أخبرنا أبو الحسن: علي بن أحمد بن عبدان [قال] أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عبيد بن شريك (ح) .
وحدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ. لفظا، وسياق الحديث له، حدثنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا عبيد بن عبد الواحد يعني ابن شريك، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب- قائد كعب حين عمي من بنيه- قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك:
لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب الله أحدا حين تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر يعني أذكر [ (1) ] في الناس منها. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في
تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبلها راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومغازا وعدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان [ (2) ] .
قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخص له ما لم ينزل فيه وحي من الله.
وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت [ (3) ] أغدو لكي أتجهز معهم، ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردته، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو بيومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو [ (4) ] ، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا [ (5) ] من النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، فلم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، قال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حسبه
برداه ينظر في عطفه [ (6) ] ، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطل قادما راح عني البطال، وعرفت أني لا أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم، واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال: فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: بلى يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، وو الله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك» ،
فقمت وثار رجال من بني سلمة فقالوا لا والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد قالوا: نعم رجلان قالا: مثل ما قلت وقيل لهما ما قيل لك فقلت: من
هما؟ قالوا: مرارة بن ربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجظلين صالحين، قد شهدا بدرا فيهما أسوة [ (7) ] ، فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما [يبكيان] [ (8) ] ، فأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم عليه، فأقول في نفسي: هل حرك [ (9) ] شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلى فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت [نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك] [ (10) ] من جفوة المسلمين تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فو الله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، قال: فعدت له فناشدته الثالثة، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.
قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ويقول: من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له [ (11) ] حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فإذا فيه: أما بعد فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة،
فالحق بنا نواسك، فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت به التنور فسجرته [ (12) ] بها حتى إذا مضت لنا أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت:
أطلقها أم ماذا أفعل بها؟ فقال: لا بل اعتزلها، فلا تقربنها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله هذا الأمر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليست له خادم فهل تكره أن أخدمه؟
فقال: لا ولكن لا يقربنك. قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي مذ كان من أمره ما كان إلى يومي هذا، فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لبلال بن أمية تخدمه، فقلت: والله لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن استأذنته فيها، وأنا رجل شاب.
فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع [ (13) ] : يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أنه قد جاء الفرج، وآذن [ (14) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى
صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع إلي من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسوتهما إياه ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين [ (15) ] فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنؤنني بالتوبة يقولون:
ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله [تعالى] ؟ قال: لا بل من عند الله تبارك وتعالى.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بشر ببشارة يبرق وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله عز وجل وإلى الرسول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك [عليك] بعض مالك فهو خير لك، فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر،
وقلت: يا رسول الله إن الله عز وجل إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أني ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين ابتلاه الله في صدق الحديث مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما ابتلاني ما تعمدت مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى] فيما بقي، وأنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن
لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [ (16) ] . فو الله ما أنعم الله علي من نعمة بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله عز وجل قال للذين كذبوه حين نزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال الله تبارك وتعالى: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون، يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين [ (17) ] .
قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا لهم فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تبارك وتعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر الله تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا ممن حلف واعتذر، فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن الليث [ (18) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [قال] [ (19) ] أنبأنا أبو جعفر البغدادي [قال] :
حدثنا أبو علاثة [قال] : حدثنا أبي [قال] : حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة (ح) .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان [قال] : أنبأنا أبو بكر بن عتاب العبدي، [قال] : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، [قال] :
حدثنا ابن أبي أويس، [قال] : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة، قالا: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا حتى إذا دنا من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، لا تكلموا رجلا منهم ولا تجالسوهم حتى آذن لكم، فأعرض عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وعن أخيه وحتى إن المرأة لتعرض عن زوجها، فمكثوا بذلك أياما حتى كرب الذين تخلفوا وجعلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهد والأسقام، ويحلفون له فرحمهم وبايعهم واستغفر لهم.
زاد موسى بن عقبة في روايته: قال ابن شهاب: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته تلك تبوكا، ولم يجاوزها وأقام بضع عشرة ليلة، وذكر أن المنافقين الذين كانوا تخلفوا عنه بضعة وثمانون رجلا، وذكر أن إذرج كانت فيما صالح عليه يومئذ ثم اتفقا، وكان فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر الذين ذكر الله في كتابه بالتوبة منهم: كعب بن مالك السلمي، وهلال بن أمية الواقفي، ومرارة ابن الربيع العمري، وفي رواية عروة العامري ثم ذكرا قصة كعب بن مالك، يزيدان وينقصان، فمما زادا تسمية ملك غسان بجبلة بن الأيهم، وذكر أنهم خرجوا من أهاليهم إلى البرية فضربوا الفساطيط يأوون إليها بالليل، ويتعبدون لله في الشمس بالنهار حتى عادوا أمثال الرهبان، ثم ذكرا رجوع كعب إلى سلع
فكان يقيم به النهار صائما، ويأوي إلى داره بالليل، وذكرا أن رجلين سعيا يبتدران كعبا يبشرونه فسبق أحدهما الآخر فارتقى المسبوق على سلع فصاح يا كعب بن مالك أبشر بتوبة الله وقد أنزل الله فيكم القرآن وزعموا أن الذين سبقا أبو بكر وعمر، ثم ذكرا قصة كعب.
قال: ثم ذكر الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذروا بالباطل، واعتلوا بالعلل، فقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين إلى قوله [تعالى] [ (20) ] : ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون [ (21) ] .
وذكر قبل هذه الآية من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفاق فقال: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله إلى قوله جزاء بما كانوا يكسبون [ (22) ] ، في آيات يتبع بعضها بعضا.
ثم ذكر أهل العذر ممن تخلف فقال: ليس على الضعفاء ولا على المرضى إلى قوله: والله غفور رحيم [ (23) ] ، وآية بعدها.
وذكر من لا عذر له ممن تخلف فقال: إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون [ (24) ] . وأربع آيات يتبع بعضها بعضا.
وقال الجلاس بن سويد حين سمع ما أنزل الله عز وجل في المخلفين:
والله لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير. [فقال له عامر بن قيس وهو
ابن عمه والله إن محمدا لصادق ولأنتم شر من الحمير] [ (25) ] . ويلك تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونافقت، والله ما أراه ينبغي لي أن أسكت عن هذا الحديث.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى سويد بن صامت عقلا، وأعطاه من الصدقة، فانطلق عامر بن قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بما قال الجلاس فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف بالله ما تكلم به قط، ولقد كذب علي عامر بن قيس، فقال عامر: اللهم أنزل على رسولك بيانا شافيا، فأنزل الله عز وجل:
يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر إلى قوله: في الأرض من ولي ولا نصير [ (26) ] واستتيب مما قال، فتاب، واعترف بذنبه، فهذا في شأن تبوك، وهي آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لفظ حديث موسى بن عقبة، ورواية عروة بمعناه.
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان [قال] [ (27) ] : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، [قال] : حدثنا ابن سلمان، [قال] : حدثنا عمرو بن خالد، [قال] : أخبرنا زهير، [قال] : حدثنا سماك بن حرب، قال: أخبرني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:
بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ظل حجرة من حجره، وعنده نفر من المسلمين قد كاد يقلص عنها الظل، قال: سيأتيكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان فلا تكلموه، فدخل رجل أزرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم علام تسبني أنت وفلان وفلان، لقوم دعا بأسمائهم، فانطلق إليهم فدعاهم فحلفوا واعتذروا، فأنزل الله- عز وجل-: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم،
ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون [ (28) ] .
ورواه إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس [ (29) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا أمية، حدثنا يحيى بن أبي بكير الكرماني، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل قد كاد الظل يقلص عنه فقال فذكر معناه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [قال] [ (30) ] : أنبأنا أحمد بن إسحاق الفقيه [قال] : أنبأنا محمد بن غالب حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان (ح) .
وأنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ [قال] : أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، [قال] : حدثنا يوسف بن يعقوب، [قال] :
حدثنا محمد بن بكر ونصر بن علي، واللفظ لنصر، قالا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن أبي مسعود، قال:
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر في خطبته ما شاء الله [عز وجل] [ (31) ] ، ثم قال: أيها الناس إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، قم يا فلان، قم يا
فلان، حتى عد ستة وثلاثين، ثم قال: إن فيكم أو إن منكم فسلوا الله العافية، قال: فمر عمر برجل متقنع قد كان بينه وبينه معرفة، فقال: ما شأنك، فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بعدا لك سائر اليوم [ (32) ] .
