الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
36

ذكر من ملك الفرس بعد كيقباذ

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 187
ص 187

لما توفي كيقباذ ملك ابنه كيكاووس بن كينية بن كيقباذ فلما ملك حمى بلاده وقتل جماعة من عظماء البلاد المجاورة له وكان يسكن بنواحي بلخ وولد له ولد سماه سياوخش وضمه إلى رستم الشديد بن داستان بن نريمان بن جوذنك بن كرشاسب وكان أصبهبذ سجستان وما يليها وجعله عنده ليربيه فأحسن تربيته وعلمه العلوم والفروسية والآداب وما يحتاج الملوك إليه فلما كمل ما أراد حمله إلى أبيه فلما رآه سربه صورة ومعنى وكان أبوه كيكاووس قد تزوج ابنة افراسياب ملك الترك وقيل إنها ابنة ملك اليمن فهويت سياوخش ودعته إلى نفسها فامتنع فسعت به إلى أبيه حتى أفسدته عليه فسأل سياوخش رستم الشديد أن يخاطب أباه لينفذ إلى محاربه افراسياب بسبب منعه بعض ما كان قد استقر بينهما وأراد البعد عن أبيه ليأمن كيد امرأته ففعل ذلك رستم فسيره أبوه وضم إليه جيشا كثيفا فسار إلى بلاد الترك للقاء افراسياب فلما سار إلى تلك الناحية جرى بينهما صلح فكتب سياوخش إلى أبيه يعرفه ما جرى بينه وبين افراسياب من الصلح فكتب إليه والده يأمره بمناهضة افراسياب ومحاربته وفسخ الصلح فاستقبح سياوخش الغدر وأنف منه فلم ينفذ ما أمره به ورأى أن ذلك من فعل زوجة والده ليقبح فعله فراسل افراسياب في الأمان لنفسه لينتقل إليه فأجابه افراسياب إلى ذلك وكان السفير في ذلك قيران بن وكسعان ودخل سياوخش إلى بلاد الترك فأكرمه افراسياب وأنزله وأجرى عليه وزوجه بنتا له يقال لها وسفافريد وهي أم كيخسرو فظهر له من أدب سياوخش ومعرفته بالملك وشجاعته ما خاف على ملكه منه وزاد الفساد بينهما بسعي ابني افراسياب وأخيه كندو حسدا منهم لسياوخش فأمرهم افراسياب بقتله فقتلوه ومثلوا به وكانت زوجته ابنة افراسياب حاملة منه بابنه كيخسرو فطلبوا الحيلة في اسقاط ما في بطنها فلم يسقط فانكر قيران الذي كان أمان سياوخش على يده قتله وحذر عاقبته والأخذ بثأره من والده كيكاووس ومن رستم وأخذ زوجة سياوخش إليه لتضع ما في بطنها ويقتله فلما وضعت رق قيران لها وللمولود ولم يقتله وستر أمره حتى بلغ فسير كيكاووس إلى بلاد الترك من كشف أمره وأخذه إليه

وحين بلغ خبر قتله إلى فارس لبس شادوس بن جودرز السواد حزنا وهو أول من لبسه ودخل على كيكاووس فقال له ما هذا قال إن هذا اليوم يوم ظلام وسواد

ثم إن كيكاووس لما علم بقتل ابنه سير الجيوش مع رستم الشديد وطوس اصبهبذ اصبهان لمحاربة افراسياب فدخلا بلاد الترك فقتلا وأسرا وأثخنا فيها وجرى لهما مع افراسياب حروب شديدة قتل فيها ابنا افراسياب وأخوه الذين أشاروا بقتل سياوخش

وزعمت الفرس أن الشياطين كانت مسخرة له وانها بنت له مدينة طولها في زعمهم ثلاثمائة فرسخ وبنوا عليها سورا من صفر وسورا من شبه وسورا من فضة وكانت الشياطين تنقلها بين السماء والأرض وإن كيكاووس لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث فيها ثم إن الله أرسل إلى المدينة من يخربها فعجزت الشياطين عن المنع عنها فقتل كيكاووس جماعة من رؤسائهم وقال بعض العلماء بأخبار المتقدمين إنما سخر له فعل بأمر سليمان بن داود وكان مظفرا لا يناوئه أحد من الملوك إلا ظهر عليه فلم يزل كذلك حتى حدثته نفسه بالصعود إلى السماء فسار من خرسان إلى بابل وأعطاه الله تعالى قوة ارتفع بها هو ومن معه حتى بلغوا السحاب ثم سلبهم الله تلك القوة فسقطوا وهلكوا وأفلت بنفسه وأحدث يومئذ

وهذا جميعه من أكاذيب الفرس الباردة

ثم إن كيكاووس بعد هذه الحادثة تمزق ملكه وكثرت الخوارج عليه فصاروا يغزونه فيظفر مرة ويظفرون أخرى ثم غزا بلاد اليمن وملكها يومئذ ذو الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش فلما ورد اليمن خرج إليه ذو الأذعار وكان قد أصابه الفالج فلم يكن يغزوا فلما وطئ كيكاووس بلاده خرج إليه بنفسه وعساكره وظفر بكيكاووس فأسره واستباح عسكره وحبسه في بئر وأطبق عليه فسار رستم من سجستان إلى اليمن وأخرج كيكاووس وأخذه وأراد ذو الأذعار منعه فجمع العساكر وأراد القتال ثم خاف البوار فاصطلحا على أخذ كيكاووس والعودة إلى بلاد الفرس فأخذه وأعاده إلى ملكه فأقطعه كيكاووس سجستان وزابلستان وهي أعمال غزنة وأزال عنه اسم العبودية ثم توفي كيكاووس وكان ملكه مائة وخمسين سنة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.