الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة / الجزء الرابع / باب سرية نجد يقال إنها كانت في المحرم سنة ست من الهجرة، بعث فيها محمد بن مسلمة فجاء بسيد أهل اليمامة ثمامة بن أثال وما ظهر في أخذه وإسلامه من الآثار
12

باب سرية نجد يقال إنها كانت في المحرم سنة ست من الهجرة، بعث فيها محمد بن مسلمة فجاء بسيد أهل اليمامة ثمامة بن أثال وما ظهر في أخذه وإسلامه من الآثار

الجزء الرابع 1 عنصر صفحة 77
ص 77

أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ- رحمه الله- قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، هو ابن ملحان، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة- رضي الله عنه-، يقول: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ قال: عندي يا محمد خير إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة،

فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، يا محمد! والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، وقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد

العمرة، فماذا ترى، فيسره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبأت [ (1) ] يا ثمامة؟ قال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فو الله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن يوسف، ورواه مسلم عن قتيبة كلاهما عن الليث، وأخرجه مسلم أيضا من حديث عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري هكذا [ (2) ] .

وخالفهما محمد بن إسحاق بن يسار [ (3) ] عن المقبري في كيفية أخذه، وذكر أولا من قبل نفسه أن ثمامة بن أثال كان رسول مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا الله أن يمكنه منه.

ثم روي عن المقبري ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو محمد بن موسى ابن الفضل، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: كان إسلام ثمامة بن أثال الحنفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الله حين عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرض له أن يمكنه الله منه، وكان عرض له وهو مشرك، فأراد قتله فأقبل ثمامة معتمرا وهو على شركه، حتى دخل المدينة فتحير فيها، حتى أخذ فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك فأمر به فربط إلى عمود من عمد المسجد، فخرج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك يا ثمام؟ هل أمكن الله منك؟ فقال: قد كان ذلك يا محمد: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعف عن شاكر، وإن تسأل مالا تعطه

فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه، حتى إذا كان الغد مر به، فقال: مالك يا ثمام؟ فقال: خيرا يا محمد: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعف عن شاكر، وإن تسأل مالا تعطه ثم انصرف عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو هريرة: فجعلنا المساكين نقول: بيننا ما يصنع بدم ثمامة، والله لأكلة من جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة.

فلما كان الغد، مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك يا ثمام؟ فقال خيرا يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعف عن شاكر، وإن تسأل مالا تعطه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عفوت عنك يا ثمام.

فخرج ثمامة حتى أتى حائطا من حيطان المدينة، فاغتسل به وتطهر، وطهر ثيابه، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقال:

يا محمد والله لقد كنت وما وجه أبغض إلي من وجهك، ولا دين أبغض إلي من دينك، ولا بلد أبغض إلي من بلدك، ثم لقد أصبحت وما وجه أحب إلي من وجهك، ولا دين أحب إلي من دينك، ولا بلد أحب إلي من بلدك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، يا رسول الله إني كنت خرجت معمرا، وأنا على دين قومي فيسرني صلى الله عليك في عمرتي، فيسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته وعلمه، فخرج معتمرا.

فلما قدم مكة وسمعته قريش يتكلم بأمر محمد من الإسلام، قالوا: صبأ ثمامة فأغضبوه فقال: إني والله ما صبوت ولكني أسلمت، وصدقت محمدا، وآمنت به، وايم الذي نفس ثمامة بيده. لا تأتيكم حبة من اليمامة- وكانت ريف مكة- ما بقيت حتى يأذن فيها محمد صلى الله عليه وسلم. وانصرف إلى بلده، ومنع الحمل إلى مكة، حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي حمل الطعام، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم [ (4) ] .

وأخبرنا أبو طاهر الفقيه قال: أخبرنا أبو حامد بن بلال، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا النفيلي، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فأخبرني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ثمامة- فربط بعمود من عمد الحجرة ثلاث ليال. فذكر الحديث بمعناه.

وهذه الرواية توهم أن يكون صدر الحديث في رواية يونس بن بكير من قول محمد بن إسحاق عن شيوخه، ورواية الليث بن سعد ومن تابعه أصح في كيفية أخذه والذي روي في حديث محمد بن إسحاق من قول أبي هريرة وغيره في إرادة فدائه يدل على شهود أبي هريرة ذلك، وأبو هريرة إنما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر فيشبه أن يكون قصة ثمامة فيما بين خيبر وفتح مكة والله أعلم.

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو قتيبة: سلمة بن الفضل الآدمي بمكة، قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم، قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا أبو ثميلة يحيى بن واضح، قال: حدثنا عبد المؤمن بن خالد الحنفي، عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس أن ابن أثال الحنفي لما أتي به النبي صلى الله عليه وسلم وهو أسير خلى سبيله، فأسلم فلحق بمكة يعني ثم رجع فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العلهز [ (5) ] ، فجاء أبو سفيان بن حرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال بلى قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تبارك وتعالى: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون [ (6) ] .

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.