الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
34

ذكر ملك داود

الجزء الأول 3 عنصر صفحة 168
ص 168

هو داود بن إيشا بن عوفيذ بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب بن رام بن حصرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق وكان قصيرا أزرق قليل الشعر فلما قتل طالوت أتى بنو إسرائيل داود فأعطوه خزائن طالوت وملكوه عليهم وقيل إن داود ملك قبل أن يقتل جالوت وسبب ملكه حينئذ أن الله أوصى إلى اشمويل ليأمر طالوت بغزو مدين وقتل من بها فسار إليها وقتل من بها إلا ملكهم فإنه أخذه أسيرا فأوحى الله إلى أشمويل قل لطالوت آمرك بأمر فتركته لأنزعن الملك منك ومن بنيك ثم لا يعود فيكم إلى يوم القيامة

وأمر اشمويل بتمليك داود فملكه وسار إلى جالوت فقتله والله أعلم

فلما ملك بني إسرائيل جعله الله نبيا وملكا وأنزل عليه الزبور وعلمه صنعة الدروع وهو أول من عملها وألان له الحديد وأمر الجبال والطير يسبحون معه إذا سبح ولم يعط الله أحدا مثل صوته وكان شديد الاجتهاد كثير العبادة والبكاء وكان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر وكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف وكان يأكل من كسب يده

وفي ملكه مسخ أهل أيلة قردة وسبب ذلك أنهم كانوا تأتيهم يوم السبت حيتان البحر كثيرا فإذا كان غير يوم السبت لا يجيء إليهم منها شيء فعملوا على جانب البحر حياضا كبيرة وأجروا فيها الماء فإذا كان آخر نهار يوم الجمعة يتحول الماء إلى الحياض فتدخلها الحيتان ولا تقدر على الخروج عنها فيأخذونها يوم الأحد فنهاهم بعض أهلها فلم ينتهوا فمسخهم الله قردة وبقوا ثلاثة أيام وهلكوا

ذكر فتنته بزوجة أوريا ص 169

ثم إن الله ابتلاه بزوجة أوريا وكان سبب ذلك أنه قد قسم زمانه ثلاثة أيام يوما يقضي فيه بين الناس ويوما يخلو فيه للعبادة ويوما يخلو فيه مع نسائه وكان له تسع وتسعون امرأة وكان يحسد فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال أي رب أرى الخير قد ذهب آبائي به فأعطني مثل ما أعطيتهم فأوحى الله إليه إن آباءك ابتلوا ببلاء فصبروا ابتلى إبراهيم بذبح ابنه وابتلى إسحاق بذهاب بصره وابتلى يعقوب بحزنه على يوسف

فقال رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم فأوحى الله إليه إنك مبتل فاحترس

وقيل كان سبب البلية أنه حدث نفسه أنه يطيق أن يقطع يوما بغير مقارفة سوء فلما كان اليوم الذي يخلو فيه للعبادة عزم على أن يقطع ذلك اليوم بغير سوء وأغلق بابه وأقبل على العبادة فإذا هو بحمامة من ذهب فيها كل لون حسن قد وقعت بين يديه فأهوى ليأخذها فطارت غير بعيد من غير أن ييأس من أخذها فما زال يتبعها وهي تفر منه حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه حسنها فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها فاستترت به فزاده ذلك رغبة فسأل عنها فأخبر أن زوجها بثغر كذا فبعث إلى صاحب الثغر بأن يقدم أوريا بين يدي التابوت في الحرب وكان كل من يتقدم بين يدي التابوت لا ينهزم إما أن يظفر أو يقتل ففعل ذلك به فقتل

وقيل إن داود لما نظر إلى المرأة فأعجبته سأل عن زوجها فقيل انه في جيش كذا فكتب إلى صاحب الجيش أن يبعث في سرية إلى عدو كذا ففعل ذلك ففتح الله عليه فكتب إلى داود فأمر أن يرسل أيضا إلى عدو كذا أشد منه ففعل فظفر فأمر داود أن يرسل إلى عدو ثالث ففعل فقتل أوريا في المرة الثالثة فلما قتل تزوج داود امرأته وهي أم سليمان في قول قتادة

وقيل إن خطيئة داود كانت أنه لما بلغه حسن امرأة أوريا فتمنى أن تكون له حلالا فاتفق أن أوريا سار إلى الجهاد فقتل فلم يجد له من الهم ما وجد لغيره فبينما داود في المحراب يوم عبادته وقد أغلق الباب إذ دخل عليه ملكان أرسلهما الله إليه من غير الباب فراعه ذلك فقالا لا تخف نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب أي قهرني وأخذ نعجتي فقال للآخر ما تقول

قال صدق إني أردت أن أكمل نعاجي مائة فأخذت نعجته فقال داود إذا لا ندعك وذاك فقال الملك ما أنت بقادر عليه قال داود فإن لم ترد عليه ماله ضربنا منك هذا وهذا وأومأ إلى أنفه وجبهته قال يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة فلم تزل به حتى قتل وتزوجت امرأته ثم غابا عنه

فعرف ما ابتلى به وما وقع فيه فخر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها وأدام البكاء حتى تبت من دموعه عشب غطى رأسه ثم نادى يا رب قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته بشيء فنودي أجائع فتطعم أم مريض فتشفى أم مظلوم فتنصر قال فنحب نحب هاج ما كان نبت فعند ذلك قبل الله توبته وأوحى إليه ارفع رأسك فقد غفرت لك قال يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه بيمينه تشخب أوداجه دما قبل عرشك يقول يا رب سل هذا فيما قتلني

فأوحى الله إليه إذا كان ذلك دعوته وأستوهبك منه فيهبك لي فأهبه بذلك الجنة قال يا رب الآن علمت أنك قد غفرت لي قال فما استطاع داود بعدها أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض

ونقش خطيئته في يد فكان إذا رآها اضطربت يده وكان يؤتى بالشراب في الإناء ليشربه فكان يشرب نصفه أو ثلثيه فيذكر خطيئته فينتحب حتى تكاد مفاصله يزول بعضها من بعض ثم يملأ الإناء من دموعه وكان يقال إن دمعة داود تعدل دموع الخلائق وهو يجيء يوم القيامة وخطيئته مكتوبة بكفه فيقول يا رب ذنبي ذنبي قدمني فيقدم فلا يأمن فيقول يا رب أخرني فلا يأمن

وأزالت الخطيئة طاعة داود عن بني إسرائيل واستخفوا بأمره ووثب عليه ابن يقال له ايشما وأمه ابنه طالوت فدعى إلى نفسه فكثر أتباعه من أهل الزيغ من بني إسرائيل فلما تاب الله على داود اجتمع إليه طائفة من الناس فحارب ابنه حتى هزمه ووجه إليه بعض قواده وأمره بالرفق به والتلطف لعله يأسره ولا يقتله وطلبه القائد وهو منهزم فاضطره إلى شجرة فقتله فحزن داود حزنا شديدا وتنكر لذلك القائد

ذكر بناء بيت المقدس ووفاة داود عليه السلام ص 172

قيل أصاب الناس في زمان داود طاعون جارف فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس وكان يرى الملائكة تعرج منه إلى السماء فلهذا قصده ليدعو فيه فلما وقف موضع الصخرة دعا الله تعالى في كشف الطاعون فاستجاب له ورفع الطاعون فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا وكان الشروع في بنائه لاحدى عشرة سنة مضت من ملكه وتوفي قبل أن يستتم بناءه وأوصى إلى سليمان باتمامه وقتل القائد الذي قتل أخاه ايشا بن داود

فلما توفي داود ودفنه سليمان تقدم بانفاذ أمره فقتل القائد واستتم بناءه المسجد بناه بالرخام وزخرفه بالذهب ورصعه بالجواهر وقوي على ذلك جميعه بالجن والشياطين فلما فرغ اتخذ ذلك اليوم عيدا عظيما وقرب قربانا فتقبله الله منه وكان ابتداؤه أولا ببناء المدينة فلما فرغ منها ابتدأ بعمارة المسجد وقد أكثر الناس في صفة البناء مما يستبعد ولا حاجة إلى ذكره

وقيل إن سليمان هو الذي ابتدأ بعمارة المسجد وكان داود أراد أن يبنيه فأوحى الله إليه أن هذا بيت مقدس وإنك قد صبغت يدك في الدماء فلست ببانيه ولكن ابنك سليمان يبنيه لسلامته من الدماء فلما ملك سليمان بناه

ثم إن داود توفي وكان له جارية تغلق الأبواب كل ليلة وتأتيه بالمفاتيح فيقوم إلى عبادته فاغلقتها ليلة فرأت في الدار رجلا فقالت من أدخلك الدار فقال أنا الذي أدخل على الملوك بغير إذن فسمع داود قوله فقال أنت ملك الموت قال نعم قال فهلا أرسلت إلى لأستعد للموت قال قد أرسلت إليك كثيرا قال من كان رسولك قال أين أبوك وأخوك وجارك ومعارفك قال ماتوا قال فهم كانوا رسلي إليك لأنك تموت كما ماتوا ثم قبضه

فلما مات ورثه سليمان ملكه وعلمه ونبوته وكان له تسعة عشر ولدا فورثه سليمان دونهم

وكان عمر داود لما توفي مائة سنة صح ذلك عن النبي وكانت مدة ملكه أربعين سنة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.