قد ذكرنا أن كيخسرو لما حضرته الوفاة عهد إلى ابن عمه لهراسب بن كيوخي بن كيكاووس فهو ابن كيكاووس فلما ملك اتخذ سريرا من ذهب وكلله بأنواع الجواهر وبنيت به بأرض خرسان مدينة بلخ وسماها الحسناء ودون الدواوين وقوى ملكه بانتخابه الجنود وعمر الأرض وجبى الخراج لأرزاق الجند واشتدت شوكة الترك في زمانه فنزل مدينة بلخ لقتالهم وكان محمودا عند أهل مملكته شديد القمع لاعدائه المجاورين له شديد التفقد لأصحابه بعيد الهمة عظيم البنيان وشق عدة أنهار وعمر البلاد وحمل إليه ملوك الهند والروم والمغرب الخراج وكاتبوه بالتمليك هيبة له وحذرا منه ثم انه تنسك وفارق الملك واشتغل بالعبادة واستخلف ابنه بشتاسب في الملك وكان ملكه مائة وعشرين سنة
وملك بعده ابنه بتشاسب وفي أيامه ظهر زرادشت بن سقيمان الذي ادعى النبوة وتبعه المجوس وكان زرادشت فيما يزعم أهل الكتاب من أهل فلسطين يخدم لبعض تلامذة أرميا خاصة به فخانه وكذب عليه فدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد أذربيجان وشرع بها دين المجوس
وقيل إنه من العجم وصنف كتابا وطاف به الأرض فما عرف أحد معناه وزعم أنها لغة سماوية خوطب بها وسماه اشتا فسار من أذربيجان إلى فارس فلم يعرفوا ما فيه ولم يقبلوه فسار إلى الهند وعرضه على ملوكها ثم أتى الصين والترك فلم يقبله أحد وأخرجوه من بلادهم وقصد فرغانه فأراد ملكها أن يقتله فهرب منها وقصد بشتاسب بن لهراسب فأمر بحبسه فحبس مدة سنة
وشرح زرادشت كتابه وسماه زند ومعناه التفسير ثم شرح الزند بكتاب سماه بازند يعني التفسير وفيه علوم مختلفة كالرياضات وأحكام النجوم والطب وغير ذلك من أخبار القرون الماضية وكتب الأنبياء وفي كتابه تمسكوا بما جئتكم به إلى أن يجيئكم صاحب الجمل الأحمر يعني محمدا وذلك على رأس ألف سنة وستمائة سنة وبسبب ذلك وقعت البغضاء بين المجوس والعرب ثم يذكر عند أخبار سابور ذي الأكتاف أن من جملة الأسباب الموجبة لغزوة العرب هذا القول والله أعلم
ثم إن بشتاسب أحضر رزادشت وهو ببلخ فلما قدم عليه شرع له دينه فأعجبه واتبعه وقهر الناس على اتباعه وقتل منهم خلقا كثيرا حتى قبلوه ودانوا به
وأما المجوس فيزعمون أن أصله من أذربيجان وأنه نزل على الملك من سقف إيوانه وبيده كبة من نار يلعب بها ولا تحرقه وكل من أخذها من يده لم تحرقه وانه اتبعه الملك ودان بدينه وبنى بيوت النيران في البلاد وأشعل من تلك النار في بيوت النار فيزعمون أن النيران التي في بيوتهم عبادتهم من تلك إلى الآن
وكذبوا فإن النار التي للمجوس طفئت في جميع البيوت لما بعث الله محمدا على ما نذكره إن شاء الله تعالى
وكان ظهور زرادشت بعد مضي ثلاثين سنة من ملك بشتاسب وأتاه بكتاب زعم أنه وحي من الله تعالى وكتب في جلده اثني عشر ألف بقرة حفرا ونقشا بالذهب فجعله بشتاسب في موضع باصطخر ومنع من تعليمه العامة وكان بشتاسب وآباؤه قبله يدينون الصابئة وسيرد باقي أخباره
