أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا بريدة بن سفيان [ (2) ] ، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن مسعود، قال:
لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل، فيقولون:
يا رسول الله تخلف فلان، فيقول: دعوه إن يده فيه خير فسيلحقه الله [تعالى] [ (3) ] بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله [تعالى] منه حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: «دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن كان غير ذلك فقد أراحكم منه» ، فيلزم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين، فقال:
يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر [ (4) ] ، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» .
فضرب الدهر من ضربه، وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه إذا مت فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر.
فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب [فما] [ (5) ] أعلموا به حتى كادت ركائبهم توطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال: ما هذا؟
فقيل: جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي، فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يرحم الله أبا ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده.
فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه [ (6) ] .
وبإسناده عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن أبا خيثمة أخا بني سالم رجع بعد مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين [ (7) ] لهما في حايط قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريشين، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح [ (8) ]
والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا بالنصف، ثم قال: لا والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لي زادا ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه بتبوك حين نزلها، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي [في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم] [ (9) ] فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبا [فلا عليك أن] [ (10) ] تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل فسار حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» ، فقالوا: يا رسول الله! هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك أبا خيثمة» [ (11) ] ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير [ (12) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي، قال: حدثنا
أبو علاثة، قال: حدثنا أبي، قال حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة (ح) .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد قال: أنبأنا أبو بكر بن عتاب العبدي، قال حدثنا القاسم الجوهري، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال:
حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، قال:
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجهز غازيا يريد الشام، فأذن في الناس بالخروج، وأمرهم به، وكان في حر شديد وليالي الخريف، والناس خارفون في نخيلهم فأبطأ عنه ناس كثير، وقالوا: «الروم، ولا طاقة لنا بهم» فتخلف المنافقون، وحدثوا أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجع إليهم أبدا، فاعتلوا وثبطوا من أطاعه، وتخلف عنه رجال من المسلمين بأمر كان لهم فيه عذر منهم السقيم والمعسر، وجاءه ستة نفر كلهم معسر يستحملونه لا يحبون التخلف عنه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، منهم، من بني سلمة: عمرو بن عثمة، ومن بني مازن بن النجار: أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني حارثة، علبة بن زيد، ومن بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وهرمي بن عبد الله، وهم يدعون بني البكاء وعبد الله بن عمرو رجل من مزينة فهؤلاء الذين بكوا وأطلع الله عز وجل أنهم يحبون الجهاد، وإنه الجد من أنفسهم، فعذرهم في القرآن، فقال:
(ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله) [ (13) ] الآية وفي الآيتين بعدها [ (14) ] .
وأتاه الجد بن قيس السلمي وهو في المسجد معه نفر فقال: يا رسول الله ائذن لي في القعود فإني ذو ضبعة [ (15) ] وعلة فيها عذر لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
تجهز فإنك موسر لعلك أن تحقب [ (16) ] بعض بنات الأصفر [ (17) ] ! فقال: يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني، فنزلت:
(ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني) [ (18) ] وخمس آيات معها يتبع بعضها بعضا.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، وكان ممن تخلف عنه غنمة بن وديعة من بني عمرو بن عوف فقيل له: ما خلفك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت موسر؟ فقال الخوض واللعب فأنزل الله فيه وفيمن تخلف من المنافقين:
(ولئن سألتهم ليقولن: إنما كنا نخوض ونلعب) [ (19) ] ثلاث آيات متتابعات.
وتخلف أبو خيثمة وهو رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف، فدخل حائطه والنخل مدللة بثمرها، والعريش مرشوش، وامرأته مختضبة متزينة، قال: فنظر أبو خيثمة إلى امرأته فأعجبته، فقال: هلكت ورب الكعبة، لئن لم
يدركني الله بتوبة أصبحت في ظلال النخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر والسموم في عنقه السيف، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم خرج يبتغي وجه الله [تعالى] [ (20) ] والدار الآخرة، فاختطم أبو خيثمة ناضحه في المنخر، وتزود تمرات في ظبية وإداوة ماء فنادته امرأته وهو يرتحل: يا أبا خيثمة هلم أكلمك، قال: والذي نفسي بيده لا ألتفت إلى أهلي، ولا مالي حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لي.
وقال عبيد الله بن عمر بن حفص: كان فيما قيل له هلك الودي، لودي كان غرسه، فقال: الغزو خير من الودي، فقعد على ناضحه، ثم انطلق وأدركه عمير بن وهب الجمحي قادما من مكة يريد الغزو، فاصطحبا فلما نظر إلى تبوك قال أبو خيثمة لعمير: إن لي ذنبا وإني تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خرج، فتخلف عني فداك أبي وأمي، فتخلف عمير، ومضى أبو خيثمة، فلما طلع أبو خيثمة لتبوك، أشرف المسلمون ينظرون إليه، وقالوا: يا رسول الله! هذا راكب من قبل المدينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة! فأتاه أبو خيثمة [وهو] [ (21) ] يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خلفك يا أبا خيثمة أولى لك، قال أبو خيثمة: كدت يا نبي الله إن أهلك بتخلفي عنك، وتزينت لي الدنيا، وتزين لي مالي في عيني، وكدت أن أختاره على الجهاد، فعزم الله علي بالخروج، فاستغفر له ودعا له بالبركة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج يريد الشام، وكفار العرب، فكان أقصى أثره منزله من تبوك.
لفظ حديث موسى بن عقبة، وحديث عروة بمعناه إلا أنه ليس فيه قول عبيد الله بن عمر، زاد في رواية عروة في آخرها: وكان ذلك وفي زمان قل ماؤها فيه، فاغترف رسول الله صلى الله عليه وسلم غرفة بيده من ماء فمضمض به فاه، ثم بصقه فيها ففارت عنها حتى امتلأت فهي كذلك حتى الساعة.
