الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
11

باب حديث الإفك [ (1) ]

الجزء الرابع 1 عنصر صفحة 62
ص 62

قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري- رحمه الله- قال النعمان بن راشد، عن الزهري: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع.

أخبرناه أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا أبو الحسن: علي بن محمد المصري، قال: وحدثنا محمد بن إبراهيم بن جناد، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، ومعمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا. أقرع بين نسائه [ (2) ] . قالت: فأقرع بيننا في غزاة المريسيع فخرج سهمي، فهلك [في] [ (3) ] من هلك.

قلت: وإلى هذا ذهب أصحاب المغازي: محمد بن يسار، ومحمد بن عمر الواقدي.

وروى الواقدي، عن يعقوب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عيسى بن معمر، عن عباد بن عبد الله قال: قلت لعائشة: يا أماه حدثيني حديثك في غزوة المريسيع.

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال أبو سهل بن زياد القطان:

حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير (ح) .

وأخبرنا أبو الحسين: علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا عبيد بن شريك وابن ملحان فرقهما (ح) .

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، قال: أخبرنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكل حدثني طائفة من الحديث.

وبعض حديثهم يصدق بعضا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض الذي حدثني عروة عن عائشة، وزعموا في رواية القطان، وإن كان بعضهم أوعى له وزعموا أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد [ (4) ] أن يخرج أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه.

قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها [ (5) ] ، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل [ (6) ] الحجاب، وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، وسرنا، حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل [ (7) ] ودنونا من المدينة قافلين، آذن [ (8) ] بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت، إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار [ (9) ] ، قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي، واحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفاقا لم يثقلهن [ (10) ] اللحم، إنما يأكلن العلقة [ (11) ] من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه. وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فأقمت، وفي رواية القطان: فأتيت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، وفي رواية القطان: فيوجهون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني [ (12) ] من وراء الجيش،

فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة، غير استرجاعه، فأناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغر بين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول [ (12) ] ، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت

شهرا، والناس يفيضون [ (13) ] في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي،

إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم، ثم ينصرف

فذلك الذي يريبني، ولا أشعر بالشر، حتى خرجت يوما بعد ما نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناجع، وهو مبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى الليل، وذلك قبل أن تتخذ الكنف [ (14) ] قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب، فأقبلت أنا، وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها [ (15) ] ، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا! قالت: أي هنتاه [ (16) ] ! أولم تسمعي ما قال؟ قالت: وماذا قال، وفي رواية القطان: رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: أو ما علمت ما قال؟ قلت: لا والله قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك.

قالت: فازددت مرضا على مرضي،

قالت: فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم، ثم قال: كيف تيكم [ (17) ] ؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا

بنية هوني عليك. فو الله لقل ما كانت امرأة قط، وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر، إلا أكثرن [ (18) ] عليها. قالت: فقلت: سبحان الله، ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت الليلة حتى أصبحت لا ترقأ لي [ (19) ] دمع، ولا أكتحل بنوم.

قالت: ثم أصبحت أبكي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يأمرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة ابن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال أسامة: يا رسول الله أهلك، ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، النساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك.

قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت بريرة: لا، والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرا أغمصه [ (20) ] عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن [ (21) ] فتأكله.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر [ (22) ] يومئذ من عبد الله بن أبي بن سلول، قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر المسلمين! من يعذرنا من رجل قد بلغنا أذاه في أهل بيتي، فو الله ما علمت في أهلي إلا خيرا، ولقد

ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ الأنصاري [ (23) ] ، فقال: يا رسول الله! أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.

قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمرو الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله! فقام أسيد بن حضير [ (24) ] ، وهو ابن عم سعد بن معاذ،

فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمرو الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، وسكت.

قالت: فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت:

فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظنان أن البكاء فالق كبدي.

قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي. قال: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم جلس، قالت: فلم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم

قال: أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه،

قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لأمي أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت: وأنا يومئذ حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف عليهما السلام، قال: «فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون» [ (25) ] .

قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذ أعلم أني بريئة، وإن الله- عز وجل- يبرئني ببراءتي، وفي رواية القطان سيبرئني براءتي ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر- وفي رواية القطان: أمر يتلى- ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم رؤيا يبرئني الله بها.

قالت: فو الله ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى نزل عليه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شاتي، من ثقل القول الذي ينزل عليه،

قالت: فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها يا عائشة أما والله لقد برأك الله،

قالت: فقالت أمي: قومي إليه، قالت: فقلت: والله! لا أقوم إليه ولا أحمد، إلا الله، وأنزل الله عز وجل: إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم [ (26) ] . العشر الآيات كلها.

فلما أنزل الله عز وجل هذا في براءتي، قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم [ (27) ] ، قال أبو بكر: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.

قالت عائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش، عن أمري، فقال: يا زينب ما علمت أو ما رأيت؟ قالت: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك.

لفظ حديث أبي عبد الله القطان.

رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن عبد الله بن بكير [ (28) ] .

وأخرجه مسلم من حديث ابن المبارك عن يونس بن يزيد [ (29) ] .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، قال:

أخبرنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار، قال: حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال:

كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال الذي تولى كبره منهم: علي، فقلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم سمع عائشة- رضي الله عنها- تقول:

الذي تولى كبره: عبد الله بن أبي، قال فقال لي: فما كان جرمه؟ قال قلت:

سبحان الله! من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة، تقول: كان مسيئا في أمري.

أخرجه البخاري في الصحيح من حديث معمر [ (30) ] .

وأخبرنا أبو علي الروذباري، قال: حدثنا أبو محمد بن شوذب المقرئ بواسط، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا أبو معشر، قال: حدثنا أفلح بن عبد الله بن المغيرة، عن الزهري، قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فذكر الحديث بطوله عن عروة، وابن المسيب وعلقمة، وعبيد الله بن عبد الله، عن عائشة لم يذكر أبا سلمة، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وزاد: قال: حدثنا الوليد، وما ذاك قال:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة بني المصطلق، فساهم بين نسائه، فخرج سهمي، وسهم أم سلمة وذكر الحديث.

أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، قال: حدثنا أبو بكر الإسماعيلي، قال: حدثنا القاسم بن زكريا، قال: حدثنا بندار، وابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أخبرنا شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب بأبيات له، فقال:

حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الفوافل [ (31) ]

قالت: لست كذاك، قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله عز وجل: والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم فقالت: وأي عذاب أشد من العمى.

قال وقالت: قد كان يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن بشار بندار [ (32) ] .

ورواه مسلم عن محمد بن المثنى [ (33) ] .

أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قال: حدثنا أبو العباس:

محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة أنها قالت: لما تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القصة التي نزل بها عذري على الناس نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر برجلين وامرأة ممن كان باء بالفاحشة في عائشة فجلدوا الحد، قال: وكان رماها عبد الله بن أبي، ومسطح بن أثاثة، وحسان، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، رموها بصفوان بن المعطل السلمي [ (34) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس عن ابن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي، قال: وكان حسان بن ثابت قد كثر على صفوان بن المعطل في شأن عائشة، ثم قال بيت شعر يعرض به فيه وبأشباهه، فقال:

أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد [ (35) ]

فاعترضه صفوان ليلة، وهو آت من عند أخواله بني ساعدة فضربه بالسيف على رأسه، فيعدوا عليه ثابت بن قيس بن شماس، فجمع يديه إلى عنقه بحبل أسود، وانطلق به إلى دار بني حارثة، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال له: ما هذا؟ فقال: ما أعجبك عدا على حسان بالسيف، فو الله ما أراه إلا قد قتله، فقال: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما صنعت به؟ فقال: لا، فقال: والله لقد اجترأت، خل سبيله، فستغدوا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له ذلك، فقال: أين ابن المعطل، فقام إليه، فقال: ها أنا ذا يا رسول الله، فقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله آذاني وكثر علي، ولم يرض حتى عرض في الهجاء، فاحتملني الغضب، وها أنا ذا. فما كان علي من حق فخذني به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعو إلي حسان، فأتي به، فقال: يا حسان! أتشوهت على قومك أن هداهم الله للإسلام، يقول: تنفست عليهم، يا حسان أحسن فيما أصابك، فقال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيرين القبطية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان، وأعطاه أرضا كانت لأبي طلحة تصدق بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ (36) ] .

قال ابن إسحاق: حدثنا يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن صفوان بن المعطل، قال حين ضرب حسان:

تلق ذباب السيف عنك فإنني ... غلام إذا هو جيت لست بشاعر

وقال حسان لعائشة:

رأيتك وليغفر لك الله حرة ... من المحصنات غير ذات غوائل

حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الفوافل

وإن الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قيل امرئ متماحل [ (37) ]

فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم ... فلا رجعت سوطي إلي أناملي

فكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل

وإن لهم عزا يرى الناس دونه ... قصار وطال العز كل التطاول [ (38) ]

وأخبرنا الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: أخبرنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، في ذكر ما جرى بين جهجاه وبين فتية من الأنصار على الماء في غزوة بني المصطلق، قال: وبلغ حسان بن ثابت الشاعر الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين الفتية الأنصاريين قال فغضب وقال وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام:

أمسى الجلابيب قد زاغوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد

فخرج رجل من بني سليم مغضبا من قول حسان فرصده فلما خرج ضربه السلمي حتى قيل قتله لا يرى إلا أنه صفوان بن المعطل فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف فلم يقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ضربه إياه بالسيف فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب السلمي حسان فقال لهم خذوه فإن هلك حسان فاقتلوه به فخذوه فأسروه وأوثقوه فبلغ ذلك سعد بن عبادة، فخرج في قومه إليهم فقال: أرسلوا الرجل فأبوا عليه فقال عمدتم إلى قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشتمونهم وتؤذونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم فغضب سعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولقومه فقال أرسلوا الرجل

فأبوا عليه حتى كاد أن يكون بينهم قتال ثم أرسلوه فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلة، ثم أرسله فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من كساك كساه الله من ثياب الجنة؟ فقال: كساني سعد بن عبادة.

ثم ذكر موسى بن عقبة قصة عبد الله بن أبي في الإنفاق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزول إذا جاءك المنافقون، ولم يتعرض لذكر حديث الإفك في هذه الغزوة وفي رواية الزهري عن الجماعة عن عائشة حتى استعذر النبي صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن أبي، فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، وقد مضى الحديث الصحيح عن عروة عن عائشة في قصة رمي سعد بن معاذ يوم الخندق في أكحله ووفاته من تلك الرمية بعد قريظة، فإن كان قول من قال إن قصة الإفك كانت في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق محفوظا فيشبه أن يكون جرح سعد بن معاذ رضي الله عنه لم ينفجر حتى كان بعد المريسيع، وحديث الإفك.

وذكر أبو عبد الله بن مندة الحافظ أن سعد بن معاذ توفي بالمدينة سنة خمس من الهجرة.

وذكرنا فيما تقدم أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان سنة خمس من الهجرة، فكأن سعدا مات بعد شعبان في هذه السنة والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.