وقول الله- عز وجل- إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم و
الله خبير بما تعملون، ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية [ (2) ] الآية.
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا هشام بن علي، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال:
أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم: لا تبرحوا من مكانكم، وإذا رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم، فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن [ (3) ] في الجبل، قد رفعن عن سوقهن بادية خلاخيلهن فجعلوا يقولون:
الغنيمة، الغنيمة [ (4) ] ، فقال لهم عبد الله: أمهلوا أما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن [ (5) ] لا تبرحوا، فانطلوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم [ (6) ] وقتل من المسلمين
سبعون رجلا [ (7) ] ، ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف [ (8) ] علينا وهو في نشز قال:
أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه حتى قالها ثلاثا، ثم قال:
أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، ثم التفت لأصحابه فقال:
أما هؤلاء فقد قتلوا، فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك من يخزيك [ (9) ] الله به، فقال: اعل هبل مرتين [ (10) ] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، فقالوا ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا الله أعلى [ (11) ] وأجل قال أبو سفيان: لنا عزى [ (12) ] ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: وما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال [ (13) ] أما إنكم ستجدون في القوم مثلة [ (14) ] لم آمر بها ولم تسؤني.
رواه البخاري في الصحيح عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل [ (15) ] .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر المزكي، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم العبدي، قال: أخبرنا أبو جعفر النفيلي، قال: حدثنا زهير بن معاوية قال: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء ابن عازب، يقول: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير، فذكر الحديث إلى أن قال: وأقبلوا منهزمين يعني المسلمين فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا وذكر الحديث.
رواه البخاري عن عمرو بن خالد، عن زهير [ (16) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو النضر الفقيه قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب (ح) .
وأخبرنا أبو نصر بن قتادة قال: أخبرنا أبو علي حامد بن محمد الرفا الهروي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن كما نصر يوم أحد قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل إن الله تبارك وتعالى يقول في يوم أحد: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه
[ (17) ] يقول ابن عباس: والحس القتل (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) وإنما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع، ثم قال: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون ولقد التقت صفوف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهم هكذا وشبك أصابع يديه التبسوا فلما دخل الرماة تلك الحلة التي كانوا فيها دخل الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار إنما كانوا تحت المهراس وصاح الشيطان قتل محمد فلم نشك فيه أنه حق فما زلنا كذلك ما نشك أنه قد قتل حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا.
قال: فرقي نحونا وهو يقول اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله قال: ويقول مرة أخرى اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا، حتى انتهى إلينا قال:
فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعل هبل اعل هبل يعني آلهته أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ألا أجيبه قال: بلى، فلما قال: اعل هبل قال عمر الله أعلى وأجل
فقال أبو سفيان يا بن الخطاب إنه يوم الصمت فعاد فقال:
أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر هذا
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر. فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر، الأيام دول وإن الحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال: إنكم لتزعمون ذلك لقد خبنا إذا وخسرنا ثم قال أبو سفيان أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مثلا ولم يكن ذاك عن رأي سراتنا ثم أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إنه إذ كان لم نكرهه. لفظ حديث الدارمي [ (18) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: فلما لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ونظروا إليه ومعه:
طلحة، والزبير، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة، أخو بني النجار ظن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم من العدو، فوضع أحدهم سهما على كبد قوسه فأراد أن يرمي، فلما تكلموا وناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنهم لم يصبهم في أنفسهم ضرر حين أبصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلموا أنه حي، فبيناهم كذلك عرض لهم الشيطان بفتنته وبوسوسته وتحزينه حين أبصروا عدوهم قد انفرجوا عنهم يذكرون قتلاهم وإخوانهم، ويسأل بعضهم بعضا عن قتلاهم، واشتد حزنهم، فرد الله المشركين عليهم وغمهم به ليذهب الحزن عنهم فإذا عدوهم فوق الجبل قد علوا، فنسوا عند ذلك الحزن والهموم على إخوانهم ثم أنزل على طائفة منهم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منهم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم إلى قوله: والله عليم بذات الصدور [ (19) ]
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنه ليس لهم أن يظهروا علينا» ،
ثم دعا وندب أصحابه فانتدب معه عصابة فأصعدوا في الشعب حتى كانوا هم والعدو على السواء، ثم رموا وطاعنوا حتى أهبطوهم
فانكفأ المشركون إلى قتلى المسلمين فمثلوا بهم يقطعون الآذان والأنوف والفروج، ويبقرون البطون، ويحسبون أنهم قد أصابوا النبي صلى الله عليه وسلم، وأشراف أصحابه، ثم إنهم اجتمعوا وصافوا مقابلهم وقال أبو سفيان يوم بيوم بدر [ (20) ] ، وذكر ما روينا في الأخبار الموصولة ثم ذكر انكفاءهم إلى أثقالهم وخروجهم بمعنى ما مضى من رواية موسى بن عقبة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الكعبي، قال: حدثنا محمد بن أيوب، قال: أخبرنا خليفة بن خياط، قال: حدثنا يزيد ابن زريع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال:
كنت ممن يغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي، مرارا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه.
رواه البخاري في الصحيح عن خليفة بن خياط [ (21) ] .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا علي بن حمشاد العدل، قال:
حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، وعلي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج ابن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة الأنصاري، قال رفعت رأس يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم أحد إلا وهو يميد تحت جحفته من النعاس فذلك قوله عز وجل:
ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم [ (22) ] الآية.
وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، قال:
حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام، أنه قال مثل ذلك وتلا هذه الآية ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا [ (23) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال:
حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده عبد الله ابن الزبير، عن الزبير، أنه قال: والله لكأني أسمع قول معتب بن قشير، وإن النعاس ليغشاني ما أسمعها منه إلا كالحكم، وهو يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا [ (24) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسين: محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، قال: وحدثنا أنس بن مالك أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس
ونحن في مصافنا يوم أحد قال أبو طلحة: فكنت فيمن غشيه النعاس يومئذ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحق يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية كذبهم إيمانهم أهل شك وريبة في الله عز وجل.
أخرجه البخاري في الصحيح من وجه آخر عن شيبان [ (25) ] .
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال:
حدثنا محمد بن محمد بن راشد التمار، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، في قوله:
إذ يغشيكم النعاس أمنة منه [ (26) ] قال: ألقي علينا النوم يوم أحد [ (27) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، ومحمد بن يحيى بن حبان، والحصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ، قالوا: كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص اختبر الله عز وجل به المؤمنين، ومحق به المنافقين ممن كان يظهر الإسلام بلسانه وهو مستخف بالكفر ويوم أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل عمران فيها صفة ما كان في يومه ذلك ومعاتبة من عاتب منهم،
يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم [ (28) ] ، ثم ذكر ابن إسحاق [ (29) ] عدد من قتل من المسلمين يوم أحد.
