الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة / الجزء الخامس / باب رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، وأمره بهدم مسجد الضرار، ومكر المنافقين به في الطريق وعصمة الله تعالى إياه وإطلاعه عليه، وما ظهر في ذلك من آثار النبوة.
48

باب رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، وأمره بهدم مسجد الضرار، ومكر المنافقين به في الطريق وعصمة الله تعالى إياه وإطلاعه عليه، وما ظهر في ذلك من آثار النبوة.

الجزء الخامس 1 عنصر صفحة 255
ص 255

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [قال] [ (1) ] أخبرنا أبو جعفر البغدادي حدثنا أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، حدثنا أبي حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال:

ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من أصحابه فتآمروا [عليه] [ (2) ] أن يطرحوه في عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم [ (3) ] ، فقال: من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم العقبة، وأخذ الناس بطن الوادي إلا النفر الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا، وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، فمشيا معه مشيا، وأمر عمارا أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة أن يسوقها فبينا هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم من ورائهم قد غشوهم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر

حذيفة غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم، فضربها ضربا بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون، لا يشعر إنما ذلك فعل المسافر، فرعبهم الله عز وجل حين أبصروا حذيفة، وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أدركه، قال: اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش أنت يا عمار، فأسرعوا حتى استوى بأعلاها فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أو الركب، أو أحدا منهم؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وقال: كانت ظلمة الليل، وغشيتهم وهم متلثمون، فقال صلى الله عليه وسلم: هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا؟ قالوا: لا والله يا رسول الله، قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمت في العقبة طرحوني منها، قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءك الناس فتضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا إن محمدا قد وضع يده في أصحابه، فسماهم لهما، وقال: اكتماهم [ (4) ] .

وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال:

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الثنية نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن خذوا بطن الوادي فهو أوسع عليكم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ الثنية، فذكر الحديث في مكر المنافقين بنحو مما ذكرنا في رواية عروة إلى قوله لحذيفة: هل عرفت من القوم أحدا؟ فقال: لا ولكني أعرف رواحلهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله

قد أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم، وسأخبرك بهم إن شاء الله عند وجه الصبح، فانطلق إذا أصبحت فاجمعهم، فلما أصبح، قال: ادع «عبد الله» أظنه ابن سعد بن أبي سرح، وفي الأصل عبد الله بن أبي، وسعد بن أبي سرح إلا أن ابن إسحاق ذكر قبل هذا أن ابن أبي تخلف في غزوة تبوك ولا أدري كيف هذا [ (5) ] .

قال ابن إسحاق: وأبا [ (6) ] حاضر الأعرابي، وعامرا وأبي عامر، والجلاس ابن سويد بن الصامت، وهو الذي قال لا ننتهي حتى نرمي محمدا من العقبة الليلة، ولئن كان محمد وأصحابه خيرا منا إنا إذا لغنم وهو الراعي، ولا عقل لنا، وهو العاقل. وأمره أن يدعو مجمع بن جارية، وفليح التيمي، وهو الذي سرق طيب الكعبة، وارتد عن الإسلام، فانطلق هاربا في الأرض، فلا يدرى أين ذهب وأمره أن يدعو حصين بن نمير الذي أغار على تمر الصدقة، فسرقه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك ما حملك على هذا؟ قال: حملني عليه أني ظننت أن الله لم يطلعك عليه، فأما إذ أطلعك الله عليه وعلمته فإني أشهد اليوم أنك رسول الله، وإني لم أؤمن بك قط قبل الساعة يقينا، فأقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عثرته، وعفا عنه بقوله الذي قال.

وأمره أن يدعو طعمة بن أبيرق، وعبد الله بن عيينة، وهو الذي قال لأصحابه اشهدوا هذه الليلة تسلموا الدهر كله، فو الله ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ويحك ما كان ينفعك من قتلي لو أني قتلت، فقال عدو الله: يا نبي الله! والله لا تزال بخير ما أعطاك الله النصر على عدوك، إنما نحن بالله وبك، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال لحذيفة ادع مرة بن ربيع وهو الذي ضرب بيده على عاتق عبد الله بن أبي، ثم قال: تمطى، والنعيم لنا من بعده كائن نقتل الواحد المفرد، فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «ويحك ما حملك على أن تقول الذي قلت؟» فقال: يا رسول الله إن كنت قلت شيئا من ذلك إنك لعالم به، وما قلت شيئا من ذلك.

فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلا الذين حاربوا الله ورسوله، وأرادوا قتله، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم ومنطقهم وسرهم وعلانيتهم، وأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك بعلمه، ومات الاثنا عشر منافقين محاربين لله [تعالى] [ (7) ] ورسوله وذلك قول الله عز وجل: «وهموا بما لم ينالوا» [ (8) ] .

وكان أبو عامر رأسهم وله بنوا مسجد الضرار، وهو الذي كان يقال له الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفاسق» ، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة فأرسلوا إليه، فقدم عليهم أخزاه الله وإياهم، وانهارت تلك البقعة في نار جهنم، وقال مجمع حين بنى المسجد إن هذا المسجد إذا بنيناه اتخذناه لسرنا ونجوانا ولا يزاحمنا فيه أحد فنذكر ما شئنا ونخيل إلى أصحاب محمد إنما نريد الإحسان.

وذكر محمد بن إسحاق في الأوراق التي لم أجد سماعا فيها من كتاب المغازي، عن ثقة من بني عمرو بن عوف:

أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من تبوك حتى نزل بذي أوان بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: قد

بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني على جناح سفر، فلو قد رجعنا إن شاء الله [- عز وجل-] [ (9) ] أتيناكم فصلينا لكم فيه» ، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي أوان أتاه خبر السماء، فدعى مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي وهو أخو عاصم بن عدي، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه، وأحرقاه، فخرجا سريعين حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيه من القرآن ما نزل [ (10) ] .

وذكر ابن إسحاق أسماء الذين بنوه وذكر فيهم ثعلبة بن حاطب [ (11) ] .

أخبرنا أبو الحسن: علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا أبو عمرو الحراني، حدثنا أبو الأصبع عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان، قال:

كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار يسوقه، أو: أنا أسوقه، وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثنى عشر راكبا، قد

اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا، يا رسول الله، كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا، قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة، فيلقوه منها. قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: لا، أكره أن تحدث العرب بينها: أن محمدا قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة [ (12) ] . قلنا: يا رسول الله! وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يقع على نياط قلب [ (13) ] أحدهم فيهلك.

أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو جعفر الرزاز (ح) .

وأخبرنا أبو علي: الحسين بن محمد الروذباري، أخبرنا أبو العباس: عبد الله بن عبد الرحمن بن حماد العسكري [ببغداد] [ (14) ] ، قالا:

حدثنا أحمد بن الوليد الفحام، أخبرنا شاذان، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي، أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

«في أصحابي اثنا عشر منافقا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط» .

رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الأسود بن عامر «شاذان» [ (15) ] .

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ [قال] [ (16) ] : حدثنا أبو الفضل بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن سلمة، [قال] : حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة عن قيس بن عباد، قال: قلنا لعمار بن ياسر أرأيت قتالكم هذا أرأيا رأيتموه، فإن الرأي يخطئ ويصيب، أم عهدا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم- شيئا لم يعهده في الناس كافة- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في أمتي» ، قال شعبة: وأحسبه قال حدثني حذيفة أنه قال «إن في أمتي إثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة شراج من النار تظهر بين أكتافهم حتى تنجم من صدورهم.

رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن بشار [ (17) ] .

وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر، أو خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ورسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، وعذر ثلثة، قالوا: ما سمعنا المنادي، ولا علمنا ما أراد القوم.

أخبرنا أبو زكرياء بن أبي إسحاق المزكي، أنبأنا أبو الحسن الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: «والذين اتخذوا مسجدا

ضرارا» هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه فلما [ (18) ] فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله عز وجل: لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم- يعني مسجد قباء- أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا إلى قوله: شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم- يعني قواعده- والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم- يعني الشك- إلا أن تقطع قلوبهم [ (19) ]- يعني الموت-.

كذا قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء وعليه دل على ما روي في قوله فيه رجال يريدون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين.

وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [قال] [ (20) ] أنبأنا أبو الفضل بن إبراهيم قال: حدثنا أحمد بن سلمة [قال] : حدثنا محمد بن بشار [قال] حدثنا يحيى ابن سعيد، حدثنا حميد الخراط [قال] حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال:.

مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، قلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي:

أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض وقال هو مسجدكم هذا قال: قلت: فإني سمعت أباك يذكر هذا.

رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن حاتم، عن يحيى، وأخرجه من حديث حاتم بن إسماعيل عن حميد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد [ (21) ] .

قال هذا، يعني مسجد المدينة وقد مضت الرواية فيه.

وأخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل، ببغداد [قال] [ (22) ] أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم بن دنوقا، حدثنا زكريا بن عدي [قال] حدثنا حاتم، عن حميد بن صخر، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، قال:

سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: هو مسجدي هذا.

ورواه أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال:

«المسجد الذي أسس على التقوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، [قال] [ (23) ] حدثنا أبو بكر بن إسحاق [قال] أخبرنا موسى بن إسحاق الأنصاري [قال] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة [قال] :

حدثنا وكيع [قال] : حدثنا أسامة بن زيد فذكره [ (24) ] .

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.