وما روي في تجهيز عثمان بن عفان رضي الله عنه ذلك الجيش واستخلاف النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] [ (1) ] على المدينة وتخلف من ت
خلف عنه لعذر أو نفاق في تلك الغزوة، وما ظهر في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن سر المتصدق بما أصيب من آثار النبوة. [ (2) ]
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب
قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين ذي الحجة إلى رجب ثم أمر بالتهيؤ إلى غزو الروم [ (3) ] .
أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا أحمد، قال:
حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما كان يخرج في وجه من مغازيه إلا أظهر أنه يريد غيره، غير أنه في غزوة تبوك قال: أيها الناس! إني أريد الروم، فأعلمهم، وذلك في زمان من البأس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في جهازه إذ قال للجد بن قيس: يا جد هل لك في بنات بني الأصفر؟ قال: يا رسول الله! لقد علم قومي أنه ليس من أحد أشد عجبا بالنساء [ (4) ] مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتنني، فأذن
لي يا رسول الله صلى الله عليك، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: قد أذنت،
فأنزل الله عز وجل:
(ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا) [ (5) ] .
يقول ما وقع فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبته بنفسه عن نفسه أعظم مما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين يقول لمن ورائه.
وقال رجل من المنافقين: لا تنفروا في الحر فأنزل الله عز وجل:
(قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون) [ (6) ] .
قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره، وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا وأنفق عثمان رضي الله عنه في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها وحمل على مائتي بعير.
أخبرنا أبو الحسن: علي بن محمد بن علي المقرئ الإسفرائني بها، قال أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: حدثنا السكن بن أبي كريمة، عن الوليد ابن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب، قال:
شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحث على جيش العسرة قال: فقام عثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، قال:
ثم حث على الجيش الثانية، فقام عثمان، فقال يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، قال: ثم حض أو حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على
الجيش الثالثة، فقام عثمان، فقال: يا رسول الله علي ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، قال: فقال عبد الرحمن: أنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول على المنبر: ما على عثمان ما عمل بعدها، أو قال: بعد [ (7) ] اليوم.
تابعه أبو داود الطيالسي وغيره عن سكن بن المغيرة.
وحدثنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا ضمرة ابن ربيعة، عن ابن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال:
جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة ففرغها عثمان في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها، ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم. قالها مرارا [ (8) ] .
أخبرنا أبو بكر [محمد] [ (9) ] بن الحسن بن فورك، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن جاوان، عن الأحنف بن قيس، قال:
سمعت عثمان يقول لسعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة: أنشدكم بالله هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جهز جيش [ (10) ] العسرة غفر الله له،
فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا؟ قالوا: اللهم نعم [ (11) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، قال: حدثنا أبو أسامة عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال.
أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان [ (12) ] إذ هم معه في جيش العسرة [ (13) ] ، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله! إن أصحابي أرسلوني
إليك لتحملهم، فقال: والله لا أحملكم على شيء، ووافقته وهو غضبان، ولا أشعر فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مخافة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلا سويعة [ (14) ] إذ بعث بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس؟
فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
خذ هذين القرينين [ (15) ] ، وهذين القرينين، وهذين القرينين (لستة أبعرة [ (16) ] ابتاعهن حينئذ من سعد) فقال: انطلق بهن إلى أصحابك، فقل: إن الله (أو قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم) يحملكم على هؤلاء فاركبوهن.
قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء، ولكن والله! لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألته لكم، ومنعه في أول مرة، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك [ (17) ] لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله، فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا مقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من منعه [ (18) ] إياهم، ثم إعطائه بعد، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء.
رواه البخاري ومسلم في الصحيح عن أبي كريب، عن [أبي] [ (19) ] اسامة [ (20) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس عن ابن إسحاق، قال: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، منهم من الأنصار: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى: عبد الرحمن بن كعب، وعمرو بن الحمام بن الجموح، وعبد الله بن مغفل المزني، وبعضهم يقول هو: عبد الله بن عمرو المزني وهرمي بن عبد الله، وعرباض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» «فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون» .
فبلغني أن يامين بن عمرو بن كعب لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما فقالا جئنا إلى [ (21) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاهما ناضحا [ (22) ] له فارتحلاه وزودهما شيئا من لبن فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله، ثم بكى، وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تجعل في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ (23) ] ما يحملني عليه،
وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد [ (24) ] أو عرض ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين المتصدق هذه الليلة؟
فلم يقم أحد، ثم قال: أين المتصدق؟ فليقم، فقام إليه فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر فو الذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المقبلة [ (25) ] .
وجاء المعذرون [ (26) ] من الأعراب فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله، فذكر أنهم نفر من بني غفار، قال: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تخلفوا عن غير شك ولا ارتياب، منهم: كعب بن مالك أخو بني سلمة، ومرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف، فكانوا رهط صدق لا يتهمون في إسلامهم [ (27) ] .
قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخميس واستخلف على المدينة محمد ابن مسلمة الأنصاري، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع، ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله على ذي حدة عسكره أسفل منه، وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب [ (28) ] .
وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه، فلما قال ذلك المنافقون: أخذ علي بن أبي طالب سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نازل بالجرف، فقال: يا رسول الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني تستثقلني وتخفف مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع، فاخلفني في أهلي وأهلك ألا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فرجع إلى المدينة ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره [ (29) ] .
حدثنا الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك- رحمه الله- قال:
أخبرنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، قال: حدثنا يونس بن حبيب، قال حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال:
خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله! أتخلفني في النساء والصبيان، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي.
أخرجاه في الصحيح من حديث شعبة [ (29) ] واستشهد البخاري برواية أبي داود، وكذلك رواه عامر بن سعد بن أبي وقاص وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيهما [ (30) ]
