أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن بعض أسلم أن بعض بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فقالوا: يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا شيء، فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك قد علمت حالهم وأنهم ليست لهم قوة وليس بيدي ما أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصن بها غنى أكثره طعاما وودكا، فغدا الناس ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن أكثر طعاما وودكا منه فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح وجاز من الأموال ما جاز انتهوا إلى حصينهم الوطيح والسلالم وكان آخر حصون خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة [ (1) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني، قال: حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا
الواقدي، قال: لما تحولت اليهود من حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ إلى قلعة الزبير، حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حصن منيع إنما هو في رأس قلة فأقام على محاصرتهم ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود يقال له غزال، فقال: يا أبا القاسم! تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح من أهل النطاة وتخرج إلى أهل الشق فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك، قال: فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله وماله فقال اليهودي: إنك لو أقمت شهرا ما بالوا لهم دبول [ (2) ] تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا [ (3) ] لك فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دبولهم فقطعها فلما قطع عليهم مشاربهم خرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل من المسلمين يومئذ نفر [ (4) ] وأصيب من يهود ذلك اليوم عشرة وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا آخر حصون النطاة فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من النطاة تحول إلى أهل الشق [ (5) ] .
وبإسناده قال حدثنا الواقدي قال حدثنا موسى بن عمر الحارثي، عن أبي عفير. محمد بن سهل بن أبي خيثمة، قال: لما تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشق وبه حصون ذوات عدد فكان أول حصن بدأ به منها حصن أبي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلعة يقال لها: سموان فقاتل عليها أهل الحصن قتالا شديدا، وخرج رجل من اليهود [يقال له] [ (6) ] غزال، فدعا إلى البراز فبرز له الحباب بن المنذر، فاختلفا ضربات ثم حمل عليه الحباب عليه فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فوقع السيف من يد غزال وكان أعزل فبادر راجعا
مستهزما إلى الحصن وتبعه الحباب فقطع عرقوبين فوقع فذفف عليه.
فخرج آخر فصاح من يبارز فبرز له رجل من المسلمين من آل جحش فقيل الجحشي، وقام مكانه يدعو إلى البراز، فبرز له أبو دجانة، قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المغفر يختال في مشيته فبدره أبو دجانة فضربه فقطع رجليه، ثم ذفف عليه وأخذ سلبه ودرعه وسيفه فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك وأحجوا عن البراز فكبر المسلمون ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه يقدمهم أبو دجانة فوجدوا فيه إناثا ومتاعا وغنما وطعاما وهرب من كان فيه من المقاتلة وتقحموا الجدر كأنهم الطباء حتى صاروا إلى حصن النزار بالشق وجعل يأتي من بقي من فل النطاة إلى حصن النزار فغلقوه وامتنعوا فيه أشد الامتناع وزحف رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في أصحابه فقاتلهم فكانوا أشد أهل الشق رميا للمسلمين بالنبل والحجارة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم حتى أصاب النبل ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلقت به فأخذ النبل فجمعها ثم أخذ لهم كفا من حصباء فحصب به حصنهم، فرجف الحصن بهم ثم ساخ في الأرض حتى جاء المسلمون فأخذوا أهله أخذا [ (7) ] .
وبإسناده قال حدثنا الواقدي عن شيوخه قالوا ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتيبة والوطيح والسلالم حصن أبي الحقيق الذي، كانوا فيه فحصنوا أشد التحصين وجأهم كل فل [ (8) ] كان انهزم من النطاة والشق فتحصنوا معهم في القموص وهو في الكتيبة وكان حصنا منيعا في الوطيح والسلالم وجعلوا لا يطلعون من حصونهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب المنجنيق عليهم فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر يوما، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
الصلح، فأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فنزل ابن أبي الحقيق فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقن دماء من في حصونهم من المقابلة، وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر، وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة، وعلى البر الأثوب كان على ظهر إنسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتوني شيئا فصالحوه على ذلك [ (9) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا ابن لمحمد بن مسلمة الأنصاري، عن من أدرك من أهله وحدثنيه مكنف، قالا: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ففعل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها: الشق والنطاة والكتيبة، وجمع حصونهم إلا ما كان في ذينك الحصنين، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم ويخلون بينه وبين الأموال، ففعل فكان ممن مشى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أحد بني حارثة فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم وصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت أموال خيبر فيأ بين المسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب [ (10) ] .
