الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
7

غزوة أحد في شوال سنة ثلاث

الجزء الرابع 1 عنصر صفحة 8
ص 8

فائدة ذكرها المؤلف في تسمية أحد قال سمي أحد أحدا لتوحده من بين تلك الجبال وفي الصحيح «أحد جبل يحبنا ونحبه» قيل معناه أهله وقيل لأنه كان يبشره بقرب أهله إذا رجع من سفره كما يفعل المحب وقيل على ظاهره كقوله وإن منها لما يهبط من خشية الله 2: 74 وفي الحديث عن أبي عبس بن جبر «أحد يحبنا ونحبه وهو على باب الجنة، وعير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار» قال السهيلي مقويا لهذا الحديث وقد ثبت أنه عليه السلام قال «المرء مع من أحب» وهذا من غريب صنع السهيلي فإن هذا الحديث إنما يراد به الناس ولا يسمى الجبل امرأ. وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق ومالك قال ابن إسحاق للنصف من شوال وقال قتادة يوم السبت الحاري عشر منه قال مالك وكانت الوقعة في أول النهار وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل

المؤمنون ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين 3: 121- 125 الآيات وما بعدها إلى قوله ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب 3: 179 وقد تكلمنا على تفاصيل ذلك كله في كتاب التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. ولنذكر هاهنا ملخص الوقعة مما ساقه محمد بن إسحاق وغيره من علماء هذا الشأن رحمهم الله وكان من حديث أحد كما حدثني محمد ابن مسلم الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو ابن سعد بن معاذ وغيرهم من علماءنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت. قالوا أو من قال منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا، ففعلوا. قال ابن إسحاق: ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله تعالى إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون 8: 36 قالوا: فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وكان فقيرا ذا عيال وحاجة وكان في الأسارى، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة، إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك واخرج معنا فقال: إن محمدا قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى، فأعنا بنفسك فلك الله إن رجعت أن أغنيك وإن قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول:

أيا بني عبد مناة الرزام ... أنتم حماة وأبوكم حام

لا يعدوني نصركم بعد العام ... لا تسلموني لا يحل إسلام

قال: وخرج نافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويقول:

يا مال مال الحسب المقدم ... أنشد ذا القربى وذا التذمم

من كان ذا رحم ومن لم يرحم ... الحلف وسط البلد المحرم

عند حطيم الكعبة المعظم

قال: ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له وحشي يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق. قال فخرجت قريش بحدها وحديدها وجدها وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن لا يفروا، وخرج أبو سفيان صخر بن حرب وهو قائد الناس ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته ابنة عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وخرج عمه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد ابن المغيرة وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج وهي أم ابنه عبد الله بن عمرو وذكر غيرهم ممن خرج بامرأته قال: وكان وحشي كلما مر بهند بنت عتبة أو مرت به تقول ويها أبا دسمة اشف واشتف. يعني تحرضه على قتل حمزة بن عبد المطلب. قال: فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال لهم قد رأيت والله خيرا رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضا بقرا والله خير فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا بعد يوم بدر» وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الأصم أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا ابن وهب أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: تعقل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر قال ابن عباس وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأيه أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا نخرج يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد ورجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر فما زالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس أداته ثم ندموا وقالوا يا رسول الله أقم فالرأي رأيك.

فقال لهم ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد ما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. قال وكان قال لهم يومئذ قبل أن يلبس الأداة إني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة وأني مردف كبشا

وأولته كبش الكتيبة ورأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم ورأيت بقرا يذبح فبقر والله خير» رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه به. وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس مرفوعا قال: رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا وكأن ضبة سيفي انكسرت فأولت أني أقتل كبش القوم وأولت كسر ضبة سيفي قتل رجل من عترتي. فقتل حمزة وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة وكان صاحب اللواء. وقال موسى بن عقبة رحمه الله ورجعت قريش فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من السنة المقبلة من وقعة بدر حتى نزلوا ببطن الوادي الذي قبلى أحد وكان رجال من المسلمين لم يشهدوا بدرا قد ندموا على ما فاتهم من السابقة وتمنوا لقاء العدو ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدوم العدو عليهم وقالوا: قد ساق الله علينا أمنيتنا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه فقال لهم «رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح والله خير ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته. أو قال: به فأول فكرهته وهما مصيبتان ورأيت أني في درع حصينة وأني مردف كبشا» . فلما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤياه، قالوا:

يا رسول الله، ماذا أولت رؤياك؟ قال: أولت البقر الذي رأيت بقرا فينا وفي القوم وكرهت ما رأيت بسيفي. ويقول رجال كان الذي رأى بسيفه الذي أصاب وجهه فإن العدو أصاب وجهه يومئذ وقصموا رباعيته وخرقوا شفته يزعمون أن الذي رماه عتبة بن أبي وقاص وكان البقر من قتل من المسلمين يومئذ. وقال أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو يقتله الله وأولت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا واجعلوا الذراري في الآطام فإن دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت وكانوا قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان حتى [صارت] كالحصن. فقال الذين لم يشهدوا بدرا:

كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير وقال رجل من الأنصار: متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا؟ وقال رجال ماذا نمنع إذا لم تمنع الحرب بروع؟ وقال رجال قولا صدقوا به ومضوا عليه منهم حمزة بن عبد المطلب قال: والذي أنزل عليك الكتاب لنجادلنهم. وقال نعيم بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بني سالم: يا نبي الله لا تحرمنا الجنة فو الذي نفسي بيده لأدخلنها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم؟ قال: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت. واستشهد يومئذ. وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ولكن غلب القضاء والقدر وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا قد علموا الذي سبق

لأصحاب بدر من الفضيلة فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة وعظ الناس وذكرهم وأمرهم بالجد والجهاد ثم انصرف من خطبته وصلاته فدعا بلأمته فلبسها ثم أذن في الناس بالخروج فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحي من السماء فقالوا يا رسول الله امكث كما أمرتنا فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا. قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون فسلكوا على البدائع وهم ألف رجل والمشركون ثلاثة آلاف فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبى ابن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة قال البيهقي رحمه الله هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة مقاتل قال والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري وقيل عنه بهذا الإسناد سبعمائة فالله أعلم. قال موسى بن عقبة وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد وكان معهم مائة فرس وكان لواؤه مع عثمان بن طلحة قال ولم يكن مع المسلمين فرس واحدة ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤياه عل أصحابه قال لهم إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن لا يخرج إليهم فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبد الله ابن أبي يا رسول الله لا تخرج إليهم فو الله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه. فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل فلبس لأمته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من بني النجار يقال له مالك بن عمرو فصلى عليه ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك فلما خرج عليهم قالوا يا رسول الله إن شئت فاقعد فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه. قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم قال ابن إسحاق حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد الله فقال: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم. قالوا لو نعلم انكم تقاتلون ما أسلمناكم

ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه صلى الله عليه وسلم. قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون 3: 167 يعني أنهم كاذبون في قولهم لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وذلك لأن وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لا خفاء ولا شك فيه وهم الذين أنزل الله فيهم فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا 4: 88 الآية وذلك أن طائفة قالت نقاتلهم وقال آخرون لا نقاتلهم كما ثبت وبين في الصحيح. وذكر الزهري أن الأنصار استأذنوا حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال لا حاجة لنا فيهم. وذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بني سلمة وبني حارثة لما رجع عبد الله بن أبي وأصحابه همتا أن تفشلا فثبتهما الله تعالى، ولهذا قال إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون 3: 122 قال جابر بن عبد الله ما أحب أنها لم تنزل والله يقول والله وليهما 3: 122 كما ثبت في الصحيحين عنه. قال ابن إسحاق ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فأصلب كلاب سيف فاستله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب السيف شم سيفك أي أغمده فإني أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قريب) من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال لمربع بن قيظي وكان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله ومن معه من المسلمين قام يحثي في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل في حائطي. قال ابن إسحاق وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر، وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بالقوس في رأسه فشجه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي وفي الجبل وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة كانت للمسلمين فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟ وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة يومئذ عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض والرماة خمسون رجلا فقال النضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك

لا نؤتين من قبلك. وسيأتي شاهد هذا في الصحيحين إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يعني لبس درعا فوق درع ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار قلت وقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الغلمان يوم أحد فلم يمكنهم من حضور الحرب لصغرهم منهم عبد الله بن عمر كما ثبت في الصحيحين قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني وكذلك رد يومئذ أسامة بن زيد وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وعرابة بن أوس بن قيظي ذكره ابن قتيبة وأورده السهيلي، وهو الذي يقول فيه الشماخ:

إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين

ومنهم ابن سعيد بن خيثمة ذكره السهيلي أيضا وأجازهم كلهم يوم الخندق وكان قد رد يومئذ سمرة بن جندب ورافع بن خديج وهما ابنا خمس عشرة سنة فقيل يا رسول الله إن رافعا رام فأجازه فقيل يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعا فأجازه. قال ابن إسحاق رحمه الله وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخليل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل بن هشام وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال وما حقه يا رسول الله؟ قال أن تضرب به في العدو حتى ينحني. قال أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه إياه. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا. وقد قال الإمام أحمد حدثنا يزيد وعفان قالا حدثنا حماد هو ابن سلمة أخبرنا ثابت عن النبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفا يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيف فأخذ قوم فجعلوا ينظرون إليه فقال من يأخذه بحقه فأحجم القوم فقال أبو دجانة سماك: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به. قال ابن إسحاق وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها فيعلم أنه سيقاتل، قال فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين قال:

فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن. قال ابن إسحاق وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم على القتال: يا بني عبد الدار قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدا إذا التقيا كيف نصنع. وذلك الذي أراد أبو سفيان. قال فلما التقى الناس ودنا بعضهم من

بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرصن على القتال فقالت هند فيما تقول:

ويها بني عبد الدار ... ويها حماة الأدبار

ضربا بكل بتار

وتقول أيضا:

إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق

أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق

قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بني ضبيعة وكان قد خرج إلى مكة مباعد الرسول الله صلى الله عليه وسلم معه خمسون غلاما من الأوس وبعض الناس يقول كانوا خمسة عشر وكان يعد قريشا أن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة فنادى:

يا معشر الأوس أنا أبو عامر قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وكان يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق. فلما سمع ردهم عليه قال لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم أرضخهم بالحجارة. قال ابن إسحاق فأقبل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس قال ابن هشام وحدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة وقلت أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت اليه وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه فقالت الأنصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت وهكذا كانت تقول له إذا تعصب فخرج وهو يقول:

أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل

أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول

وقال الأموي حدثني أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم إن رجلا أتاه وهو يقاتل به فقال لعلك إن أعطيتك تقاتل في الكيول؟ قال لا. فأعطاه سيفا فجعل يرتجز ويقول:

أنا الذي عاهدني خليلي ... أن لا أقوم الدهر في الكيول

وهذا حديث يروى عن شعبة ورواه إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق عن هند بنت خالد أو غيره يرفع الكيول يعني مؤخر الصفوف سمعته من عدة من أهل العلم ولم أسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث. قال ابن هشام فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله وكان في المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه فجعل كل منهما يدنوا من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين

فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله. ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها فقلت الله ورسوله أعلم. وقد رواه البيهقي في الدلائل من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام بذلك. قال ابن إسحاق قال أبو دجانة رأيت إنسانا يحمس الناس حمسا شديدا فصمدت له فلما حملت عليه السيف ولول فاذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرضه طلبه منه عمر فأعرض عنه ثم طلبه منه الزبير فأعرض عنه فوجدا في أنفسهما من ذلك ثم عرضه الثالثة فطلبه أبو دجانة فدفعه إليه فأعطى السيف حقه قال فزعموا أن كعب بن مالك قال: كنت فيمن خرج من المسلمين فلما رأيت مثل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاورت فإذا رجل من المشركين جمع الأمة يجوز المسلمين وهو يقول: استوقوا كما استوسقت جزر الغنم. قال وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته فمضيت حتى كنت من ورائه ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة. قال فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه وتفرق فرقتين ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.