أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي، قال:
حدثنا محمد بن عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: وناداهم أبو سفيان حين ارتحلوا:
إن موعدكم موسم بدر، وكان يقوم في بدر كل عام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا نعم، فقالوا نعم قد فعلنا، ونادوا أبا سفيان بذلك، قال عروة: وانكفؤا- يعني المشركين- إلى أثقالهم ولا يدري المسلمون ما يريدون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن رأيتموهم ركبوا وجعلوا الأثقال تتبع آثار الخيل فهم يريدون أن يدنوا من البيوت والآطام التي فيها الدراري والنساء، وأقسم لئن فعلوا لأواقعنهم في جوفها،
فلما أدبروا بعث سعد بن أبي وقاص [ (1) ] في آثارهم، وقال: اعلم لنا أمرهم، فانطلق سعد يسعى، ثم رجع، فقال: رأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنونة مدبرة، ورأيت القوم قد تحملوا على الأثقال سائرين، فطابت أنفسهم لذهاب العدو، وانتشروا يبتغون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلا إلا قد مثلوا به، غير حنظلة بن أبي عامر كان أبوه مع المشركين فترك له، ووجدوا حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بقر بطنه، واحتملت كبده حملها وحشي، وهو
قتله وشق بطنه، فذهب بكبده إلى هند بنت عتبة في نذر نذرته حين قتل أباها يوم بدر، وأقبل المسلمون على قتلاهم يدفنونهم- رضي الله عنهم.
قال: وخرج نساء من المهاجرات والأنصار فحملن الماء والطعام على ظهورهن، وخرجت فيهن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أبصرت أباها والذي به من الدماء اعتنقته، وجعلت تمسح الدماء عن وجهه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم [ (2) ] ، وسعى علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى المهراس وقال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميم، فأتى بماء في مجنة، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرب منه فوجد له ريحا فقال هذا ماء آجن فتمضمض منه وغسلت فاطمة عن أبيها الدماء، فلما أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف علي مخضبا دما، قال: إن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وقال صلى الله عليه وسلم: أخبروني عن الناس ما فعلوا أو أين ذهبوا، قال: كفر عامتهم، قال: أما إن المشركين لن يصيبوا منا مثلها أبدا، نبيحهم، ثم أقبلوا إلى دورهم [ (3) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، قال: حدثنا أبو الحسن: علي بن محمد الثقفي بالكوفة، قال:
حدثنا منجاب بن الحارث، قال: وزعم سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء علي رضي الله عنه بسيف يوم أحد، قد انحنا، فقال لفاطمة- رضي الله عنها- رضي الله عنه هاك السيف حميدا، فإنها قد شفتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لإن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده
سهل بن حنيف، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة [ (4) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسين عبيد الله بن محمد القطيعي ببغداد من أصل كتابه، قال: حدثنا أبو إسماعيل: محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثنا سليمان ابن بلال، عن عبد الأعلى [ (5) ] بن عبد الله بن أبي فروة، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير، وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه، ودعا له، ثم قرأ هذه الآية: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا [ (6) ] ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه. كذا وجدته في كتابي عن أبي هريرة [ (7) ] .
حدثنا محمد بن عبيد الله بن محمد بن حمدويه إملاء، قال: حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، قال:
حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحربي، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الأعلى [ (8) ] بن عبد الله بن أبي فروة، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر، قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد مر على مصعب بن
عمير مقتولا على طريقه فقرأ: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [ (9) ] الآية. ورواه قتيبة عن حاتم مرسلا.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المازني أحد بني النجار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع؟» فنظر رجل فوجده جريحا في القتلى وبه رمق،
فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عني خير ما يجزي نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لا عذر لكم [ (10) ] عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبرته خبره [ (11) ] .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة رضي الله عنه في القتلى، فوجده ببطن الوادي قد بقر عن بطنه وعن كبده ومثل به: فجدع أنفه وأذناه.
وبإسناده عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير،
وحدثنيه بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب، قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بحمزة من المثل جدع أنفه ولعب به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أن تجزع صفية وتكون سنة [من بعدي] [ (12) ] ما غيب حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير [ (13) ] .
وعن ابن إسحاق، قال: حدثني [ (14) ] بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة بالحال التي هو بها حين مثل به، قال: لئن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم، فلما رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما به من الجزع، قالوا: لئن ظفرنا بهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد، فأنزل الله عز وجل:
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [ (15) ] إلى آخر السورة فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ (16) ] .
وعن ابن إسحاق عن شيوخه الذين روى عنهم قصة أحد، قالوا: فأقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى حمزة بأحد، وكان أخاها لأمها وأبيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير: القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها، فلقيها الزبير، فقال: أي أمه! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، فقالت: ولم فقد بلغني أنه قد مثل بأخي وذاك في الله لما أرضانا بما كان من ذلك، فلأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فلما جاء الزبير إليه فأخبره قول صفية قال: خل سبيلها، فأتته فنظرت إليه واسترجعت واستغفرت له ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن [ (17) ] .
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تطلبه لا تدري ما صنع. قال: فلقيت عليا والزبير فقال علي للزبير: اذكر لأمك، وقال الزبير: لا بل اذكر أنت لعمتك، قالت: ما فعل حمزة؟ فأرياها أنهما لا يدريان، قال: فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أخاف على عقلها، قال: فوضع يده على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت، قال ثم جاء فقام عليه وقد مثل به فقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع
[ (18) ] .
وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، قال: أخبرنا أبو علي الرفاء، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أحمد بن يونس، فذكره بإسناده مثله زاد فيه قال: ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم سبع تكبيرات ويرفعون ويترك حمزة، ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم سبعا حتى فرغ منهم [ (19) ] .
كذا رواه يزيد بن أبي زياد [ (20) ] ، وحديث جابر لم يصل عليهم إسناده
أصح، وذلك يرد إن شاء الله [ (21) ] .
أخبرنا عمر بن عبد العزيز بن قتادة، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن السراج قال: حدثنا مطين قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال:
حدثنا قيس، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- يوم قتل حمزة ومثل به- لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين رجلا منهم، قال: فأنزل الله عز وجل: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [ (22) ] الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نصبر يا رب.
أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا عباس بن محمد بن حاتم، قال: حدثنا عبد العزيز بن السري، قال: حدثنا صالح المري [ (23) ] عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد وقد مثل به، فنظر إلى شيء لم ننظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه، فقال: رحمة الله عليك، فقد كنت وصولا للرحم، فعولا للخيرات، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، ثم حلف بالله مع ذلك لأمثلن بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعد بخواتيم سورة النحل وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به إلى آخر السورة، فصبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكفر عن يمينه، وأمسك عما أراد [ (24) ] .
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا إسماعيل الصفار، قال:
حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا حجاج بن المنهال قال: حدثنا صالح المري، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حيث استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط أوجع لقلبه منه، وذكر باقي الحديث مثل حديث ابن عباس.
أخبرنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البغدادي بها، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: حدثنا عيسى بن عبيد الكندي، قال: حدثني ربيع بن أنس، قال: حدثني أبو العالية، عن أبي بن كعب، أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، وأصيب من المهاجرين ستة فيهم حمزة، فمثلوا بقتلاهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوما من الدهر لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، مرتين، فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [ (25) ] الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كفوا عن القوم [ (26) ] .
أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: جاءت صفية يوم أحد ومعها ثوبان لحمزة فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كره أن ترى حمزة
على حاله، وقد كان المشركون مثلوا به، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: الزبير ليحبسها، فلما أتاها، قال: قفي يا أمه فقالت: خل عني لا أرض لك، فلما رآها تأبى عليه قال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بعثني إليك، فلما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفت وأخذت ثوبين، وكان إلى جنب حمزة قتيل من الأنصار، فكرهوا أن يتخيروا لحمزة أو للأنصاري قال: أسهموا سهما فأيهما طاوله أجود الثوبين فهو له، فأسهموا بينهما فكفن حمزة في ثوب والأنصاري في ثوب. [ (27) ]
وبإسناده قال: وحدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير- وكان ولد عام الفتح- فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على وجهه وبرك عليه، قال: فلما أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد قال: أنا الشهيد على هؤلاء ما من جريح يجرح في الله، إلا الله- عز وجل- يبعثه يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، انظروا أكثرهم جمعا للقرآن فاجعلوه أمام صاحبه في القبر، فكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر [ (28) ] .
قال ابن إسحاق: وكان ناس من المسلمين قد احتملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صرعوا [ (29) ] .
وعن ابن إسحاق، قال: حدثني والدي: إسحاق بن يسار عن رجال من بني سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حين أصيب عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصافيين في الدنيا [ (30) ] .
قال ابن إسحاق: قال أبي فحدثني أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء استصرخنا عليهم، وقد انفجرت العين عليهما في قبورهما، فجئنا فأخرجناهما وعليهما بردتان قد غطي بهما وجوههما، وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض فأخرجناهما يثنيان تثنيا كأنما دفنا بالأمس [ (31) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني الزاهد، قال:
حدثنا أحمد بن مهران الأصبهاني، قال: حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: استصرخنا إلى قتلانا يوم أحد، وذلك حين أجرى معاوية العين فأتيناهم فأخرجناهم تثنى أطرافهم، قال:
وقال حماد: وزادني صاحب لي في الحديث، فأصاب قدم حمزة فانثعب [ (32) ] دما [ (33) ] .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم المتوني قال: حدثنا خالد بن خداش، فذكره بإسناده نحوه، إلا أنه قال:
فأخرجناهم رطابا يتثنون على رأس أربعين سنة.
قال: وزعم جرير عن أيوب فذكر معنى تلك الزيادة.
أخبرنا أبو طاهر الفقيه قال: أخبرنا أبو حامد بن بلال البزاز، قال: حدثنا يحيى بن الربيع المكي، قال: حدثنا سفيان، عن الأسود، عن نبيح [ (34) ] العنزي عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم [ (35) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن القاضي قالا:
حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال:
حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، قال: حدثنا أبو عوانة، قال:
حدثنا الأسود، عن نبيح [ (36) ] العنزي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال:
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، قال: فقال لي أبي عبد الله: يا جابر! ما عليك أن تكون في نظاري المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، وجاء رجل ينادي: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، قال: فرجعنا
بهما فدفناهما في القتلى حيث قتلا، قال: فبينما أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل، فقال: يا جابر، والله، لقد أثار أباك عمال [ (37) ] معاوية فبدا فخرج طائفة منه، قال: فأتيته فوجدته على النحو الذي تركته لم يتغير منه شيء، إلا ما لم يدع القتيل، قال: فواريته [ (38) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن بطة، قال:
حدثنا الحسن بن الجهم بن مصقلة، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال:
حدثنا محمد بن عمر الواقدي، عن شيوخه في قصة عبد الله بن عمرو بن حرام، قالوا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: ادفنوا عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح في قبر واحد، ويقال: إنما أمر بذلك لما كان بينهما من الصفاء، فقال: ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا، في قبر واحد،
ويقال إنهما وجدا وقد مثل بهما كل المثل، فلم تعرف أبدانهما، وكان عبد الله بن عمرو رجلا أحمر أصلع ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح رجلا طويلا، فعرفا ودخل السيل عليهما، وكان قبرهما مما يلي السيل فحفر عنهما وعليهما نمرتان [ (39) ] ، وعبد الله قد أصابه جرح في يده، فيده على جرحه، فأميطت يده عن جرحه فانثعب الدم فردت إلى مكانها فسكن الدم، قال جابر: فرأيت أبي في حفرته، فكأنه نائم، فقيل له: أفرأيت أكفنته؟ فقال: إنما دفن في نمرة خمر بها وجهه، وعلى رجليه الحرمل، فوجدنا النمرة كما هي والحرمل على رجليه على هيئته، وبين ذلك ست وأربعون سنة، فشاورهم جابر في أن يطيب بمسك، فأبى ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ويقال إن معاوية لما أراد أن يجري الكظامة [ (40) ] نادى مناديه بالمدينة: من كان له قتيل بأحد فليشهد، فخرج الناس إلى قتلاهم فوجدوهم رطابا يتثنون، فأصابت المساحة رجل رجل منهم فانثعب دما، فقال أبو سعيد الخدري: لا ينكر بعد هذا منكر، ووجد عبد الله بن عمرو، وعمرو بن الجموح في قبر واحد، فحولا.
وذلك أن القناة كانت تمر على قبرهما، ووجد خارجة بن زيد بن أبي زهير وسعد بن الربيع في قبر واحد فتركا.
ولقد كانوا يحفرون التراب فحفروا نثرة من تراب، ففاح عليهم ريح المسك [ (41) ] .
قلت: كذا في رواية أهل المغازي أنه كان مع عمرو بن الجموح في قبر واحد إلى الوقت المذكور فيها، وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو عمرو المقرئ، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا حسين المعلم، عن عطاء، عن جابر، قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن علي دينا فاقض واستوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا فكان أول قتيل، فدفنت معه آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه.
أخرجه في الصحيح [ (42) ] هكذا.
وفي رواية ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن جابر: فلم تطب نفسي حتى أخرجته، فدفنته على حدة.
قد أخرجناه في كتاب السنن [ (43) ] .
أخبرنا أبو الحسن: علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا عبيد بن شريك، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث (ح) .
وأخبرنا أبو عمرو البسطامي، قال: أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، قال:
أخبرني الحسن بن سفيان، قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا ليث بن سعد عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر، وفي حديث ابن بكير أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهما أخذا للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. لفظهما سواء.
رواه البخاري في الصحيح [ (44) ] عن قتيبة.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا الحسن بن حليم، بن محمد ابن حليم بن إبراهيم بن ميمون الصائغ بمرو، قال: حدثنا أبو الموجه، قال:
أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا ليث بن سعد قال: حدثني ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره بمثله إلا أنه قال: ولم يصل عليهم ولم يغسلهم رواه البخاري في الصحيح عن عبدان [ (45) ] .
أخبرنا أبو علي الروذباري قال: أخبرنا أبو بكر بن داسة قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القعنبي، أن سليمان بن المغيرة حدثهم عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر، قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقالوا:
أصابنا قرح وجهد فكيف تأمر؟ قال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر، قيل: فأيهم نقدم؟ قال: أكثرهم قرآنا قال: أصيب أبي يومئذ- عامر يعني- فقدم بين اثنين، أو قال واحد
[ (46) ] .
قال أبو داود، وحدثنا أبو صالح، قال: أخبرنا أبو إسحاق الفزاري، عن الثوري، عن أيوب، عن حميد بن هلال بإسناده ومعناه، زاد فيه:
وأعمقوا [ (47) ] .
قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا جرير، قال: حدثنا حميد ابن هلال عن سعد بن هشام بن عامر بهذا [ (48) ] .
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا أحمد بن ملاعب قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد ابن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن سعد بن هشام بن عامر، عن أبيه، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القرح يوم أحد، وأن الحفر شديد علينا، فقال احفروا وأعمقوا وقدموا أكثرهم قرآنا، قال: فقدم أبي بين يدي رجلين [ (49) ] .
أخبرنا أبو عمرو الأديب قال: أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، قال: أخبرنا أبو خليفة، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله، قال: لما قتل أبي يوم أحد جعلت أبكي، وأكشف الثوب عن وجهه، وجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهونني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تبكه أو ما تبكيه فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعوه
[ (50) ] .
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال:
حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال:
أخبرنا شعبة، فذكره بإسناده نحوه، إلا أنه قال: فبكت عمتي، فقال: لا تبكه
أو لم تبكيه فإن الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعوه.
رواه البخاري في الصحيح عن أبي الوليد [ (51) ] .
وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة [ (52) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا:
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال:
حدثنا فيض بن وثيق بصري، قال: حدثنا أبو عبادة الأنصاري قال: حدثني ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر: يا جابر! ألا أبشرك؟ قال: بلى بشرك الله بالخير، قال: شعرت أن الله أحيا أباك فقال تمن علي عبدي ما شئت أعطكه، قال يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقتل مع نبيك، وأقتل فيك مرة أخرى، قال:
إنه قد سلف مني أنه إليها لا يرجع [ (53) ] .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الاسفرائني. قال: أخبرنا أبو سهل بشر بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا موسى بن إبراهيم بن بشير بن الفاكه الأنصاري، أنه سمع طلحة بن خراش بن الصمة [ (54) ] . الأنصاري، ثم السلمي قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما لي أراك مهتما؟ قال: قلت يا رسول الله قتل أبي وترك دينا وعيالا، فقال: ألا أخبرك ما
كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا، فقال: يا عبدي سلني أعطك، فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيا، فقال إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ من ورائي. قال: فأنزل الله عز وجل: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا [ (55) ] ، حتى أنفذ فيه الآية [ (56) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن زياد ابن ابنة أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا جدي قال: أخبرنا أبو مروان العثماني، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد [ (57) ] ، عن أبيه، عن جده، قال: أتي ابن عوف بطعام فقال: قتل مصعب بن عمير، وكان خيرا مني فلم توجد له إلا بردة يكفن فيها، وقتل حمزة- أو رجل آخر- شك إبراهيم- وكان خيرا مني فلم يوجد له إلا بردة يكفن فيها، ما أظننا إلا قد عجلت لنا في حياتنا الدنيا.
رواه البخاري في الصحيح عن أحمد بن محمد المكي [ (58) ] ، عن إبراهيم.
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ الإسفرائني بها قال:
أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي، قال: أخبرنا سفيان بن سعيد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب، قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن
نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من ذهب لم يأكل من أجره، كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يكن له إلا نمرة كنا إذا غطينا رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها [ (59) ] .
رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن كثير [ (60) ] .
وأخرجاه من أوجه عن الأعمش [ (61) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال:
حدثنا الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم أزقة المدينة إذا النوح والبكاء في الدور، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم، فلما سمع البكاء ذكره عمه حمزة- رضي الله عنه- فاستغفر له، وقال: لكن حمزة لا بواكي له اليوم بالمدينة، فسمع قوله: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة، فمشوا في دورهم حتى جمعت كل باكية ونائحة كانت بالمدينة، وقالوا: والله لا تبكين اليوم قتيلا
للأنصار حتى تبكين حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له، وكانوا يحبون رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعموا أن الذي انطلق بالنوائح عبد الله بن رواحة، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم البكاء قال ما هذا، فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم فاستغفر لهم، وقال لهم معروفا، ورضي عمن أمر برضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ما هذا أردت، وما أحب البكاء، ونهى عنه [ (62) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال:
حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن شيوخه الذين روى عنهم قصة أحد، قالوا: وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، راجعا إلى المدينة من أحد فلقيته حمنة بنت جحش، فنعى لها الناس أخاها عبد الله ابن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن زوج المرأة منها لبمكان، لما رأى من صبرها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها [ (63) ] .
ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على دور من دون الأنصار من بني عبد الأشهل وظفر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عيناه، فبكى، ثم قال:
لكن حمزة لا بواكي له، فلما رجع سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل، أمرا نساءهم أن يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة، خرج إليهن وهن على باب مسجده
يبكين عليه فقال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتن بأنفسكن [ (64) ] .
وبإسناده عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عوف، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قال: كانت امرأة من الأنصار من بني ذبيان فقد أصيب زوجها وأخوها يوم أحد، فلما نعوا لها، قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشاروا لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل [ (65) ] .
