الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الأول / ذكر ملك سليمان بن داود عليه السلام
35

ذكر ملك سليمان بن داود عليه السلام

الجزء الأول 4 عنصر صفحة 174
ص 174

لما توفي داود ملك بعده ابنه سيلمان على بني إسرائيل وكان ابن ثلاثة عشرة سنة وآتاه مع الملك النبوة وسأل الله أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فاستجاب له وسخر له الأنس والجن والشياطين والطير والريح فكان إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الأنس والجن حتى يجلس

وقيل إنما سخر له الريح والجن والشياطين والطير وغير ذلك بعد أن زال ملكه وأعاده الله سبحانه إليه على ما نذكره

وكان أبيض جسيما كثير الشعر يلبس البياض وكان أبوه يستشيره في حياته ويرجع إلى قوله فمن ذلك ما قصه الله في كتابه في قوله وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث الآية وكان خبره أن غنما دخلت كرما فأكلت عناقيده وأفسدته فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم فقال سليمان أو غير ذلك أن يسلم الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان ويدفع الغنم ويدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها إلى أن يعود كرمه إلى حاله ثم يأخذ كرمه ويدفع الغنم إلى صاحبها فامضى داود قوله وقال الله تعالى ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما

قال بعض العلماء في هذا دليل على أن كل مجتهد في الأحكام الفرعية مصيب فإن أخطأ داود أخطأ الحكم الصحيح عند الله تعالى وأصابه سليمان فقال له الله تعالى وكلا آتينا حكما وعلما

وكان سليمان يأكل من كسب يده وكان كثير الغزو وكان إذا أراد الغزو أمر بعمل بساط من خشب يسع عسكره ويركبون عليه هم ودوابهم وما يحتاجون إليه ثم أمر الريح فحملته فسار في غدوه مسيرة شهر وفي روحته كذلك

وكان له ثلثمائة زوجة وسبعمائة سرية وأعطاه الله أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا حملته الريح إليه فيعلم ما يقول

ذكر ما جرى له مع بلقيس ص 175

نذكر أولا ما قيل في نسبها وملكها ثم ما جرى له معها فنقول قد اختلف العلماء في اسم آبائها فقيل إنها هي بلقمة ابنة أنيشرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وقيل هي بلقمة ابنة الهدهاد واسمه أنيشرح بن تبع ذي الادغار ذي المنار بن تبع الرائش وقيل في نسبها غير ذلك ولا حاجة إلى ذكره

وقد اختلف الناس في التبايعة وتقديم بعضهم على بعض والزيادة في عددهم والنقصان اختلافا لا يحصل الناظر فيه على طائل وكذا أيضا اختلفوا في نسبها اختلافا كثيرا

وقال كثير من الرواة إن أمها جنية ابنة ملك الجن واسمها رواحة بنت السكر وقيل اسم أمها بلقمة بنت عمرو بن عمير الجني وإنما نكح أبوها إلى الجن لأنه قال ليس لي كفؤة فخطب إلى الجن فزوجوه

واختلفوا في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب اليهم فقيل إنه كان لهجا بالصيد فربما اصطاد الجن على صورة الظباء فيخلي عنهن فظهر له ملك الجن وشكره واتخذه صديقا فخطب ابنته فأنكحه على أن يعطيه ساحل البحر ما بين يبرين إلى عدن وقيل إن أباها خرج يوما متصيدا فرأى حيتين تقتتلان بيضاء وسوداء وقد ظهرت السوداء على البيضاء فأمر بقتل السوداء وحمل البيضاء وصب عليها ماء فأفاقت فأطلقها وعاد إلى داره وجلس منفردا فإذا معه شاب جميل فذعر منه فقال له لاتخف أنا الحية التي أنجيتني والأسود الذي قتلته غلام لنا تمرد علينا وقتل عدة من أهل بيتي وعرض عليه المال وعلم الطب فقال أما المال فلا حاجة لي به وأما الطب فهو قبيح بالملك ولكن إن كان لك بنت فزوجنيها فزوجه على شرط أن لا يغير عليها شيئا تعمله ومتى غير فارقته فأجابه إلى ذلك فحملت منه فولدت له غلاما فألقته في النار فجزع لذلك وسكت للشرط ثم حملت منه فولدت جارية فألقتها إلى كلبة فأخذتها فعظم ذلك عليه وصبر للشرط ثم إنه عصى عليه بعض أصحابه فجمع عسكره فسار إليه ليقاتله وهي معه فانتهى إلى مفازة فلما توسطها رأى جميع ما معهم من الزاد يخلط بالتراب وإذا الماء يصب من القرب والمزاود فأيقنوا بالهلاك وعلموا أنه من فعال الجن عن أمر زوجته فضاق ذرعا عن حمل ذلك فأتاها وجلس وأومأ إلى الأرض وقال يا أرض صبرت لك على إحراق ابني وإطعام الكلبة ابنتي ثم أنت الآن قد فجعتينا بالزاد والماء وقد أشرفنا على الهلاك

فقالت المرأة لو صبرت لكان خيرا لك وسأخبرك إن عدوك خدع وزيرك فجعل السم في الأوزاد والمياه ليقتلك وأصحابك فمر وزيرك ليشرب ما بقي من الماء ويأكل من الزاد فأمره فامتنع فقتله ودلتهم على الماء والميرة من قريب وقالت أما ابنك فدفعته إلى حاضنة تربيه وقد مات وأما ابنتك فهي باقية وإذا بجويرية قد خرجت من الأرض وهي بلقيس وفارقته امرأته وسار إلى عدوه فظفر به وقيل في سبب نكاحه اليهم غير ذلك

والجميع حديث خرافة لا أصل له ولا حقيقة

وأما ملكها من اليمن فقيل إن أباها فوض إليها الملك فملكت بعده وقيل بل مات عن غير وصية بالملك لأحد فأقام الناس ابن أخ له وكان فاحشا خبيثا فاسقا لا يبلغه عن بنت قيل ولا ملك ذات جمال إلا أحضرها وفضحها حتى انتهى إلى بلقيس بنت عمه فأراد ذلك منها فوعدته أن يحضر عندها إلى قصرها وأعدت له رجلين من أقاربها وأمرتهما بقتله إذا دخل عليها وانفرد بها فلما دخل إليها وثبا عليه فقتلاه فلما قتل أحضرت وزراءه فقرعتهم فقالت أما كان فيكم من يأنف لكريمته وكرائم عشيرته ثم أرتهم إياه قتيلا وقالت اختاروا رجلا تملكونه فقالوا لا نرضى بغيرك فملكوها

وقيل إن أباها لم يكن ملكا وإنما كان وزير الملك وكان الملك خبيثا قبيح السيرة يأخذ بنات الأقيال والأعيان والأشراف وأنها قتلته فملكها الناس عليهم

وكذلك أيضا عظموا ملكها وكثرة جندها فقيل كان تحت يدها أربعمائة ملك كل ملك منهم على كورة مع كل ملك منهم أربعة آلاف مقاتل وكان لها ثلثمائة وزير يدبرون ملكها وكان لها اثنا عشر قائدا يقود كل قائد منهم اثني عشر ألف مقاتل

وبالغ آخرون مبالغة تدل على سخف عقولهم وجهلهم قالوا كان لها اثنا عشر ألق قيل تحت يد كل قيل مائة ألف مقاتل مع كل مقاتل سبعون ألف جيش في كل جيش سبعون ألف مبارز ليس فيهم إلا أبناء خمس وعشرين سنة

وما أظن الساعة راوي هذا الكذب الفاحش عرف الحساب حتى يعلم مقدار جهله ولو عرف مبلغ العدد لاقصر عن إقدامه على هذا القول السخيف فإن أهل الأرض لا يبلغون جميعهم شبابهم وشيوخهم وصبيانهم ونساؤهم هذا العدد فكيف أن يكونوا أبناء خمس وعشرين سنة فياليت شعري كم يكون غيرهم ممن ليس من أسنانهم وكم تكون الرعية وأراب الحرف والفلاحة وغير ذلك وإنما الجند بعض أهل البلاد وإن كان الحاصل من اليمن قد قل في زماننا فإن رقعة أرضه لم تصغر وهي لا تسع هذا العدد قياما كل واحد إلى جانب الآخر

ثم إنهم قالوا أنفقت على كوة بيتها التي تدخل الشمس منها فتسجد لها ثلثمائة ألف أوقية من الذهب وقالوا غير ذلك وذكروا من أمر عرشها ما يناسب كثرة جيشها فلا نطول بذكره

وقد تواطؤا على الكذب والتلاعب بعقول الجهال واستهانوا بما يلحقهم من استجهال العقلاء لهم وإنما ذكرنا هذا على قبحه ليقف من كان يصدق به عليه فينتهي إلى الحق

وأما سبب مجيئها إلى سليمان وإسلامها فإنه طلب الهدهد فلم يره وإنما طلبه لأن الهدهد يرى الماء من تحت الأرض فيعلم هل في تلك الأرض ماء أم لا وهل هو قريب أم بعيد فبينما سليمان في بعض مغازيه إذ احتاج إلى الماء فلم يعلم أحد ممن معه بعده فطلب الهدهد ليسأله عن ذلك فلم يره

وقيل بل الشمس إلى سليمان فنظر ليرى من أين نزلت لان الطير كانت تظله فرأى موضع الهدهد فارغا فقال لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين وكان الهدهد قد مر على قصر بلقيس فرأى بستانا لها خلف قصرها فمال إلى الخضرة فرأى فيه هدهدا فقال له أين أنت عن سليمان وما تصنع ههنا فقال له ومن سليمان فذكر له حاله وما سخر له من الطير وغيره فعجب من ذلك فقال له هدهد سليمان وأعجب من ذلك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجعلوا الشكر لله أن سجدوا للشمس من دونه وكان عرشها سريرا من ذهب مكلل بالجواهر النفيسة من اليواقيت والزبرجد واللؤلؤ ثم إن الهدهد عاد إلى سليمان فأخبره بعذره في تأخيره فقال له اذهب بكتابي هذا فألقه إليها فوافاها وهي في قصرها فألقاه في حجرها فأخذته وقرأته وأحضرت قومها وقالت إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين قالت وإني مرسلة إليهم بهدية فإن قبلها فهو من ملوك الدنيا فنحن أعز منه وأقوى وإن لم يقبلها فهو نبي من الله فلما جاءت الهدية إلى سليمان قال للرسل أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم إلى قوله وهم صاغرون فلما رجع الرسل إليها سارت إليه وأخذت معها الأقيال من قومها وهم القواد وقدمت عليه فلما قاربته وصارت منه على نحو فرسخ قال لأصحابه أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك يعني قبل أن تقوم في الوقت الذي تقصد فيه بيتك للغذاء قال سليمان أريد أسرع من ذلك قال الذي عنده علم من الكتاب وهو آصف بن برخيا وكان يعرف اسم الله الأعظم أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك وقال له انظر إلى السماء وأدم النظر فلا ترد طرفك حتى أحضره عندك وسجد ودعا فرأى سليمان العرش قد نبع من تحت سريره فقال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر إذ أتاني به قبل أن يرتد إلي طرفي أم أكفر إذ جعل تحت يدي من هو أقدر مني على إحضاره فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو ولقد تركته في حصون وعند جنود تحفظه فكيف جاء إلى ههنا

فقال سليمان للشياطين ابنوا لي صرحا تدخل علي فيه بلقيس فقال بعضهم إن سليمان قد سخر له ما سخر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا وكانت امرأة شعراء الساقين فقال الشياطين ابنوا لي بنيانا يرى ذلك منها فلا يتزوجها فبنوا له صرحا من قوارير خضر وجعلوا له طوابق من قوارير بيض فبقي كأنه الماء وجعلوا تحت الطوابق صور دواب البحر من السمك وغيره وقعد سليمان على كرسي ثم أمر فأدخلت بلقيس عليه فلما أرادت أن تدخله ورأت صور السمك ودواب الماء حسبته لجة ماء فكشف عن ساقيها لتدخل فلما رآها سليمان صرف نظره عنها قال إنه صرح ممرد من قوارير فقالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين فاستشار سليمان في شيء يزيل الشعر ولا يضر الجسد فعلم له الشياطين النورة فهي أول ما عملت النورة ونكحها سليمان وأحبها حبا شديدا وردها إلى ملكها باليمن فكان يزروها كل شهر مرة يقيم عندها ثلاثة أيام

وقيل إنه أمرها أن تنكح رجلا من قومها فامتنعت وأنفت من ذلك فقال لا يكون في الإسلام إلا ذلك فقالت إن كان ولا بد من ذلك فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها ذا تبع على الملك وأمر الجن من أهل اليمن بطاعته فاستعملهم ذو تبع فعملوا له عدة حصون باليمن منها سلخين ومراوخ وفليون وهنيدة وغيرها فلما مات سليمان لم يطيعوا ذا تبع وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان

وقيل بل بقيا وقيل إن بلقيس ماتت قبل سليمان بالشام وأنه دفنها بتدمر وأخفى قبرها

ذكر غزوته أبا زوجته جرادة ونكاحها وعبادة الصنم في داره وأخذ خاتمه ص 181

قيل سمع سليمان بملك في جزيرة من جزائر البحر وشده ملكه وعظم شأنه وأنه لم يكن للناس إليه سبيل فخرج سليمان إلى تلك الجزيرة وحملته الريح حتى نزل بجنوده بها فقتل ملكها وغنم ما فيها وغنم بنتا للملك لم ير الناس مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على قلة رغبة فيه وأحبها حبا شديدا وكانت لا يذهب حزنها ولا تزال تبكي فقال لها ويحك ما هذا الحزن والدمع الذي لا يرقأ

قالت إني أذكر أبي وملكه وما أصابه فيحزنني ذلك قال فقد أبدلك الله ملكا خيرا من ملكه وهداك إلى الإسلام فقالت إنه كذلك لكني إذا ذكرته أصابني ما ترى فلو أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري أراها بكرة وعشية لرجوت أن يذهب ذلك حزني

فأمر الشياطين فعملوا لها مثل صورته لا ينكر منها شيئا وألبستها ثيابا مثل ثياب أبيا وكانت إذا خرج سليمان من دارها تغدوا عليه في جواريها فتسجد له ويسجدن معها وتروح عشية ويرحن فتفعل مثل ذلك ولا يعلم سليمان بشيء من أمرها أربعين صباحا

وبلغ الخبر آصف بن برخيا وكان صديقا وكان لا يرد من منازل سليمان أي وقت أراد من ليل أو نهار سواء كان سليمان حاضرا أو غائبا فأتاه فقال يا نبي الله قد كبر سني ودق عظمي وقد حان مني ذهاب بصري وقد أحببت أن أقوم مقاما أذكر فيه أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما يجهلون قال افعل

فجمع له سليمان الناس فقام آصف خطيبا فيهم فذكر من مضى من الأنبياء وأثنى عليهم حتى انتهى إلى سليمان فقال ما كان أحلمك في صغرك وأبعدك عن كل ما يكره في صغرك ثم انصرف فملئ سليمان غضبا فأرسل إليه وقال له يا آصف لما ذكرتني جعلت تثني علي في صغري وسكت عما سوى ذلك فما الذي أحدثت في آخر أمري

قال إن غير الله ليعبد في دارك أربعين يوما في هوى امرأة قال إنا لله وإنا إليه راجعون لقد علمت أنك ما قلت إلا عن شيء بلغك

ودخل داره وكسر الصنم وعاقب تلك المرأة وجواريها

ثم أمر بثياب الطهارة فأتي بها وهي ثياب تغزلها الأبكار اللائي لم يحضن لم تمسها امرأة ذات دم فلبسها وخرج إلى الصحراء وفرش الرماد ثم أقبل تائبا إلى الله وتمعك في الرماد بثيابه تذللا لله تعالى وتضرعا وبكى واستغفر يومه ذلك ثم عاد إلى داره وكانت أم ولد له لا يثق إلا بها يسلم خاتمه إليها وكان لا ينازعه إلا عند دخول الخلاء وأراد يصيب امرأة يسلمه إليها حتى يتطهر وكان ملكه في خاتمه فدخل في بعض تلك الأيام الخلاء وسلم خاتمه إليها فأتاها شيطان اسمه صخر الجني في صورة سليمان فأخذ الخاتم وخرج إلى كرسي سليمان وهو في صورة سليمان فجلس عليه وعكفت عليه الأنس والجن والطير وخرج سليمان وقد تغيرت حاله وهيئته فقال خاتمي فقالت ومن أنت قال أنا سليمان قالت كذبت لست بسليمان قد جاء سليمان وأخذ خاتمه مني وهو جالس على سريره فعرف سليمان خطيئته فخرج وجعل يقول لبني إسرائيل أنا سليمان فيحثون عليه التراب

فلما رأى ذلك قصد البحر وجعل ينقل سمك الصيادين ويعطونه كل يوم سمكتين يبيع إحداهما بخبز ويأكل الأخرى فبقي كذلك أربعين يوما

ثم إن آصف وعظماء بني إسرائيل أنكروا حكم الشيطان المتشبه بسليمان فقال آصف يا بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم سليمان ما رأيت قالوا نعم قال أمهلوني حتى أدخل على نسائه وأسألهن هل أنكرن ما أنكرنا منه

فدخل عليهن وسألهن فذكرن أشد مما عنده فقال إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين

ثم خرج إلى بني إسرائيل فأخبرهم فلما رأى الشيطان أنهم قد علموا به طار من مجلسه فمر بالبحر فألقى الخاتم فيه فبلعته سمكة واصطادها صياد وحمل له سليمان يومه ذلك فأعطاه سمكتين تلك السمكة إحداهما فأخذها فشقها ليصلحها ويأكلها فرأى خاتمه في جوفها فأخذه وجعله في أصبعه وخر لله ساجدا وعكفت عليه الأنس والجن والطير وأقبل عليه الناس ورجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وبث الشياطين في إحضار صخر الذي أخذ الخاتم فأحضروه فنقب له صخرة وجعله فيها وسد النقب بالحديد والرصاص وألقاه في البحر وكان مقامه في الملك أربعين يوما بمقدار عبادة الصنم في دار سليمان

وقيل كان السبب في ذهاب ملكه أن امرأة له كانت أبر نسائه عنده تسمى جرادة ولا يأتمن على خاتمه سواها فقالت له إن أخي بينه وبين فلان حكومة وأنا أحب أن تقضي له فقال أفعل ولم يفعل فابتلي وأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فخرج الشيطان في صورته فأخذه وخرج سليمان بعد فطلب الخاتم فقالت له ألم تأخذه قال لا وخرج من مكانه تائها وبقي الشيطان أربعين يوما يحكم بين الناس ففطنوا له وأحقدوا به ونشروا التوراة قرأوها فطار من بين أيديهم وألقى الخاتم في البحر فابتلعه حوت ثم إن سليمان قصد صيادا وهو جائع فاستطعمه وقال أنا سليمان فكذبه وضربه فشجه فجعل يغسل الدم فلام الصيادون صاحبهم وأعطوه سمكتين إحداهما التي ابتلعت الخاتم فشق بطنها وأخذ الخاتم فرد الله إليه ملكه فاعتذروا إليه فقال لا أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم وسخر الله له الجن والشياطين والريح ولم يكن سخرها له قبل ذلك وهو أشبه بظاهر القرآن وهو قوله تعالى قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد

وقيل في سبب زوال ملكه غير ذلك والله أعلم

ذكر وفاة سليمان ص 184

لما رد الله إلى سليمان الملك لبث فيه مطاعا والجن تعمل له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وغير ذلك ويعذب من الشياطين من شاء ويطلب من شاء حتى إذا دنا أجله وكان عادته إذا صلى كل يوم رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول ما اسمك فتقول كذا فيقول لأي شيء أنت فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت فبينما هو قد صلى ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك فقالت الخرنوبة فقال لها لأي شيء أنت قالت لخراب هذا البيت يعني بيت المقدس فقال سليمان ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب البيت وقلعها

ثم قال الله اعم الجن عن موتي حتى يعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب

وكان سليمان يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل وأكثر يدخل طعامه وشرابه فأدخله في المرة التي توفي فيها فبينما هو قائم يصلي متوكئا على عصاه أدركه أجله فمات ولا تعلم به الشياطين ولا الجن وهم في ذلك يعملون خوفا منه فأكلت الأرض عصاه فانكسرت فسقط فعلموا أنه قد مات وعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب ولو علموا الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ومقاساة الأعمال الشاقة

ولما سقط أراد بنو إسرائيل أن يعلموا منذ كم مات فوضعوا الأرضة على العصا يوما وليلة فأكلت منها فحسبوا بنسبة فكان أكل تلك العصا في سنة

ثم إن الشياطين قالوا للأرضة لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب لأتيناك بأطيب الشراب ولكنا سننقل لك الماء والطين فهم ينقلون إليها حيث كانت ألم تر إلى الطين يكون في وسط الخشبة فهو ما ينقلونه لها

قيل إن الجن والشياطين شكوا ما يلحقهم من التعب والنصب إلى بعض أولي التجربة منهم وقيل كان إبليس فقال لهم ألستم تنصرفون بأحمال وتعودون بغير أحمال قالوا بلى قال فلكم في كل ذلك راحة فحملت الريح الكلام فألقته في أذن سليمان فأمر الموكلين به أنهم إذا جاؤوا بالأحمال والألات التي يبني بها إلى موضع البناء والعمل يحملهم من هناك في عودتهم ما يلقونه من المواضع التي فيها الأعمال ليكون أشق عليهم وأسرع في العمل فاجتازوا بذلك الذي شكوا إليه حالهم فأعلموه حالهم فقال لهم انتظروا الفرج فإن الأمور إذا تناهت تغيرت فلم تطل مدة سليمان بعد ذلك حتى مات وكان مدة عمره ثلاثة وخمسين سنة وملكه أربعين سنة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.