ص 291
الطبقة الأولى الفيشداذية ملوك الأرض بعد جيومرث أوشهنج وملك فيشداذ أربعين سنة ومعنى فيشداذ أول حاكم
ملك بعده طهمورث بن نوجهان ثلاثين سنة
ثم ملك أخوه جمشيد سبعمائة وست عشرة سنة ثم ملك بيوراسف بن أرونداسف ألف سنة ثم ملك أفريدون بن اثفيان خمسمائة سنة ثم ملك منوجهر مائة وعشرين سنة ثم ملك افراسياب التركي اثنتي عشرة سنة ثم ملك زو بن تهماسف ثلاث سنين ثم ملك كرشاسب تسع سنين
الطبقة الثانية الكيانية
ص 291
ثم ملك كيقباذ مائة وستا وعشرين سنة ثم ملك كيكاووس مائة وخمسين سنة ثم ملك كيخسرو ثمانين سنة ثم ملك كي لهراسب مائة وعشرين سنة ثم ملك كي بشتاسب مائة وعشرين سنة ثم ملك كي بهمن مائة واثنتي عشرة سنة ثم ملك خماني جهرازاد ثلاثين سنة ثم ملك أخوها دارا بن بهمن اثنتي عشرة سنة ثم ملك ابنه دارا بن دارا أربع عشرة سنة وهو الذي أخذ الإسكندر الملك منه
وكان ملك الإسكندر بعده أربع عشرة سنة
الطبقة الثالثة الأشغانية
ص 291
وهم الذين استولوا على العراق والجبال وكان سائر ملوك الطوائف يعظمونهم فأول ملوك الأشغانيين أيام ملوك الطوائف أشك ملك اثنتين وخمسين سنة
ثم ملك ابنه شابور بن أشك أربعا وعشرين سنة ثم ملك ابنه جوذرز بن شابور وهو الذي غزا بني إسرائيل بعد قتل يحيى بن زكريا خمسين سنة ثم ملك ابن أخيه ويجن بن بلاش احدى وعشرين سنة ثم ملك جوذرز بن ويجن تسع عشرة سنة ثم ملك أخوه نرسه ثلاثين سنة ثم ملك عمه هرمزان بن بلاش بن شابور تسع عشرة سنة ثم ملك ابنه فيروز بن هرمزان اثنتي عشرة سنة ثم ملك ابنه خسرو أربعين سنة ثم ملك أخوه بلاش بن فيروز أربعا وعشرين سنة ثم ملك أردوان بن بلاش خمسا وخمسين سنة
وقد ذكر بعضهم أن ملك بعد هرمزان بن بلاش أردوان الأكبر اثنتي عشرة سنة
وقيل في عدد ملوك الطوائف وغير ذلك والفرس تعترف باضطراب التاريخ عليهم في أيام ملوك الطوائف وملك بيوراسف وملك افراسياب التركي لأنهم زال الملك عنهم ولم يمكن ضبطه
الطبقة الرابعة الساسانية
ص 292
فأولهم أردشير بن بابك
ذكر أخبار أردشير بن بابك وملوك الفرس
ص 293
قيل لما مضى من لدن ملك الإسكندر أرض بابل في قول النصارى وأهل الكتاب الأول خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة وفي قول المجوس مائتان وست وستون وثب أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر بن بابك بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن الملك بن اسفنديار بن بشتاسب وقيل في نسبه غير ذلك يريد الأخذ بثأر الملك دارا بن دارا ورد الملك إلى أهله وإلى ما لم يزل عليه أيام سلفه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف وجمعه لرئيس واحد
وذكر أن مولده كان بقرية من قرى اصطخر يقال لها طيروده من رستاق اصطخر وكان جده ساسان شجاعا مغرى بالصيد وتزوج امرأة من نسل ملوك فارس يعرفون بالبادرنجبين وكان قيما على بيت نار باصطخر يقال له بيت نارهيد فولدت له بابك فلما كبر قام بأمر الناس بعد أبيه ثم ولد له ابنه أردشير وكان ملك اصطخر يومئذ رجلا من الباذرنجبين يقال له جوزهر وكان له خصي اسمه تيري قد صيره إرجبذا بدارا بجرد فلما أتى لأردشير سبع سنين قدمه أبوه إلى جوزهر وسأله أن يضمه إلى تيري ليكون ربيبا له وارجبذا بعده في موضعه فأجابه وأرسله إلى تيري فقبله وتبناه
فلما هلك تقلد أردشير الأمر وحسن قيامه به وأعلمه قوم من المنجمين صلاح مولده وأه يملك فازداد في الخير ورأى في منامه ملكا جلس عند رأسه فقال له إن الله يملكك البلاد فقويت نفسه قوة لم يعهدها وكان أول ما فعل أنه سار إلى موضع من دارا بجرد يسمى خوبا بان فقتل ملكها واسمه قاسين ثم سار إلى موضع يقال له كوسن فقتل ملكها واسمه منوجهر ثم إلى موضع يقال له لزويز فقتل ملكها واسمه دارا وجعل في هذه المواضع قوما من قبله وكتب إلى أبيه بما كان منه وأمره بالوثوب بجوزهر وهو بالبيضاء ففعل ذلك وقتل جوزهر وأخذ تاجه وكتب إلى أردوان ملك الجبال وما يتصل بها يتضرع إليه ويسأله في تتويج ابنه سابور بتاج جوزهر فمنعه من ذلك وهدده فلم يحفل بابك بذلك وهلك في ثلاثة أيام فتوج سابور بن بابك بالتاج وملك مكان أبيه وكتب إلى أردشير يستدعيه فامتنع فغضب سابور وجمع جموعا وسار بهم نحوه ليحاربه وخرج من اصطخر وبها عدة من أصحابه وإخوانه وأقاربه وفيهم من هو أكبر سنا منه فأخذوا التاج وسريره وسلموه إلى أردشير فتتوج وافتتح أمره بجد وقوة وجعل له وزيرا ورتب موبذموبذان وأحس من اخوته وقوم كانوا معه بالفتك به فقتل جماعة كثيرة منهم وعصى عليه أهل دارا بجرد فعاد إليهم فافتتحها وقتل جماعة من أهلها ثم سار إلى كرمان وبها ملك يقال له بلاش فاقتتل قتالا شديدا وقاتل أردشير بنفسه وأسر بلاش فاستولى على المدينة وجعل فيها ابنا له اسمه أردشير أيضا وكان في سواحل بحر فارس ملك اسمه أسيون يعظم فسار إليه أردشير فقتله وقتل من معه واستخرج له أموالا عظيمة وكتب إلى جماعة من الملوك منهم مهرك صاحب ابرساس من أردشير خرة يدعوهم إلى الطاعة فلم يفعلوا فسار إليهم فقتل مهرك ثم سار إلى جور فأسسها وبنى الجوسق المعروف بالطربال وبيت نار هناك
فبينما هو كذلك إذ ورد عليه رسول أردوان بكتاب فجمع الناس فقرأه عليهم فإذا فيه أنك عدوت قدرك واجتلبت حتفك أيها الكردي من أذن لك في التاج والبلاد ومن أمرك ببناء المدينة وأعلمه أنه قد وجه إليه ملك الأهواز ليأتيه به في وثاق فكتب إليه إن الله حباني بالتاج وملكني البلاد وأنا أرجوا أن يمكنني منك فأبعث برأسك إلى بيت النار الذي أسسته وسار أردشير نحو اصطخر وخلف وزيره ابرسام باردشير خرة فلم يلبث إلا قليلا حتى ورد عليه كتاب ابرسام بموافاة ملك الأهواز وعوده منكوبا ثم سار إلى أصبهان فملكها وقيل ملكها وعاد إلى فارس وتوجه إلى محاربة نير وفر صاحب الأهواز وسار إلى أرجان وإلى ميسان وطاسار ثم إلى سرق فوقف على شاطئ دجيل فظفر بالمدينة وابتنى مدينة سوق الأهواز وعاد إلى فارس بالغنائم ثم عاد من فارس إلى الأهواز على طريق خرة وكازرون وقتل ملك ميسان وبنى هناك كرخ ميسان وعاد إلى فارس فأرسل إلى أردوان يؤذنه بالحرب ويقول له ليعين موضعا للقتال فكتب إليه أردوان إني أوافيك في صحراء هرمزجان لا نسلاخ مهرماه فوافاه أردشير قبل الوقت وخندق على نفسه واحتوى على الماء ووافاه أردوان وملك الأرمانيين وكانا يتحاربان على الملك فاصطلحا على أردشير وحارباه وهما متساندان يقاتله هذا يوما وهذا يوما فإذا كان يوم بابا ملك الأرمانيين لم يقم له أردشير وإذا كان يوم أردوان لم يقم لأردشير فصالح أردشير بابا ملك الأرمانيين على أن يكف عنه ويفرغ أردشير لأردوان فلم يلبث أن قتله واستولى على ما كان به وأطاعه بابا وسمي أردشير شاهنشاه ثم سار إلى همذان فافتتحها وإلى الجبل وأذربيجان وأرمينية والموصل ففتحها عنوة وسار إلى السواد من الموصل فملكه وبنى على شاطئ دجلة قبالة طيسفون وهي المدينة التي في شرق المدائن مدينة غربية وسماها به أردشير وعاد من السواد إلى اصطخر وسار منها إلى سجستان ثم إلى جرجان ثم إلى نيسابور ومرو وبلخ وخوارزم وعاد إلى فارس ونزل جور فجاءه رسل من ملك كوسان وملك طوران وملك مكران بالطاعة ثم سار من جور إلى البحرين فاضطر ملكها إلى أن رمى نفسه من حصنه فهلك وعاد إلى المدائن فتوج ابنه سابور بتاجه في حياته وبنى ثمان مدن منها مدينة الخط بالبحرين ومدينة بهرسير مقابل المدائن وكان اسمه به أردشير فعربت به سير وأردشير خرة هي مدينة فيروز أباد سماها عضد الدولة بن بويه كذلك وبنى بكرمان مدينة أردشير أيضا فعربت بردشير وبنى بهمن أردشير على دجلة عند البصرة والبصريون يسمونها بهمن شير وفرات ميسان أيضا وبنى رامهرمز بخوزستان وبنى سوق الأهواز وبالموصل بودرأردشير وهي حرة ولم يزل محمود السيرة مظفرا منصورا لا ترد له راية ومدن المدن وكور الكور ورتب المراتب وعمر البلاد وكان ملكه من قتله أردوان إلى أن هلك أربعة عشرة سنة وقيل أربع عشرة سنة وعشرة أشهر ولما استولى اردشير على العراق كره كثير من تنوخ المقام في مملكته فخرج من كان منهم من قضاعة إلى الشام ودان له أهل الحيرة والأنبار وقد كانت الحيرة والأنبار بنيتا زمن بختنصر فخربت الحيرة لتحول أهلها إلى الأنبار وعمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة إلى أن عمرت الحيرة زمن عمرو بن عدي فعمرت خمسمائة وبضعا وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة ونزلها أهل الإسلام
ذكر ملك سابور بن أردشير بن بابك
ص 296
ولما هلك أردشير بن بابك قام بالملك بعده ابنه سابور وكان أردشير قد أسرف في قتل الأشكانية حتى أفناهم بسبب أليته التي آلاها جده ساسان بن أردشير بن بهمن فإنه أقسم أنه إن ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن حرة أحدا وأوجب ذلك على عقبة فكان أول من ملك من عقبة أردشير فقتلهم جميعا نساءهم ورجالهم غير أن جارية وجدها في دار المملكة فأعجبته وكانت ابنة للملك المقتول فسألها عن نسبها فذكرت انها خادم لبعض نساء الملك فسألها أبكر أم ثيب فأخبرته أنها بكر فاتخذها لنفسه وواقعها فعلقت منه فلما أمنت منه بحبلها أخبرته أنها من ولد اشك فنفر منها ودعا هرجد بن أسام وكان شيخا مسنا فأخبره الخبر وقال له ليقتلها ليبر قسم جده فأخذها الشيخ ليقتلها فأخبرته أنها حبلى فأتى بالقوابل فشهدن بحبلها فأدعها سربا من الأرض ثم قطع مذاكيره ووضعها في حق وختم عليه وحضر عند الملك فقال ما فعلت فقال استودعتها بطن الأرض ودفع الحق إليه وسأله أن يختمه بخاتمه ويودعه بعض خزائنه ففعل ثم وضعت الجارية غلاما فكره الشيخ أن يسمى ابن الملك دونه وخاف أن يعلمه به وهو صغير فاخذ له الطالع وسماه شاه بور ومعناه ابن الملك فيكون اسما وصفة وهو أول من تسمى بهذا الاسم وبقي أردشير لا يولد له فدخل عليه الشيخ الذي عنده الصبي يوما فوجده محزونا فقال له ما يحزن الملك فقال ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت وصفى لي ملك آبائي ثم أهلك وليس لي عقب فيه فقال له الشيخ سرك الله أيها الملك وعمرك لك عندي ولد طيب نفيس فادع لي بالحق الذي استودعتك أرك برهان ذلك فدعا اردشير بالحق وفتحه فوجد فيه مذاكير الشيخ وكتابا فيه لما أخبرتني ابنة أشك التي علقت من ملك الملوك حين أمر بقتلها لم أستحل اتلاف زرع الملك الطيب فاودعتها بطن الأرض كما أمر وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد علينا سبيلا فأمره أردشير أن يجعل مع سابور مائة غلام وقيل ألف غلام من أشباهه في الهيئة والقامة ثم يدخلهم عيله جميعا لا يفرق بينهم زي ففعل الشيخ فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم ثم أعطوا صوالجة وكرة فلعبوا بالكرة وهو في الايوان فدخلت الكرة الإيوان فهاب الغلمان أن يدخلوه وأقدم سابور من بينهم ودخل فاستدل بإقدامه مع ما كان من قبوله له حين رآه أنه ابنه فقال له اردشير ما اسمك قال شاه بور فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره وعقد له التاج من بعده وكان عاقلا بليغا فاضلا فلما ملك ووضع التاج على رأسه فرق الأموال على الناس من قرب ومن بعد وأحسن إليهم فبان فضل سيرته وفاق جميع الملوك وبنى مدينة سابور ومدينة سابور بفارس وبنى فيروز سابور وهي الأنبار وبنى جند يسابور وقيل إنه حاصر الروم بنصيبين وفيها جمع من الروم مدة ثم أتاه من ناحية خراسان ما احتاج إلى مشاهدته فسار إليها وأحكم أمرها ثم عاد إلى نصيبين فزعموا أن سورها تصدع وانفرجت منه فرجة دخل منها وقتل وسبى وغنم وتجاوزها إلى بلاد الشام فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة منها فالوقية وقدوقية وحاصر ملكا للروم بأنطاكية فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه فأسكنهم مدينة جند يسابور
ذكر مدينة الحضر
ص 297
كانت بجبال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر وكان بها ملك يقال له الساطرون وكان من الجرامقة والعرب تسميه الضيزن وهو من قضاعة وكان قد ملك الجزيرة وكثر جنده وأنه تطرق بعض السواد إذ كان سابور بخراسان فلما عاد سابور أخبره بما كان منه فسار إليه وحاصره أربع سنين وقيل سنتين لا يقدر على هدم حصنه ولا الوصول إليه وكان للضيزن بنت تسمى النضيرة فحاضت فأخرجت إلى ربض المدينة وكذلك كان يفعل بالنساء وكانت من أجمل النساء وكان سابور من أجمل الناس فرأى كل واحد منهما صاحبه فتعاشقا فأرسلت إليه ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور المدينة
فقال أحكمك وأرفعك على نسائي فقالت عليك بحمامة ورقاء مطوقة فاكتب على رجلها بحيض جارية بكر زرقاء ثم أرسلها فإنها تقع على سور المدينة فيخرب وكان ذلك طلسم ذلك البلد ففعل وتداعت المدينة فدخلها عنوة وقتل الضيزن وأصحابه فلم يبق منهم أحد يعرف اليوم وأخرب المدينة واحتمل النضيرة فأعرس بها بعين التمر فلم تزل ليلتها تتضور فالتمس ما يؤذيها فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكن بطنها فقال لها ما كان يغذوك به أبوك
قالت الزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر فقال وأبيك لأنا أحدث عهدا وآثر لك من أبيك فأمر رجلا فركب فرسا جموحا ثم عصب غدائرها بذنبه ثم استركضها فقطعها قطعا وقد أكثر الشعراء ذكر الضيزن في أشعارهم
وفي أيام سابور ظهر ماني الزنديق وادعى النبوة وتبعه خلق كثير وهم الذين يسمون المانوية وكان ملكه ثلاثين سنة وخمسة عشر يوما وقيل إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة أيام
ذكر ملك ابنه هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك
ص 298
وكان يشبه في خلقه بأردشير غير لاحق به في تدبيره وكان من البطش والجراءة على أمر عظيم وكانت أمه من بنات مهرك الملك الذي قتله أردشير وتتبع نسله فقتلهم لأن المنجمين أخبروه أنه يكون من نسله من يملك فهربت أمه إلى البادية وأقامت عند بعض الرعاء وخرج سابور متصيدا فاشتد به العطش وارتفعت له الأخبية التي فيها أم هرمز فقصدها وطلب الماء فناولته المرأة فرأى منها جمالا فائقا فلم يلبث أن حضر الرعاء فسألهم سابور عنها فقال بعضهم إنها ابنته فتزوجها
وسار بها إلى منزله وكسيت ونظفت فأرادها فامتنعت عليه مدة فلما طال عليه سألها عن سبب ذلك فأخبرته أنها ابنة مهرك وانها تفعل ذلك ابقاء عليه من أردشير فعاهدها على ستر أمرها ووطئها فولدت له هرمز فستر أمره حتى صار له سنون فركب أردشير يوما إلى منزل ابنه سابور لشيء أراد ذكره له فدخل منزله مفاجأة فلما استقر خرج هرمز وبيده صولجان وهو يصيح في أثره الكرة
فلما رآه أردشير أنكره ووقف على المشابه التي فيه من حسن الوجه وعبالة الخلق وأمور غيرها فاستدناه أردشير وسأل عنه سابور فخرج مفكرا على سبيل الإقرار بالخطأ وأخبره أباه أردشير الخبر فسر وأخبره أنه قد تحقق الذي ذكره المنجمون في ولد مهرك وأن ذلك قد سلى ما كان في نفسه وأذهبه
فلما ملك سابور ولى هرمز خراسان وسيره إليها فقهر الأعداء واستقل بالأمر فوشى به الوشاة إلى سابور أنه على عزم أن يأخذ الملك منه وسمع هرمز بذلك فقيل إنه قطع يده وأرسلها إلى أبيه فكتب إليه بما بلغه وأنه فعل ذلك إزالة للتهمة لأن رسمهم أنهم كانوا لا يملكون ذا عاهة فلما وصلت يده إلى سابور تقطع أسفا وأرسل إلى هرمز يعلمه ما ناله لذلك وعقد له على الملك وملكه ولما ملك عدل في رعيته وكان صادقا وسلك سبيل آبائه وكور كورة رامهرمز وكان ملكه سنة وعشرة أيام
ذكر ملك ابنه بهرام بن هرمز بن سابور
ص 299
وكان حليما متأنيا حسن السيرة وقتل ماني الزنديق وسلخه وحشا جلده تبنا وعلق على باب من أبواب جند يسابور يسمى باب ماني وكان ملكه ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام وكان عامل سابور بن أرديش وابنه هرمز وبهرام بن هرمز بعد مهلك عمرو بن عدي على ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذ ابن لعمرو بن عدي يقال له امرؤ القيس الكندي وهو أول من تنصر من آل نصر بن ربيعة وعمال الفرس وعاش مملكا في عمله مائة سنة وأربع عشرة سنة منها في زمن سابور بن أردشير ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة أيام وفي زمن بهرام ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز ثماني عشرة سنة
ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير
ص 299
وكان ملكه حسنا وكان عالما بالأمور فلما عقد له التاج وعدهم بحسن السيرة واختلف في سني ملكه فقيل ثماني عشرة سنة وقيل سبع عشرة سنة والله أعلم
ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور
ص 300
فلما عقد التاج على رأسه دعا العظماء فأحسن الرد وكان قبل أن يفضي إليه الأمر مملكا على سجستان وكان ملكه أربع سنين
ذكر ملك نرسي بن بهرام
ص 300
وهو أخو بهرام الثالث فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه الأشراف والعظماء فدعوا له فوعدهم خيرا وسار فيهم بأعدل السيرة وقال لن نضيع شكر ما أنعم الله به علينا وكان ملكه تسع سنين
ذكر ملك هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز
ص 300
وكان الناس قد وجلوا منه لفظاظته فأعلمهم أنه قد علم بما كانوا يخافون من شدة ولايته وأن الله قد أبدل ما كان فيه من الفظاظة رقة ورأفة وساسهم أرفق سياسة وكان حريصا على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل ثم هلك ولا ولد له فشق ذلك على الناس فسألوا عن نساءه فذكر لهم أن بعضهن حبلى
وقيل إن هرمز كان أصى بالملك لذلك الحمل وولدت المرأة سابور ذا الأكتاف
وكان ملك هرمز ست سنين وخمسة أشهر وقيل سبع سنين وخمسة أشهر
وأسماء الملوك من سابور بن أردشير إلى ها هنا لم يحذف منها شيء
ذكر ملك ابنه سابور ذي الأكتاف
ص 300
وهو سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك قيل ملك بوصية أبيه له فاستبشر الناس بولادته وبثوا خبره في الآفاق وتقلد الوزراء والكتاب ما كانوا يعملونه في ملك أبيه وسمع الملوك أن ملك الفرس صغير في المهد فطمعت في مملكتهم الترك والعرب والروم وكانت العرب أقرب إلى بلاد فارس فسار جمع عظيم منهم في البحر من عبد القيس والبحرين إلى بلاد فارس وسواحل أردشير خرة وغلبوا أهلها على مواشيهم ومعايشهم وأكثروا الفساد وغلبت إياد على سواد العراق وأكثروا الفساد فيهم فمكثوا حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لصغر ملكهم فلما ترعرع سابور وكبر كان أول ما عرف من حسن فهمه أنه سمع في البحر ضوضاة وأصواتا فسأل عن ذلك فقيل إن الناس يزدحمون في الجسر الذي على دجلة مقبلين ومدبرين فأمر بعمل جسر آخر يكون أحدهما للمقبلين والآخر للمدبرين فاستبشر الناس بذلك
فلما بلغ ست عشرة سنة وقوي على حمل السلاح جمع رؤساء أصحابه فذكر لهم ما اختل من أمرهم وأنه يريد الذب عنهم ويشخص إلى بعض الأعداء فدعا له الناس وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما يريد فأبى واختار من عسكره ألف رجل فسألوه الازدياد فلم يفعل وسار بهم ونهاهم عن الإبقاء على أحد من العرب وقصد بلاد فارس فأوقع بالعرب وهم غارون فقتل وأسر وأكثر ثم قطع البحر إلى الخط فقتل من بالبحرين لم يلتفت إلى غنيمة وسار إلى هجر وبها ناس من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس فقتل منهم حتى سالت دماؤهم على الأرض وأباد عبد القيس وقصد اليمامة وأكثر في أهلها القتل وغور مياه العرب وقصد بكرا وتغلب فيما بين مناظر الشام والعراق فقتل وسبى وغور مياههم وسار إلى قرب المدينة ففعل كذلك وكان ينزع أكتاف رؤسائهم ويقتل إلى أن هلك فسموه سابور ذا الأكتاف لهذا
وانتقلت إياد حينئذ إلى الجزيرة وصارت تغير على السواد فجهز سابور إليهم الجيوش وكان لقيط الإيادي معهم فكتب إلى إياد
( سلام في الصحيفة من لقيط % إلى من بالجزيرة من إياد )
( بأن الليث كسرى قد أتاكم % فلا يشغلكم سوق النفاد )
( أتاكم منهم سبعون ألفا % يزجون الكتائب كالجراد )
فلم يقبلوا منه وداموا على الغارة فكتب إليهم أيضا
( أبلغ إيادا وخلل في سراتهم % إني أرى الرأي إن لم أعص قد نصعا
وهي قصيدة مشهورة من أجود ما قيل في صفة الحرب فلم يحذروا وأوقع بهم سابور وأبادهم قتلا إلا من لحق بأرض الروم فهذا فعله بالعرب
( الروم )
وأما الروم فإن سابور كان هادن ملكهم وهو قسطنطين وهو أول من تنصر من ملوك الروم ونحن نذكر سبب تنصره عند الفراغ من ذكر سابور إن شاء الله
ومات قسطنطين وفرق ملكه بين ثلاثة بنين كانوا له فملكوا وملكت الروم عليهم رجلا من أهل بيت قسطنطين يقال له ( اليانوس ) وكان على ملة الروم الأولى ويكتم ذلك فلما ملك أظهر دينه وأعاد ملة الروم وأخرب البيع وقتل الأساقفة ثم جمع جموعا من الروم والخزر وسار نحو سابور واجتمعت العرب للانتقام من سابور فاجتمع في عسكر اليانوس منهم خلق كثير وعادت عيون سابور إليه فاختلفوا في الأخبار فسار سابور بنفسه مع جماعة من ثقاته نحو الروم فلما قرب من يوسانوس وهو على مقدمة اليانوس اختفى وأرسل بعض من معه من الروم فأخذوا وأقر بعضهم على سابور فأرسل يوسانوس إليه سرا ينذره فارتحل سابور إلى عسكره وتحارب هو والعرب والروم فانهزم عسكره وقتل منهم مقتلة عظيمة وملكت الروم مدينة طيسفون وهي المدائن الشرقية وملكوا أيضا أموال سابور وخزائنه وكتب سابور إلى جنوده وقواده يعلمهم ما لقي من الروم والعرب ويستحثهم على المسير إليه فاجتمعوا إليه وعاد واستنقذ مدينة طيسفون ونزل اليانوس مدينة بهرسير واختلف الرسل بينهما فبينما اليانوس جالس أصابه سهم لا يعرفه راميه فقتله فسقط في أيدي الروم ويئسوا من الخلاص من بلاد فارس فطلبوا من يوسانوس أن يملك عليهم فلم يفعل وأبى إلا أن يعودوا إلى النصرانية فأخبروه أنهم على ملته وإنما كتموا ذلك خوفا من اليانوس فملك عليهم وأرسل سابور إلى الروم يتهددهم ويطلب الذي ملك عليهم ليجتمع به فسار إليه يوسانوس في ثمانين رجلا فتلقاه سابور وتساجدا وطعما وقوى سابور أمر يوسانوس بجهده وقال للروم إنكم أخربتم بلادنا وأفسدتم فيها فأما أن تعطونا قيمة ما أهلكتم وإما أن تعوضونا نصيبين وكانت قديما للفرس فغلبت الروم عليها فدفعوها إليهم وتحول أهلها عنها فحول إليها سابور اثني عشر ألف بيت من أهل اصطخر وأصبهان وغيرها وعادت الروم إلى بلادها وهلك ملكهم بعد ذلك بيسير
وقيل إن سابور سار إلى حد الروم وأعلم أصحابه أنه على قصد الروم مختفيا لمعرفة أحوالهم وأخبار مدنهم وسار إليهم فجال فيهم حينا وبلغه أن قيصر أولم وجمع الناس فحضر بزي سائل لينظر إلى قيصر على الطعام ففطن به وأخذ وأدرج في جلد ثور وسار قيصر بجنوده إلى أرض فارس ومعه سابور على تلك الحال فقتل وأخرب حتى بلغ جنديسابور فتحصن أهلها وحاصرها فبينما هو يحاصرها إذ غفل الموكلون بحراسة سابور وكان بقربه قوم من سبي الأهواز فأمرهم أن يلقوا على القد الذي علينا زيتا كان بقربهم ففعلوا ولان الجلد وانسل منه وسار إلى المدينة وأخبر حراسها فأدخلوه فارتفعت أصوات أهلها فاستيقظ الروم وجمع سابور من بها وعبأهم وخرج إلى الروم سحر تلك الليلة فقتلهم وأسر قيصر وغنم أمواله ونساءه وأثقله بالحديد وأمره بعمارة ما أخرب وألزمه بنقل التراب من بلد الروم ليبني به ما هدم المنجنيق من جند يسابور وأن يغرس الزيتون مكان النخل ثم قطع عقبه وبعث به إلى الروم على حمار وقال هذا جزاؤك ببغيك علينا
فأقام مدة عمر غزا فقتل وسبى سبايا أسكنهم مدينة بناها بناحية السوس سماها إيران شهر سابور وبنى مدينة نيسابور بخراسان في قول وبالعراق بزرج سابور وكان ملكه اثنتين وسبعين سنة
وهلك في أيامه امرؤ القيس بن عمرو بن عدي عامله على العرب فاستعمل ابنه عمرو بن امرئ القيس فبقي في عمله بقية ملك سابور وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز وبعض أيام سابور بن سابور وكانت ولايته ثلاثين سنة
سبب تنصر قسنطين
ص 304
وأما سبب تنصر قسطنطين فإنه كان قد كبر سنه وساء خلقه وظهر به وضح كبير فأرادت الروم خلعه وترك ماله عليه فشاور نصحاءه فقالوا له لا طاقة لك بهم فقد أجمعوا على خلعك وإنما تحتال عليهم بالدين وكانت النصرانية قد ظهرت وهي خفية وقالوا له استمهلهم حتى تزور البيت المقدس فإذا زرته دخلت في دين النصرانية وحملت الناس عليه فإنهم يعترفون فتقاتل من عصاك بمن أطاعك وما قاتل قوم على دين إلا نصروا
ففعل ذلك فأطاعه عالم عظيم وخالفه خلق كثير وأقاموا على دين اليونانية فقالتهم وظفر بهم فقتلهم فأحرق كتبهم وحكمتهم وبنى القسطنطينية ونقل الناس إليها وكانت رومية دار ملكهم وبقي ملكه عليه وغلب على الشام وكان الأكاسرة قبل سابور ذي الأكتاف ينزلون طيسفون وهي المدينة الغربية من المدائن فلما نشأ سابور بنى الايوان بالمدائن الشرقية وانتقل إليه وصار هو دار الملك وهو باق إلى الآن ونحن في سنة خمس وعشرين وستمائة
ذكر ملك أردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن سابور بن أردشير بن بابك
ص 304
فلما ملك بعد خلع عمه استبشر الناس بعود ملك أبيه إليه وكتب إلى العمال بالعدل والرفق بالرعية وأمر بذلك وزراءه وحاشيته وأطاعه عمه المخلوع وأحبته رعيته ثم ان العظماء وأهل الشرف قطعوا أطناب خيمة كان فيها فسقطت عليه فقتلته وكان ملكه خمس سنين
ذكر ملك أخيه بهرام بن سابور ذي الأكتاف $
ص 305
وكان يلقب كرمان شاه لأن أباه ملكه كرمان في حياته فكتب إلى القواد كتابا يحثهم على الطاعة وكان محمودا في أموره وبنى بكرمان مدينة وثار به ناس من الفتاك فقتله أحدهم بنشابة وكان ملكه احدى عشرة سنة
ذكر ملك يزدجرد الأثيم بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف
ص 305
ومن أهل العلم من يقول إن يزدجرد هذا هو أخو بهرام كرمان شاه بن سابور لا ابنه وكان فظا غليظا ذا عيوب كثيرة يضع الشيء في غير مواضعه كثيرا الرزيئة في الصغائر واستعمل كل ما عنده في المواربة والدهاء والمخاتلة مع فطنة بجهات الشر وعجب به وكان علقا سيء الخلق لا يغفر الصغيرة من الزلات ولا يقبل شفاعة أحد من الناس وإن كان قريبا منه كثير التهمة ولا يأتمن أحدا على شيء ولم يكن يكافئ أحدا على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف استعظمه وإذا بلغه أن أحدا من أصحابه صافى أحدا من أهل صناعته نحاه عن خدمته وكان فيه مع ذلك ذكاء ذهن وحسن أدب وقد مهر في صنوف من العلم واستوزر نرسي حكيم زمانه وكان فاضلا قد كمل أدبه ولقبه هزار بيده فأمل الناس أن يصلح نرسي منه فكان ما أملوه بعيدا فلما استوى له الملك واشتدت شوكته هابته الأشراف والعظماء وحمل على الضعفاء فأكثر من سفك الدماء فلما ابتليت الرعية به شكوا ما نزل بهم منه إلى الله تعالى وسألوه تعجيل انقاذهم منه فزعموا أنه كان بجرجان فرأى ذات يوم في قصره فرسا غائرا لم ير مثله فأخبر به فأمر أن يسرج ويلجم ويدخل عليه فلم يقدر أحد على ذلك فأعلم بذلك فخرج إليه بنفسه وألجمه بيده وأسرجه فلما رفع ذنبه ليثفره رمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه وملأ الفرس فروجه جريا ولم يعلم له خبر وكان ذلك من صنع الله ورأفته بهم وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوما
وأما العرب فقيل إنه لما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء ابن عمرو بن عدي في عهد سابور استخلف سابور على عمله أوس بن قلام وهو من العماليق فملك خمس سنين وقتل في عهد بهرام بن سابور
فاستخلف بعده في عمله امرؤ القيس بن عمرو بن امرئ القيس البدء فبقي خمسا وعشرين سنة وهلك أيام يزدجرد الأثيم فاستخلف بعده في عمله ابنه النعمان وأمه شقيقة ابنة أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وهو صاحب الخورنق وسبب بنائه له أن يزدجرد الأثيم كان لا يبقى له ولد فسأل عن منزل برس صحيح فدل على ظاهر الحيرة فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا وأمره ببناء الخورنق مسكنا له وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب وكان الذي بنى الخورق رجلا اسمه سنمار فلما فرغ من بناءه تعجبوا منه فقال لو علمت أنكم توفوني أجري لعملته يدور مع الشمس فقال وإنك لتقدر على ما هو أفضل منه ثم أمر به فألقي من رأس الخورنق فهلك
فضربت العرب بجزائه المثل وهو مذكور في أشعارها وغزا النعمان هذا الشام مرارا وأكثر المصائب في أهلها وسبى وغنم وجعل معه ملك فارس كتيبتين يقال لاحداهما دوس وهي لتنوخ والأخرى الشهباء وهي لفارس فكان يغزو بهما الشام ومن لم يطعه من العرب
ثم إنه جلس يوما في مجلسه من الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والأنهار في يوم من أيام الربيع فأعجبه ذلك فقال لوزيره هل رأيت مثل هذا المنظر قط قال لا لو كان يدوم قال ما عند الله في الآخرة قال فبم ينال ذلك قال بتركك الدنيا وعبادة الله
فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وخرج هاربا لا يعلم به فأصبح الناس فلم يروه وكان ملكه إلى أن ترك وساح تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر من ذلك في أيام يزدجرد خمس عشرة سنة وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة وأما علماء الفرس فإنهم يقولون غير هذا وسيرد ذكره
ذكر ملك بهرام بن يزد جرد الأثيم
ص 307
لما ولد يزدجرد بهرام جور اختار العرب لحضانته العرب فدعا بالمنذر بن النعمان واستحضنه بهرام وشرفه وكرمه وملكه على العرب فسار به المنذر واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكية وآداب حسنة من بنات الأشراف منهن عربيتان وعجمية فأرضعنه ثلاث سنين فلما بلغ خمس سنين أحضر له مؤدبين فعلموه الكتابة والرمي والفقه بطلب من بهرام بذلك وأحضر حكيما من حكماء الفرس فتعلم ووعى كل ما علمه بأدنى تعليم فلما بلغ اثنتي عشرة سنة تعلم كل ما أفيد وفاق معلميه فأمرهم المنذر بالانصراف وأحضر معلمي الفروسية فأخذ عنهم كل ما ينبغي له ثم صرفهم ثم أمر فأحضرت خيل العرب للسباق فسبقها فرس أشقر للمنذر وأقبل باقي الخيل بداد فقرب المنذر الفرس بيده إليه فقبله وركبه يوما للصيد فبصر بعانة حمر وحش فرمى عليها وقصدها وإذا هو بأسد قد أخذ عيرا منها فتناوله ظهره بفيه فرماه بهرام بسهم فنفذ في الأسد والعير ووصل إلى الأرض فساخ السهم إلى ثلثه فرآه من معه فعجبوا منه ثم أقبل على الصيد واللهو والتلذذ
فمات أبوه وهو عند المنذر فتعاهد العظماء وأهل الشرف على أن لا يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته فاجتمعت الكلمة على صرف الملك عن بهرام لنشوئه في العرب وتخلقه بأخلاقهم ولأنه من ولد يزدجرد وملكوا رجلا من عقب أردشير بن بابك يقال له كسرى فانتهى هلاك يزدجرد وتمليك كسرى إلى بهرام فدعا بالمنذر وابنه النعمان وناس من أشراف العرب وعرفه إحسان والده إليهم وشدته على الفرس وأخبرهم الخبر فقال المنذر لا يهولنك ذلك حتى ألطف الحيلة فيه وجهز عشرة آلاف فارس ووجههم مع ابنه النعمان إلى طيسفون وبهرسير مدينتي الملك وأمره أن يعسكر قريبا منهما ويرسل طلائعه إليهما وأن يقاتل من قاتله ويغير على البلاد ففعل ذلك وأرسل عظماء فارس حوابي صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر يعلمه أمر النعمان فلما ورد حوابي قال له الق الملك بهرام فدخل عليه فراعه ما رأى منه فاغفل عن السجود دهشا فعرف بهرام ذلك فكلمه ووعده أحسن الوعد ورده إلى المنذر وقال له أجبه فقال له إن الملك بهرام أرسل النعمان إلى ناحيتكم حيث ملكه الله بعد أبيه
فلما سمع حوابي مقالة المنذر وتذكر ما رأى من بهرام علم أن جميع من تشاور في صرف الملك عن بهرام محوج فقال للمنذر سر إلى مدينة الملوك وتجمع إليك الأشراف والعظماء وتشاوروا في ذلك فلن تخالفوا ما تشير به
وسار المنذر بعد عود حوابي من عنده بيوم في ثلاثين ألفا من فرسان العرب إلى مدينتي الملك بهرام فجمع الناس وصعد بهرام على منبر من ذهب مكلل بالجواهر وتكلم عظماء الفرس فذكروا فظاظة يزدجدرد أبي بهرام وسوء سيرته وكثرة قتله وإخراب البلاد وأنهم لهذا السبب صرفوا الملك عن ولده فقال بهرام لست أكذبكم وما زلت زاريا عليه ذلك ولم أزل أسأل الله أن يملكني لأصلح ما أفسد ومع هذا فإذا أتى على ملكي سنة ولم أف بما أعد تبرأت من الملك طائعا وأنا راض بأن تجعلوا التاج وزينة الملك بين أسدين ضاريين فمن تناولهما كان الملك له فأجابوه إلى ذلك ووضعوا التاج والزينة بين أسدين وحضر موذبان فقال بهرام لكسرى دونك التاج والزينة فقال كسرى أنت أولى لأنك تطلب الملك بوراثة وأنا فيه مغتصب فحمل بهرام جرزا وتوجه نحو التاج فبدر إليه أحد الأسدين فوثب بهرام فعلا ظهره وعصر جنبي الأسد بفخذيه وجعل يضرب رأسه بالجرز الذي معه ثم وثب على الأسد الآخر عليه فقبض أذنيه بيده ولم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الآخر الذي تحته حتى دمغهما ثم قتلهما بالجرز الذي معه وتناول بعد ذلك التاج والزينة فكان أول من أطاعه كسرى وقال جميع من حضر قد أذعنا لك ورضينا بك ملكا وإن العظماء والوزراء والأشراف سألوا المنذر ليكلم بهرام في العفو عنهم فسأل المنذر الملك بهرام ذلك فأجابه
وملك بهرام وهو ابن عشرين سنة وأمر أن يلزم رعيته راحة ودعة وجلس للناس يعدهم بالخير ويأمرهم بتقوى الله ولم يزل مدة ملكه يؤثر اللهو على ما سواه حتى طمع فيه من حوله من الملوك في بلاده
وكان أول من سبق إلى قصده خاقان ملك الترك فإنه غزاه في مائتي ألف وخمسين ألفا من الترك فعظم ذلك على الفرس ودخل العظماء على بهرام وحذروه فتمادى في لهوه ثم تجهز وسار إلى أذربيجان ليتنسك في بيت نارها ويتصيد بأمنيته في سبعة رهط من العظماء وثلثمائة من ذوي البأس والنجدة واستخلف أخاه نرسي فما شك الناس في أنه هرب من عدوه فاتفق رأي جمهورهم على الانقياد إلى خاقان وبذل الخراج له خوفا على نفوسهم وبلادهم فبلغ ذلك خاقان فأمن ناحيتهم وسار بهرام من أذربيجان إلى خاقان في تلك العدة فثبت للقتال وقتل خاقان بيده وقتل جنده وانهزم من سلم من القتل وأمعن بهرام في طلبهم يقتل ويأسر ويغنم ويسبي وعاد وجنده سالمون وظفر بتاج خاقان وإكليله وغلب على طرف من بلاده واستعمل عليها مرزبانا وأتاه رسل الترك خاضعين مطيعين وجعلوا بينهم حدا لا يعدونه وأرسل إلى ما وراء النهر قائدا من قواده فقتل وسبى وغنم وعاد بهرام إلى العراق وولى أخاه نرسي خراسان وأمره أن ينزل مدينة بلخ
واتصل به أن بعض رؤساء الديلم جمع جمعا كثيرا وأغار على الري وأعمالها فغنم وسبى وخرب البلاد وقد عجز أصحابه في الثغر عن دفعه وقد قرروا عليهم أتاوة يدفعونها إليه فعظم ذلك عليه وسير مرزبانا إلى الري في عسكر كثيف وأمره أن يضع على الدليمي من يطمعه في البلاد ويغريه بقصدها ففعل ذلك فجمع الديلمي جموعه وسار إلى الري فأرسل المرزبان إلى بهرام جور يعلمه خبره فكتب إليه يأمره بالمسير نحو الديلمي والمقام سماه له ثم سار جريده في نفر من خواصه فأدرك عسكره بذلك المكان والديلمي لا يعلم بوصوله وهو قد قوي طمعه لذلك فعبى بهرام أصحابه وسار نحو الديلم فلقيهم وباشر القتال بنفسه فأخذ رئيسهم أسيرا وانهزم عسكره فأمر بهرام بالنداء فيهم بالأمان لمن عاد إليه فعاد الديلم جميعهم فأمنهم ولم يقتل منهم أحدا وأحسن إليهم وعادوا إلى أحسن طاعة وأبقى على رئيسهم وصار من خواصه
وقيل كانت هذه الحادثة قبل حرب الترك والله أعلم
ولما ظفر بالديلم أمر ببناء مدينة سماها فيروز بهرام فبنيت له هي ورستاقها واستوزر نرسي فأعلمه أنه ماض إلى الهند متخفيا فسار إلى الهند وهو لا يعرفه أحد غير أن الهند يرون شجاعته وقتله السباع ثم إن فيلا ظهر وقطع السبيل وقتل خلقا كثيرا فاستدل عليه فسمع الملك خبره فأرسل معه من يأتيه بخبره فانتهى بهرام والهندي معه إلى الأجمة فصعد الهندي شجرة ومضى بهرام فاستخرج الفيل وخرج له صوت شديد فلما قرب منه رماه بسهم بين عينيه كان يغيب ووقذه بالنشاب وأخذ مشفرة ولم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاحتز رأسه وأخرجه وأعلم الهندي ملكهم بما رأى فأكرمه أحسن إليه وسأله عن حاله فذكر أن ملك فارس سخط عليه فهرب إلى جواره وكان لهذا الملك عدو فقصده فاستسلم الملك وأراد أن يطيع ويبذل الخراج فنهاه بهرام وأشار بمحاربته فلما التقوا قال لأساورة الهندي احفظوا لي ظهري ثم حمل عليهم فجعل يضرب في أعراضهم ويرميهم بالشاب حتى انهزموا وغنم أصحاب بهرام ما كان في عسكر عدوه فأعطى بهرام الدبيل ومكران وأنكحه ابنته فأمر بتلك البلاد فضمت إلى بلاد فارس وعاد بهرام مسرورا
وأغزى نرسي بلاد الروم في أربعين ألفا وأمره أن يطلب ملك الروم بالأتاوة فسار إلى القسطنطينية فهادنه ملك الروم فانصرف بكل ما أراد إلى بهرام
وقيل إنه لما فرغ من خاقان والروم سار بنفسه إلى بلاد اليمن ودخل بلاد السودان فقتل مقاتلهم وسبى منهم خلقا كثيرا وعاد إلى مملكته ثم إنه في آخر ملكه خرج إلى الصيد فشد على عنز فأمعن في طلبه فارتطم في جب فغرق فبلغ والدته ذلك فسارت إلى ذلك الموضع وأمرت بإخراجه فنقلوا من الجب طينا كثيرا حتى صار آكاما عظاما ولم يقدروا عليه
وكان ملكه ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما وقيل ثلاثا وعشرين سنة
هكذا ذكر أبو جعفر في اسم بهرام جور أن أباه أسلمه إلى المنذر بن نعمان كما تقدم وذكر عند يزدجرد الأثيم أنه سلم ابنه بهرام إلى النعمان بن امرئ القيس ولا شك أن بعض العلماء قال هذا وبعضهم قال ذلك إلا إنه لم ينسب كل قول إلى قائله
ذكر ملك ابنه يزدجرد بن بهرام جور
ص 311
لما لبس التاج جلس للناس ووعدهم وذكر أباه ومناقبه وأعلمهم أنهم إن فقدوا منه طول جلوسه لهم فإن خلوته في مصالحهم وكيد أعدائهم وأنه قد استوزر نرسي صاحب أبيه وعدل في رعيته وقمع أعداءه وأحسن إلى جنده وكان له ابنان يقال لأحدهما هرمز وللآخر فيروز وكان لهرمز سجستان فغلب على الملك بعد هلاك أبيه يزدجرد فهرب فيروز ولحق ببلاد الهياطلة واستنجد ملكهم فأمده بعد أن دفع إليه الطالقان فاقبل بهم فقتل أخاه بالري وكانا من أم واحده وقيل لم يقتله وإنما أسره وأخذ الملك منه وكان الروم منعوا الخراج عن يزدجرد فوجه إليهم نرسي في العدة التي أنفذه أبوه فيها فبلغ أرادته
وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وقيل تسع عشرة سنة
ذكر ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام بعد أن قتل أخاه هرمز وثلاثة من أهل
ص 311
ولما ظفر فيروز بأخيه وملك أظهر العدل وأحسن السيرة وكان يتدين إلا أنه كان محدودا مشؤوما على رعيته وقحطت البلاد في زمانه سبع سنين متوالية وغارت الأنهار والقنى وقل ماء دجلة ومحلت الأشجار وهاجت عامة الزروع في السهل الجبل من بلاده وماتت الطيور والوحوش وعلم أهل البلاد الجوع والجهد الشديد فكتب إلى جميع رعيته أنه لا خراج عليهم ولا جزية ولا مؤنة وتقدم إليهم بأن كل من عنده طعام مذخور يواسي به الناس وأن يكون حال الغني والفقير واحدا وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنسانا مات جوعا بمدينة أو قرية عاقبهم ونكل بهم
وساس الناس سياسة لم يعطب أحد جوعا ما خلا رجلا واحدا من رستاق أردشير خره وابتهل فيروز إلى الله بالدعاء فأزال ذلك القحط وعادت بلاده إلى ما كانت عليه فلما حيى الناس والبلاد وأثخن في أعدائه سار مريدا حرب حرب الهياطلة فلما سمع أخشنوار ملكهم خافه فقال له بعض أصحابه اقطع يدي ورجلي وألقني على الطريق وأحسن إلى عيالي لأحتال على فيروز
ففعل ذلك واجتاز به فيروز فسأله عن حاله فقال له إني قلت لاخشنوار لا طاقة لك بفيروز ففعل بي هذا وإني أدلك على طريق لم يسلكها ملك وهي أقرب
فاغتر فيروز بذلك وتبعه فسار به وبجنده حتى قطع بهم مفازة بعد مفازة حتى إذا علم أنهم لا يقدرون على الخلاص أعلمهم حاله فقال أصحاب فيرووز لفيروزو حذرناك فلم تحذر فليس إلا التقدم على كل حال فتقدموا أمامهم فوصلوا إلى عدوهم وهم هلكى عطشى وقتل العطش منهم كثيرا فلما أشرفوا على تلك الحال صالحوا أخشنوار على أن يخلي سبيلهم إلى بلادهم على أن يحلف له فيروز أنه لا يغزو بلاده فاصطلحا وكتب فيروز كتابا بالصلح وعاد
فلما استقر في مملكته حملته الأنفة على معاودة أخشنوار فنهاه وزراؤه عن نقض العهد فلم يقبل وسار نحوه فلما تقاربا أمر أخشنوار فحفر خلف عسكره خندقا عرضه عشرة أذرع وعمقه عشرون ذراعا وغطاه بخشب ضعيف وتراب ثم عاد وراءه فلما سمع فيروز بذلك اعتقده هزيمة فتبعه ولا يعلم عسكر فيروز بالخندق فسقط هو وأصحابه فيه فهلكوا وعاد أخشنوار إلى عسكر فيروز وأخذ كل ما فيه وأسر نساءه وموبذان موبذ ثم استخرج جثة فيروز ومن سقط معه فجعلها في النواويس
وقيل إن فيروز لما انتهى إلى الخندق الذي حفره أخشنوار ولم يكن مغطى عقد عليه قناطر وجعل عليها أعلاما له ولأصحابه يقصدونها في عودهم وجاز إلى القوم فلما التقى العسكران احتج عليه أخشنوار بالعهود التي بينهما وحذره عاقبة الغدر فلم يرجع فنهاه أصحابه فلم ينته فضعفت نياتهم في القتال فلما أبى إلا القتال رفع أخشنوار نسخة العهد على رمح وقال اللهم خذ بما في هذا الكتاب وقلده بغيه فقاتله فانهزم فيروز وعسكره فضلوا عن مواضع القناطر فسقطوا في الخندق فهلك فيروز وأكثر عسكره وغنم أخشنوار أموالهم ودوابهم وجميع ما معهم وغلب أخشنوار على عامة خراسان
فسار إليهم رجل من أهل فارس يقال له سوخرا وكان فيهم عظيما وخرج كالمحتسب وقيل بل كان فيروز استخلفه على ملكه لما سار وكان له سجستان فلقي صاحب الهياطلة فأخرجه من خراسان واستعاد منه كل ما أخذ من عسكر فيروز مما هو في عسكره موجودا من السبي وغيره وعاد إلى بلاده فعظمته الفرس إلى غاية لم يكن فوقه إلا الملك وكانت مملكة الهياطلة طخارستان فكان فيروز قد أعطى ملكهم لما ساعده على حرب أخيه الطالقان
وكان ملك فيروز ستا وعشرين سنة وقيل إحدى وعشرين سنة
ذكر الأحداث في العرب أيام يزدجرد وفيروز
ص 314
كان يخدم ملوك حمير أبناء الأشراف من حمير وغيرهم وكان ممن يخدم حسان بن تبع عمرو بن حجر الكندي سيد كندة فلما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع اصطنع عمرو بن حجر وزوجته ابنة أخيه حسان ولم يطمع في التروج إلى ذلك البيت أحد من العرب فولدت الحارث بن عمرو
وملك بعد عمرو بن تبع عبد كلال بن مثوب وإنما ملكوه لأن أولاد عمرو كانوا صغارا وكان الجن قبل ذلك قد استهامت تبع بن حسان وكان عبد كلال على دين النصرانية الأولى ويكتم ذلك ورجع تبع بن حسان من استهامته وهو أعلم الناس بما كان قبله فملك اليمن وهابته حمير فبعث ابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر في جيش إلى الحيرة فسار إلى النعمان بن امرئ القيس وهو ابن الشقيقة فقاتله فقتل النعمان وعدة من أهل بيته وأفلت المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من النمر بن قاسط فذهب ملك آل النعمان وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا يملكون قال بعضمه
وقال ابن الكلبي ملك بعد النعمان المنذر بن النعمان بن المنذر بن النعمان أربعا وأربعين سنة من ذلك في زمن بهرام جور ثماني سنين وفي زمن يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة
ثم ملك بعده الأسود بن المنذر عشرين سنة منها في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين وفي زمن بلاش بن فيروز أربع سنين وفي زمن قباذ بن فيروز ست سنين
وهكذا ذكر أبو جعفر ها هنا أن الحارث بن عمرو قتل النعمان بن امرئ القيس وأخذ بلاده وانقرض ملك أهل بيته وذكر فيما تقدم أن المنذر بن النعمان أو النعمان على الاختلاف المذكور هو الذي جمع العساكر وملك بهرام جور على الفرس ثم ساق فيما بعد ملوك الحيرة من أولاد النعمان هذا إلى آخرهم ولم يقطع ملكهم بالحارث بن عمرو
وسبب هذا أن أخبار العرب لم تكن مضبوطة على الحقيقة فقال كل واحد ما نقل إليه من غير تحقيق وقيل غير ذلك وسنذكره في مقتل حجر بن عمرو والد امرئ القيس في أيام العرب إن شاء الله
والصحيح أن ملوك كندة عمرو والحارث كانوا بنجد على العرب وأما اللخميون ملوك الحيرة المناذرة فلم يزالوا عليها إلى أن ملك قباذ الفرس وأزالهم واستعمل الحارث بن عمرو الكندي على الحيرة ثم أعاد أنوشروان الحيرة إلى اللخميين على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ملك بلاش بن فيروز بن يزدجرد
ص 316
ثم ملك بعد فيروز ابنه بلاش وجرى بينه وبين أخيه قباذ منازعة استظهر فيها قباذ وملك فلما ملك بلاش أكرم سوخرا وأحسن إليه لما كان منه ولم يزل حسن السيرة حريصا على العمارة وكان لا يبلغه أن بيتا خرب وجلا أهله إلا عاقب صاحب تلك القرية على تركه سد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى مفارقة أوطانهم وبنى مدينة ساباط بقرب المدائن وكان ملكه أربع سنين
ذكر ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد
ص 316
وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه قد سار إلى خاقان مستنصرا به على أخيه بلاش فمر في طريقه بحدود نيسابور ومعه جماعة من أصحابه متنكرين وفيهم زرمهر بن سواخرا فتاقت نفسه إلى النكاح فشكا ذلك إلى زرمهر وطلب منه امرأة فسار إلى امرأة صاحب المنزل وكانت من الأساورة وكان له بنت حسناء فخطبها منها وأطمعها وزوجها فزوجا فدخل بها قباذ من ليلته فحملت بأنوشروان وأمر لها بجائزة سنية وردها وسألتها أمها عن قباذ وحاله فذكرت أنها لا تعرف من حاله شيئا غير أن سراويله منسوجة بالذهب فعلمت أنه من أبناء الملوك
ومضى قباذ إلى خاقان واستنصره على أخيه فأقام عنده أربع سنين وهو يعده ثم أرسل معه جيشا فلما صار بالقرب من الناحية التي بها زوجته سأل عنها فأحضرت ومعها أنوشران وأعلمته أنه ابنه
وورد الخبر إليه بذلك المكان أن أخاه بلاش قد هلك فتيمن بالمولود وحمله وأمه على مراكب نساء الملوك واستوثق له الملك وخص سوخرا وشكره لولده خدمته وتولى سوخار الأمر فمال الناس إليه وتهاونوا بقباذ فلم يحتمل ذلك فكتب إلى سابور الداري وهو أصبهبد ديار الجبل ويقال للبيت الذي هو منه مهران فاستقدمه ومعه جنده فتقدم إليه فأعلمه عزمه على قتل سوخرا وأمره بكتمان ذلك فأتاه يوما سابور وسوخرا عند قباذ فألقى في عنقه وهقا وأخذه وحبسه ثم خنقه قباذ وأرسله إلى أهله وقدم عوضه سابور الداري
وفي أيامه ظهر مزدك وابتدع ووافق زرادشت في بعض ما جاء به وزاد ونقص وزعم أنه يدعو إلى شريعة إبراهيم الخليل حسبما دعا إليه زرادشت واستحل المحارم والمنكرات وسوى بين الناس في الأموال والأملاك والنساء والعبيد والإماء حتى لا يكون لأحد فضل في شيء البتة فكثر اتباعه من السفلة والأغتام فصاروا عشرات ألوف فكان مزدك يأخذ امرأة هذا فيسلمها إلى الآخر وكذا في الأموال والعبيد والإماء وغيرها من الضياع والعقار فاستولى وعظم شأنه وتبعه الملك قباذ فقال يوما لقباذ اليوم نوبتي من امرأتك أم أنوشروان فأجابه إلى ذلك
فقام أنوشروان إليه ومزع خفيه بيده وقبل رجليه وشفع إليه حتى لا يتعرض لأمه وله حكمه في سائر ملكه فتركها
وحرم ذباحة الحيوان وقال يكفي في طعام الإنسان ما تنبته الأرض وما يتولد من الحيوان كالبيض واللبن والسمن والجبن فعظمت البلية به على الناس فصار الرجل لا يعرف ولده والولد لا يعرف أباه
فلما مضى عشر سنين من ملك قباذ اجتمع موبذان والعظماء وخلعوه وملكوا عليهم أخاه جامسب وقالوا له إنك قد أثمت باتباعك مزدك وبما عمل أصحابه بالناس وليس ينجيك إلا إباحة نفسك ونساءك وأرادوا على أن يسلم نفسه إليهم ليذبحوه ويقربوه إلى النار فامتنع من ذلك فحبسوه وتركوه لا يصل إليه أحد فخرج زرمهر بن سوخرا فقتل من المزدكية خلقا وأعاد قباذا إلى ملكه وأزال أخاه جامسب ثم إن قباذا قتل بعد ذلك زرمهر
وقيل لما حبس قباذ وتولى أخوه دخلت أخت لقباذ عليه كأنها تزوره ثم لفته في بساط وحمله غلام فلما خرج من السجن سأله السجان عما معه فقالت هو مرحل كنت أحيض فيه فلم يلمس البساط فمضى الغلام بقباذ وهرب قباذ فلحق بملك الهياطلة يستجيشه فلما صار بايران شهر وهي نيسابور نزل برجل من أهلها له ابنة بكر حسناء جميلة فنكحها وهي أم كسرى أنوشروان فكان نكاحه إياها في هذه السفرة لا في تلك في قول بعضهم وعاد ومعه أنوشروان فغلب أخاه جامسب على الملك وكان ملك جامسب ست سنين
وغزا قباذ بعد ذلك اليوم ففتح مدينة آمد وبنى مدينة أرجان ومدينة حلوان ومات فملك ابنه كسرى أنوشروان بعده فكان ملك قباذ مع سني أخيه جامسب ثلاثا وأربعين سنة فتولى أنوشروان ما كان أبوه أمر له به
وفي أيامه خرجت الخرز فأغارت على بلاده فبلغت الدينور فوجه قباذ قائدا من عظماء قواده في اثني عشر ألفا فوطئ بلاد أران وفتح ما بين النهر المعروف بالرس إلى شروان
ثم إن قباذا لحق به فبنى باران مدينة البيلقان ومدينة البرذعة وهي مدينة الثغر كله وغيرهما وبقي الخزر ثم بنى سد اللان فيما بين أرض شروان وباب اللان وبنى على السد مدنا كثيرة خربت بعد بناء باب الأبواب
ذكر حوادث العرب أيام قباذ
ص 319
لما ملك الحارث بن عمرو بن حجر الكندي العرب وقتل النعمان بن المنذر بن امرئ القيس كما ذكرناه بعث إليه قباذ أنه قد كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك عهد وأحب لقاءك وكان قباذ زنديقا يظهر الخير كله ويكره الدماء ويداري أعداءه فخرج إليه الحارث والتقيا واصطلحا على أن لا يجوز الفرات أحد من العرب فطمع الحارث بالكندي فأمر أصحابه أن يقطعوا الفرات ويغيروا على السواد فسمع قباذ فعلم أنه من تحت يد الحارث فاستدعاه فحضر فقال له إن لصوصا من العرب صنعت كذا وكذا فقال ما علمت ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود وطلب منه شيئا من السواد فأعطاه ستة طساسيج
وأرسل الحارث بن عمرو إلى تبع وهو باليمن يطمعه في بلاد العجم فسار تبع حتى نزل الحيرة وأرسل ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ فحاربه فهزمه شمر حتى لحق بالري ثم أدركه بها فقتله
ثم وجه تبع شمرا إلى خرسان ووجه ابنه حسان إلى السغد وقال أيكما سبق إلى الصين فهو عليها وكان كل واحد منهما في جيش عظيم يقال كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفا
وأرسل ابن أخيه يعفر إلى الروم فنزل على القسطنطينية فأعطوه الطاعة والاتاوة ومضى إلى رومية فحاصرها فأصاب من معه الطاعون فوثب الروم عليهم فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد
وسار شمر ذو الجناح إلى سمرقند فحاصرها فلم يظفر بها وسمع أن ملكها أحمق وأن له ابنة وهي التي تقضي الأمور فأرسل إليها هدية عظيمة وقال لها إنني إنما قدمت لأتزوج بك ومعي أربعة آلاف تابوت مملوءة ذهبا وفضة أنا أدفعها إليك وأمضي إلى الصين فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت كان المال لك فلما بلغها الرسالة قالت قد أجبته فليبعث المال
فأرسل أربعة آلاف تابوت في كل تابوت رجلان ولسمرقند أربعة أبواب ولكل باب ألفا رجل وجعل العلامة بينهم أن يضرب بالجرس فلما دخلوا البلد صاح شمر في الناس وضرب بالجرس فخرجوا وملكوا الأبواب ودخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها وسار إلى الصين فهزم الترك ودخل بلادهم ولقي حسان بن تبع قد سبقه إليها بثلاث سنين فأقاما بها حتى ماتا وكان مقامهما فيما قيل احدى وعشرين سنة وقيل عادا في طريقهما حتى قدما على تبع بالغنائم والسبي والجواهر ثم انصرفوا إلى بلادهم
ومات تبع باليمن فلم يخرج أحد من اليمن غازيا بعده وكان ملكه مائة وأحدى وعشرين سنة وقيل تهود
قال ابن إسحاق كان تبع الأخر وهو تبان أسعد أبو كرب حين أقبل من المشرق بعد أن ملك البلاد جعل طريقه على المدينة وكان حين مر بها في بدايته لم يهج أهلها وخلف عندهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها عازما على تخريبها واستئصال اهلها فجمع له الأنصار حين سمعوا ذلك ورئيسهم عمرو بن الظلة أحد بني عمرو بن مبذول من بني النجار وخرجوا لقتاله وكانوا يقاتلونه نهارا ويقرونه ليلا
فبينما هو على ذلك إذ جاءه حبران من بني قريظة عالمان فقالا له قد سمعنا ما تريد أن تفعل وإنك إن أبيت إلا ذلك حيل بينك وبينه ولم نأمن عليك عاجل العقوبة فقال ولم ذلك فقالا إنها مهاجر نبي من قريش تكون داره فانتهى عما كان يريد وأعجبه ما سمع منهما فاتبعهما على دينهما واسمهما كعب وأسد وكان تبع قومه أصحاب أوثان وسار من المدينة إلى مكة وهي طريقه فكسا الكعبة الوصائل والملاء وكان أول من كساها وجعل لها بابا ومفتاحا وخرج متوجها إلى اليمن فدعا قومه إلى اليهودية فأبوا عليه حتى حاكموه إلى النار وكانت لهم نار تحكم بينهم فيما يزعمون تأكل الظالم ولا تضر المظلوم فقال لقومه أنصفتم
فخرج قومه بأوثانهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهماحتى قعدوا عند مخرج النار فخرجت النار فغشيت النار فغشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران تعرق جباههما لم يضرهما فأطبقت حمير على دينه وكان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي وكان كاهنا فقال له تبع هل تجد لقوم ملكا يوازي ملكي قال لا إلا الملك غسان قال هل تجد ملكا يزيد عليه قال أجده لبار مبرور ورائد بالقهور ووصف في الزبور وفضلت أمته في السفور يفرج الظلم بالنور أحمد النبي طوبى لأمته حين يجيئ أحد بني لؤي ثم أحد بني قصي
فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي ثم ملك بعد تبع هذا وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب ربيعة بن نصر اللخمي فلما هلك ربيعة رجع الملك باليمن إلى حسان بن تبان أسعد فلما ملك ربيعة رأى رؤيا هالته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا إلا أحضره وقال لهم رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بتأويلها فقالوا اقصصها علينا فقال إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها
فلما قال ذلك قال له رجل منهم إن كان الملك يريد ذلك فليبعث إلى سطيح وشق فهما يخبرانك عما سألت واسم سطيح ريبع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن غسان وكان يقال له الذئبي نسبة إلى ذئب بن عدي وشق بن مصعب بن يشكر بن أنمار فبعث إليهما فقدم عليه سطيح قبل شق
فلما قدم عليه سطيح سأله عن رؤياه وتأويلها فقال رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض بهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة
قال له الملك ما أخطأت منها شيئا فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرتين من جيش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش قال الملك وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع فمتى يكون أفي زماني أم بعده قال بل بعده بحين ستين سنة أو سبعين يمضين من السنين ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين قال الملك ومن الذي يلي ذلك قال يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحدا منهم باليمن قال فيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع يقطعه نبي زكي يأتيه الوحي من العلي وهو رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال وهل للدهر من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون قال أحق ما تخبرنا يا سطيح قال نعم والشفق والغسق والفلق إذا انشق إن ما نبأتك به لحق
ثم قدم عليه شق فقال يا شق إني رأيت رؤيا هالتني فأخبرني عنها وعن تأويلها وكتمه ما قال سطيح لينظر هل يتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة
فلما سمع الملك ذلك قال ما أخطأت شيئا فما تأويلها قال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان وليملكن ما بين أبين إلى نجران قال الملك وأبيك يا شق إن هذا لغائظ فمتى هو كائن قال بعدك بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن ويذيقهم أشد الهوان وهو غلام ليس بدني ولا مزن يخرج من بيت ذي يزن قال فهل يدوم سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يوم تجزى فيه الولاة ويدعى من السماء بدعوات ويسمع منها الأحياء والأموات ويجتمع فيه الناس للميقات
فلما فرغ من مسألتهما جهز بينه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك فلما هلك ربيعة بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان بن أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار كان مما هيج أمر الحبشة وتحول الملك عن حمير أن حسان سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب والعجم كما كانت التبايعة تفعل
فلما كان بالعراق كرهت قبائل العرب من اليمن المسير معه فكلموا أخاه عمرا في قتل حسان وتمليكه فأجابهم إلى ذلك إلا ما كان من ذي رعين الحميري فإنه نهاه عن ذلك فلم يقبل منه فعمد ذو رعين إلى صحيفة فكتب فيها
( ألا من يشتري سهرا بنوم % سعيد من يبت قرير عين )
( وأما حمير غدرت وخانت % فمعذرة الاله لذي رعين )
ثم ختمها وأتى بها عمرا فقال ضع هذه عندك ففعل
فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه وقبائل اليمن قال لعمرو
( يا عمرو لا تعجل علي منيتي % فالملك تأخذه بغير حشود )
فأبى إلا قتله فقتله بموضع رحبة مالك فكانت تسمى فرضة نعم فيما قيل
ثم عاد إلى اليمن فمنع اليوم منه فسأله الأطباء وغيرهم عما به وشكا إليهم السهر فقال له قائل منهم ما قتل أحد أخاه أو ذا رحم بغيا إلا منع منه النوم
فلما سمع ذلك قتل كل من أشار عليه بقتل أخيه حتى خلص إلى ذي رعين فلما أراد قتله قال إن لي عندك براءة قال وما هي قال أخرج الكتاب الذي أستودعتك فأخرجه فإذا فيه البيتان فكف عن قتله ولم يلبث عمرو أن هلك فتفرقت حمير عند ذلك
نقد الأخبار المتقدمة
ص 324
قلت هذا الذي ذكره أبو جعفر من قتل قباذ بالري وملك تبع البلاد من بعد قتلته من النقل القبيح والغلط الفاحش وفساده أشهر من أن يذكر فلولا أننا شرطنا أن لا نترك ترجمة من تاريخه إلا ونأتي بمعناها من غير إخلال بشيء لكان الإعراض عنه أولى ووجه الغلط فيه أنه ذكر أن قباذا قتل بالري ولا خلاف بين أهل النقل من الفرس وغيرهم أن قباذا مات حتف أنفه في زمان معلوم وكان ملكه مدة معلومة كما ذكرناه قبل ولم ينقل أحد أنه قتل إلا في هذه الرواية ولما مات ملك ابنه كسرى أنوشروان بعده وهذا أشهر من قفانبك
ولو كان ملك الفرس انتقل بعد قباذ إلى حمير كيف كان يملك ابنه بعده وتمكن في الملك حتى أطاعه ملوك الأمم وحملت الروم إليه الخراج
ثم ذكر أيضا أن تبعا وجه ابنه حسان إلى الصين وشمرا إلى سمرقند وابن أخيه إلى الروم وأنه ملك القسطنطينية وسار إلى رومية فحاصرها فيا ليت شعري ما هو اليمن وحضرموت حتى يكون بهما من الجنود وما يكون بعضهم في بلادهم لحفظها وجيش مع تبع وجيش مع حسان يسير بهم إلى مثل الصين في كثرة عساكره ومقاتلته وجيش مع ابن أخيه تبع يلقى به مثل كسرى ويهزمه ويملك بلاده ويحاصر به مثل سمرقند في كبرها وعظمها وكثرة أهلها وجيش مع يعفر يسير بهم إلى ملك الروم ويملك القسطنطينية والمسلمون مع كثرة ممالكهم واتساعها وكثرة عددهم قد اجتهدوا ليأخذوا القسطنطينية أو ما يجاورها واليمن من أقل بلادهم عددا وجنودا فلم يقدروا على ذلك فكيف يقدر عليه بعض عساكر اليمن مع تبع هذا مما تأباه العقول وتمجه الأسماع
ثم إنه قال إن ملك تبع بلاد الفرس والروم والصين وغيرها كان بعد قتل قباذ يعني أيام ابنه أنوشروان ولا خلاف أن مولد النبي كان في زمن أنوشروان وكان ملكه سبعا وأربعين سنة ولا خلاف أيضا أن الحبشة لما ملكت اليمن انقرضت ملوك حمير وكان آخر ملوكهم ذا نواس وكان ملك حمير قد اختل قبل ذي نواس وانقطع نظامه حتى طمعت الحبشة فيه وملكته وكان ملكهم اليمن أيام قباذ وكيف يمكن أن يكون ملك الحبشة الذي هو مقطوع به أيام قباذ ويكون تبع هو الذي ملك اليمن قد قتل قباذا وملك بلاده قبل أن تملك الحبشة اليمن هذا مردود محال وقوعه وكان ملك الحبشة اليمن سبعين سنة وقيل أكثر من ذلك وكان انقراض ملكهم في آخر ملك أنوشروان والخبر في ذلك مشهور وحديث سيف ذي يزن في ذلك ظاهر ولم تزل اليمن بعد الحبشة في يد الفرس إلى أن ملكه المسلمون فكيف يستقيم أن ينقضي ملك تبع الذي هو ملك بلاد فارس ومن بعده من ملوك حمير وملك الحبشة وهو سبعون سنة نتقضي قبل مضي نيف وأربعين سنة ولو فكر أبو جعفر في ذلك لاستحيا من نقله
وأعجب من هذا أنه قال ثم ملك بعد تبع هذا ربيعة بن نصر اللخمي وهذا ربيعة هو جد عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة وكان ملك عمرو الحيرة بعد خاله جذيمة أيام ملوك الطوائف قبل ملك أردشير بن بابك بخمس وتسعين سنة وملك أيضا أيام أردشير وبين أردشير وقباذ ما يقارب عشرين ملكا وكيف يكون جد عمرو وقد ملك بعد قباذ وهو قبله بهذا الدهر الطويل
ولو لم يترجم أبو جعفر على هذه الحادثة بقوله ذكر الحوادث أيام قباذ لكان يحتمل تأويلا فيه ثم ما قنع بذلك حتى قال بعد أن قص مسير تبع وقتل قباذ وملك البلاد وأما ابن إسحاق فإنه قال إن الذي سار إلى المشرق من التبايعة هو تبع الأخير ويعني بقوله تبع الأخير أنه آخر من سار إلى المشرق وملك البلاد فإن ابن إسحاق وغيره يقولون إن الذي ملك البلد المشرقية لما توفي ملك بعده عدة تبابعة ثم اختل أمرهم زمانا طويلا حتى طمعت الحبشة فيهم وخرجت إلى اليمن فليت شعري إذا كان هذا تبع في أيام قباذ فلا شك أن تبعا الأخير الذي أخذ منه اليمن يكون في زمن بني أمية ويكون ملك الحبشة اليمن بعد مدة من ملك بني العباس ويكون أول الإسلام من ثلاثمائة سنة من ملكهم أيضا مما بعدها حتى يستقيم هذا القول
ثم إنه قال إن عمر بن طلحة الأنصاري خرج إلى تبع وعمر هذا قيل إنه أدرك النبي شيخا كبيرا ومات عند مرجعه من غزوة بدر
ومن الدليل على بطلانه أيضا أن المسلمين لما قصدوا بلاد الفرس ما زالت الفرس تقول لهم عند مراسلاتهم ومحاوراتهم في حروبهم كنتم أقل الأمم وأذلها وأحقرها والعرب تقر لهم بذلك فلو كان ملك تبع قريب العهد لقالت العرب إننا بالأمس قتلنا ملككم وملكنا بلادكم واستبحنا حريمكم وأموالكم فسكوت العرب عن ذلك وإقرارها للفرس دليل على بعد عهده أو عدمه على أن الفرس لا تقر بذلك لا في قديم الزمان ولا في حديثه فإنهم يزعمون أن ملكهم لم ينقطع من عهد جيومرث الذي هو آدم في قول بعضهم إلى أن جاء الإسلام إلا أيام ملوك الطوائف وكان لملوك الفرس طرف من البلاد في ذلك الزمان لم ينقطع انقطاعا كليا
على أن أصحاب السير قد اختلفوا في تبع الذي سار وملك البلاد اختلافا كثيرا فقيل شمر بن افريقش وقيل تبع أسعد وأنه بعث إلى سمرقند شمرا ذا الجناح إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا طائل فيها وهذا القدر كاف في كشف الخطأ فيه
ذكر ملك لختيعة
ص 327
فلما هلك عمرو وتفرقت حمير وثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة يقال له لختيعة تنوف ذو شناتر فملكهم في قول ابن إسحاق فقتل خيارهم وعاث ببيوت أهل المملكة منهم وكان أمرأ فاسقا يزعمون أنه كان يعمل عمل قوم لوط فكان إذا سمع بغلام من أبناء الملوك أنه قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة لئلا يملك بعد ذلك ثم يطلع إلى حرسه وجنده قد أخذ سواكا في فيه يعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلي سبيله فيفضحه
ذكر ملك ذي النواس وقصة أصحاب الأخدود
ص 327
كان من أبناء الملوك ذرعة ذو نواس بن تبان أسعد بن كرب وكان صغيرا حين أصيب أخوه حسان فشب غلاما جميلا ذا هيئة فبعث إليه لختيعة ليفعل به ما كان يفعل بغيره فأخذ سكينا لطيفا فجعله بين نعله وقدمه ثم انطلق إليه من رسوله فلما خلا به في المشربة قتله ذو نواس بالسكين ثم احتز رأسه فجعله في كوة مشربته التي يطلع منها ثم أخذ سواكه فجعله في فيه ثم خرج فقالوا له ذو نواس رطب أم يابس فقال سل يحماس استرطبان ذو نواس لا بأس
فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال فإذا رأس لختيعة مقطوع فخرجت حمير والحرس في اثر ذي نواس حتى أدركوه فملكوه حيث أراحهم من لختيعة واجتمعوا عليه وكان يهوديا
وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم على استقامة لهم رئيس يقال له عبد الله بن التامر وكان أصل النصرانية بنجران
قال وهب بن منبه إن رجلا من بقايا أهل دين عيسى يقال له فيميون وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة وكان سائحا لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى غيرها وكان لا يأكل إلا من كسب يده وكان يعمل الطين ويعظم الأحد لا يعمل فيه شيئا ويخرج إلى الصحراء يصلي جميع نهاره فنزل قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا ففطن به رجل اسمه صالح فأحبه حبا شديدا وكان يتبعه حيث ذهب لا يفطن به فيميون حتى خرجلا مرة يوم الأحد إلى الصحراء واتبعه صالح وفيميون لا يعلم فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا وقام فيميون يصلي فبينما هو يصلي إذ أقبل نحوه تنين فلما رآه فيميون دعا عليه فمات ورآه صالح ولم يدر ما أصابه فخاف على فيميون فصاح يا فيميون التنين قد أقبل نحوك فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى أمسى وعرف أن صالحا عرفه فكلمه صالح وقال له يعلم الله إنني ما أحببت شيئا حبك قط وقد أردت صحبتك حيثما كنت قال افعل فلزمه صالح وكان إذا ما جاءه العبد به ضر شفي إذا دعا له وإذا دعي إلى أحد به ضر لم يأته وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير فجعل ابنه في حجرة ألقى عليه ثوبا ثم قال لفيميون قد أردت أن تعمل في بيتي عملا فانطلق إليه لأشارطك عليه فانطلق معه فلما دخل الحجرة ألقى الرجل الثوب عن ابنه وطلب إليه أن يدعو له فدعى فابصر وعرف فيميون أنه قد عرف بالقرية فخرج هو وصالح ومر بشجرة عظيمة بالشام فناده رجل وقال ما زلت أنتظرك لا تبرح حتى تقوم علي فإني ميت قال فمات فواراه فيميون وانصرف ومعه صالح حتى وطئا بعض أرض العرب وأخذهما بعض العرب فباعوهما بنجران وأهل نجران على دين العرب تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم لها عيد كل سنة تعلق عليها كل ثوب حسن وحلى جميل فعلقوا عليها يوما فابتاع رجل من أشرافهم فيميون وابتاع رجل صالحا فكان فيميون إذا قام من الليل يصلي في بيته استسرج له البيت حتى يصبح من غير مصباح فلما رأى سيده ذلك أعجبه فسأله عن دينه فأخبره وعاب دين سيده وقال له لو دعوت إلهي الذي أعبد لأهلك النخلة فقال افعل فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه
فصلى فيميون ودعا الله تعالى فارسل الله عليها ريحا فجففتها وألقتها فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه فحملهم على شريعة من دين عيسى ودخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران
وقال محمد بن كعب القرظي كان أهل نجران يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها ساحر كان أهل نجران يرسلون أولادهم إليه يعلمهم السحر فلما نزلها فيميون وهو رجل كان يعبد الله على دين عيسى بن مريم عليه السلام فإذا عرف في قرية خرج منها إلى غيرها وكان مجاب الدعوة يبرئ المرضى وله كرامات فوصل نجران فسكن خيمة بين نجران وبين الساحر فأرسل التامر ابنه عبد الله مع الغلمان إلى الساحر فاجتاز بفيميون فرأى ما أعجبه من صلاته فجعل يجلس إليه ويستمع منه فأسلم معه ووحد الله تعالى وعبده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه وقال لن تحتمله والتامر يعتقد أن ابنه يختلف إلى الساحر مع الغلمان فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن عليه بالاسم الأعظم عمد إلى قداح فكتب عليها اسماء الله جميعها ثم ألقاها في النار واحدا واحدا حتى إذا ألقى القدح الذي عليه الاسم الأعظم وثب منها فلم تضره شيئا فأخذه وعاد إلى صاحبه فأخبره الخبر فقال له أمسك على نفسك وما أظن أن تفعل فكان عبد الله لا يلقى أحدا إذا أتى نجران به ضر إلا قال يا عبد الله أتدخل في ديني حتى أدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء فيقول نعم فيوحد الله ويسلم ويدعوا له عبد الله فيشفى حتى لم يبق أحد من أهل نجران ممن به ضر إلا أتاه واتبعه ودعا له فعوفي
فرفع شأنه إلى ملكم نجران فدعاه فقال له أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني لأمثلن بك فقال لا تقدر على ذلك
فجعله يرسله إلى الجبل الطويل فيلقى من رأسه فيقع على الأرض وليس به بأس فأرسله إلى مياه نجران وهي بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس فلما غلبه قال عبد الله بن تامر إنك لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن كما آمنت فإنكم إذا فعلت قتلتني فوحد الله الملك ثم ضربه بعصا بيده فشجه شجة غير كبيرة فقتله فهلك الملك مكانه واجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن التامر
قال فسار إليهم ذو نواس بجنوده فجمعهم ثم دعاهم إلى اليهودية وخيرهم بينها وبين القتل فاختاروا القتل فخذلهم الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف حتى قتل قريبا من عشرين ألفا وهم الذين أنزل الله فيهم قتل أصحاب الأخدود
وقال ابن عباس كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له ذو نواس واسمه يوسف بن شرحبيل وكان قبل مولد النبي بسبعين سنة وكان له ساحر حاذق فلما كبر قال للملك إني كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاما اسمه عبد الله بن التامر ليعلمه فجعل يختلف إلى الساحر وكان في طريقه راهب حسن القراءة فقعد إليه الغلام فأعجبه أمره فكان إذا جاء إلى المعلم يدخل إلى الراهب فيقعد عنده فإذا جاء من عنده المعلم ضربه وقال له ما الذي حبسك وإذا انقلب إلى أبيه دخل إلى الراهب فيضربه أبوه ويقول ما الذي أبطأ بك فشكا الغلام ذلك إلى الراهب فقال له إذا أتيت المعلم فقل حبسني أبي وإذا أتيت أباك فقل حبسني المعلم
وكان في ذلك البلد حية عظيمة قطعت طريق الناس فمر بها الغلام فرماها بحجر وقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتلتها فلما رماها قتلها وأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب إن لك لشأنا وإنك ستبتلي فإن ابتليت فلا تدلن علي
وصار الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي الناس وكان للملك ابن عم أعمى فسمع بالغلام وقتل الحية فقال ادع الله يرد علي بصري فقال الغلام إن رد الله عليك بصرك تؤمن به قال نعم قال اللهم إن كان صادقا فاردد عليه بصره
فعاد بصره ثم دخل على الملك فلما رآه تعجب منه وسأله فلم يخبره وألح عليه فدله على الغلام فجيء به فقال له لقد بلغ من سحرك ما أرى فقال أنا لا أشفي أحدا إنما يشفي الله من يشاء
فلم يزل يعذبه حتى دله على الراهب فجيء به فقيل ارجع عن دينك فأبى فأمر به فوضع المنشار على رأسه فشق نصفين ثم جيء بابن عم الملك فقال ارجع عن دينك فأبى فشقه قطعتين
ثم قال للغلام ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه وقال اذهبوا به إلى جبل كذا فإن رجع وإلا فاطرحوه من رأسه
فذهبوا به إلى الجبل فقال اللهم اكفنيهم فرجف بهم الجبل وهلكوا ورجع الغلام إلى الملك فسأله عن أصحابه فقال كفانيهم الله فغاظه ذلك وأرسله في سفينة إلى البحر ليلقوه فيه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم فغرقوا ونجا وجاء إلى الملك
فقال اقتلوه في السيف فضربوه فنبا عنه وفشا خبره في اليمن فأعظمه الناس وعلموا أنه على الحق فقال الغلام للملك إنك لن تقدر على قتلي إلا أن تجمع أهل مملكتك وترميني بسهم وتقول بسم الله رب الغلام ففعل ذلك فقتله
فقال الناس آمنا برب الغلام فقيل للملك قد نزل بك ما تحذر فأغلق أبواب المدينة وخد أخدودا وملأه نارا وعرض الناس فمن رجع عن دينه تركه ومن لم يرجع ألقاه في الأخدود فأحرقه
وكانت امرأة مؤمنة وكان لها ثلاثة بنين أحدهم رضيع فقال لها الملك ارجعي وإلا قتلتك أنت وأولادك فأبت فألقى ابنيها الكبيرين فأبت ثم أخذ الصغير ليلقيه فهمت بالرجوع قال لها الصغير
يا أماه لا ترجعي عن دينك لا بأس عليك
فألقاه وألقاها في أثره
وهذا الطفل أحد من تكلم صغيرا
قيل حفر رجل خربة بنجران في زمن عمر بن الخطاب فرأى عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه فإذا رفعت عنها يده جرت دما وإذا أرسلت يده ردها إليها وهو قاعد فكتب فيه إلى عمر فأمر بتركه على حاله
ذكر ملك الحبشة اليمن
ص 333
قيل لما قتل ذو نواس من قتل من أهل اليمن في الأخدود لأجل العود عن النصرانية أفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان حتى أعجز القوم فقدم على قيصر فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما فعل بهم فقال له قيصر بعدت بلادك عنا ولكن سأكتب إلى النجاشي ملك الحبشة وهو على هذا الدين وقريب منكم
فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره فأرسل معه ملك الحبشة سبعين ألفا وأمر عليهم رجلا يقال له أرياط وفي جنوده أبرهة الأشرم فساروا في البحر حتى نزلوا بساحل اليمن وجمع ذو نواس جنوده فاجتمعوا ولم يكن حرب غير أنه ناوش شيئا من قتال ثم انهزموا ودخلها أرياط فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه اقتحم البحر بفرسه فغرق
ووطئ أرياط اليمن فقتل ثلث رجالها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياهم ثم أقام بها وأذل أهلها
وقيل إن الحبشة لما خرجوا إلى المندب من أرض اليمن كتب ذو نواس إلى أقيال اليمن يدعوهم إلى الاجتماع على عدوهم فلم يجيبوه وقالوا يقاتل كل رجل عن بلاده فصنع مفاتيح وحملها على عدة من الإبل ولقي الحبشة وقال هذه مفاتيح خزائن الأموال باليمن فهي لكم ولا تقتلوا الرجال والذرية
فأجابوه إلى ذلك وساروا معه إلى صنعاء فقال لكبيرهم وجه أصحابك لقبض الخزائن فتفرق أصحابه ودفع إليهم المفاتيح وكتب إلى الأقيال بقتل كل ثور أسود فقتلت الحبشة ولم ينج منهم إلا الشريد
فلما سمع النجاشي جهز إليهم سبعين ألفا مع أرياط والأشرم فملك البلاد وأقام بها سنين ونازعه أبرهة الأشرم وكان في جنده فمال إليه طائفة منهم وبقي أرياط في طائفة وسار أحدهما إلى الآخر وأرسل أبرهة إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها على بعض شيئا فيهلكوا ولكن أبرز إلي فأينا قهر صاحبه استولى على جنده فتبارزا فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه فوقعت على رأسه فشرمت أنفه وعينه فسمي الأشرم وحمل غلام لأبرهة يقال له عتودة كان قد تركه كمينا من خلف أرياط على أرياط فقتله واستولى أبرهة على الجند والبلاد وقال لعتودة احتكم فقال لا تدخل عروس على زوجها من اليمن حتى أصيبها قبله فأجابه إلى ذلك فبقي يفعل بهم هذا الفعل حينا ثم عدا عليه إنسان من اليمن فقتله فسر أبرهة بقتله وقال لو علمت أنه يحتكم هذا لم أحكمه
ولما بلغ النجاشي قتل أرياط غضب غضبا شديدا وحلف لا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه ويجز ناصيته فبلغ ذلك أبرهة فأرسل إلى النجاشي من تراب اليمن وجز ناصيته وأرسلها أيضا وكتب إليه بالطاعة وإرسال شعره وترابه ليبر قسمه بوضع التراب تحت قدميه فرضي عنه وأقره على عمله
فلما استقر باليمن بعث إلى أبي مرة ذي يزن فأخذ زوجته ريحانة بنت ذي 20 . 0 جدن ونكحها فولدت له مسروقا وكانت قد ولدت لذي يزن ولدا اسمه معد يكرب وهو سيف فخرج ذو يزن من اليمن فقدم الحيرة على عمرو بن هند وسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا يعلمه محله وشرفة وحاجته فقال إني قد أفد إلى الملك كل سنة وهذا وقتها فأقام عنده حتى وفد معه ودخل إلى كسرى معه فأكرمه وعظمه وذكر حاجته وشكا ما يلقون من الحبشة واستنصره عليهم وأطمعه في اليمن وكثرة مالها
فقال له كسري أنوشروان إني لأحب أن اسعفك بحاجتك ولكن المسالك إليها صعبة وسأنظر وأمر بإنزاله فأقام عنده حتى هلك
ونشأ ابنه معد يكرب بن ذي يزن في حجرة أبره وهو يحسب أنه أبوه فسبه ابن لأبره وسب أباه فسأل أمه عن أبيه فصدقته وأقام حتى مات أبره وابنه يكسوم وسار عن اليمين ففعل ما نذكره إن شاء الله
ذكر ملك كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزد جرد بن بهرام جور بن
ص 335
لما لبس التاج خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكر ما ابتلوا به من فساد أمورهم ودينهم وأولادهم وأعلمهم أنه يصلح ذلك ثم أمر برؤوس المزدكية فقتلوا وقسمت أموالهم في أهل الحاجة وكان سبب قتلهم أن قباذا كان كما ذكرنا قد اتبع مزدك على دينه ما دعاه إليه وأطاعه في كل ما يأمره به من الزندقة وغيرها ذكرنا أيام قباذ وكان المنذر بن ماء السماء يومئذ عاملا على الحيرة ونواحيها فدعاه قباذ إلى ذلك فأبى فدعا الحارث بن عمرو الكندي فأجابه فسدد له ملكه وطرد المنذر عن مملكته وكانت أم أنوشروان يوما بين يدي قباذ فدخل عليه مزدك فلما رأى أم أنوشروان قال لقباذ ادفعها إلي لأقضي حاجتي منها فقال دونكها
فوثب إليه أنوشروان ولم يزل يسأله ويتضرع إليه حتى يهب له أمه حتى قبل رجله فتركها فكان ذلك في نفسه فهلك قباذ على تلك الحالة وملك أنوشروان فجلس للملك
ولما بلغ المنذر هلاك قباذ أقبل إلى أنوشروان وقد علم خلافه على أبيه في مذهبه واتباع مزدك فإن أنوشروان كان منكرا لهذا المذهب كارها له ثم إن أنوشروان أذن للناس أذنا عاما ودخل عليه مزدك ثم دخل عليه المنذر فقال أنوشروان إني كنت تمنيت أمنيتين أرجو أن يكون الله عز وجل قد جمعهما إلي فقال مزدك وما هي أيها الملك قال تمنيت أن أملك وأستعمل هذا الرجل الشريف يعني المنذر وأن أقتل هذه الزنادقة فقال مزدك أو تستطيع أن تقتل الناس كلهم فقال وإنك ههنا يا بن الزانية والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبلت رجلك إلى يومي هذا وأمر به فقتل وصلب وقتل منهم ما بين جازر إلى النهروان وإلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم وسمي يومئذ أنوشروان
وطلب أنوشروان الحارث بن عمرو فبلغه ذلك وهو بالأنبار فخرج هاربا في صحابته وماله وولده فمر بالنوبة فتبعه المنذر بالخيل من تغلب وإياد وبهراء فلحق بأرض كلب ونجا وانتهبوا ماله وهجائنه وأخذت بنو تغلب ثمانمية وأربعين نفسا من بني آكل المرار فقدموا بهم على المنذر فضرب رقابهم بحفر الأميال في ديار بني مرين العباديين بين دير بني هند والكوفة فذلك قول عمرو بن كلثوم
( فآبوا بالنهاب وبالسبايا % وابنا بالملوك مصفدينا )
وفيهم يقول امرؤ القيس
( ملوك من بني حجر بن عمرو % يساقون العشية يقتلونا )
( فلو في يوم معركة أصيبوا % ولكن في ديار بني مرينا )
( ولم تغسل جماجمهم بغسل % ولكن في الدماء مرملينا )
( تظل الطير عاكفة عليهم % وتنتزع الحواجب والعيونا )
ولما قتل أنوشروان مزدك وأصحابه أمر بقتل جماعة ممن دخل على الناس في أموالهم ورد الأموال إلى أهلها وأمر بكل مولود اختلفوا فيه أن يلحق بمن هو منهم إذا لم يعرف أبوه وأن يعطي نصيبا من ملك الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ مهرها من الغالب ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين فراقه إلا أن يكون لها زوج فترد إليه وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فأنكح بناتهم الأكفاء وجهزهن من بيت المال وأنكح نساءهم من الأشراف واستعان بأبنائهم في أعمالهم وعمر الجسور والقناطر وأصلح الخراب وتفقد الأساورة وأعطاهم وبنى في الطرق القصور والحصون وتخير الولاة والعمال والحكام واقتدى بسيرة أردشير وارتجع بلادا كانت مملكة الفرس منها السند وسندوست والرخج وزابلستان وطخارستان وأعظم القتل في النازور وأجلى بقيتهم عن بلاده واجتمع أبخز وبنجر وبلنجر واللان على قصد بلاده فقصدوا أرمينية للغارة على أهلها وكان الطريق سهلا فأمهلهم كسرى حتى توغلوا في البلاد وأرسل إليهم جنودا فقاتلوهم فأهلكوهم ما خلا عشرة ألاف رجل أسروا فاسكنوا أذربيجان وكان لكسرى أنوشروان ولد هو أكبر أولاده اسمه أنو شزاد فبلغه عنه أنه زنديق فسيره إلى جند يسابور وجعل معه جماعة يثق بدينهم ليصلحوا دينه وأدبه
فبينما هم عنده إذ بلغه خبر مرض والده لما دخل بلاد الروم فوثب بمن عنده فقتلهم وأخرج أهل السجون فاستعان بهم وجمع عنده جموعا من الأشرار فأرسل إليه نائب أبيه بالمدائن عسكرا فحاصروه بجند يسابور وأرسل الخبر إلى كسرى فكتب إليه يأمره بالجد في أمره وأخذه أسيرا فاشتد الحصار حينئذ عليه ودخل العساكر المدينة عنوة فقتلوا بها خلقا كثيرا وأسروا أنو شزاد فبلغه خبر جده لأمه الداور الرازي فوثب بعامل سجستان وقاتله فهزمه العامل فالتجأ إلى مدينة الرخج وامتنع بها ثم كتب إلى كسرى يعتذر ويسأله أن ينفذ إليه من يسلم له البلد ففعل وآمنه وكان الملك فيروز قد بنى بناحية صول واللان بناء يحصن به بلاده وبنى عليه ابنه قباذ زيادة فلما ملك كسرى أنوشروان بنى في ناحية صول وجرجان بناء كثيرا وحصونا حصن بها بلاده جميعها وأن سيجيور خاقان قصد بلاده وكان أعظم الترك واستمال الخزر وأبخز وبلنجر فاطاعوه فأقبل في عدد كثير وكتب إلى كسرى يطلب منه الاتاوة ويتهدده ان لم يفعل فلم يجبه كسرى إلى شيء مما طلب لتحصين بلاده وأن ثغر أرمينية قد حصنه فصار يكتفي بالعدد اليسير فقصد خاقان بلاده فلم يقدر على شيء منها وعاد خائبا وهذا خاقان هو الذي قتل وزر ملك الهياطلة وأخذ كثيرا من بلادهم
ذكر ملك كسرى بلاد الروم
ص 337
كان بين كسرى أنوشروان وبين غطيانوس ملك الروم هدنة فوقع بين رجل من العرب كان ملكه غطيانوس على عرب الشام يقال له خالد بن جبلة وبين رجل لخم كان ملكه كسرى على عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز يقال له المنذر بن النعمان فتنة فاغار خالد على ابن النعمان فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة وغنم أمواله فكتب كسرى إلى غطيانوس يذكره ما بينهما من العهد والصلح ويعلمه ما لقي المنذر من خالد وسأله أن يأمر خالدا برد ما غنم إلى المنذر ويدفع له دية من قتل من أصحابه وينصفه من خالد وأنه إن لم يفعل انتقض الصلح ووالى الكتب إلى غطيانوس في إنصاف المنذر فلم يحفل له فاستعد كسرى وغزا بلاد غطيانوس في بضعة وسبعين ألفا وكان طريقه على الجزيرة فأخذ مدينة دارا ومدينة الرها وعبر إلى الشام فملك منبج وحلب وأنطاكية وكانت أفضل مدائن الشام وفامية وحمص ومدنا كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوة واحتوى على ما فيها من الأموال والعروض وسبى أهل مدينة أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جانب مدينة طيسفون على بناء مدينة أنطاكية وأسكنهم إياها وهي التي تسمى الرومية وكور لها خمسة طساسيج طوسج النهروان الأعلى وطوسج النهروان الأوسط وطوسج النهروان الأسفل وطوسج بادرايا وطوسج باكسايا وأجرى على السبي الذين نقلهم إليها من أنطاكية الأرزاق وولى القيام بأمرهم رجلا من نصارى الأهواز ليستانسوا به لموافقته في الدين
وأما سائر مدن الشام ومصر فإن غطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه وضمن له فدية يحملها إليه كل سنة على أن لا يغزو بلاده فكانوا يحملونها كل عام وسار أنوشروان من الروم إلى الخزر فقتل منهم وغنم وأخذ منهم بثأر رعيته ثم قصد اليمن فقتل فيها وغنم وعاد إلى المدائن وقد ملك ما دون هرقلة وما بينه وبين البحرين وعمان وملك النعمان بن المنذر على الحيرة وأكرمه وسار نحو الهياطلة ليأخذ بثأر جده فيروز وكان أنوشروان قد صاهر خاقان قبل ذلك ودخل كسرى بلادهم فقتل ملكهم واستأصل أهل بيته وتجاوز بلخ وما وراء النهر وأنزل جنوده فرغانة ثم عاد إلى المدائن وغزا البرجان ثم رجع وأرسل جنوده إلى اليمن فقتلوا الحبشة وملكوا البلاد
وكان ملكه ثمانيا وأربعين سنة وقيل سبعا وأربعين سنة
وكان مولد رسول الله في آخر ملكه
وقيل ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله لأربع وعشرين سنة مضت من ملك أنوشروان وولد رسول الله سنة اثنين وأربعين من ملكه
قال هشام بن الكلبي ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان سبع سنين
ثم ملك بعده النعمان بن الأسود أربع سنين ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي اللخمي ثلاث سنين ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء ولقب ذا القرنين لضفيرتين كانتا له وأمه ماء السماء وهي ماوية ابنة عمرو بن جشم بن النمر بن قاسط تسعا وأربعين سنة ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر ست عشرة سنة قال ولثماني سنين وثمانية أشهر من ولايته ولد النبي وذلك أيام أنوشروان عام الفيل فلما دات لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند وهي أرض الجوهر قائدا من قواده في جند كثيف فقاتل ملكها فقتله واستولى عليها وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجواهر كثيرة ولم يكن ببلاد الفرس بنات آوى فجاءت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان فشق عليه ذلك وأحضره موبذان وقال له قد بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا وقد تعاظمنا ذلك فأخبرنا برأيك فيها
فقال سمعت فقهاءنا يقولون متى لم يغلب العدل الجور في البلاد بل جار أهلها غزاهم أعداؤهم وأتاهم ما يكرهون
فلم يلبث كسرى أن أتاه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده فأمر وزراءه وعماله أن لا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل ولا يعلموا في شيء منها إلا به ففعلوا ما أمرهم فصرف الله ذلك عنهم من غير حرب
ذكر ما فعله أنوشروان بأرمينية وأذربيجان
ص 339
كانت أرمينية وأذربيجان بعضها للروم وبعضها للخزر فبنى قباذ سورا مما يلي بعض تلك الناحية فلما توفي وملك ابنه أنوشروان وقوى أمره وغزا فرغانة والبرجان وعاد بني مدينة الشابران ومدينة مسقط ومدينة الباب والأبواب وإنما سميت أبوابا لأنها بنيت على طريق في الجبل وأسكن المدن قوما سماهم السياسجين وبنى غير هذه المدن وبنى لكلك باب قصرا من حجارة وبنى بأرض جرزان مدينة سغدبيل وانزلها السغد وابناء فارس وبنى باب اللان وفتح جميع ما كان بأيدي الروم من أرمينية وعمر مدينة أردبيل وعدة حصون وكتب إلى ملك الترك يسأله الموادعة والاتفاق ويخطب إليه ابنته ورغب في صهره وتزوج كل واحد بابنة الآخر فأما كسرى فإنه أرسل إلى خاقان ملك الترك بنتا كانت قد تبنتها بعض نسائه وذكر أنها ابنته وأرسل ملك الترك ابنته واجتمعا فأمر أنوشروان جماعة من ثقاته أن يكسبوا طرفا من عسكر الترك ويحرقوا فيه ففعلوا فلما أصبحوا شكاله ملك الترك ذلك فأنكر أن يكون له علم به ثم أمر بمثل ذلك بعد ليال فضج التركي فرفق به أنوشروان فاعتذر إليه ثم أمر أنوشروان أن تلقى النار في ناحية من عسكره فيها أكواخ من حشيش فلما أصبح شكا إلى التركي وقال كافأتني بالتهمة فحلف التركي إنه لم يعلم بشيء من ذلك
فقال أنوشروان له ان جندنا قد كرهوا صلحنا لانقطاع العطاء والغارات ولا آمن أن يحدثوا حدثا يفسد قلوبنا فنعود إلى العداوة والرأي ان تأذن لي في بناء سور يكون بيني وبينك نجعل عليه أبوابا فلا يدخل إليك إلا من تريده ولا يدخل إلينا إلا من نريده فأجابه إلى ذلك وبنى أنوشروان السور من البحر وألحقه برؤوس الجبال وعمل عليه أبواب الحديد ووكل به من يحرسه فقيل لملك الترك إنه خدعك وزوجك غير ابنته وتحصن منك فلم تقدر له على حيلة
وملك أنوشروان ملوكا رتبهم على النواحي فمنهم صاحب السرير وفيلان شاه واللكز ومسقط وغيرها
ولم تزل أرمينية بأيدي الفرس حتى ظهر الإسلام فرفض كثير من السياسجين حصونهم ومدائنهم حتى خربت واستولى عليها الخزر والروم وجاء الإسلام وهي كذلك
ذكر أمر الفيل
ص 341
لما دام ملك أبرهة باليمن وتمكن به بني القليس بصنعاء وهي كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض ثم كتب إلى النجاشي إني قد بنيت لك كنيسة لم ير مثلها ولست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب
فلما تحدثت العرب بذلك غضب رجل من النساة من بني فقيم فخرج حتى أتاها فقعد فيها وتغوط ثم لحق بأهله فأخبر بذلك أبرهة وقيل له إنه فعل رجل من أهل البيت الذي تحجه العرب بمكة غضب لما سمع أنك تريد صرف الحجاج عنه ففعل هذا فغضب أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه وأمر الحبشة فتجهزت وخرج معه بالفيل واسمه محمود وقيل كان معه ثلاثة عشر فيلا وهي تتبع محمودا وإنما وحد الله سبحانه الفيل لأنه عنى كبيرها محمودا وقيل في عددهم غير ذلك
فلما سار سمعت العرب به فأعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم فخرج عليه رجل من أشراف اليمن يقال له ( ذونفر ) وقاتله فهزم ذونفر وأخذ أسيرا فأراد قتله ثم تركه محبوسا عنده ثم مضى على وجهه فخرج عليه نفيل بن حبيب الخثعمي فقاتله فانهزم نفيل وأخذ أسيرا فضمن لأبرهة أن يدله على الطريق فتركه وسار حتى إذا مر على الطائف بعثت معه ثقيف ( أبارغال ) يدله على الطريق حتى أنزله بالمغمس فلما نزله مات أبو رغال فرجمت العرب قبره فهو القبر الذي يرجم
وبعث أبرهة الأسود بن مقصود إلى مكة فساق أموال أهلها وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ثم أرسل أبرهة حناطة الحميري إلى مكة فقال سل عن سيد قريش وقل له إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تمنعوا عنه فلا حاجة لي بقتالكم
فلما بلغ عبد المطلب ما أمره قال له والله ما نريد حربه هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه فهو يمنع بيته وحرمه وأن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا من دفع فقال له إنطلق معي إلى الملك فانطلق معه عبد المطلب حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا فدل عليه وهو في محبسه فقال له هل عندك غناء فيما نزل بنا
فقال وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله ولكن أنيس سائس الفيل صديق لي فاوصيه بك وأعظم حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد ويشفع لك عنده إن قدر قال حسبي
فبعث ذونفر إلى أنيس فحضره وأوصاه بعبد المطلب وأعلمه أنه سيد قريش فكلم أنيس أبرهة وقال هذا سيد قريش يستأذن فأذن له وكان عبد المطلب رجلا عظيما جليلا وسيما فلما رآه أبرهة اجله وأكرمه ونزل عن سريره إليه وجلس معه على بساط وأجلسه إلى جانبه وقال لترجمانه قل له ما حاجتك فقال له الترجمان ذلك فقال عبد المطلب حاجتي أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي فقال أبرهة لترجمانه قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في إبلك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه
قال عبد المطلب أنا رب الإبل وللبيت رب يمنعه قال ما كان ليمنع مني وأمر برد إبله فلما أخذها قلدها وجعلها هديا وبثها في الحرم كي يصاب منها شيء فيغضب الله
وانصرف عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج معه من مكة والتحرز في رؤوس الجبال خوفا من معرة الجيش
ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة
( يا رب لا أرجو لهم سواكا % يا رب فامنع منهم حماكا )
( إن عدو البيت من عاداكا % امنعهم أن يخربوا فناكا )
وقال أيضا
( لآهم إن العبد يمنع % رحله فامنع رحالك )
( لا يغلبن صليبهم % ومحالهم عدوا محالك )
( ولأن فعلت فإنه % أمر تتم به فعالك )
( أنت الذي إن جاء باغ % نرتجيك له فذالك )
( ولوا ولم يحووا سوى % خزى وتهلكهم هنالك )
( لم أستمع يوما بارجس % منهم يبغوا قتالك )
( جروا جموع بلادهم % والفيل كي يسبوا عيالك )
( عمدوا حماك بكيدهم % جهلا وما رقبوا جلالك )
( إن كنت تاركهم % وكعبتنا فامر ما بدالك )
ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما يفعل أبرهة بمكة إذا دخل فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وعبى جيشه وهيأ فيله وكان اسمه محمودا وأبرهة مجمع لهدم البيت والعود إلى اليمن فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي فمسك بأذنه وقال ارجع محود ارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام
ثم أرسل أذنه فألقى الفيل نفسه إلى الأرض واشتد نفيل فصعد الجبل فضربوا الفيل فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل كذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فسقط إلى الأرض
وأرسل الله عليهم طيرا أبابيل من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار تحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه فقذفتهم بها وهي مثل الحمص والعدس لا تصيب أحدا منهم إلا هلك وليس كلهم أصابت وأرسل الله سيلا ألقاهم في البحر وخرج من سلم مع أبرهة هاربا يبتدرون الطريق الذي جاؤوا منه ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته
( أين المفر والإله الطالب % والأشرم المغلوب غير الغالب )
وقال أيضا
( ألا حييت عنا يا ردينا % نعمناكم مع الأصباح عينا )
( أتانا قابس منكم عشاء % فلم يقدر لقابسكم لدينا )
( ردينة لو رأيت ولا تريه % لدى جنب المحصب ما رأينا )
( إذا لعذرتني وحمدت رأيي % ولم تأس لما قد فات بينا )
( حمدت الله إذ عاينت طيرا % وخفت حجارة تلقى علينا )
( وكل القوم يسأل عن نفيل % كأن علي للحبشان دينا )
فخرجوا يتساقطون بكل منهل وأصيب أبرهة في جسده فسقطت أعضاؤه عضوا عضوا حتى قدموا به صنعام وهو مثل الفرخ فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه
فلما هلك ملك ابنه يكسوم بن أبرهة وبه كان يكنى وذلك حمير واليمن له ونكحت الحبشة نساءهم وقتلوا رجالهم واتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب
ولما أهلك الله الحبشة وعاد ملكهم ومعه من سلم منهم ونزل عبد المطلب من الغد إليهم لينظر ما يصنعون ومعه أبو مسعود الثقفي لم يسمعا حسا فدخل معسكرهم فرأيا القوم هلكى فاحتفر عبد المطلب حفرتين ملأهما ذهبا وجوهرا له ولأبي مسعود ونادى في الناس فتراجعوا فأصابوا من فضلهما شيئا كثيرا فبقي عبد المطلب في غنى من ذلك المال حتى مات وبعث الله السيل فألقى الحبشة في البحر
وقال كثير من أهل السير إن الحصبة والجدري أول ما رؤيا في العرب بعد الفيل وكذلك قالوا إن العشر والحرمل والشيخ لم تعرف بأرض العرب إلا بعد الفيل
وهذا ما لا ينبغي أن يعرج عليه فإن هذه الأمراض والأشجار قبل الفيل مذ خلق الله العالم ولما رد الله الحبشة عن الكعبة وأصابهم ما أصابهم عظمت العرب قريشا وقالوا أهل الله قاتل عنهم
ثم مات يكسوم وملك بعده أخوه مسروق
ذكر عود اليمن إلى حمير وإخراج الحبشة عنه
ص 345
لما هلك يكسوم ملك اليمن أخوه مسروق بن أبرهة وهو الذي قتله وهرز فلما اشتد البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن وكنيته أبو مرة وقيل كنية ذي يزن أبو مرة حتى قدم على قيصر وتنكب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه فإذا كان قصد كسرى أنوشروان لما أخذت زوجته يستنصره على الحبشة فوعده فأقام ذو يزن عنده فمات على بابه وكان ابنه سيف مع أمه في حجر أبرهة وهو يحسب أنه ابنه فسبه ولد لأبرهة وسب أباه فسأل أمه عن أبيه فأعلمته خبره بعد مراجعة بينهما فأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم ثم سار إلى الروم فلم يجد عند ملكهم ما يحب لموافقته الحبشة في الدين فعاد إلى كسرى فاعترضه يوما وقد ركب فقال له إن لي عندك ميراثا فدعابه كسرى لما نزل فقال له من أنت وما ميراثك
قال أنا ابن الشيخ اليماني الذي وعدته النصرة فمات ببابك فتلك العدة حق لي وميراث فرق كسرى له وقال له بعدت بلادك عنا وقيل خيرها والمسلك إليها وعر ولست أغرر بجيشي وأمر له بمال فخرج وجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فسمع كسرى فسأله ما حمله على ذلك فقال لم آتك للمال وإنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل والهوان وإن جبال بلادنا ذهب وفضة فأعجب كسرى بقوله وقال يظن المسكين أنه أعرف ببلاده مني
واستشار وزراءه في توجيه الجند معه فقال له موبذان موبذ أيها الملك إن لهذا الغلام حقا بنزوعه إليك وموت أبيه ببابك وما تقدم من عدته بالنصرة وفي سجونك رجال ذوو نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن أصابوا ظفرا كان للملك وإن هلكوا فقد استراح وأراح أهل مملكته منهم
فقال كسرى هذا الرأي فأمر بمن في السجون فأحضروا فكانوا ثمانمائة فقود عليهم قائدا من أساورته يقال له وهرز وقيل بل كان من أهل السجون سخط عليه كسرى لحدث أحدثه فحبسه وكان يقيد بألف أسوار وأمر بحملهم في ثمان سفن فركبوا البحر فغرق سفينتان وخرجوا بساحل حضرموت ولحق بابن ذي يزن بشر كثير وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب وجعل وهرز البحر وراء ظهره وأحرق السفن لئلا يطمع أصحابه في النجاة وأحرق كل ما معهم من زاد وكسوة إلا ما أكلوا وما على أبدانهم وقال لأصحابه إنما أحرقت ذلك لئلا يأخذه الحبشة إن ظفروا بكم وإن نحن ظفرنا بهم فسنأخذ أضعافه فإن كنتم تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي حتى يخرج من ظهري فانظروا ما حالكم إذا فعل رئيسكم هذا بنفسه قالوا بل نقاتل معك حتى نموت أو نظفر وقال لسيف بن ذي يزن ما عندك قال ما شئت من رجل عربي وسيف عربي ثم اجعل رجلي حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا قال أنصفت فجمع إليه سيف من استطاع من قومه فكان أول من لحقه السكاسك من كندة وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده فعبى وهرز أصحابه وأمرهم أن يوتروا قسيهم وقال إذا أمرتكم بالرمي فارموا رشقا
وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه وهو على فيل وعلى رأسه تاج وبين عينيه ياقوته حمراء مثل البيضة لا يرى دون الظفر شيئا وكان وهرز كل بصره فقال أروني عظيمهم فقالوا هذا صاحب الفيل ثم ركب فرسا فقالوا ركب فرسا ثم انتقل إلى بغلة فقالوا ركب بغلة فقال وهرز ارفعوا لي حاجبي وكانا قد سقطا على عينيه من الكبر فرفعوهما لها بعصابة ثم جعل نشابة في كبد قوسه وقال أشيروا إلى مسروق فأشاروا إليه فقال لهم سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتموهم قد استداروا ولاذوا به فقد أصبته فاحملوا عليهم ثم رماه فأصاب السهم بين عينيه ورمى أصحابه فقتل مسروق وجماعة من أصحابه فاستدارت الحبشة بمسروق وقد سقط عن دابته وحملت الفرس عليهم فلم يكن دون الهزيمة شيء وغنم الفرس من عسكرهم مالا يحد ولا يحصى وقال وهرز كفوا عن العرب واقتلوا السودان ولا تبقوا منهم أحدا
وهرب رجل من الأعراب يوما وليلة ثم التفت فرأى في جعبته نشابة فقال لأمك الويل أبعد طول مسير وسار وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وأرسل عماله في المخاليف وكان مدة ملك الحبشة اليمن اثنتين وسبعين سنة توارثت ذلك منهم أربعة ملوك ثم أبرهة ثم ابنه يكسوم ثم مسروق بن أبرهة وقيل كان ملكهم نحو اثنين وثلاثين سنة وقيل غير ذلك والأول أصح
فلما ملك وهرز اليمن أرسل إلى كسرى يعلمه بذلك وبعث إليه بأموال وكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن وبعضهم يقول معد بن يكرب بن سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها وفرض عليه كسرى جزية وخراجا معلوما في كل عام فملكه وهرز وانصرف إلى كسرى
وأقام سيف على اليمن ملكا يقتل الحبشة ويبقر بطون الحبالى عن الحمل ولم يترك منهم إلا القليل جعلهم خولا فاتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بالحراب فمكث غير كثير ثم إنه خرج يوما والحبشة يسعون بين يديه بحرابهم فضربوه بالحراب حتى قتلوه فكان ملكه خمس عشرة سنة ووثب بهم رجل من الحبشة فقتل باليمن وأفسد فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف فارس وأمره أن لا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود ومن شرك فيه أسود قتله وأقبل حتى دخل اليمن ففعل ما أمره وكتب إلى كسرى يخبره فأقره على ملك اليمن فكان يجيبها لكسرى حتى هلك وأمر بعده كسرى ابنه المرزبان بن وهرز حتى هلك ثم أمر بعده كسرى التينجان بن المرزبان ثم أمر بعده حرحرة بن التينجان بن المرزبان ثم إن كسرى ابرويز غضب عليه فأحضره من اليمن فلما قدم تلقاه رجل من عظماء الفرس فألقى عليه سيفا كان لأبي كسرى فأجاره كسرى بذلك من القتل وعزله عن اليمن وبعث باذان إلى اليمن فلم يزل عليها حتى بعث الله نبيه محمدا وقيل إن أنوشروان استعمل بعد وهرززرين وكان مسرفا إذا أراد أن يركب قتل قتيلا ثم سار بين أوصاله فمات أنوشروان وهو على اليمن فعزله ابنه هرمز وقد اختلفوا في ولاة اليمن للأكاسرة اختلافا كثيرا لم أر لذكره فائدة
ذكر ما أحدثه قريش بعد الفيل
ص 347
لما كان من أمر أصحاب الفيل ما ذكرناه عظمت قريش عند العرب فقالوا لهم أهل الله وقطنه يحامي عنهم فاجتمعت قريش بينها وقالوا نحن بنو إبراهيم عليه السلام وأهل الحرم وولاة البيت وقاطنو مكة فليس لأحد من العرب مثل منزلتنا ولا يعرف العرب لأحد مثل ما يعرف لنا فهلموا فلنتفق على ائتلاف أننا لا نعظم شيئا من الحل كما يعظم الحرم فإننا إذا فعلنا ذلك استخفت العرب بنا وبحرمنا وقالوا قد عظمت قريش من الحل مثل ما عظمت من الحرم فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج دين إبراهيم ويرى سائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها وقالوا نحن أهل الحرم فلا نعظم غيره ونحن الحمس وأصل الحماسة الشدة أنهم تشددوا في دينهم وجعلوا لمن ولد واحدة من نسائهم من العرب ساكني الحل مثل مالهم بولادتهم ودخل معهم في ذلك كنانة وخزاعة وعامر لولادة لهم
ثم ابتدعوا فقالوا لا ينبغي للحمس أن يعملوا الأقط ولا يسلؤا السمن وهم حرم ولا يدخلوا بيتا من شعر ولا يستظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما وقالوا ولا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحل في الحرم إذا جاؤوا حجاجا أو عمارا ولا يطوفوا بالبيت طوافهم إذا قدموا إلا في ثياب الحمس فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة فإن أنف أحد من عظمائهم أن يطوف عريانا إذا لم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه ألقاها إذا فرغ من الطواف ولا يمسها هو ولا أحد غيره وكانوا يسمونها اللقى فدانت العرب لهم بذلك فكانوا يطوفون كما شرعوا لهم ويتركون أزوادهم التي جاؤوا بها من الحل ويشترون من طعام الحرم ويأكلونه هذا في الرجال وأما في النساء فكانت المرأة تضع ثيابها كلها إلا درعها مفرجا ثم تطوف فيه وتقول
( اليوم يبدو بعضه أو كله % وما بدا منه فلا أحله )
فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا فنسخه فأفاض من عرفات وطاف الحجاج بالثياب التي معهم من الحل وأكلوا من طعام الحل في الحرم أيام الحج وأنزل الله تعالى في ذلك ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم أراد بالناس العرب أمر قريشا أن يفيضوا من عرفات وأنزل الله تعالى في اللباس والطعام الذي من الحل وتركهم إياه في الحرم يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا إلى قوله لقوم يعلمون
ذكر حلف المطيبين والأحلاف
ص 349
قد ذكرنا ما كان قصي أعطى ولده عبد الدار من الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء ثم إن هاشما وعبد شمس والمطلب ونوفلا بني عبد المناف بن قصي رأوا أنهم أحق بذلك من بني عبد الدار لشرفهم عليه ولفضلهم في قومهم وأرادوا أخذ ذلك منهم فتفرقت عند ذلك قريش كانت طائفة مع بني عبد المناف وطائفة مع بني عبد الدار يرون أنه لا يجوز أن يؤخذ منهم ما كان قصي جعله لهم إذ كان أمر قصي فيهم شرعا متبعا معرفة منهم لفضله وتيمنا بأمره
وكان صاحب أمر بني عبد مناف بن قصي عبد شمس لأنه كان أكبرهم وكان صاحب بني عبد الدار الذي قام في المنع عنهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار فاجتمع بنو أسد بن عبد العزي بن قصي وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم بن مرة وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر مع بني عبد مناف واجتمع بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي بن كعب مع بني عبد الدار وخرجت عامر بن لؤئ ومحارب بن فهر من ذلك فلم يكونوا مع أحد الفريقين
وعقد كل طائفة بينهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة فأخرجت بنو عبد مناف بن قصي جفنة مملوؤة طيبا قيل إن بعض نساء عبد مناف أخرجتها لهم فوضعوها في المسجد وغمسوا أيديهم فيها وتعاهدوا وتعاقدوا ومسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم فسموا بذلك المطيبين
وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم من القبائل عند الكعبة على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا فسموا الأحلاف ثم تصافوا للقتال وأجمعوا على الحرب فبينما هم على ذلك إذ تداعوا للصلح على أن يعطوا بني عبد المناف السقاية والرفادة وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار فاصطلحوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك وتحاجزوا عن الحرب وثبت كل قوم مع من حالفوا حتى جاء الإسلام وهم على ذلك فقال رسول الله ( ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ولا حلف في الإسلام فولى السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف لأن عبد شمس كان كثير الأسفار قليل المال كثير العيال وكان هاشم موسرا جوادا وكان ينبغي أن نذكر هذا قبل الفيل وما أحدثته قريش وإنما أخرناه للزوم تلك الحوادث بعضها ببعض
ذكر ما فعله كسرى في أمر الخراج والجند
ص 351
كان ملوك الفرس يأخذون من غلات كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها من بعضها الثلث ومن بعضها الربع وكذلك الخمس والسدس على قدر شربها وعمارتها ومن الجزية شيئا معلوما فأمر الملك قباذ بمسح الأرضين ليصح الخراج عليها فمات قبل الفراغ من ذلك فلما ملك أنوشروان أمر باستتمام ذلك ووضع الخراج على الحنطة والشعير والكرم والرطب والنخل والزيتون والأرز على كل نوع من هذه الأنواع شيئا معلوما ويؤخذ في السنة ثلاثة أنجم ( وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب ) وكتب كسرى إلى القضاة في البلاد نسخة بالخراج ليمتنع العمال من الزيادة عليه وأمر أن يوضع عمن أصابت غلته جائحة بقدر جائحته وألزموا الناس الجزية ما خلا العظماء وأهل البيوتات والجند والهرابذة والكتاب ومن في خدمة الملك كل إنسان على قدره اثني عشر درهما وثمانية دراهم وستة دراهم وأربعة دراهم وأسقطها عمر عمن لم يبلغ عشرين سنة أو جاوز خمسين سنة
ثم إن كسرى ولى رجلا من الكتاب من الكفاة والنبلاء اسمه ( بابك ) عرض جيشه فطلب من كسرى التمكن من شغله إلى ذلك فتقدم ببناء مصطبة موضع عرض الجيش وفرشها ثم نادى أن يحضر الجند بسلاحهم وكراعهم للعرض فحضروا فحيث لم ير معهم كسرى أمرهم بالانصراف فعل ذلك يومين ثم أمر فنودي في اليوم الثالث أن لا يتخلف أحد ولا من أكرم بتاج فسمع كسرى فحضر وقد لبس التاج والسلاح ثم أتى بابك ليعرض عليه فرأى سلاحه تاما ما عدا وترين للقوس كان عادتهم أن يستظهروا بهما فلم يرهما بابك معه فلم يجز على اسمه وقال له هلم كلما يلزمك فذكر كسرى الوترين فتعلقهما ثم نادى منادى بابك وقال للكمي السيد سيد الكماة أربعة آلاف درهم وأجاز على اسمه فلما قام عن مجلسه حضر عند كسرى يعتذر إليه من غلظته عليه وذكر له أن أمره لا يتم ألا بما فعل فقال كسرى ما غلظ علينا أمر نريد به إصلاح دولتنا
ومن كلام كسرى الشكر والنعمة عدلان ككفتي الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخف إلى أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه فإذا كانت النعم كثيرة والشكر قليلا انقطع الحمد فكثير النعم يحتاج إلى كثير من الشكر وكلما زيد في الشكر ازدادت النعم وجاوزته ونظرت في الشكر فوجدت بعضه بالقول وبعضه بالفعل ونظرت أحب الأعمال إلى الله فوجدته الشيء الذي أقام به السموات والأرض وأرسى به الجبال وأجرى به الأنهار وبرأ به البرية وهو الحق والعدل فلزمته ورأيت ثمرة الحق والعدل عمارة البلدان التي بها قوام الحياة للناس والدواب والطير وجميع الحيوانات
ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء لأهل العمارة وأهل العمارة أجراء للمقاتلة فأما المقاتلة فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم من ورائهم فحق على أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم فإن العمارة والأمن والسلامة في النفس والمال لا يتم إلا بهم
ورأيت أن المقاتلة لا يتم لهم المقام والأكل والشرب وتثمير الأموال والأولاد إلا بأهل الخراج والعمارة فأخذت للمقاتلة من أهل الخراج ما يقوم بأودهم وتركت على أهل الخراج من مستغلاتهم ما يقوم بمؤنتهم وعمارتهم ولم أجحف بواحدة من الجانبين ورأت المقاتلة وأهل الخراج كالعينين المبصرتين واليدين المتساعدتين والرجلين على أيهما دخل الضرر تعدى إلى الأخرى ونظرنا في سير آبائنا فلم نترك منها شيئا يقترن بالثواب من الله والذكر الجميل بين الناس والمصلحة الشاملة للجند والرعية إلا اعتمدناه ولا فسادا إلا أعرضنا عنه ولم يدعنا إلى حب ما لا خير فيه حب الآباء ونظرت في سير أهل الهند والروم وأخذنا محمودها ولم تنازعنا أنفسنا إلى ما تميل إليه أهواؤنا وكتبنا بذلك إلى جميع أصحابنا ونوابنا في سائر البلدان
فانظر إلى هذا الكلام الذي يدل على زيادة العلم وتوفر العقل والقدرة على منع النفس ومن كان هذا حاله استحق أن يضرب به المثل في العدل إلى أن تقوم الساعة
وكان لكسرى أولاد متأدبون فجعل الملك من بعده لابنه هرمز وكان مولد رسول الله عام الفيل وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملكه وفي هذا العام كان يوم ذي جبلة وهو يوم من أيام العرب المذكورة
ذكر مولد رسول الله
ص 354
قال قيس بن مخرمة وقباث بن أشيم وابن عباس وابن إسحاق إن رسول الله ولد عام الفيل
قال ابن الكلبي ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله لأربع وعشرين سنة مضت من سلطان كسرى أنوشروان وولد رسول الله سنة اثنتين وأربعين من سلطانه وأسله الله تعالى لمضى اثنتين وعشرين من ملك كسرى أبرويز بن كسرى هرمز بن كسرى أنوشروان وهاجر لاثنتين وثلاثين سنة مضت من ملك أبرويز
قال ابن إسحاق ولد رسول الله يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول وكان مولده بالدار التي تعرف بدار ابن يوسف قيل إن رسول الله وهبها عقيل بن أبي طالب فلم تزل في يده حتى توفي فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج فبنى داره التي يقال لها دار ابن يوسف وادخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته الخيزران فجعلته مسجدا يصلى فيه وقيل ولد لعشر خلون منه وقيل لليلتين خلتا منه
قال ابن إسحاق إن آمنة ابنة وهب أم رسول الله كانت تحدث أنها أتيت في منامها لما حملت برسول الله فقيل لها إنك حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع بالأرض قولي
أعيذ بالواحد من شر كل حاسد
ثم سميه محمدا ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه
وقال عثمان بن أبي العاص حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة ابنة وهب رسول الله فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور وإني لانظر النجوم لتدنو حتى أني لأقول لتقعن علي
رضاعته صلى الله
ص 355
وأول من أرضع رسول الله ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابن له يقال له مسروح وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي فكانت ثويبة تأتي رسول الله بمكة قبل أن يهاجر فيكرمها وتكرمها خديجة فأرسلت إلى أبي لهب أن يبيعها إياها لتعتقها فأبى فلما هاجر رسول الله إلى المدينة أعتقها أبو لهب فكان رسول الله يبعث إليها بالصلة إلى أن بلغه خبر وفاتها منصرفة من خيبر فسأل عن ابنها مسروح فقيل توفي قبلها فسأل هل لها من قرابة فقيل لم يبق لها أحد
ثم أرضعت رسول الله بعد ثويبة حليمة بنت أبي ذؤيب واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة من بني سعد بن بكر بن هوازن واسم زوجها الذي أرضعته بلبنه الحارث بن عبد العزى واسم إخوته من الرضاعة عبد الله وأنيسة وجذامة وهي الشيماء عرفت بذلك وكانت الشيماء تحضنه مع أمها حليمة
وقدمت حليمة على رسول الله بعد أن تزوج خديجة فاكرمها ووصلها وتوفيت قبل فتح رسول الله مكة فلما فتح مكة قدمت عليها أخت لها فسألها عنها فأخبرته بموتها فذرفت عيناه فسألها عمن خلفت فأخبرته فسألته نحلة وحاجة فوصلها
وقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كانت حليمة السعدية تحدث أنها خرجت من بلدها مع نسوة يلتمسن الرضعاء وذلك في سنة شهباء لم تبق شيئا قالت فخرجت على أتان لنا قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معي من بكائه من الجوع وما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذوه ولكنا نرجو الغيث والفرج فلقد أدمت أتاني بالركب حتى شق عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم فما عسى أن تصنع أمه وجده فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري
فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي وكان معي إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال افعلى فعسى أن الله يجعل لنا فيه بركة قالت فذهبت فأخذته فلما أخذته ووضعته في حجري أقبل عليه ثدياي ما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما وما كان ابني ينام قبل ذلك وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا أنها حافل فحلب منها ثم شرب حتى روي ثم سقاني فشربت حتى شبعنا قالت ثم خرجنا يقول لي صاحبي تعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة قلت والله لأرجو ذلك قالت ثم خرجنا فركبت أتاني وحملته عليها فلم يلحقني شيء من حميرهم حتى إن صواحبي يقلن لي يا ابنه أبي ذؤيب أربعي علينا أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول بلى والله لهي فيقلن إن لها شأنا ثم قدمنا منازلنا من بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا من بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة ولا يجدها في ضرع حتى إن كان الحاضر من قومنا ليقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة من لبن وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف البركة من الله والزيادة في الخير حتى مضت سنتان وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه كتى كان غلاما جفرا فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه عندنا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه في تركه عندنا فأجاباب
قالت فرجعنا به فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه ذلك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاه وشقا بطنه وهما يسوطانه قالت فخرجنا نشتد فوجدناه قائما منتقعا وجهه قالت فالتزمته أنا وأبوه وقلنا له ما لك يا بني قال جاءني رجلان فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا به شيئا لا أدري ما هو قالت فرجعنا إلى خبائنا وقال لي أبوه والله لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك قالت فاحتملناه فقدمنا به على أمه فقالت ما أقدمك يا ظئر به وقد كنت حريصة على مكثه عندك قالت قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت عليه الأحداث فأديته إليك كما تحبين قالت ما هذا بشأنك فأصدقيني ولم تدعني حتى أخبرتها قالت فتخوفت عليه الشيطان قلت نعم قالت كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لابني لشانا أفلا أخبرك قلت بلى قالت رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من الشام ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر ثم وقع حين وضعته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك وانطلقي راشدة
وكانت مدة رضاع رسول الله سنتين وردته حليمة إلى أمه وجده عبد المطلب وهو ابن خمس سنين في قول
وقال شداد بن أوس بينما نحن عند رسول الله إذ أقبل شيخ من بني عامر وهو ملك قومه وسيدهم شيخ كبير متوكئا على عصا فمثل قائما وقال يا بن عبد المطلب إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ألا وإنك فهت بعظيم ألا وقد كانت الأنبياء من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان ومالك وللنبوة وإن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولك وبدو شأنك فأعجب النبي بمساءلته ثم قال يا أخا بني عامر اجلس فجلس فقال له النبي إن حقيقة قولي وبدو شأني أني دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى وكنت بكر أمي وحملتني كأثقل ما تحمل النساء ثم رأت في منامها أن الذي في بطنها نور قالت فجعلت اتبع بصري النور وهو يسبق بصري حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها ثم إنها ولدتني فنشأت فلما نشأت بغضت إلي الأوثان والشعر فكنت مسترضعا في بني سعد بن بكر فبينا أنا ذات يوم منتبذا من أهلي مع أتراب من الصبيان إذ أتانا ثلاثة رهط معهم طست من ذهب مملؤء ثلجا فأخذوني من بين أصحابي فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثم أقبلوا على الرهط فقالوا ما أربكم إلى هذا الغلام فإنه ليس له أب وما يرد عليكم قتله
فلما رأى الصبيان الرهط لا يردون جوابا انطلقوا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم بي ويستصرخونهم على القوم فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مسا ثم أخرج أحشاء بطني فغسلها بالثلج فأنعم غسلها ثم أخرج قلبي فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها قال بيده يمنة منه كأنه يتناول شيئا فإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبي فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا
ثم قال الثالث لصاحبه تنح فتنحى عني فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضا لطيفا ثم قال للأول الذي شق بطني زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم فقال دعوه فلو وزنته بأمته كلهم لرجح بهم ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقربه عينك قال فبينما نحن كذلك إذ أنا بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم وإذا ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وهي تقول يا ضعيفاه قال فانكبوا علي يعني الرهط وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من ضعيف ثم قالت ظئري يا وحيداه فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا ما بين عيني وقالوا يا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد إن الله معك ثم قالت ظئري يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا ما بين عيني وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ما يراد بك من الخير قال فوصلوا إلى شفير الوادي فلما بصرت بي ظئري قالت يا بني ألا أراك حيا بعد فجاءت حتى أنكبت علي وضمتني إلى صدرها فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها وإن يدي في يد بعضهم فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم يقول بعض القوم إن هذا الغلام أصابه لمم أو طائف من الجن انطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه فقلت ما هذا ليس بي شيء مما يذكر إن إرادتي سليمة وفؤادي صحيح ليس في قلبة فقال أبي من الرضاع ألا ترون كلامه صحيحا إني لأرجو أن لا يكون بابني بأس فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن فذهبوا بي إليه فلما قصوا عليه قصتي قال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم فقصصت عليه أمري من أوله إلى آخره فلما سع وثب إلي وضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فواللات والعزة لئن تركتموه فأدرك ليذلن دينكم ويخلفن أمركم ولياتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط فانتزعتني ظئري منه وقالت لأنت أجن وأعته من ابني هذا فاطلب لنفسك من يقتلك فإنا غير قاتليه ثم ردوني إلى أهلي فأصبحت مفزعا مما فعل بي وأثر الشق مما بين صدري إلى عانتي كأنه الشراك فذلك حقيقة قولي وبدو شأني يا أخا بني عامر
فقال العامري أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إن أمرك حق فأنبئني بأشياء أسألك عنها قال سل قال أخبرني ما يزيد في العلم قال التعلم قال فما يدل على العلم قال النبي السؤال قال فأخبرني ماذا يزيد في الشيء قال التمادي قال فأخبرني هل ينفع البر مع الفجور قال نعم التوبة تغسل الحوبة والحسنات يذهبن السيآت وإذا ذكر العبد الله عند الرخاء أعانه عند البلاء فقال العامري فكيف ذلك قال ذلك بأن الله عز وجل يقول ( وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا أجمع له خوفين إن خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي في حظيرة القدس فيدوم له أمنه ولا أمحقه فيمن أمحق وإن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم فيدوم له خوفه ) قال يا بن عبد المطلب أخبرني إلى م تدعو قال أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن تخلع الأنداد وتكفر باللات والعزى وتقر بما جاء من عند الله من كتاب ورسول وتصلي الصلوات الخمس بحقائقهن وتصوم شهرا من السنة وتؤدي زكاة مالك يطهرك الله تعالى بها ويطيب لك مالك وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا وتغتسل من الجنابة وتؤمن بالموت والبعث بعد الموت وبالجنة والنار قال يا بن عبد المطلب فإذا فعلت ذلك فمالي فقال النبي جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى فقال هل مع هذا من الدنيا شيء فإنه يعجبني الوطأة من العيش قال النبي نعم النصر والتمكين في البلاد فأجاب وأناب
وفاة أبوي النبي
ص 360
قال ابن إسحاق هلك عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله وأم رسول الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حامل به قال هشام بن محمد توفي عبد الله أبو رسول الله بعد ما أتى على رسول الله ثمانية وعشرون يوما وقال الواقدي أثبت عندنا أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير لقريش ونزل بالمدينة وهو مريض فأقام حتى توفي ودفن بدار النابغة الصغرى قال ابن إسحاق وتوفيت أمه آمنة وله ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة كانت قدمت به المدينة على أخواله من بني النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة وقيل إنها أتت المدينة تزور قبر زوجها عبد الله ومعها رسول الله وأم أيمن حاضنة رسول الله فلما عادت ماتت بالأبواء وقيل إن عبد المطلب زار أخواله من بني النجار وحمل معه آمنة ورسول الله فلما رجع توفيت بمكة ودفنت في شعب أبي ذر والأول أصح
ولما سارت قريش إلى أحد هموا باستخراجها من قبرها قال بعضهم إن النساء عورة وربما أصاب محمد من نسائكم فكفهم الله بهذا القول إكراما لأم النبي قال ابن إسحاق وتوفي عبد المطلب ورسول الله ابن ثماني سنين وقيل ابن عشر سنين ولما مات عبد المطلب صار رسول الله في حجر عمه أبي طالب بوصية من عبد المطلب إليه بذلك لما كان يرى من بره وشفقته وحنوه عليه فيصبح ولد أبي طالب غمصا رمسا ويصبح رسول الله صقيلا دهينا
ذكر قتل تميم بالمشقر
ص 361
قال هشام أرسل وهرز بأموال وطرف من اليمن إلى كسرى فلما كانت ببلاد تميم دعا صعصعة بن ناجية المجاشعي جد الفرزدق الشاعر بني تميم إلى الوثوب عليها فأبوا فقال كأني ببني بكر بن وائل وقد انتهبوا فاستعانوا بها على حربكم فلما سمعوا ذلك وثبوا عليها وأخذوها وأخذ رجل من بني صليت يقال له النطف خرجا فيه جوهر فكان يقال أصاب كنزا النطف فصار مثلا وصار أصحاب العير إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة فكساهم وحملهم وصار معهم حتى دخل على كسرى فأعجب به ودعا بعقد من در فعقد على رأسه فمن ثم سمي هوذة ذا التاج وسأله كسرى عن تميم هل من قومه أو بينه وبينهم سلم فقال لا بيننا إلا الموت قال قد أدركت ثأرك وأراد إرسال الجنود إلى تميم فقيل له إن ماءهم قليل وبلادهم بلاد سوء وأشير عليه أن يرسل إلى عامله بالبحرين وهو أزاد فيروز بن جشيش الذي سمته العرب المكعبر وإنما سمي بذلك لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل فأمره بقتل بني تميم ففعل ووجه إليه رسولا ودعا هوذة وجدد له كرامة وصلة وأمره بالمسير مع رسوله فأقبل إلى المكعبر أيام اللقاط وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة واللقاط فأمر المكعبر مناديا ينادي ليحضر من كان ها هنا بني تميم فإن الملك قد أمر لهم بميرة وطعام فحضروا ودخلوا على المشقر وهو حصن فلما دخلوا قتل المكعبر رجالهم واستبقى غلمانهم وقتل يومئذ قعنب الرياحي وكان فارس يربوع وجعل الغلمان في السفن وعبر بهم إلى فارس قال هبيرة بن حدير العدوي رجع إلينا بعد ما فتحت اصطخر عدة منهم وشد رجل من بني تميم يقال له عبيد بن وهب على سلسلة الباب فقطعها وخرج واستوهب هوذة من المكعبر مائة أسير منهم فاطلقهم
الغريب
حدير بضم الحاء المهملة وفتح الدال
ذكر ملك ابنه هرمز بن أنوشروان
ص 363
وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر لما ملك كسرى أنوشروان كان ملكه ثمانية وأربعين سنة فملك بعده هرمز وكان هرمز بن كسرى أديبا ذا نية في الإحسان إلى الضعفاء والحمل على الأشراف فعادوه وأبغضوه وكان في نفسه مثل ذلك وكان عادلا بلغ من عدله أنه ركب ذات يوم إلى سباط المدائن فاجتاز بكروم فاطلع أسوار من أساورته في كرم وأخذ منه عناقيد حصرم فلزمه حافظ الكروم وصرخ فبلغ من خوف الأسوار من عقوبة كسرى هرمز أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب عوضا من الحصرم فتركه
وقيل كان مظفرا منصورا لا يمد يده إلى شيء إلا ناله وكان داهيا رديء النية قد نزع إلى أخواله الترك وأنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل ولم يكن له رأي ألا في تألف السفلة وحبس كثيرا من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم وحرم الجنود ففسد عليه كثير ممن كان حوله وخرج عيله شاية ملك الترك في ثلاثمائة ألف مقاتل في سنة ست عشرة من ملكه فوصل هراة وباذغيس وأرسل إلى هرمز والفرس يأمرهم بإصلاح الطرق ليجوز إلى بلاد الروم ووصل ملك الروم في ثمانين ألفا إلى الضواحي قاصدا له ووصل ملك الخزر إلى الباب والأبواب في جمع عظيم فإن جمعا من العرب شنوا الغارة على السواد فأرسل هرمز بهرام خشنش ويعرف بجوبين في اثني عشر ألفا من المقاتلة اختارهم من عسكره فسار مجدا وواقع شاية ملك الترك فقتله برمية رماها واستباح عسكره ثم وافاه برمودة بن شاية فهزمه أيضا وحصره في بعض الحصون حتى استسلم فأرسله إلى هرمز أسيرا وغنم ما في الحصن فكان عظيما
ثم خاف بهرام ومن معه هرمز فخلعوه وساروا نحو المدائن وأظهروا أن ابنه أبرويز أصلح للملك منه وساعدهم على ذلك بعض من كان بحضرة هرمز وكان غرض بهرام أن يستوحش هرمز من ابنه أبرويز ويستوحش ابنه منه فيختلفا فإن ظفر أبرويز بأبيه كان أمره على بهرام سهلا وإن ظفر أبوه نجا بهرام والكلمة مختلفة فينال من هرمز غرضه وكان يحدث نفسه بالاستقلال بالملك فلما علم أبرويز ذلك خاف أباه فهرب إلى أذربيجان فاجتمع عليه عدة من المرازبة والأصبهبذين ووثب العظماء بالمدائن وفيهم بندويه وبسطام خالا أبرويز فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وتركوه تحرجا من قتله وبلغ أبرويز الخبر فأقبل من أذربيجان إلى دار الملك
وكان ملك هرمز إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر وقيل اثنتي عشرة سنة ولم يسلم من ملوك الفرس غيره ولا قبله ولا بعده
ومن محاسن السير ما حكي عنه أنه لما فرغ من بناء داره التي تشرف على دجلة مقابل المدائن عمل وليمة عظيمة وأحضر الناس من الأطراف فأكلوا ثم قال لهم هل رأيتم في هذه الدار عيبا فكلهم قال لا عيب فيها فقام رجل وقال فيها ثلاثة عيوب فاحشة أحدها أن الناس يجعلون دورهم في الدنيا وأنت جعلت الدنيا في دارك فقد أفرطت في توسيع صحونها وبيوتها فتتمكن الشمس في الصيف والسموم فيؤذي ذلك أهلها ويكثر فيها في الشتاء البرد والثاني أن الملوك يتوصلون في البناء على الأنهار لتزول همومهم وأفكارهم بالنظر إلى المياه ويترطب الهواء وتضيء أبصارهم وأنت قد تركت دجلة وبنيتها في القفر والثالث أنك جعلت حجرة النساء مما يلي الشمال من مساكن الرجال وهو أدوم هبوبا فلا يزال الهواء يجيء بأصوات النساء وريح طيبهن وهذا ما تمنعه الغيرة والحمية
فقال هرمز أما سعة الصحون والمجالس فخير المساكن ما سفر فيه البصر وشدة الحر والبرد يدفعان بالخيش والملابس والنيران وأما مجاورة الماء فكنت عند أبي وهو يشرف على دجلة فغرقت سفينة تحته فاستغاث من بها إليه وأبي يتأسف عليهم ويصيح بالسفن التي تحت داره ليلحقوهم فإلى أن يلحقوهم غرق جميعهم فجعلت في نفسي أنني لا أجاور سلطانا هو أقوى مني وأما عمل حجرة النساء في جهة الشمال فقصدنا به أن الشمال أرق هواء وأقل وخامة والنساء يلازمن البيوت فعمل لذلك وأما الغيرة فإن الرجال لا يخلون بالنساء وكل من يدخل هذه الدار إنما هو مملوك وعبد لقيم وأما أنت فما أخرج هذا منك إلا بغض لي فأخبرني عن سببه
فقال الرجل لي قرية ملك كنت أنفق حاصلها على عيالي فغلبني المرزبان فأخذها مني فقصدتك أتظلم منذ سنتين فلم أصل إليك فقصدت وزيرك وتظلمت إليه فلم ينصفني وأنا أؤدي خراج القرية حتى لا يزول اسمي عنها وهذا غاية الظلم أن يكون غيري يأخذ دخلها وأنا أؤدي خراجها
فسأل هرمز وزيره فصدقه وقال خفت أعلمك فيؤذيني المرزبان فأمر هرمز أن يؤخذ من المرزبان ضعف ما أخذ وأن يستخدمه صاحب القرية في أي شيء شاء سنتين وعزل وزيره وقال في نفسه إذا كان الوزير يراقب الظلم فالحري أن غيره يراقبه فأمر باتخاذ صندوق وكان يقفله ويختمه بخاتم ويترك على باب داره وفيه خرق يلقى فيه رقاع المتظلمين وكان يفتحه كل أسبوع ويكشف المظالم فأفكر وقال أريد أعرف ظلم الرعية ساعة فساعة فاتخذ سلسلة طرفها في مجلسه في السقف والطرف الآخر خارج الدار في روزنة وفيها جرس وكان المتظلم يحرك السلسة فيحرك الجرس فيحضره ويكشف ظلامته
ذكر مملكة كسرى أبرويز بن هرمز
ص 365
وكان من أشد ملوكهم بطشا وأنفذهم رأيا وبلغ من البأس والنجدة وجمع الأموال ومساعدة الأقدار ما لم يبلغه ملك قبله ولذلك لقب إبرويز ومعناه المظفر وكان في حياة أبيه قد سعى به بهرام جوبين إلى أبيه أنه يريد الملك لنفسه فلما علم ذلك سار إلى أذربيجان سرا وقيل غير ذلك وقد تقدم فلما وصل بايعه من كان بها من العظماء واجتمع من بالمدائن على خلع أبيه فلما سمع أبرويز بادر الوصول إلى المدائي قبل بهرام جوبين فدخلها قبله ولبس التاج وجلس على السرير ثم دخل إلى أبيه وكان سمل فأعلمه أنه بريء مما فعل به وإنما كان هربه للخوف منه فصدقه وسأله أن يرسل إليه كل يوم من يؤنسه وأن ينتقم ممن خلعه وسمل عينيه فاعتذر بقرب بهرام منه في العساكر وأنه لا يقدر على أن ينتقم ممن فعل به ذلك بعد الظفر ببهرام
وسار بهرام إلى النهروان وسار إبرويز إليه فالتقيا هناك ورأى ابرويز من أصحابه فتورا في القتال فانهزم ودخل على أبيه وعرفه الحال فاستشاره فأشار عليه بقصد موريق ملك الروم وجهز ثانيا وسار في عدة يسيرة فيهم خالاه بندويه وبسطام وكردى أخو بهرام فلما خرجوا من المدائن خاف من معه أن بهرام يرد هرمز إلى الملك ويرسل إلى ملك الروم في ردهم فيردهم إليه فاستأذنوا إبرويز في قتل أبيه هرمز فلم يحر جوابا فانصرف بندويه وبسطام وبعض من معهم إلى هرمز فقتلوه خنقا ثم رجعوا إلى إبرويز وساروا مجدين إلى أن جاوزوا الفرات ودخلوا ديرا يستريحون فيه فلما دخلوا غشيتهم خيل بهرام جوبين ومقدمها رجل اسمه بهرام بن سياوش فقال بندويه لأبرويز احتل لنفسك قال ما عندي حيلة قال بندويه أنا أبذل نفسي دونك وطلب منه بزته فلبسها وخرج إبرويز ومن معه من الدير وتواروا بالجبل ووافى بهرام الدير فرأى بندويه فوق الدير عليه بزة إبرويز فاعتقده هو وسأله أن ينظره إلى غد ليصير إليه سلما ففعل ثم ظهر من الغد على حيلته فحمله إلى بهرام جوبين فحبسه ودخل بهرام جوبين دار الملك وقعد على السرير ولبس التاج فانصرفت الوجوه عنه لكن الناس أطاعوه خوفا وواطأ بهرام بن سياوش بندويه على الفتك ببهرام جوبين فعلم بهرام جوبين بذلك فقتل بهرام وأفلت بندويه فلحق بأذربيجان وسار أبرويز إلى أنطاكية وأرسل أصحابه إلى الملك فوعده النصرة
وتزوج إبرويز ابنة الملك موريق واسمها مريم وجهز معه العساكر الكثيرة فبلغت عدتهم سبعين ألفا فيهم رجل يعد بألف مقاتل فرتبهم إبرويز وسار بهم إلى أذربيجان فوافاه بندويه وغيره من المقدمين والأساورة في أربعين ألف فارس من أصبهان وفارس وخراسان وسار إلى المدائن وخرج بهرام جوبين نحوه فجرى بينهما حرب شديدة فقتل فيها الفارس الرومي الذي يعد بألف فارس ثم انهزم جوبين وسار إلى الترك
وسار إبرويز من المعركة ودخل المدائن وفرق الأموال في الروم فبلغت جملتها عشرين ألف ألف فأعادهم إلى بلادهم وأقام بهرام جوبين عند الترك مكرما فأرسل إبرويز إلى زوجة الملك وأجزل لها الهدية من الجواهر وغيرها وطلب منها قتل بهرام فوضعت عليه من قتله فاشتد قتله على ملك الترك ثم علم أن زوجته قتلته فطلقها ثم أن إبرويز قتل بندويه وأراد قتل بسطام فهرب منه إلى طبرستان لحصانتها فوضع إبرويز عليه فقتله
الروم
ص 367
وأما الروم فإنهم خلعوا ملكهم موريق بعد أربع عشرة سنة من ملك إبرويز وقتلوه وملكوا عليهم بطريقا اسمه فوقاس فأباد ذرية موريق سوى ابن له هرب إلى كسرى إبرويز فأرسل معه العساكر وتوجه وملكه على الروم وجعل على عساكره ثلاثة نفر من قواده وأساورته أما أحدهم فكان يقال له بوران وجهه في جيش منها إلى الشام فدخلها حتى انتهى إلى بيت المقدس فأخذ خشبة الصليب التي تزعم النصارى أن المسيح عليه السلام صلب عليها فأرسلها كسرى إبرويز وأما القائد الثاني فكان يقال له شاهين فسيره في جيش آخر إلى مصر فافتتحها وأرسل مفاتيح الاسكندرية إلى إبرويز وأما القائد الثالث وهو أعظمهم فكان يقال له فرخان وتدعى مرتبته شهريراز وجعل مرجع القائدين الأولين إليه وكانت والدته منجبة لا تلد إلا نجيبا فأحضرها إبرويز وقال لها إني أريد أن أوجه جيشا إلى الروم أستعمل عليه بعض بنيك فأشيري علي أيهم أستعمل فقال أما فلان فأروغ من ثعلب وأحذر من صقر وأما فرخان فهو أنفذ من سنان وأما شهريراز فهو أحلم من كدي فقال قد استعملت الحليم فولاه أمر الجيش فسار إلى الروم فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع أشجارهم وسار في بلادهم إلى القسطنطينة حتى نزل على خليجها القريب منها ينهب ويغير ويخرب فلم يخضع لابن موريق أحد ولا أطاعه غير أن الروم قتلوا فوقاس لفساده وملكوا عليهم بعده هرقل وهو الذي أخذ المسلمون الشام منه
فلما رأى هرقل ما أهم الروم من النهب والقتل والبلاء تضرع إلى الله تعالى ودعاه فرأى في منامه رجلا كث اللحية رفيع المجلس عليه بزة حسنة فدخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل من مجلسه وقال لهرقل إني قد أسلمته في يدك فاستيقظ فلم يقص رؤياه فرأى في الليلة الثانية ذلك الرجل جالسا في مجلسه وقد دخل الرجل الثالث وبيده سلسلة فألقاها في عنق ذلك الرجل وسلمه إلى هرقل وقال قد دفعت إليك كسرى برمته فاغزه فإنك مدال عليهم وبالغ أمنيتك في أعدائك
فقص حينئذ هذه الرؤيا على عظماء الروم فأشاروا عليه أن يغزوه فاستعد هرقل واستخلف ابنا له على القسطنطينية وسلك غير الطريق الذي عليه شهريراز وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية وقصد الجزيرة فنزل نصيبين فأرسل إليه كسرى جندا وأمرهم بالمقام بالموصل وأرسل إلى شهريراز يستحثه على القدوم عليه ليتضافرا على قتال هرقل
وقيل في مسيره غير هذا وهو أن شهريراز سار إلى بلاد الروم فوطئ الشام حتى وصل إلى أذرعات ولقي جيوش الروم بها فهزمها وظفر بها وسبى وغنم وعظم شأنه ثم إن فرخان أخا شهريراز شرب الخمر يوما وقال لقد رأيت في المنام كأني جالس على سرير كسرى فبلغ الخبر كسرى فكتب إلى أخيه شهريراز يأمره بقتله فعاود وأعلمه شجاعته ونكايته في العدو فعاد كسرى وكتب إليه بقتله فراجعه فكتب إليه الثالثة فلم يفعل فكتب كسرى بعزل شهريراز وولاية فرخان العسكر فأطاع شهريراز فلما جلس على سرير الإمارة ألقى إليه القاصد بولايته كتابا صغيرا من كسرى يأمر بقتل شهريراز فعزم على قتله فقال له شهريراز أمهلني حتى أكتب وصيتي فأمهله فأحضر درجا وأخرج منه كتب كسرى الثلاثة وأطلعه عليها وقال أنا راجعت فيك ثلاث مرات ولم أقتلك وأنت تقتلني في مرة واحدة
فاعتذر أخوه إليه وأعاده إلى الامارة واتفقا على موافقة ملك الروم على كسرى فأرسل شهريراز إلى هرقل إن لي إليك حاجة لا يبلغها البريد ولا تسعها الصحف فالقني في خمسين روميا فإني ألقاك في خمسين فارسا
فأقبل قيصر في جيوشه جميعا ووضع عيونه تأتيه بخبر شهرايرز وخاف أن يكون مكيدة فأتته عيونه فأخبروه أنه في خمسين فارسا فحضر عنده في مثلها واجتمعا وبينهما ترجمان فقال له أنا وأخي خربنا بلادك وفعلنا ما علمت وقد حسدنا كسرى وأراد قتلنا وقد خلعناه ونحن نقاتل معك
ففرح هرقل بذلك واتفقا عليه وقتلا الترجمان لئلا يفشي سرهما وسار هرقل في جيشه إلى نصيبين وبلغ كسرى إبرويز الخبر فأرسل لمحاربة هرقل قائدا من قواده اسمه راهزار في إثني عشر ألفا وأمره أن يقيم بنينوى من أرض الموصل على دجلة يمنع هرقل من أن يجوزها وأقام هو بدسكرة الملك فأرسل راهزار العيون فأخبروه أن هرقل في سبعين ألف مقاتل فأرسل إلى كسرى يعرفه ذلك وأنه يعجز عن قتال هذا الجمع الكثير فلم يعذره وأمر بقتاله فأطاع وعبى جنده وسار هرقل نحو جنود كسرى وقطع دجلة من غير الموضع الذي فيه راهزار فقصده راهزار ولقيه فاقتتلوا فقتل راهزار وستة آلاف من أصحابه وانهزم الباقون وبلغ الخبر إبرويز وهو بدسكرة الملك فهاله ذلك وعاد إلى المدائن وتحصن بها لعجزه عن محاربة هرقل وكتب إلى قواد الجند الذين انهزموا يتهددهم بالعقوبة فأحوجهم إلى الخلاف عليه على ما نذكره إن شاء الله وسار هرقل حتى قارب المدائن ثم عاد إلى بلاده
وكان سبب عوده أن كسرى لما عجز عن هرقل أعمل الحيلة فكتب كتابا إلى شهريراز يشكره ويثني عليه ويقول له أحسنت في فعل ما أمرتك به من مواصلة ملك الروم وتمكينه من البلاد والآن فقد أوغل وأمكن من نفسه فتجيء أنت من خلفه وأنا من بين يديه ويكون اجتماعنا عليه يوم كذا فلا يفلت منهم أحد ثم جعل الكتاب في عكاز أبنوس وأحضر راهبا في دير عند المدائن وقال له لي إليك حاجة فقال الراهب الملك أكبر من أن يكون له إلي حاجة ولكنني عبده قال إن الروم قد نزلوا قريبا منا وقد حفظوا الطرق عنا ولي إلى أصحابي الذين بالشام حاجة وأنت نصراني إذا جزت على الروم لا ينكرونك وقد كتبت كتابا وهو في هذه العكازة فتوصله إلى شهريراز وأعطاه مائتي دينار
فأخذ الكتاب وفتحه وقرأه ثم أعاده وسار فلما صار بالعسكر ورأى الروم والرهبان والنواقيس رق قلبه وقال أنا شر الناس إن أهلكت النصرانية فأقبل إلى سرادق الملك وأنهى حاله وأوصل الكتاب إليه فقرأه ثم أحضر أصحابه رجلا قد أخذوه من طريق الشام قد واطأه كسرى ومعه كتاب قد افتعله على لسان شهريراز إلى كسرى يقول إني ما زلت أخادع ملك الروم حتى اطمأن إلي وجاز إلى البلاد كما أمرتني فيعرفني الملك في أي يوم يكون لقاؤه حتى أهجم أنا عليه من ورائه والملك من بين يديه فلا يسلم هو ولا أصحابه وأمره أن يتعمد طريقا يؤخذ فيها
فلما قرأ ملك الروم الكتاب الثاني تحقق الخبر فعاد شبه المنهزم مبادرا إلى بلاده
ووصل خبر عودة ملك الروم إلى شهريراز فأراد أن يستدرك ما فرط منه فعارض الروم فقتل منهم قتلا ذريعا وكتب إلى كسرى إنني عملت الحيلة على الروم حتى صاروا في العراق وأنفذ من رؤوسهم شيئا كبيرا وفي هذه الحادثة أنزل الله تعالى الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون يعني بأدنى الأرض أذرعات وهي أدنى أرض الروم إلى العرب وكانت الروم قد هزمت بها في بعض حروبها
وكان النبي والمسلمون قد ساءهم ظفر الفرس أولا بالروم لأن الروم أهل كتاب وفرح الكفار لأن المجوس أميون مثلهم فلما نزلت هذه الآيات راهن أبو بكر الصديق أبي بن خلف على أن الظفر يكون للروم إلى تسع سنين والرهن مائة بعير فغلبه أبو بكر ولم يكن الرهن ذلك الوقت حراما فلما ظفرت الروم أتى الخبر رسول الله يوم الحديبية
ذكر ما رأى كسرى من الآيات بسبب رسول الله
ص 370
فمن ذلك أن كسرى إبرويز سكر دجلة العوراء وأنفق عليها من الأموال ما لا يحصى كثرة وكان طاق مجلسه قد بني بنيانا لم ير مثله وكان عنده ثلاثمائة وستون رجلا من الحزاة من بين كاهن وساحر ومنجم وكان فيهم رجل من العرب اسمه السائب بعث به باذان من اليمن وكان كسرى إذا أحزنه أمر جمعهم فقال انظروا في هذا ما هو فلما بعث الله محمدا أصبح كسرى وقد انفصم طاق ملكه من غير ثقل وانخرقت دجلة العوراء فلما رأى ذلك أحزنه وقال انفصم طاق ملكي وانخرقت دجلة العوراء شاه بشكست يقول الملك انكسر
ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه وفيهم السائب فقال لهم أنظروا في هذا الأمر فنظروا في أمره فأخذت عليهم أقطار السماء وأظلمت الأرض فلم يمض لهم ما راموه وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض ينظر فرأى برقا من قبل الحجاز استطار فبلغ المشرق فلما أصبح رأى تحت قدميه روضة خضراء فقال فيما يعتاف إن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عليه الأرض كأفضل ما أخصبت على ملك
فلما خلص الكهان والمنجمون والسحار بعضهم إلى بعض ورأوا ما أصابهم ورأى السائب ما رأى قال بعضهم لبعض والله ما حال بينكم وبين علمكم إلا أمر من السماء وإنه لنبي بعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ويكسره ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم
فاتفقوا على أن يكتموه الأمر وقالوا له قد نظرنا فوجدنا أن وضع دجلة العوراء وطاق الملك قد وضع على النحوس فلما اختلف الليل والنهار وقعت النحوس مواقعها فزال كل ما وضع عليها وإنا نحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول فحسبوا وأمروه بالبناء فبنى دجلة العوراء في ثمانية أشهر فأنفق عليه أموالا جليلة حتى فرغ فقال لهم أجلس على سورها قالوا نعم فجلس في أساورته فبينما هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته فلم يخرج إلا بآخر رمق
فلما أخرجوه جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقتل منهم قريبا من مائة وقال قربتكم وأجريت عليكم الأرزاق ثم أنتم تلعبون بي فقالوا أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا ثم حسبوا له وبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس عليه فخاف فركب فرسا وسار على البناء فبينما هو يسير انتسفته دجلة فلم يدرك إلا بآخر رمق فدعاهم وقال لأقتلنكم أجمعين أو لتصدقونني فصدقوه الأمر فقال ويحكم هلا بينتم لي فارى فيه رأيي قالوا منعنا الخوف فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته وكان ذلك سبب البطائح ولم تكن قبل ذلك وكانت الأرض كلها عامرة
فلما كانت سنة ست من الهجرة أرسل رسول الله عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى فزاد الفرات والدجلة زيادة عظيمة لم ير قبلها ولا بعدها مثل فانبثقت البثوق وانتسفت ما كان بناه كسرى واجتهد أن يسكرها فغلبه الماء كما بينا ومال إلى موضع البطائح فطما الماء على الزروع وغرق عدة طساسيج ثم دخلت العرب أرض الفرس وشغلتهم عن عملها بالحروب واتسع الخرق
فلما كان زمن الحجاج تفجرت بثوق أخر فلم يسدها مضارة للدهاقين لأنه اتهمهم بممالأة ابن الأشعث فعظم الخطب فيها وعجز الناس عن عملها فبقيت على ذلك إلى الآن وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بعث الله إلى كسرى ملكا وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه فلم يرعه إلا قائما على رأسه في يده عصا بالهاجرة في ساعته التي يقيل فيها فقال يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل وانصرف عنه فدعا بحراسه وحجابه فتغيظ عليهم وقال من أدخل هذا الرجل فقالوا ما دخل علينا أحد ولا رأيناه حتى إذا كان العام المقبل أتاه في تلك الساعة وقال له أتسلم أو أكسر العصا فقال بهل بهل وتغيظ على حجابه وحراسه فلما كان العام الثالث أتاه فقال له أتسلم أو أكسر العصا فقال بهل بهل فكسر العصا ثم خرج فلم يكن إلا تهور ملكه وانبعاث ابنه والفرس حتى قتلوه
وقال الحسن البصري قال أصحاب رسول الله يا رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك قال بعث الله إليه ملكا فأخرج يده إليه من جدار بيته تلألأ نورا فلما رآها فزع فقال له لم ترع يا كسرى إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك قال سأنظر
ذكر وقعة ذي قار وسببها
ص 373
ذكروا عن النبي أنه قال لما بلغه ما كان من ظفر ربيعة بجيش كسرى ( هذا أول يوم انتصفت العرب فيه من العجم وبي نصروا ) فحفظ ذلك منه ذلك منه وكان يوم الوقعة
قال هشام بن محمد كان عدي بن زيد التميمي وأخوه عمار وهو أبي وعمرو وهو سمي يكونون مع الأكاسرة ولهم إليهم انقطاع وكان المنذر بن المنذر لما ملك ابنه النعمان في حجر عدي بن زيد وكان له غير النعمان أحد عشر ولدا وكانوا يسمون الأشاهب لجمالهم فلما مات المنذر بن المنذر وخلف أولاده أراد كسرى بن هرمز أن يملك على العرب من يختاره فأحضر عدي بن زيد وسأله عن أولاد المنذر فقال هم رجال فأمره بإحضارهم فكتب عدي فأحضرهم وأنزلهم وكان يفضل إخوة النعمان عليه ويريهم أنه لا يرجو النعمان ويخلو بواحد واحد ويقول له إذا سألك الملك أتكفونني العرب فقولوا نكفيكم إلا النعمان وقال النعمان إذا سألك الملك عن أخوتك فقل له إذا عجزت عن إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز
وكان من بني مرينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا وكان داهيا شاعرا وكان يقول للأسود بن المنذر قد عرفت أني أرجوك وعيني إليك وإنني أريد أن تخالف عدي بن زيد فإنه والله لا ينصح لك أبدا فلم يلتفت إلى قوله
فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يحضرهم أحضرهم رجلا رجلا وسألهم كسرى أتكفونني العرب فقالوا نعم إلا النعمان فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا دميم أحمر أبرش قصيرا فقال له أتكفينني أخوتك والعرب قال نعم وإن عجزت عن إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز فملكه وكساه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم فقال عدي بن مرينا للأسود دونك فقد خالفت الرأي
ثم صنع عدي بن زيد طعاما ودعا عدي بن مرينا إليه وقال إني عرفت أن صاحبك الأسود كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان فلا تلمني على شيء كنت على مثله وإني أحب أن لا تحقد علي وإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك وحلف لابن مرينا أن لا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا فقام ابن مرينا وحلف أنه لا يزال يهجوه ويبغيه الغوائل
وسار النعمان حتى نزل الحيرة وقال ابن مرينا للأسود إذا فاتك الملك فلا تعجز أن تطلب بثأرك من عدي فإن معدا لا ينام مكرها وأمرتك بمعصية فخالفتني وأريد أن لا يأتيك من مالك شيء إلا عرضته علي ففعل وكان ابن مرينا كثير المال وكان لا يخلى النعمان يوما من هدية وطرفة فصار من أكرم الناس عليه وكان إذا ذكر عدي بن زيد وصفه وقال ألا إنه فيه مكر وخديعة واستمال أصحاب النعمان فمالوا إليه ووضعهم على أن قالوا للنعمان إن عدي بن زيد يقول إنك عامله ولم يزالوا بالنعمان حتى أضغنوه عليه فأرسل إلى عدي يستزيره فأستأذن عدي كسرى في ذلك فأذن له فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه ومنع من الدخول عليه فجعل عدي يقول الشعر وهو في السجن وبلغ النعمان قوله فندم على حبسه إياه وخاف منه إذا أطلقه فكتب عدي إلى أخيه أبي أبياتا يعلمه بحاله فلما قرأ أبياته وكتابه كلم كسرى فيه فكتب إلى النعمان وأرسل رجلا في إطلاق عدي وتقدم أخو عدي إلى الرسول بالدخول إلى عدي قبل النعمان ففعل ودخل على عدي وأعلمه أنه أرسل لإطلاقه
فقال له عدي لا تخرج من عندي واعطني الكتاب حتى أرسله فإنك إن خرجت من عندي قتلتني فلم يفعل ودخل أعداء عدي على النعمان فأعلموه الحال وخوفوه من إطلاقه فأرسلهم إليه فخنقوه ثم دفنوه
وجاء الرسول فدخل على النعمان بالكتاب فقال نعم وكرامة وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية وقال إذا أصبحت ادخل إليه فخذه فلما أصبح الرسول غدا إلى السجن فلم ير عديا وقال له الحرس إنه مات منذ أيام فرجع إلى النعمان وأخبره أنه رآه بالأمس ولم يره اليوم فقال كذبت وزاده رشوة واستوثق منه أن لا يخبر كسرى إلا أنه مات قبل وصوله إلى النعمان
وقال وندم النعمان على قتله واجترأ أعداء عدي على النعمان وهابهم هيبة شديدة فخرج النعمان في بعض صيده فرأى ابنا لعدي يقال له زيد فكلمه وفرح به فرحا شديدا واعتذر إليه من أمر أبيه وسيره إلى كسرى ووصفه له وطلب إليه أن يجعله مكان أبيه ففعل كسرى وكان يلي ما يكتب إلى العرب خاصة وسأله كسرى عن النعمان فأحسن الثناء عليه وأقام عند الملك سنوات بمنزلة أبيه وكان يكثر الدخول على كسرى
وكان لملوك الأعاجم صفة للنساء مكتوبة عندهم وكانوا يبعثون في طلب من يكون على هذه الصفة من النساء ولا يقصدون العرب فقال له زيد بن عدي إني أعرف عند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة
قال فتكتب فيهن قال أيها الملك إن شر شيء في العرب وفي النعمان أنهم يتكرمون بأنفسهم عن العجم فأنا أكره أن يتعنتهن وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك فابعثني وابعث معي رجلا يفقه العربية فبعث معه رجلا جلدا فخرجا حتى بلغا الحيرة ودخلا على النعمان قال له زيد إن الملك احتاج إلى نساء لأهله وولده وأراد كرامتك فبعث إليك قال وما هؤلاء النسوة قال هذه صفتهن قد جئنا بها وكانت الصفة أن المنذر أهدى أنوشروان جارية أصابها عند الغارة على الحارث بن أبي شمر الغساني وكتب يصفها أنها معتدلة الخلق نقية اللون والثغر بيضاء وطفاء قمراء دعجاء عيناء قنواء شمراء زجاء برجاء أسيلة الخد شهية القد جثيلة الشعر بعيدة مهوى القرط عيطاء عريضة الصدر كاعب الثدي ضخمة مشاشة المنكب والعضد حسنة المعصم لطيفة الكف سبطة البنان لطيفة طي البطن خميصة الخصر غرثى الوشاح رداح القبل رابية الكفل لفاء الفخذين ريا الروادف ضخمة المنكبين عظيمة الركبة مفعمة الساق مشبعة الخلخال لطيفة الكعب والقدم قطوف المشي مكسال الضحى بضة المتجرد سموع اللسيد ليست بخلساء ولا سفعاء ذليلة الأنف عزيزة النفر لم تفد في بؤس حنينة رزينة زكية كريمة الخال تفتخر بنسب أبيها دون فصيلتها وبفصيلتها دون جماع قبيلتها قد أحكمتها الأمور في الأدب فرأيها رأي أهل الشرف وعملها عمل أهل الحاجة صناع الكفين قطيعة اللسان زهرة الصوت تزين البيت وتشين العدو أن أردتها اشتهت وإن تركتها انتهت تحملق عيناها وتحمر وجنتاها وتدبدب شفتاها وتبادرك الوثب فقبلها كسرى وأمر بإثبات هذه الصفة فبقيت إلى أيام كسرى بن هرمز
فقرأ زيد هذه الصفة على النعمان فشق ذلك عليه وقال لزيد والرسول يسمع ما في عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم فقال الرسول لزيد ما العين قال البقر وأنزلهما يومين وكتب إلى كسرى إن الذي طلب الملك ليس عندي وقال لزيد اعذرني عنده
فلما عاد إلى كسرى قال لزيد أين ما كنت أخبرتني قال قد قلت للملك وعرفته بخلهم بنسائهم على غيرهم وإن ذلك لشقائهم وسوء اختيارهم وسل هذا الرسول عن الذي قال فإني أكرم الملك عن ذلك فسأل الرسول فقال إنه قال ما في بقر السواد ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا فعرف الغضب في وجهه ووقع في قلبه وقال رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا فصار أمره إلى التباب
وبلغ هذا الكلام النعمان وسكت كسرى على ذلك أشهرا والنعمان يستعد حتى أتاه كتاب كسرى يستدعيه فحين وصل الكتاب أخذ سلاحه وما قوي عليه ثم لحق بجبلي طيء وكان متزوجا إليهم وطلب منهم أن يمنعوه فأبوا عليه خوفا من كسرى فأقبل وليس أحد من العرب يقبله حتى نزل في ذي قار في بني شيبان سرا فلقي هانئ بن مسعود بن عمرو الشيباني وكان سيدا منيعا والبيت من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين وكان كسرى قد أطعمه الأبلة فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك وعلم أن هانئا يمنعه مما يمنه منه أهله فأودعه أهله وماله وفيه أربعمائة درع وقيل ثمانمائة درع وتوجه النعمان إلى كسرى فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط فقال أنج نعيم فقال أنت يا زيد فعلت هذا أما والله لئن انفلت لأفعلن بك ما فعلت بأبيك فقال زيد امض نعيم فقد والله وضعت لك أخية لا يقطعها المهر الأرن فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيده وبعث به إلى خانقين حتى وقع في الطاعون فمات فيه قال والناس يظنون أنه مات بساباط ببيت الأعشى وهو يقول
( فداك وما ينجى من الموت ربه % بساباط حتى مات وهو محرزق )
وكان موته قبل الإسلام فلما مات استعمل كسرى إياس بن قبيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه النعمان وكان كسرى اجتاز به لما سار إلى ملك الروم فأهدى له هدية فشكر ذلك له وأرسل إليه فبعث كسرى بأن يجمع ما خلفه النعمان ويرسله إليه فبعث إياس إلى هانئ بن مسعود الشيباني يأمره بإرسال ما استودعه النعمان فأبى هانئ أن يسلم ما عنده فلما أبى هانئ غضب كسرى وعنده النعمان بن زرعة التغلبي وهو يحب هلاك بكر بن وائل فقال لكسرى أمهلهم حتى يقيظوا ويتساقطوا على ذي قار تساقط الفراش في النار فتأخذهم كيف شئت فصبر كسرى حتى جاؤوا نحو ذي قار فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيرهم واحدة من ثلاث إما أن يعطوا بأيديهم وإما أن يتركوا ديارهم وإما أن يحاربوا فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة العجلي فأشار بالحرب فآذنوا الملك بالحرب فأرسل كسرى إياس بن قبيصة الطائي أمير الجيش ومعه مرازبة الفرس والهامرز النسوي وغيره من العرب تغلب وأياد وقيس بن مسعود بن قيس بن ذي الجدين وكان على طف سفوان فأرسل الفيول وكان قد بعث النبي فقسم هانئ بن مسعود دروع النعمان وسلاحه فلما دنت الفرس من بني شيبان قال هانئ بن مسعود يا معشر بكر لا طاقة لكم في قتال كسرى فاركنوا إلى الفلاة فسارع الناس إلى ذلك فوثب حنظلة بن ثعلبه العجلي وقال
يا هانئ أردت نجاتنا فألقيتنا في الهلكة ورد الناس وقطع وضن الهوادج وهي الحزم للرحال فسمي ( مقطع الوضن ) وضرب على نفسه قبة وأقسم أن لا يفر حتى تفر القبة فرجع الناس واستقوا ماء لنصف شهر فأتتهم العجم فقاتلهم بالجنود فانهزمت العجم خوفا من العطش إلى الجبايات فتبعتهم بكر وعجل وأبلت يومئذ بلاء حسنا اصطفت عليهم جنود العجم فقال الناس هلكت عجل ثم حملت بكر فوجدت عجلا تقاتل وامرأة منهم تقول
( إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل % إيها فداء لكم بني عجل )
فقاتلوهم ذلك اليوم ومالت العجم إلى بطحاء ذي قار خوفا من العطش فأرسلت إياد إلى بكر وكانوا مع الفرس وقالوا لهم إن شئتم هربنا الليلة وإن شئتم أقمنا ونفر حين تلاقون الناس فقال بل تقيمون وتنهزمون إذا التقينا وقال زيد بن حسان السكوني وكان حليفا لبني شيبان أطيعوني وأكمنوا لهم ففعلوا ثم تقاتلوا وحرض بعضهم بعضا وقالت ابنة القرين الشيبانية
( إيها بني شيبان صفا بعد صف % أن تهزموا يصبغوا فينا القلف )
فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبهم لتخف أيديهم لضرب السيوف فجالدوهم وبارزا لها مرز فبرز إليه برد بن حارثة اليشكري فقله برد ثم حملت ميسرة بكر وميمنتها وخرج الكمين فشدوا على قلب الجيش وفيهم إياس بن قبيصة الطائي وولت إياد منهم منهزمة كما وعدتهم فانهزمت الفرس واتبعتهم بكر تقتل ولا تلتفت إلى سلب وغنيمة وقال الشعراء في وقعة ذي قار فأكثروا
ذكر ملوك الحيرة بعد عمرو بن هند
ص 379
قد ذكرنا من ملك من آل نصر بن ربيعة إلى هلال بن عمرو بن هند فلما هلك عمرو ملك موضعه أخوه قابوس بن المنذر أربع سنين من ذلك أيام أنوشروان ثمانية أشهر وفي أيام هرمز ثلاث سنين وأربعة أشهر ثم ولي بعد قابوس السهراب ثم ملك بعده المنذر بن النعمان أربع سنين ثم ولي بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة من ذلك في زمان هرمز سبع سنين وثمانية أشهر وفي زمان ابنه إبرويز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر ثم ولي إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخير خان في زمان كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة ولثمانية أشهر من ولاية إياس بعث النبي ثم ولي أزادبه بن مابيان الهمذاني سبع عشرة سنة من ذلك في زمان كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر وفي زمان شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر وفي زمن أردشير ابن شيرويه سنة وسبعة أشهر وفي زمن بوران دخت ابنة كسرى شهرا ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر وهو الذي تسميه العرب ( المغرور ) الذي قتل بالبحرين يوم جؤاثا وكانت ولايته إلى أن قدم عليه خالد بن الوليد الحيرة ثمانية أشهر وكان آخر من بقي من آل نصر وانقرض ملكهم مع انقراض ملك فارس فجميع ملوك آل نصر فيما زعم هشام عشرون ملكا ملكوا خمسمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر
ذكر المروزان وولايته اليمن من قبل هرمز
ص 380
قال هشام استعمل كسرى هرمز المروزان بعد عزل زرين عن اليمن وأقام باليمن حتى ولد له فيها ثم إن أهل جبل يقال له المضايع منعوه من الخراج فقصدهم فرأى جبلهم لا يقدر عليه لحصانته وله طريق واحد يحميه رجل واحد وكان يحاذي ذلك الجبل جبل آخر وقد قارب هذا الجبل فأجرى فرسه فعبر به ذلك المضيق فلما رأته حمير قالوا هذا شيطان وملك حصنهم وأدوا الخراج وأرسل إلى كسرى يعلمه فاستدعاه إليه فاستخلف ابنه خر خرسه على اليمن وسار إليه فمات في الطريق وعزل كسرى خرخسره عن اليمن وولى باذان وهو آخر من قدم اليمن من ولاة العجم
ذكر قتل كسرى إبرويز
ص 380
كان كسرى قد طغى لكثرة ماله وما فتحه من بلاد العدو ومساعدة الأقدار وشره على أموال الناس ففسدت قلوبهم وقيل كانت له اثنتا عشر ألف امرأة وقيل ثلاثة آلاف امرأة يطؤهن وألوف جوار وكان له خمسون ألف دابة وكان أرغب الناس في الجوهر والأواني وغير ذلك
وقيل إنه أمر أن يحصى ما جبى من خراج بلاده في سنة ثمان عشرة من ملكه فكان من الورق مائة ألف ألف مثقال وعشرون ألف ألف مثقال وأنه احتقر الناس وأمر رجلا اسمه زاذان بقتل كل مقيد في سجونه فبلغوا ستة وثلاثين ألفا فلم يقدم زاذان على قتلهم فصاروا أعداء له وكان أمر بقتل المنهزمين من الروم فصاروا أيضا أعداء له واستعمل رجلا على استخلاص بواقي الخراج فعسف الناس فظلمهم ففسدت نياتهم ومضى ناس من العظماء إلى بابل فأحضروا ولده شيرويه بن إبرويز فإن كسرى كان قد ترك أولاده بها ومنعهم من التصرف وجعل عندهم من يؤدبهم فوصل إلى بهرشير فدخلها ليلا فأخرج من كان في سجونها واجتمع إليه أيضا الذين كان كسرى أمر بقتلهم فنادوا قباذ شاهنشاه وساروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى فهرب حرسه وخرج كسرى إلى بستان قريب من قصره هاربا فأخذ أسيرا وملكوا ابنه فأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه ثم قتله الفرس وساعدهم ابنه
وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما هاجر النبي من مكة إلى المدينة قيل وكان لكسرى ابرويز ثمانية عشر ولدا وكان أكبرهم شهريار وكانت شيرين قد تبنته فقال المنجمون لكسرى إنه سيولد لبعض ولدك غلام يكون خراب هذا المجلس وذهاب الملك على يديه وعلامته نقص في بعض بدنه فمنع ولده عن النساء لذلك حتى شكا شهريار إلى شرين الشبق فأرسلت إليه جارية كانت تحجمها وكانت تظن أنها لا تلد فلما وطئها علقت بيزدجرد فكتمته خمس سنين ثم إنها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر فقالت أيسرك أن ترى لبعض بنيك ولدا قال نعم فأتته بيزدجرد فأحبه وقربه فبينما هو يلعب ذات يوم ذكر ما قيل فأمر به فجرد من ثيابه فرأى النقص في أحد وركيه فأراد قتله فمنعته شرين وقالت إن كان الأمر في الملك قد حضر فلا مرد له فأمرت به فحمل إلى سجستان وقيل بل تركته في السواد في قرية يقال لها خمانية ولما قتل كسرى ابرويز بن هرمز ملك ابنه شيرويه
ذكر ملك كسرى شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان
ص 382
لما ملك شيرويه بن ابرويز وأمه مريم ابنة موريق ملك الروم واسمه قباذ دخل عليه العظماء والأشراف فقالوا لا يستقيم أن يكون لنا ملكان فإما أن تقتل كسرى ونحن عبيدك وإما أن نخلعك ونطيعه فانكسر شيرويه من هذه المقالة ونقل أباه من دار الملك إلى موضع آخر حبسه فيه ثم جمع العظماء وقال قد رأينا الإرسال إلى كسرى بما كان من إساءته ونوقفه على أشياء منها فأرسل إليه رجلا يقال له أسباد خشنش كان يلي تدبير المملكة وقال له قل لأبينا الملك عن رسالتنا إن سوء أعمالك فعل بك ما ترى منها جرأتك على أبيك وسملك عينيه وقتلك أياه ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك في منعنا من مجالسة الناس وكل ما لنا فيه دعة ومنها إساءتك إلى من خلدت في السجون ومنها إساءتك إلى النساء تأخذهن لنفسك وتركك العطف عليهن ومنعهن ممن يعاشرهن ويرزقن منه الولد ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة من العنف والغلظة والفظاظة ومنها جمع الأموال في شدة وعنف من أربابها ومنها تجميرك الجنود في ثغور الروم وغيرها وتفريقك بينهم وبين أهليهم ومنها غدرك بموريق ملك الروم مع إحسانه إليك وحسن بلائه عندك وتزويجه إياك بابنته ومنعك إياه خشية الصليب التي لم يكن بك ولا بأهل بلادك إليها حاجة فإن كان لك حجة تذكرها فافعل وإن لم يكن لك حجة فتب إلى الله تعالى حتى يأمر فيك بأمره
قال فجاء الرسول إلى كسرى ابرويز فأدى إليه الرسالة فقال ابرويز قل عني لشيرويه القصير العمر لا ينبغي لأحد أن يتوب من أجل الصغير من الذنب إلا بعد أن يتيقنه فضلا عن عظيمه ما ذكرت وكثرت منا ولو كنا كما تقول لم يكن لك أيها الجاهل أن تنشر عنا مثل هذا العظيم الذي يوجب علينا القتل لما يلزمك في ذلك من العيوب فإن قضاة أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من أبيه وينفونه من مضامة الأخيار ومجالستهم فضلا عن أن يملك مع أنه قد بلغ منا بحمد الله من إصلاحنا أنفسنا وأبناءنا ورعيتنا ما ليس في شيء منه تقصير ونحن نشرح الحال فيما لزمنا من الذنوب لتزداد علما بجهلك فمن جوابنا
أن الأشرار أغروا كسرى هرمز والدنا بنا حتى اتهمنا فرأيناه من سوء رأيه فينا ما يخوفنا منه فاعتزلنا بابه إلى أذربيجان وقد استفاض ذلك فلما انتهك منه ما انتهك شخصنا إلى بابه فهجم المنافق بهرام علينا فأجلانا عن المملكة فسرنا إلى الروم وعدنا إلى ملكنا واستحكم أمرنا فبدأنا بأخذ الثأر ممن قتل أبانا أو شرك في دمه
وأما ما ذكرت في أبنائنا فإننا وكلنا بكم من يكفيكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم فتتأذى بكم الرعية والبلاد وكنا أقمنا لكم النفقات الواسعة وجميع ما تحتاجون إليه وأما أنت خاصة فإن المنجمين قضوا في مولدك أنك مثرب علينا وأن يكون ذلك بسبيلك وأن ملك الهند كتب إليك كتابا وأهدى لك هدية فقرأنا الكتاب فإذا هو يبشرك بالملك بعد ثمان وثلاثين سنة من ملكنا وقد ختمنا على الكتاب وعلى مولدك وهما عند شيرين فإن أحببت أن تقرأهما فافعل فلم يمنعنا ذلك عن برك والإحسان إليك فضلا عن قتلك
وأما ما ذكرت عمن خلدناه في السجون فجوابنا أننا لم نحبس إلا من وجب عليه القتل أو قطع بعض الأطراف وقد كان الموكلون بهم والوزراء يأمروننا بقتل من وجب قتله قبل أن يحتالوا لأنفسهم فكنا بحبنا الاستبقاء وكراهتنا لسفك الدماء نتانى بهم ونكل أمرهم إلى الله تعالى فإن أخرجتهم من محبسهم عصيت ربك ولتجدن غب ذلك
وأما قولك إنا جمعنا الأموال وأنواع الجواهر والأمتعة بأعنف جمع وأشد إلحاح فاعلم أيها الجاهل أنه إنما يقيم الملك بعد الله تعالى الأموال والجنود وخاصة ملك فارس الذي قد اكنتفته الأعداء ولا يقدر على كفهم وردعهم عما يريدونه إلا بالجنود والأسلحة والعدد ولا سبيل إلى ذلك إلا بالمال وقد كان أسلافنا جمعوا الأموال والسلاح وغير ذلك فأغار المنافق بهرام ومن معه على ذلك إلا اليسير فلما جمعوا الأموال ملكنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة أرسلنا إلى نواحي بلادنا اصبهبدين وقامر وسانين فكفوا الأعداء وأغاروا على بلادهم ووصل إلينا غنائم بلادهم من أصناف الأموال والأمتعة مالا يعلمه إلا الله تعالى وقد بلغنا أنك هممت بتفريق هذه الأموال على رأي الأشرار المستوجبين للقتل ونحن نعلمك أن هذه الأموال لم تجتمع إلا بعد الكد والتعب والمخاطرة بالنفوس فلا تفعل ذلك فإنها كهف ملكك وبلادك وقوة على عدوك
فلما انصرف اسباد خشنش إلى شيرويه قص عليه جواب أبيه ثم إن عظماء الفرس عادوا إلى شيرويه فقالوا إما أن تأمر بقتل أبيك وإما أن نطيعه ونخلعك فأمر بقتله على كره منه وانتدب لقتله رجالا ممن وترهم كسرى ابرويز وكان الذي باشر قتله شاب يقال له مهر هرمز بن مرد انشاه من ناحية نيمروذ فلما قتل شق شيرويه ثيابه وبكى ولطم وجهه وحملت جنازته وتبعها العظماء وأشراف الناس
فلما دفن أمر شيرويه بقتل مهر هرمز قاتل أبيه وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ثم إن شيرويه قتل إخوته فهلك منهم سبعة عشر أخا ذوي شجاعة وأدب بمشورة وزيره فيروز وابتلى شيرويه بالأمراض ولم يلتذ بشيء من الدنيا وكان هلاكه بدسكرة الملك وجزع بعد قتل إخوته جزعا شديدا
ويقال أنه لما كان اليوم الثاني من قتل إخوته دخلت عليه بوران وازرميدخت اختاه فأغلظتا له وقالتا حملك الحرص على الملك الذي لا يتم لك على قتل أبيك وإخوتك فلما سمع ذلك بكى بكاء بكاءا شديدا ورمى التاج عن رأسه ولم يزل مهموما مدنفا ويقال إنه أباد من قدر عليه من أهل بيته وفشا الطاعون في أيامه فهلك من الفرس أكثرهم ثم هلك هو وكان ملكه ثمانية أشهر
ذكر ملك أردشير
ص 384
وكان عمره سبع سنين فلما توفي شيرويه ملك الفرس عليهم ابنه اردشير وحضنه رجل يقال له بهادر جسنس مرتبته رياسة أصحاب المائدة فأحسن سياسة الملك فبلغ من أحكامه ذلك ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير وكان شهريراز بثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى أبرويز وكان قد صلح له بعده ما فعل بالروم مما ذكرناه وكان ينفذ له الخلع والهدايا وكان أبرويز وشيرويه يكاتبانه ويستشيرانه فلما لم يشاوره عظماء الفرس في تمليك اردشير اتخذ ذلك ذريعة إلى التعنت وبسط يده في القتل وجعله سببا للطمع في الملك احتقارا لأردشير لصغر سنه فأقبل بجنده نحو المدائن فتحول اردشير وبهادر جسنس ومن بقي من نسل الملك إلى مدينة طيسفون فحاصرهم شهريراز ونصب عليهم المجانيق فلم يظفر بشيء فأتاها من قبل المكيدة فلم يزل يخدع رئيس الحرس واصبهبد نيمروذ حتى فتحا له باب المدينة فدخلها وقتل جماعة من الرؤساء وأخذ أموالهم وقتل بعض أصحابه اردشير في إيوان خسرو شاه قباذ بأمر شهريراز وكان ملكه سنة وستة أشهر
ذكر ملك شهريراز
ص 385
ولم يكن من بيت الملك لما قتل أردشير جلس شهريراز واسمه فرخان على تخت المملكة فحسن جلس ضرب عليه بطنه فاشتد ذلك ثم عوفي وتعاهد ثلاثة إخوة من أهل اصطخر على قتله غضبا لقتل أردشير وكانوا في حرسه وكان الحرس يقفون سماطين إذا ركب الملك عليهم السلاح وبأيديهم السيوف والرماح فإذا حاذى الملك بعضهم وضع جبهته على ترسه فوق الترس كهيئة السجود فركب شهريراز يوما فوقف الأخوة الثلاثة بعضم قريب من بعض فلما حاذاهم طعنوه فسقط ميتا فشدوا في رجله حبلا وجروه وساعدهم بعض العلماء وتساعدوا على قتل جماعة قتلوا أردشير وكان جميع ملكه أربعين يوما
ذكر ملك بوران ابنة ابرويز بن هرمز بن أنو شروان
ص 385
لما قتل شهريراز ملكت الفرس بوران لأنهم لم يجدوا من بيت المملكة رجلا يملكونه فلما أحسنت السيرة في رعيتها وعدلت فيهم فأصلحت القناطر ووضعت ما بقي من الخراج وردت خشبة الصليب على ملك الروم وكانت مملكتها سنة وأربعة أشهر
ثم ملك بعدها رجل يقال له خشنشبندة من بني عم أبرويز الأبعدين وكان ملكه أقل من شهر وقتله الجند لأنهم أنكروا سيرته
ذكر ملك أرزميدخت ابنة أبرويز
ص 386
لما قتل خشنشبنده ملكت الفرس أرزميدخت ابنة أبرويز وكانت من أجمل النساء وكان عظيم الفرس يومئذ فرخهر من أصبهند خرسان فأرسل إليها يختطبها فقالت إن التزوج للملكة غير جائز وغرضك قضاء حاجتك مني فصر إلى وقت كذا ففعل وسار إليها تلك الليلة فتقتدمت إلى صاحب حرسها أن يقتله فقتله وطرح في رحبة دار المملكة فلما أصبحوا رأوه قتيلا فغيبوه وكان ابنه رستم وهو الذي قاتل المسلمين بالقادسية خليفة أبيه بخراسان فسار في عسكر حتى نزل بالمدائن وسمل عيني أرزميدخت وقتلها وقيل بل سمت وكان ملكها ستة أشهر
قيل ثم أتى رجل يقال له كسرى بن مهرجسنس من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز فملكه العظماء ولبس التاج وقتل بعد أيام وقيل إن الذي ملك بعد أرزميدخت خرزادخسرو من ولد أبرويز وأمه كردية أخت بسطام قيل وجد بحصن الحجارة بقرب نصيبين فمكث أياما يسيرة ثم خلعوه وقتلوه وكان ملكه ستة أشهر وقال الذين قالوا ملك كسرى بن مهرجسنس أنه لما طلب عظماء الفرس من له نسب ببيت المملكة ولو من النساء فأتوا برجل كان يسكن ميسان يقال له فيروز بن مهران جسنس ويسمى أيضا جسنسنده أمه صهار بخت ابنة بزدانزان بن أنوشروان فملكوه وكان ضخم الرأس فلما توج قال ما أضيق هذا التاج فتطيروا من كلامه فقتلوه في الحال وقيل كان قتله بعد أيام
ذكر ملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز
ص 386
ثم إن الفرس اضطرب أمرهم ودخل المسلمون بلادهم فطلبوا أحدا من بيت المملكة ليملكوه ويقاتلوا بين يديه ويحفظوا بلادهم فظفروا بيزدجرد بن شهربار بن أبرويز باصطخر فأخذوه وساروا به إلى المدائن فملكوه واستقر في الملك غير أن ملكه كان كالخيال عند ملك أهل بيته وكان الوزراء والعظماء يدبرون ملكه لحداثة سنة وضعف أمر مملكتة فارس واجترأ عليهم الأعداء وتطرقوا بلادهم وغزت العرب بلاده بعد أن مضى من ملكه سنتان وكان عمره كله إلى أن قتل ثمانيا وعشرين سنة وبقي من أخباره ما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه من فتوح المسلمين
هذا آخر ملوكم الفرس ونذكر بعده التواريخ الإسلامية على سياقة سني الهجرة ونقدم قبل ذلك الأيام المشهورة للعرب في الجاهلية ثم نأتي بعدها بالحوادث الإسلامية إن شاء الله تعالى
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.