قال ابن إسحاق وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، وكذلك قتل عثمان بن أبي طلحة وهو حامل اللواء وهو يقول:
إن على أهل اللواء حقا ... أن يخضبوا الصعدة أو تندقا
فحمل عليه حمزة فقتله ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني وكان يكنى بأبي نيار فقال حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله فقال وحشي غلام جبير بن مطعم والله انى لأنظر لحمزة يهد الناس بسيفه ما يليق شيئا يمر به مثل الجمل الأورق إذ قد نقدمنى إليه سباع فقال حمزة هلم يا ابن مقطعة البظور فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوي فغلب فوقع وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر ولم يكن لي بشيء حاجة غيره. قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن الفضل بن عياش بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري
قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار أحد بني نوفل بن عبد مناف في زمان معاوية فأدربنا مع الناس فلما مررنا بحمص وكان وحشي مولى جبير قد سكنها وأقام بها فلما قدمناها قال عبيد الله بن عدي: هل لك في أن نأتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله؟ قال قلت له: إن شئت. فخرجنا نسأل عنه بحمص فقال لنا رجل ونحن نسأل عنه إنكما ستجدانه بفناء داره وهو رجل قد غلبت عليه الخمر فإن تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا وتجدا عنده بعض ما تريدان وتصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه وإن تجداه وبه بعض ما به فانصرفا عنه ودعاه. قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه فإذا هو بفناء داره على طنفسة له وإذا شيخ كبير مثل البغاث، وإذا هو صاح لا بأس به، فلما انتهينا إليه سلمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدي فقال: ابن لعدي بن الخيار أنت؟ قال نعم. قال أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى فإني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك بعرضيك فلمعت لي قدماك حتى رفعتك اليها فو الله ما هو إلا أن وقفت علي فعرفتهما. قال فجلسنا إليه فقلنا: جئناك لتحدثنا عن قتل حمزة كيف قتلته؟ فقال: أما إني سأحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألني عن ذلك، كنت غلاما لجبير بن مطعم وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق. قال فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يبهد الناس بسيفه هذا ما يقوم له شيء فو الله إني لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة قال هلم إلي يا ابن مقطعة البظور، قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه، قال وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغلب وتركته وإياها حتى مات ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر وقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت الى الطائف فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فو الله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل:
ويحك انه والله لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحق، قال فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحق فلما رآني قال لي: أو حشى أنت؟ قلت نعم يا رسول الله. قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة؟ قال فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك، قال فكنت
أتنكب برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله عز وجل، فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما وبيده السيف وما أعرفه فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، وشد عليه الأنصاري بالسيف فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت شر الناس. قلت: الأنصاري هو أبو دجانة سماك بن خرشة كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة.
وقال الواقدي في الردة: هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. وقال سيف بن عمرو: هو عدي ابن سهيل وهو القائل:
ألم تر أني ووحشيهم ... قتلت مسيلمة المعين
ويسأل الناس عن قتله ... فقلت صربت وهذا طعن
والمشهور أن وحشيا هو الذي بدره بالضربة وذفف عليه أبو دجانة، لما روى ابن إسحاق عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن ابن عمر قال: سمعت صارخا يوم اليمامة يقول: قتله العبد الأسود. وقد روى البخاري قصة مقتل حمزة من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال خرجت مع عبد الله بن عدي بن الخيار. فذكر القصة كما تقدم. وذكر أن عبيد الله بن عدي كان معتجرا عمامة لا يرى منه وحشي إلا عينيه ورجليه فذكر من معرفته له ما تقدم، وهذه قيافة عظيمة كما عرف مجزز المدلجي أقدام زيد وابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما. وقال في سياقته: فلما أن صف الناس للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال له:
يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله؟ ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، قال وكمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه قال فكان ذلك آخر العهد به، إلى أن قال: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج مسيلمة الكذاب قلت لأخرج إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان قال فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من كتفيه، قال ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته، قال عبد الله بن الفضل فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر البيت: وا أمير المؤمنيناه قتله العبد الأسود، قال ابن هشام فبلغني أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول: قد قلت أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة. قلت:
وتوفي وحشي بن حرب أبو دسمة ويقال أبو حرب بحمص وكان أول من لبس الثياب المدلوكة.
قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا. قلت وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن سعيد بن المسيب أن الذي قتل مصعبا هو أبي بن خلف فالله أعلم. قال ابن إسحاق فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: كان اللواء أولا مع علي بن أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء المشركين مع عبد الدار قال نحن أحق بالوفاء منهم أخذ اللواء من على بن أبى طالب فدفعه إلى مصعب بن عمير، فلما قتل مصعب أعطى اللواء علي بن أبي طالب. قال ابن إسحاق: وقاتل علي بن أبي طالب ورجال من المسلمين. قال ابن هشام وحدثني مسلمة بن علقمة المازني. قال: لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار وأرسل الى على أن قدم الراية فقدم علي وهو يقول: أنا أبو القصم فناداه أبو سعد بن أبي طلحة وهو صاحب لواء المشركين. هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال نعم فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه علي فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه. فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله. وقد فعل ذلك علي رضى الله عنه يوم صفين مع بس ابن أبي أرطأة لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه. وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه على في بعض أيام صفين أبدى عن عورته فرجع علي أيضا. ففي ذلك يقول الحارث بن النضر:
أتى كل يوم فارس غير منته ... وعورته وسط العجاجة باديه
يكف لها عنه علي سنانه ... ويضحك منها في الخلاء معاويه
وذكر يونس عن ابن إسحاق أن طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء المشركين يومئذ دعا الى البراز فأحجم عنه الناس نبرز إليه الزبير بن العوام فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير» وقال: لو لم يبرز إليه لبرزت أنا إليه لما رأيت من إحجام الناس عنه. وقال ابن إسحاق قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعد بن أبي وقاص وقاتل عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح فقتل نافع بن أبى طلحة وأخاه الحلاس كلاهما يشعره سهما فيأتي أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها فتقول يا بني من أصابك فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن أبى الأقلح فنذرت ان أمكنها الله من رأى عاصم أن تشرب فيه الخمر وكان عاصم قد عاهد الله لا يمس مشركا أبدا ولا
يمسه ولهذا حماه الله منه يوم الرجيع كما سيأتي. قال ابن إسحاق: والتقى حنظلة بن أبي عامر واسمه عمرو ويقال عبد عمرو بن صيفي وكان يقال لأبي عامر في الجاهلية الراهب لكثرة عبادته فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق لما خلف الحق وأهله وهرب من المدينة هربا من الإسلام ومخالفة للرسول عليه السلام وحنظلة الذي يعرف بحنظلة الغسيل لأنه غسلته الملائكة كما سيأتي هو وأبو سفيان صخر بن حرب فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الأوس وهو الذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه» فسئلت صاحبته قال الواقدي: هي جميلة بنت أبي ابن سلول وكانت عروسا عليه تلك الليلة. فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك غسلته الملائكة. وقد ذكر موسى بن عقبة أن أباه ضرب برجله في صدره وقال ذنبان أصبتهما ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنت وصولا الرحم برا بالوالد. قال ابن إسحاق وقال ابن شعوب في ذلك:
لأحمين صاحبي ونفسي ... بطعنة مثل شعاع الشمس
وقال ابن شعوب:
ولولا دفاعى يا ابن حرب ومشهدي ... لألفيت يوم النعف غير مجيب
ولولا مكري المهر بالنعف فرفرت ... عليه ضباع أو ضراء كليب
وقال أبو سفيان:
ولو شئت نجتني كميت طمرة ... ولم أحمل النعماء لابن شعوب
وما زال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوة حتى دنت لغروب
أقاتلهم وأدعي يا لغالب ... وأدفعهم عني بركن صليب
فبكي ولا ترعي مقالة عاذل ... ولا تسأمي من عبرة ونحيب
أباك وإخوانا له قد تتابعوا ... وحق لهم من عبرة بنصيب
وسلي الذي قد كان في النفس إنني ... قتلت من النجار كل نجيب
ومن هاشم قرما كريما ومصعبا ... وكان لدمى الهيجاء غير هيوب
فلو أنني لم أشف نفسي منهم ... لكانت شجى في القلب ذات ندوب
فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم ... بهم خدب من مغبط وكئيب
أصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفاء ولا في خطة بضريب
فأجابه حسان بن ثابت:
ذكرت القروم الصيد من آل هاشم ... ولست لزور قلته بمصيب
أتعجب أن اقصدت حمرة منهم ... نجيبا وقد سميته بنجيب
ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه ... وشيبة والحجاج وابن حبيب
غداة دعا العاصي عليا فراعه ... بضربة عضب بله بخضيب
قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها. وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة على العسكر حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل فأتينا من خلفنا وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد منهم، فحدثني بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به وكان اللواء مع صواب غلام لبني أبي طلحة حبشي وكان آخر من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول: اللهم هل أعزرت- يعني اللهم هل أعذرت- فقال حسان بن ثابت في ذلك:
فخرتم باللواء وشر فخر ... لواء حين رد الى صواب
جعلتم فخركم فيه لعبد ... وألأم من يطا عفر التراب
ظننتم والسفيه له ظنون ... وما إن ذاك من أمر الصواب
بأن جلادنا يوم التقينا ... بمكة بيعكم حمر العياب
أقر العين أن عصبت يداه ... وما إن تعصبان على خضاب
وقال حسان أيضا في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم:
إذا عضل سيقت إلينا كأنها ... جداية شرك معلمات الحواجب
أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا ... وحزناهم بالضرب من كل جانب
فلولا لواء الخارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب
قال ابن إسحاق فانكشف المسلمون وأصاب منهم العدو وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذب بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص فحدثني حميد الطويل عن
أنس بن مالك قال كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج في وجيه فجعل يمسح الدم ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 3: 128 قال ابن جرير في تاريخه حدثنا محمد بن الحسين حدثنا أحمد ابن الفضل حدثنا أسباط عن السدي قال أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ودخل بعضهم المدينة وانطلق طائفة فوق الجبل إلى الصخرة وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: إلي عباد الله، إلي عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف فحماه طلحة فرمي بسهم في يده فيبست يده وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم فقال بل أنا أقتله فقال يا كذاب أين تفر فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه وقالوا ليس بك جراحة فما يجزعك؟ قال: أليس قال لأقتلنك لو كانت تجتمع ربيعة ومضر لقتلهم. فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فقال أنس ابن النضر يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه يرميه فقال أنا رسول الله ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله عز وجل في الذين قالوا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل 3: 144 الآية فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه وهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض» . ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فقال أبو سفيان يومئذ: اعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم أحد بيوم بدر. وذكر تمام القصة. وهذا غريب جدا وفيه نكارة. قال ابن هشام: وزعم ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته وأن عبد الله بن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة
من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده فقال من مس دمه دمي لم تمسه النار قلت وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع لشقه أغمي عليه فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح الدم عن وجهه فأفاق وهو يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله ليس لك من الأمر شيء 3: 128 الآية رواه ابن جرير وهو مرسل وسيأتي بسط هذا في فصل وحده قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكفار كما قال الله تعالى ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم 3: 152- 153 الآية قال الامام أحمد حدثنا [عبد الله حدثني أبى حدثني] سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد قال فأنكرنا ذلك فقال بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله إن الله يقول في يوم أحد ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه 3: 152 يقول ابن عباس والحس القتل حتى إذا فشلتم 3: 152 إلى قوله ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين 3: 152 وإنما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا. فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينهبون وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم هكذا (وشبك بين أصابع يديه) والتبسوا فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا فالتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار إنما كان تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد! فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين نعرفه بتكفيه إذا مشى قال ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا قال فرقي نحونا وهو يقول اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله. ويقول مرة أخرى اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل اعل هبل، مرتين (يعني آلهته) ، أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب؟ فقال عمر بن الخطاب ألا أجيبه؟ قال بلى قال فلما قال اعل هبل قال: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب قد أنعمت
عينها، فعاد عنها- أو فعال عنها- فقال أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر، قال فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر، الأيام دول وإن الحرب سجال. قال فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: أما انكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال ثم أدركته حمية الجاهلية فقال أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه. وقد رواه ابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل من حديث سليمان بن داود الهاشمي به وهذا حديث غريب وهو من مرسلات ابن عباس وله شواهد من وجوه كثيرة سنذكر منها ما تيسر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وهو المستعان. قال البخاري حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا. فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا. فأبوا، فلما أبوا صرفت وجوههم فأصيب سبعون قتيلا وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال لا تجيبوه. فقال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال لا تجيبوه. فقال أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يحزنك. فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا ما نقول؟ قال قولوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه، قالوا ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. وهذا من إفراد البخاري دون مسلم. وقال الامام أحمد:
حدثني موسى حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق أن البراء بن عازب قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد- وكانوا خمسين رجلا- عبد الله بن جبير، قال ووضعهم موضعا وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال فهزموهم، قال فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم، الغنيمة. ظهر أصحابكم، فما تنظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة! فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا
منا سبعين رجلا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة:
سبعين أسيرا وسبعين قتيلا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟
ثلاثا، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب، أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسؤك. فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز: اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا تجيبونه قالوا يا رسول الله وما نقول؟ قال قولوا: الله أعلى وأجل. قال: إن العزى لنا ولا عزى لكم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.
ورواه البخاري من حديث زهير وهو ابن معاوية مختصرا وقد تقدم روايته له مطولة من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وعلي ابن زيد عن أنس بن مالك أن المشركين لما رهقوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش، قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ فجاء رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلما رهقوه أيضا قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الحنة، حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنصفنا أصحابنا. ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به. وقال البيهقي في الدلائل:
بإسناده عن عمارة بن غزية عن أبي الزبير عن جابر قال: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل فلحقهم المشركون فقال: ألا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا يا رسول الله. فقال: كما أنت يا طلحة، فقال رجل من الأنصار:
فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال: ألا رجل لهؤلاء؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله. فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل وأصحابه يصعدون ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول ويقول طلحة أنا يا رسول فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال حس، فقال لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء. ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون. وروى البخاري عن عبد الله بن أبي شيبة عن وكيع عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. وفي الصحيحين من حديث موسى بن إسماعيل عن
معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد عن حديثهما. وقال الحسن بن عرفة حدثنا مروان بن معاوية عن هاشم بن هاشم السعدي سمعت سعيد بن المسيب يقول سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد وقال: ارم فداك أبي وأمي. وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد عن مروان به. وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن شداد عن علي بن أبي طالب قال ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك فإني سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبي وأمي. قال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سعد فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني النبل ويقول: ارم فداك أبي وأمي. حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به. وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن سعد بن أبى وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك ولا بعده. يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام. وقال أحمد حدثنا عفان أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا طلحة كان يرمى بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم خلفه يترس به وكان راميا وكان إذا رمى رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره ويقول هكذا بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك. وكان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: إني جلد يا رسول الله، فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت. وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوب عليه بجحفة له وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة بأبي أنت وأمى لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم. ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا. قال البخاري وقال لي خليفة حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط فآخذه. هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم ويشهد له قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم
يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم 3: 154- 155. قال البخاري: حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء القعود قال هؤلاء قريش قال من الشيخ قالوا ابن عمر فأتاه فقال إني سائلك عن شيء أتحدثني. قال أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد قال نعم. قال فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان. اذهب بهذا الآن معك. وقد رواه البخاري أيضا في موضع آخر والترمذي من حديث أبي عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب به. وقال الأموي في مغازيه عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وقد كان الناس انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم الى المتقى دون الأعوص، وفر عثمان بن عفان وسعد بن عثمان رجل من الأنصار حتى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص فأقاموا ثلاثا ثم رجعوا، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة. والمقصود أن أحدا وقع فيها أشياء مما وقع في بدر، منها حصول النعاس حل التحام الحرب وهذا دليل على طمأنينة القلوب بنصر الله وتأييده وتمام توكلها على خلقها وبارئها. وقد تقدم الكلام على قوله تعالى في غزوة بدر: إذ يغشيكم النعاس أمنة منه 8: 11 الآية وقال هاهنا ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم 3: 154 يعني المؤمنين الكمل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: النعاس في الحرب من الإيمان والنعاس في الصلاة من النفاق. ولهذا قال بعد هذا. وطائفة قد أهمتهم أنفسهم 3: 154 الآية. ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصر يوم أحد كما استنصر يوم بدر بقوله: «إن تشأ لا تعبد في الأرض» كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان قالا حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يوم أحد: «اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض» ورواه مسلم
عن حجاج بن الشاعر عن عبد الصمد عن حماد بن سلمة به. وقال البخاري: حدثنا عبد الله ابن محمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد:
«أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل» . ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، وهذا شبيه بقصة عمير بن الحمام التي تقدمت في غزوة بدر رضي الله عنهما وأرضاهما
فيما لقي النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ من المشركين قبحهم الله</span>
قال البخاري: ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحد حدثنا إسحاق بن نصر حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه- يشير إلى رباعيته- اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله» ورواه مسلم من طريق عبد الرزاق حدثنا مخلد بن مالك حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: «اشتد غضب الله على من قتله النبي في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله» صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد وهو يسلت الدم عن وجهه وهو يقول: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته، وهو يدعو إلى الله» فأنزل الله ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 3: 128. ورواه مسلم عن القعنبي عن حماد بن سلمة به، ورواه الإمام أحمد عن هشيم ويزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم» فأنزل الله تعالى ليس لك من الأمر شيء 3: 128 وقال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل.
عن جرح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسله وعلي يسكب الماء بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم وكسرت رباعيته يومئذ وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله أخبرني عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل في سبيل الله دونه وأراه قال حمية، قال فقلت كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت يكون رجلا من قومي أحب الى، وبيني وبين المشركين رجل
لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه وهو يخطف المشي خطفا لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عليكما صاحبكما» يريد طلحة وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله قال: وذهبت لا نزع ذاك من وجهه، فقال: أقسم عليك بحقي لما تركتني، فتركته فكره تناولها بيده فيؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فازم عليها بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته مع الحلقة وذهبت لا صنع ما صنع فقال أقسمت عليك بحقي لما تركتني. قال ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة فكان أبو عبيدة رضي الله عنه من أحسن الناس هتما. فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار فإذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية وضربة وإذا قد قطعت أصبعه فأصلحنا من شأنه. وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي فروة عن أبي الحويرث عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد فجاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية، فقال والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص اليه. قال الواقدي: ثبت عندي أن الذي رمى في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قمئة، والذي رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص، وقد تقدم عن ابن إسحاق نحو هذا وأن الرباعية التي كسرت له عليه السلام هي اليمنى السفلى. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص وإن كان ما علمت لسيئ الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله» . وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عثمان الحررى عن مقسم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال «اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا» فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار. وقال أبو سلمان الجوزجاني حدثنا محمد بن الحسن حدثني إبراهيم بن محمد حدثني ابن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حرب عن أبيه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم داوى وجهه يوم أحد بعظم بال. هذا حديث غريب رأيته في أثناء كتاب المغازي للأموي في وقعة أحد. ولما نال عبد الله بن قمئة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نال رجع وهو يقول: قتلت محمدا. وصرخ الشيطان أزب العقبة يومئذ بأبعد صوت: ألا إن محمدا قد قتل! فحصل بهتة عظيمة في المسلمين واعتقد كثير من الناس ذلك وصمموا على القتال عن حوزة الإسلام حتى يموتوا على
ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم أنس بن النضر وغيره ممن سيأتي ذكره، وقد أنزل الله تعالى التسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين 3: 144- 151. وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا التفسير ولله الحمد. وقد خطب الصديق رضي الله عنه في أول مقام قامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم 3: 144 الآية. قال: فكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من الناس أحد إلا يتلوها. وروى البيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال: مر رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه. فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل. فقال الأنصاري: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم، فنزل وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل 3: 144 الآية. ولعل هذا الأنصاري هو أنس بن النضر رضي الله عنه وهو عم أنس بن مالك. قال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس أن عمه غاب عن قتال بدر، فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، لئن الله أشهدنى قتالا للمشركين ليرين ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أعتذر إليك عما صنع هؤلاء- يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعني المشركين- ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أصنع ما صنع، فوجد فيه بضع وثمانون من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، قال: فكنا نقول: فيه وفي أصحابه نزلت فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر 33: 23. ورواه الترمذي عن عبد بن حميد والنسائي عن إسحاق بن راهويه كلاهما عن يزيد بن هارون به وقال الترمذي: حسن، قلت: بل على شرط الصحيحين من هذا الوجه. وقال أحمد حدثنا بهز وحدثنا هاشم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قال
أنس: عمي (قال هاشم: أنس بن النضر) سميت به ولم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. قال فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، ولئن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ واها لريح الجنة أجده دون أحد.
قال فقاتلهم حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية. قال فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا 33: 23 قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. ورواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد. ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن المبارك وزاد النسائي وأبو داود وحماد بن سلمة أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال:
بل أنا أقتله إن شاء الله. فلما كان يوم أحد أقبل أبي في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد. فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع إلى الأرض عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أجزعك؟ إنما هو خدش. فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أقتل أبيا، ثم قال والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون فمات إلى النار فسحقا لأصحاب السعير. وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري عن سعيد بن المسيب نجوة. وقال ابن إسحاق لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: لا نجوت إن نجوت. فقال القوم: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: لا نجوت إن نجوت. فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه! فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة فقال بعض القوم كما ذكر لي فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفض انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. ذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله ابن كعب بن مالك عن أبيه نحو ذلك. قال الواقدي وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تأججت فهبتها وإذا برجل يخرج منها بسلسلة يجذبها يهيجه العطش فإذا رجل يقول: لا تسقه، فإنه قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أبي بن خلف. وقد ثبت في الصحيحين كما تقدم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله» ورواه البخاري من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس «اشتد غضب الله على من قتله رسول الله بيده في سبيل الله» وقال البخاري وقال أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر سمعت جابرا قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهونني والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تبكه أو ما تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع. هكذا ذكر هذا الحديث هاهنا معلقا وقد أسنده في الجنائز عن بندار عن غندر عن شعبة. ورواه مسلم والنسائي من طرق عن شعبة به وقال البخاري حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن ابن عوف أتي بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير مني كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال وقتل حمزة هو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط (أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا) وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا.
ثم جعل يبكى حتى برد الطعام. انفرد به البخاري وقال البخاري حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأعمش عن شقيق عن خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم غطوا بها رأسه واجعلوا على رجله الإذخر. ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها. وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش به. وقال البخاري حدثنا عبيد الله بن سعيد حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ إبليس لعنة الله عليه: أي عباد الله أخراكم. فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال قالت فو الله ما احتجزوا حتى قتلوه. فقال حذيفة يغفر الله لكم. قال عروة: فو الله ما زال في حذيفة بقية خير حتى لقي الله عز وجل. قلت كان سبب ذلك أن اليمان وثابت بن وقش كانا في الآطام مع النساء لكبرهما وضعفهما فقالا إنه لم يبق من آجالنا إلا ظمء حمار فنزلا ليجضرا الحرب فجاء طريقهما ناحية المشركين فأما ثابت فقتله المشركون وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ. وتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين ولم يعاتب أحدا منهم لظهور العذر في ذلك
</span>
قال ابن إسحاق: وأصيب يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى. سقطت على وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما. وفي الحديث عن جابر بن عبد الله
أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها فكانت أحسن عينيه وأحدهما وكانت لا تريد إذا رمدت الأخرى. وروى الدارقطني بإسناد غريب عن مالك عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد عن أخيه قتادة ابن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي فأتيت بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان. والمشهور الأول أنه أصيبت عينه الواحدة. ولهذا لما وفد ولده على عمر بن عبد العزيز قال له: من أنت؟ فقال له مرتجلا:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسنها عينا ويا حسن ما خد
فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
ثم وصله فأحسن جائزته رضي الله عنه
</span>
قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد فذكر سعيد ابن أبي زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول دخلت على أم عمارة فقلت لها يا خالة أخبريني خبرك فقالت خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي. قالت فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت لها من أصابك بهذا قالت ابن قمئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول دلوني على محمد لا نجوت إن نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة. ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كانت عليه درعان. قال ابن إسحاق وترس أبو دجانة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل. قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده. قال ابن إسحاق وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال فما يجلسكم قالوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل وبه سمي أنس بن مالك. فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة فما عرفه
إلا أخته، عرفته ببنانه. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج
قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم- كما ذكر لي الزهري- كعب بن مالك قال: رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنصت. قال ابن إسحاق فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف (فذكر قتله عليه السلام أبيا كما تقدم) قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العود- فرسا- أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد. فقالوا له ذهب والله فؤادك، والله إن بك بأس. قال إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك. فو الله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة. قال ابن إسحاق فقال حسان بن ثابت في ذلك:
لقد ورث الضلالة عن أبيه ... أبي يوم بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل رم عظم ... وتوعده وأنت به جهول
وقد قتلت بنو النجار منكم ... أمية إذ يغوث يا عقيل
وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل لأمهما الهبول
وأفلت حارث لما شغلنا ... بأسر القوم أسرته فليل
وقال حسان بن ثابت أيضا:
ألا من مبلغ عني أبيا ... فقد ألقيت في سحق السعير
منى بالضلالة من بعيد ... وتقسم إن قدرت مع النذور
تمنيك الأماني من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور
فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ ... كريم البيت ليس بذي فجور
له فضل على الأحياء طرا ... إذا نابت ملمات الأمور
قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته ماء من المهراس فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه وغسل
عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول «اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه» وقد تقدم شواهد ذلك من الأحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية. قال ابن إسحاق: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل قال ابن هشام فيهم خالد بن الوليد قال ابن إسحاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا. فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ونهض النبي صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ «أوجب طلحة» حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ما صنع. قال ابن هشام وذكر عمر مولى عفرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي أصابته وصلى المسلمون خلفه قعودا. قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أتى لا يدرى من هو يقال له قزمان فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر «إنه لمن أهل النار» قال فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر قال فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر. قال بماذا أبشر فو الله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت. قال فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه. وقد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر كما سيأتي إن شاء الله. قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن المسيب عن أبي هريرة قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام «هذا من أهل النار» فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الرجل الذي قلت إنه من أهل النار قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إلى النار» فكاد بعض القوم يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل فإنه لم يمت ولكن به جراح شديدة فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله» ثم أمر بلالا فنادى في الناس «أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» . وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به قال ابن إسحاق وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بني ثعلبة بن الغيطون فلما كان يوم أحد قال يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا إن اليوم يوم السبت. قال لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته وقال إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء. ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا «مخيريق خير يهود» قال السهيلي فجعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال مخيريق- وكانت سبع حوائط- أوقافا بالمدينة لله قال محمد بن كعب القرظي وكانت أول وقف بالمدينة. وقال ابن إسحاق وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة أنه كان يقول حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو فيقول أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت ابن وقش قال الحصين فقلت لمحمود بن أسد كيف كان شأن الأصيرم؟ قال كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة قال فبينما رجال من بني عبد الأشهل يتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به فقالوا والله إن هذا للأصيرم ما جاء به لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث فسألوه فقالوا [ما جاء بك يا عمرو] أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام فقال بل رغبة في الإسلام آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلت حتى أصابني ما أصابني. فلم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «إنه من أهل الجنة» . قال ابن إسحاق وحدثني أبي عن أشياخ من بني سلمة قالوا كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا إن الله قد عذرك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ان بنى يزيدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه فو الله انى لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك» وقال لبنيه «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة» فخرج معه فقتل يوم أحد رضي الله عنه. قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة- كما حدثني صالح بن كيسان- والنسوة اللائي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد عن الآذان ولا نوف حتى اتخذت هند من آذان الرجل وأنوفهم خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا. وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. وذكر موسى ابن عقبة ان الذي بقر عن كبد حمزة وحشي فحملها إلى هند فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فالله أعلم.
قال ابن إسحاق ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:
نحن جزينا كم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان لي عن عتبة من صبر ... ولا أخى وعمه وبكر
شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي علي عمري ... حتى ترم أعظمي في قبري
قال فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت:
خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنت وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر ... م الهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري ... حمزة ليثي وعلي صقري
إذ رام شيب وأبوك غدري ... فخضبا منه ضواحي النحر
ونذرك السوء فشر نذر
قال ابن إسحاق وكان الحليس بن زيان أخو بني الحارث بن عبد مناة- وهو يومئذ سيد الأحابيش- مر بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول:
ذق عقق. فقال الحليس يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما. فقال: ويحك اكتمها عني فإنها كانت زلة. قال ابن إسحاق: ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت، ان الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعلى هبل (أي ظهر دينك) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر «قم يا عمر فأجبه فقال: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» فقال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: ائته فانظر ما شأنه. فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله عمر أقتلنا محمدا؟ فقال عمر:
اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن. قال أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر. قال ابن إسحاق:
ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلا كم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما نهيت ولا أمرت. قال: ولما انصرف أبو سفيان نادى: ان موعدكم بدر العام المقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل نعم هو بيننا وبينك موعد. قال ابن إسحاق ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: اخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن اليهم فيها ثم لا ناجزنهم. قال علي: فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة
