم فلم يقبلوا ما عرض عليهم ثم إنه أتى حنيفة وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم ثم أتى بني عامر فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فقال له رجل منهم أرأيت إن نحن تابعناك فأظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك

قال الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء قال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك

فلما رجع بنو عامر إلى شيخ لهم كبير فأخبروه خبر النبي ونسبه فوضع يده على رأسه ثم قال يا بني عامر هل من تلاف والذي نفسي بيده ما تقولها اسماعيلي قط وإنها لحق وأين كان رأيكم عنه ولم يزل رسول الله يعرض نفسه على كل قادم له اسم وشرف ويدعوه إلى الله وكان كلما أتى قبيلة يدعوهم إلى الإسلام تبعه عمه أبو لهب فإذا فرغ رسول الله من كلامه يقول لهم أبو لهب يا بني فلان إنما يدعوكم هذا إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن إلى ما جاء به من الضلالة والبدعة فلا تطيعوه ولا تسمعوا له

ذكر أول عرض رسول الله نفسه على الأنصار وإسلامهم ص 608

فقدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف بطن من الأوس مكة حاجا ومعتمرا وكان يسمى الكامل لجلده وشعره ونسبه وهو القائل

( ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى % مقالته بالغيب ساءك ما يفري )

( مقالته كالسحر إذا كان شاهدا % وبالغيب مأثور على ثغرة النحر )

( يسرك باديه وتحت أديمه % نميمة غش تبتري عقب الظهر )

( تبين لك العينان ما هو كاتم % وما جن بالبغضاء والنظرة الشزر )

( فرشني بخير طالما قد بريتني % فخير الموالي من يريش ولا يبري )

فتصدى له رسول الله فدعاه إلى الاسلام وقرأ عليه القرآن فلم يبعد منه وقال أن هذا القول حسن ثم انصرف وقدم المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج قتل يوم بعاث فكان قومه يقولون قتل وهو مسلم

( بعاث ) بالباء الموحد المضمومة والعين المهملة وهو الصحيح

وقدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة مع فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج فأتاهم النبي وقال لهم هل لكم فيما هو خير لكم مما جئتم له ودعاهم إلى الاسلام وقرأ عليهم القرآن فقال إياس وكان غلاما حدثا هذا والله خير مما جئنا له فضرب وجهه أبو الحيسر بحفنة من البطحاء وقال دعنا منك فلقد جئنا لغير هذا فسكت إياس وقام رسول الله ولم يلبث إياس أن هلك فسمعه قومه يهلل الله ويكبره حتى مات فما يشكون أنه مات مسلما

ذكر بيعة العقبة الأولى وإسلام سعد بن معاذ ص 609

فلما أراد الله إظهار دينه وإنجاز وعده خرج رسول الله في المواسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على القبائل كما كان يفعله فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الاسلام وقد كانت يهود معهم ببلادهم وكان هؤلاء أهل أوثان فكانوا إذا كان بينهم شر تقول اليهود إن نبيا يبعث الآن نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وثمود فقال أولئك النفر بعضهم لبعض هذا والله النبي الذي توعدكم به اليهود فأجابوه وصدقوه وقالوا له إن بين قومنا شرا وعسى الله أن يجمعهم بك فإن اجتمعوا عليك فلا رجل أعز منك

ثم انصرفوا عنه وكانوا سبعة نفر من الخزرج أسعد بن زرارة بن عدس أبو أمامة وعوف بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء كلاهما من بني النجار ورافع بن مالك بن عجلان وعارم بن عبد حارثة بن ثعلبة بن غنم كلاهما من بني زريق وقطبة بن عامر بن حديدة بن سواد من بني سلمة ( سلمة ) هذا بكسر اللام وعقبة بن عامر بن نابئ من بني غنم وجابر بن عبد الله بن رياب من بني عبيدة ( رياب ) بكسر الراء والياء المعجمة باثنيتين من تحت وبالباء الموحدة فلما قدموا المدينة ذكروا لهم النبي ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوه بيعة النساء وهم أسعد بن زرارة وعوف ومعاذ ابنا الحارث وهما ابنا عفراء ورافع بن مالك بن عجلان وذكوان بن عبد قيس من بني زريق وعبادة بن الصامت من بني عوف بن الخزرج ويزيد بن ثعلبة بن خزمة أبو عبد الرحمن من بلى حليف لهم وعباس بن عبادة بن نضلة من بني سالم وعقبة بن عامر بن نابئ وقطبة بن عامر بن حديدة وهؤلاء من الخزرج وشهدها من الأوس أبو الهيثم بن التيهان حليف لبني عبد الأشهل وعويم بن ساعدة حليف لهم فانصرفوا عنه وبعث معهم مصعب بن عمير بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الاسلام فنزل بالمدينة على أسعد بن زرارة فخرج به أسعد بن زرارة فجلس في دار بني ظفر واجتمع عليهما رجال ممن أسلم فسمع به سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وهما سيدا بني عبد الأشهل وكلاهما مشرك فقال سعد لأسيد انطلق إلى هذين اللذين أتينا دارنا عليهما فقال ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا اعتزلا عنا

فقال مصعب أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره فقال أنصفت ثم جلس إليهما فكلمه مصعب بالاسلام فقال من أحسن هذا وأجله كيف تصنعون إذا دخلتهم في هذا الدين قالا تغتسل وتطهر ثيابك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين

ففعل ذلك وأسلم ثم قال لهما إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنكما أحد من قومه وسأرسله إليكما سعد بن معاذ ثم انصرف إلى سعد وقومه فلما نظر إليه سعد قال أحلف بالله لقد جائكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم

فقال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين والله ما رأيت بهما بأسا وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه فقام سعد مغضبا مبادرا لخوفه مما ذكر له ثم خرج إليهما فلما رآهما مطمئنين عرف ما أراد فوقف عليهما وقال لأسعد بن زرارة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني فقال له مصعب أوتقعد فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره

فجلس فعرض عليه مصعب الاسلام وقرأ عليه القرآن فقال لهما كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين فقالا له ما قالا لأسيد فأسلم وتطهر ثم عاد إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير فلما وقف عليهم قال يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم

قالوا سيدنا وأفضلنا قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة ورجع مصعب إلى منزل أسعد ولم يزل يدعوا إلى الاسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من بني أمية بن زيد ووائل وواقف فإنهم أطاعوا أبا قيس بن الأسلت فوقف بهم عن الاسلام حتى هاجر النبي ومضت بدر وأحد والخندق وعاد مصعب إلى مكة أسيد بضم الهمزة وفتح السين ( وحضير ) بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وتسكين الياء تحتها نقطتان وفي آخره راء

ذكر بيعة العقبة الثانية ص 611

لما فشا الاسلام في الأنصار اتفق جماعة منهم على المسير إلى النبي مستخفين لا يشعر بهم أحد فساروا إلى مكة في الموسم في ذي الحجة مع كفار قومهم واجتمعوا به وواعدوه أوسط أيام التشريق بالعقبة فلما كان الليل خرجوا بعد مضي ثلثه مستخفين يتسللون حتى اجتمعوا بالعقبة وهم سبعون رجلا معهم امرأتان نسيبة بنت كعب أم عمارة وأسماء أم عمرو بن عدي من بني سلمة وجاءهم رسول الله ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو كافر أحب أن يتوثق لابن أخيه فكان العباس أول من تكلم فقال يا معشر الخزرج وكانت العرب تسمى الخزرج والأوس به إن محمدا منا حيث قد علمتم في عز ومنعة وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم فإن كنتم ترون أنكم تفون بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة

فقال الأنصار قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت

فتكلم وتلا القرآن ورغب في الاسلام ثم قال تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وابناءكم

ثم أخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه ذرارينا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب

فاعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا وإنا قاطعوها يعني اليهود فهل عسيت إن أظهرك الله عز وجل أن ترجع إلى قومك وتدعنا

فتبسم رسول الله وقال بل الدم الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم

وقال رسول الله أخرجوا إلي اثني عشرة نيقبا يكونون على قومهم فأخرجوهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس وقال لهم العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري

يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل تبايعونه على حرب الأحمر والأسود فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو الله خزى الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة

قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله قال الجنة قالوا أبسط يدك فبايعوه وما قال العباس بن عبادة ذلك إلا ليشد العقد له عليهم وقيل بل قاله ليؤخر الأمر ليحضر عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم

فكان أول من بايعه أبو أمامة أسعد بن زرارة وقيل أبو الهيثم بن التيهان وقيل البراء بن معرور ثم بايع القوم فبايعوه فلما بايعوه صرخ الشيطان من رأس العقبة يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصبأة معه قد اجتمعوا على حربكم

فقال رسول الله أما والله لأفرغن لك أي عدو الله ثم قال ارفضوا إلي رحالكم فقال له العباس بن عبادة والذي بعثك بالحق نبيا لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا فقال لم نؤمر بذلك فرجعوا فلما أصبحوا جاءهم جلة قريش فقالو قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي من أحياء العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينهم الحرب منكم فحلف من هناك من مشركي الأنصار ما كان من هذا شيء فلما سار الأنصار من مكة قال البراء بن معرور يا معشر الخزرج قد رأيت أن لا أستبدر الكعبة في صلاتي فقالوا له أن رسول الله يستقبل الشام فنحن لا نخالفه فكان يصلي إلى الكعبة فلما قدم مكة سأل رسول الله عن ذلك فقال لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها فرجع إلى قبلة رسول الله فلما بايعوه ورجعوا إلى المدينة فكان قدومهم في ذي الحجة فأقام رسول الله بمكة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول وقدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت منه

وقد كانت قريش لما بلغهم إسلام من أسلم من الأنصار اشتدوا على من بمكة من المسلمين وحرصوا على أن يفتنوهم فأصابهم جهد شديد وهي الفتنة الآخرة وأما الأولى فكانت قبله هجرة الحبشة وكانت البيعة في هذه العقبة على غير الشروط في العقبة الأولى فإن الأولى كانت على بيعة النساء وهذه البيعة كان على حرب الأحمر والأسود

ثم أمر النبي أصحابه بالهجرة إلى المدينة فكان أول من قدمها أبو سلمة ابن عبد الأسد وكانت هجرته قبل البيعة بسنة ثم هاجر بعد عامر بن ربيعة حليف بني عدي مع امرأته ليلى ابنة أبي حصمة ثم عبد الله بن جحش ومعه أخوه أبو أحمد وجميع أهله فاغلقت دارهم وتتابع الصحابة ثم هاجر عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة فنزلا في بني عمرو بن عوف وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة بالمدينة وكان أخاهما لأمهما فقالا له إن أمك قد نذرت أنها لا تستظل ولا تمتشط فرق لها وعاد وتتابع الصحابة بالهجرة إلى أن هاجر رسول الله وكان مما شرع مسيلمة لهم أن من أصاب ولدا واحدا ذكرا لا يأتي النساء حتى يموت ذلك الولد فيطلب الولد حتى يصيب ابنا ثم يمسك وقيل بل تحصن منها فقالت له أنزل فقال لها أبعدي أصحابك ففعلت وقد ضرب لها قبة وجمرها فتذكر بطيب الريح الجماع واجتمع بها فقالت له ما أوحى إليك ربك فقال ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى بين صفاق وحشى قالت وماذا أيضا قال إن الله خلق للنساء أفراجا وجعل الرجال لهن أزواجا فتولج فيهن إيلاجا ثم تخرجها إذا تشاء إخراجا فينتجن لنا سخالا إنتاجا قال أشهد إنك نبي

قال هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب قالت نعم قال

( ألا قومي إلى النيك % فقد هيئ لك المضجع )

( فإن شئت ففي البيت % وإن شئت ففي المخدع )

( وإن شئت سلقناك % وإن شئت على أربع )

( وإن شئت بثلثيه % وإن شئت به أجمع )

قالت بل به أجمع فإنه للشمل أجمع قال بذلك أوحى إلي

فأقامت عنده ثلاثا ثم انصرفت إلى قومها فقالوا لها ما عندك قالت كان على الحق فتبعته وتزوجته قالوا هل أصدقك شيئا قالت لا

قالوا فارجعي فاطلبي الصداق فرجعت فلما رآها أغلق باب الحصن وقال مالك قالت أصدقني قال من مؤذنك قالت شبث بن ربعي الرياحي فدعاه وقال له ناد في أصحابك أن مسيلمة رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما جاءكم به محمد صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة فانصرفت ومعها أصحابها منهم عطارد بن حاجب وعمرو

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.