الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الأول / ذكر ملك لهراسب وابنه بشتاسب وظهور زرادشت
41

ذكر ملك لهراسب وابنه بشتاسب وظهور زرادشت

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 196
ص 196

قد ذكرنا أن كيخسرو لما حضرته الوفاة عهد إلى ابن عمه لهراسب بن كيوخي بن كيكاووس فهو ابن كيكاووس فلما ملك اتخذ سريرا من ذهب وكلله بأنواع الجواهر وبنيت به بأرض خرسان مدينة بلخ وسماها الحسناء ودون الدواوين وقوى ملكه بانتخابه الجنود وعمر الأرض وجبى الخراج لأرزاق الجند واشتدت شوكة الترك في زمانه فنزل مدينة بلخ لقتالهم وكان محمودا عند أهل مملكته شديد القمع لاعدائه المجاورين له شديد التفقد لأصحابه بعيد الهمة عظيم البنيان وشق عدة أنهار وعمر البلاد وحمل إليه ملوك الهند والروم والمغرب الخراج وكاتبوه بالتمليك هيبة له وحذرا منه ثم انه تنسك وفارق الملك واشتغل بالعبادة واستخلف ابنه بشتاسب في الملك وكان ملكه مائة وعشرين سنة

وملك بعده ابنه بتشاسب وفي أيامه ظهر زرادشت بن سقيمان الذي ادعى النبوة وتبعه المجوس وكان زرادشت فيما يزعم أهل الكتاب من أهل فلسطين يخدم لبعض تلامذة أرميا خاصة به فخانه وكذب عليه فدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد أذربيجان وشرع بها دين المجوس

وقيل إنه من العجم وصنف كتابا وطاف به الأرض فما عرف أحد معناه وزعم أنها لغة سماوية خوطب بها وسماه اشتا فسار من أذربيجان إلى فارس فلم يعرفوا ما فيه ولم يقبلوه فسار إلى الهند وعرضه على ملوكها ثم أتى الصين والترك فلم يقبله أحد وأخرجوه من بلادهم وقصد فرغانه فأراد ملكها أن يقتله فهرب منها وقصد بشتاسب بن لهراسب فأمر بحبسه فحبس مدة سنة

وشرح زرادشت كتابه وسماه زند ومعناه التفسير ثم شرح الزند بكتاب سماه بازند يعني التفسير وفيه علوم مختلفة كالرياضات وأحكام النجوم والطب وغير ذلك من أخبار القرون الماضية وكتب الأنبياء وفي كتابه تمسكوا بما جئتكم به إلى أن يجيئكم صاحب الجمل الأحمر يعني محمدا وذلك على رأس ألف سنة وستمائة سنة وبسبب ذلك وقعت البغضاء بين المجوس والعرب ثم يذكر عند أخبار سابور ذي الأكتاف أن من جملة الأسباب الموجبة لغزوة العرب هذا القول والله أعلم

ثم إن بشتاسب أحضر رزادشت وهو ببلخ فلما قدم عليه شرع له دينه فأعجبه واتبعه وقهر الناس على اتباعه وقتل منهم خلقا كثيرا حتى قبلوه ودانوا به

وأما المجوس فيزعمون أن أصله من أذربيجان وأنه نزل على الملك من سقف إيوانه وبيده كبة من نار يلعب بها ولا تحرقه وكل من أخذها من يده لم تحرقه وانه اتبعه الملك ودان بدينه وبنى بيوت النيران في البلاد وأشعل من تلك النار في بيوت النار فيزعمون أن النيران التي في بيوتهم عبادتهم من تلك إلى الآن

وكذبوا فإن النار التي للمجوس طفئت في جميع البيوت لما بعث الله محمدا على ما نذكره إن شاء الله تعالى

وكان ظهور زرادشت بعد مضي ثلاثين سنة من ملك بشتاسب وأتاه بكتاب زعم أنه وحي من الله تعالى وكتب في جلده اثني عشر ألف بقرة حفرا ونقشا بالذهب فجعله بشتاسب في موضع باصطخر ومنع من تعليمه العامة وكان بشتاسب وآباؤه قبله يدينون الصابئة وسيرد باقي أخباره

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.