أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: [ (1) ] حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: وكان في الحفر بالخندق أحاديث بلغتني فيها عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته، وعاين ذلك المسلمون منه.
وكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث أنه اشتد عليهم في بعض الخندق كدية [ (2) ] فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، وقال من حضرها: فو الذي بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثب ما ترد فأسا ولا مسحاة [ (3) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر: أحمد بن الحسن القاضي، قالا:
حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد ابن عبد الجبار،
قال: [ (4) ] حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي، قال:
حدثنا [ (5) ] أيمن المخزومي، قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كذانة وهي الجبل، فقلنا يا رسول الله إن كذانة قد عرضت فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رشوا عليها، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل [ (6) ] فقلت له: ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل.
ففعل [ (7) ] ، فقلت للمرأة [ (8) ] : هل عندك من شيء؟ فقالت: عندي صاع من شعير وعناق [ (9) ] ، فطحنت الشعير وعجنته، وذكت العناق، وسلختها، وخليت من المرأة وبين ذلك ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ (10) ] ، فجلست عنده ساعة، ثم قلت: ائذن لي يا رسول الله ففعل، فأتيت المرأة فإذا العجين واللحم قد أمكنا، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن عندي طعيما [ (11) ] لنا، فقم يا رسول الله أنت ورجلان من أصحابك، فقال: وكم هو؟ فقلت: صاع من شعير، وعناق، فقال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر! فقاموا، فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، فقلت: جاء بالخلق على صاع شعير وعناق! فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجند
أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم قد أخبرناه ما عندنا فكشفت عني غما شديدا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: خذي ودعيني من اللحم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرد، ويغرف اللحم، ثم يخمر هذا، ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلي وأهدي.
فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع.
رواه البخاري في الصحيح عن خلاد بن يحيى، عن عبد الواحد بن أيمن [ (12) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن سلمان، قال: ضربت في ناحية من الخندق [فغلظت علي صخرة] [ (13) ] ، فعطف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قريب مني، فلما رآني أضرب، ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى ثم ضرب الثالثة فلمعت تحته برقة أخرى، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، ما هذا الذي رأيت يلمع تحت المعول، وأنت تضرب به؟ فقال: أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟ فقلت: نعم، فقال: أما الأولى فإن الله- عز وجل- فتح علي بها اليمن، وأما الثانية، فإن
الله- عز وجل- فتح علي بها الشام والمغرب، وأما الثالثة، فإن الله فتح علي بها المشرق [ (14) ] .
قال ابن إسحاق: «وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول في زمن عمر، وزمن عثمان، وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم فو الذي نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحهم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة، إلا الله- عز وجل- وقد أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتحها» [ (15) ] .
قلت: وهذا الذي ذكره محمد بن إسحاق بن يسار من قصة سلمان قد ذكرنا معناه منقول عن معاذ بن أبي الأسود، عن عروة، عن موسى بن عقبة.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ- رحمه الله- قال: أخبرنا أبو بكر:
محمد بن علون المقري ببغداد، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يونس القرشي، قال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: حدثنا كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف المزني، قال: حدثني أبي عن أبيه، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب من أجم السمر طرف بني حارثة حين بلغ المداد، ثم قطع أربعين ذراعا بين كل عشرة، فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقالت الأنصار: سلمان منا، وقالت المهاجرون:
سلمان منا،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلمان منا أهل البيت [ (16) ] .
قال عمرو بن عوف [ (17) ] : فكنت أنا، وسلمان، وحذيفة بن اليمان، والنعمان بن مقرن، وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحضرنا حتى إذا بلغنا الثدي أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة، فكسرت حديدنا، وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان! ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة، فإنا إن نعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، فرقي سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله! بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من الخندق مروه فكسرت حديدنا، وشقت علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق، ورقينا عن الشقة في شقة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاء ما بين لابتيها- يعني لابتي المدينة، حتى لكأن مصباحا في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة فتح، فكبر المسلمون.
ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية، فصدعها وبرق منها برقة أضاء لها ما بين لابتيها حتى لكأن مصاحبا في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكبيرة فتح، وكبر المسلمون.
ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة، فكسرها، وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة فتح، فكبر المسلمون.
ثم أخذ بيد سلمان فرقي
فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد
رأيت شيئا ما رأيته قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم، فقال: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا، قد رأيناك تضرب، فخرج برق كالموج فرأيناك تكبر، ولا نرى شيئا غير ذلك، فقال: صدقتم، ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.
ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل- عليه السلام- أن أمتي ظاهرة عليها.
ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق منها الذي رأيتم، أضاءت منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل- عليه السلام- أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا، يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر.
فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صادق بأن الله وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب، فقال المسلمون: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما [ (18) ] .
وقال المنافقون: ألا تعجبون: يحدثكم ويمنيكم، ويعدكم بالباطل، يخبركم أنه بصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق، ولا تستطيعون أن تبرزوا!! وأنزل القرآن: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا [ (19) ] .
أخبرنا أبو الحسن: علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا أحمد بن غالب بن حرب، قال: حدثنا هوذة، قال: حدثنا عوف، عن ميمون [ (20) ] الزهراني، قال: حدثني البراء بن عازب الأنصاري، قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله، وضرب ضربة، فكسر ثلثها، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لا بصر قصورها الحمر إن شاء الله، ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثا آخر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة [ (21) ] .
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم يسر يا كريم
