الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
33

ذكر حال اشمويل وطالوت

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 163
ص 163

كان من خبر اشمويل بن بالي أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء وطمع فيهم الأعداء وأخذ التابوت منهم فصاروا بعده لا يلقون ملكا إلا خائفين فقصدهم جالوت ملك الكنعانيين وكان ملكه ما بين مصر وفلسطين فظفر بهم فضرب عليهم الجزية وأخذ منهم التوراة فدعوا الله أن يبعث لهم نبيا يقاتلون معه وكان سبط النبوة عليهم الجزية يبق منهم غير امرأة حبلى فحبسوها في بيت خيفة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها فولدت غلاما سمته اشمويل ومعناه سمع الله دعائي

وسببت هذا التسمية أنها كانت عاقرا وكان لزوجها امرأة أخرى قد ولدت له عشرة أولاد فبغت عليها بكثرة الأولاد فانكسرت العجوز ودعت الله أن يرزقها ولدا فرحم الله انكسارها وحاضت لوقتها وقرب منها زوجها فحملت فلما انقضت مدة الحمل ولدت غلاما فسمته اشمويل فلما كبر أسلمته في بيت المقدس يتعلم التوراة وكفلة شيخ من علمائهم وتبناه

فلما بلغ أن يبعثه الله نبيا أتاه جبريل وهو يصلي فناداه بصوت يشبه صوت الشيخ فجاء إليه فقال ما تريد فكره أن يقول لم أدعك فيفزع فقال ارجع فنم فرجع فعاد جبريل لمثلها فجاء إلى الشيخ فقال له يا بني عد فإذا دعوتك فلا تجبني فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل وأمره بإنذار قومه وأعلمه أن الله بعثه رسولا فدعاهم فكذبوه ثم أطاعوه وأقام يدبر أمرهم عشر سنين وقيل أربعين سنة

وكان العمالقة مع ملكهم جالوت قد عظمت نكايتهم في بني إسرائيل حتى كادوا يهلكونهم فلما رأى بنو إسرائيل ذلك قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فدعا الله فأرسل إليه عصا وقرنا فيه دهن وقيل له إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا وإذا دخل عليه رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن به رأسه به وملكه عليهم فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا مثلها

وكان طالوت دباغا وقيل كان سقاء يسقي الماء ويبيعه فضل حماره فانطلق يطلبه فلما اجتاز بالمكان الذي فيه اشمويل دخل يسأله أن يدعوا له ليرد حماره فلما دخل فنش الدهن فقاسوه بالعصا فكان مثلها فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا وهو بالسريانية شاول بن قيس بن أنمار بن ضرار بن يحرف بن يفتح بن ايش بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق

فقالوا له ما كنت قط أكذب منك الساعة ونحن من سبط المملكة ولم يؤت طالوت سعة من المال فنتبعه فقال اشمويل إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فقالوا إن كنت صادقا فأت بآية فقال إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة والسكينة هو رأس هر وقيل طشت من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء وقيل غير ذلك وفيه الألواح وهي من در وياقوت وزبرجد وأما البقية فهي عصا موسى ورضاضة الألواح فحملته الملائكة وأتت به إلى طالوت بين السماء والأرض والناس ينظرون فأخرجه طالوت إليهم فأقروا بملكه ساخطين وخرجوا معه كارهين وهم ثمانون ألفا

فلما خرج قال لهم طالوت إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني وهو نهر فلسطين وقيل الأردن فشربوا منه إلا قليلا وهم أربعة آلاف فمن شرب منه عطش ومن لم يشرب منه إلا غرفة روى فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه لقيهم جالوت وكان ذا بأس شديد فلما رأوه رجع أكثرهم قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ولم يبق معه غير ثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر فلما رجع من رجع قالوا كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين

وكان فيهم أيشا أبو داود ومعه من أولاده ثلاثة عشر ابنا وكان داود أصغر بنيه وقد خلفه يرعى لهم ويحمل لهم الطعام وكان قد قال لأبيه ذات يوم يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته ثم قال له لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم أخفه ثم أتاه يوما آخر فقال إني لأمشي بين الجبال فأسبح فلا يبقى جبل إلا سبح معي قال له أبشر فإن هذا خيرا أعطاكه الله فأرسل الله إلى النبي الذي مع طالوت قرنا فيه دهن وتنور من حديد فبعث به إلى طالوت وقال له إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا الدهن على رأسه كهيئة الاكليل ويدخل في هذا التنور فيملؤه فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم فلم يوافقه منهم أحد فأحضر داود من رعيه فمر في طريقه بثلاثة أحجار فكلمته وقلن خذنا يا داود تقتل بنا جالوت فأخذهن فجعلهن في مخلاته وكان طالوت قد قال من قتل جالوت زوجته ابنتي وأجريت خاتمه في مملكتي

فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه فغلى حتى ادهن منه ولبس التنور فملأه وكان داود مسقاما أزرق مصفارا فلما دخل في التنور تضايق عليه حتى ملأه وفرح أشمويل وطالوت وبنو إسرائيل بذلك وتقدموا إلى جالوت وتصافوا للقتال وخرد داود نحو جالوت وأخذ الأحجار ووضها في قذافته ورمى بها جالوت فوقع الحجر بين عينيه فثقب رأسه فقتله ولم يزل الحجر يقتل كل من أصابه ينفذ منه إلى غيره فانهزم عسكر جالوت بإذن الله

ورجع طالوت فأنكح ابنته داود وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه فحسده طالوت وأراد قتله غيلة فعلم ذلك داود ففارقه وجعل في مضجعه زق خمر وسجاه ودخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة خرقه فوقعت قطرة من الخمر في فيه فقال يرحم الله داود ما كان أكثر شربه الخمر فلما أصبح طالوت علم أنه لم يصنع شيئا فخاف داود أن يغتاله فشدد حجابه وحراسه ثم أن داود أتاه من المقابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فقال يرحم الله داود وهو خير مني ظفرت به وأردت قتله وظفر بي فكف عني وأذكى عليه العيون فلم يظفروا به وركب طالوت يوما فرأى داود فركض في أثره فهرب داود منه واختفى في غار في الجبل فعمى الله أثره على طالوت

ثم إن طالوت قتل العلماء حتى لم يبق أحد إلا امرأة كانت تعرف اسم الله الأعظم فسلمها إلى رجل يقتلها فرحمها وتركها وأخفى أمرها ثم إن طالوت ندم وأراد التوبة وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس فكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي ويقول أنشد الله عبدا علم لي توبة إلا أخبرني بها فلما أكثر ناداه مناد من القبور يا طالوت أما رضيت قتلتنا أحياء حتى لا تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الرجل الذي أمره بقتل تلك المرأة فقال له إن دللتك على عالم لعلك تقتله قال لا فأخذ عليه العهود والمواثيق ثم أخبره بتك المرأة فقال سلها هل لي من توبة فحضر عندها وسألها هل له من توبة فقالت ما أعلم له من توبة ولكن هل تعلمون قبر نبي قالوا نعم قبر يوشع بن نون فانطلقت وهم معها فدعت فخرج يوشع فلما رآهم قال ما لكم قالوا جئنا نسألك هل لطالوت من توبة قال ما أعلم له توبة إلا أن يتخلى من ملكه ويخرج هو وولده فيقاتلون في سبيل الله حتى تقتل أولاده ثم يقاتل هو حتى يقتل فعسى أن يكون له توبة ثم سقط ميتا ورجع طالوت أحزن مما كان يخاف أن لا يتابعه ولده فبكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فسألوه بنوه عن حاله فأخبرهم فتجهزوا للغزو فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا ثم قاتل هو بعدهم حتى قتل

وقيل إن النبي الذي بعث لطالوت حتى أخبره بتوبته اليسع وقيل اشمويل والله أعلم

وكانت مدة ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.