ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وستمائة
ص 302
في يوم الاثنين ثاني المحرم منها درس الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني بدار الحديث السكرية التي بالقصاعين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي الشافعي، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدين ابن المرحل، وزين الدين بن المنجا الحنبلي، وكان درسا هائلا، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين، ثم جلس الشيخ تقي الدين المذكور أيضا يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير من كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان، واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة وفيها قدم السلطان إلى دمشق من مصر يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة، فجاء صاحب حماة الملك المنصور إلى خدمته فتلقاه السلطان في موكبه وأكرمه، فلما كان ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان وقع مطر عظيم بدمشق، ورعد وبرق، وجاء سيل عظيم جدا حتى كسر أقفال باب الفراديس، وارتفع الماء ارتفاعا كثيرا، بحيث أغرق خلقا كثيرا، وأخذ جمال الجيش المصري وأثقالهم، فخرج السلطان إلى الديار المصرية بعد ثلاثة أيام، وتولى مشد الدواوين الأمير شمس الدين سنقر عوضا عن الدويدارى علم الدين سنجر. وفيها اختلف التتار فيما بينهم على ملكهم
السلطان أحمد فعزلوه عنهم وقتلوه، وملكوا عليهم السلطان أرغون بن أبغا، ونادوا بذلك في جيشهم، وتأطدت أحوالهم، ومشت أمورهم على ذلك، وبادت دولة السلطان أحمد. وقامت دولة أرغون بن أبغا.
الشيخ طالب الرفاعي بقصر حجاج
ص 303
وله رواية مشهورة به، وكان يزور بعض المريدين فمات.
وفيها مات القاضي الإمام عز الدين أبو المفاخر
ص 303
محمد بن شرف الدين عبد القادر بن عفيف الدين عبد الخالق بن خليل الأنصاري. الدمشقي ولى القضاء بدمشق مرتين، عزل بابن خلكان، ثم عزل ابن خلكان به ثانية، ثم عزل وسجن وولي بعده بهاء الدين ابن الزكي، وبقي معزولا إلى أن توفي ببستانه في تاسع ربيع الأول، وصلي عليه بسوق الخيل، ودفن بسفح قاسيون، وكان مولده سنة ثمان وعشرين وستمائة، وكان مشكور السيرة، له عقل وتدبير واعتقاد كثير في الصالحين، وقد سمع الحديث له ابن بلبان مشيخة قرأها ابن جفوان عليه، ودرس بعده بالعزروية الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن المرحل، وكيل بيت المال، ودرس ابنه محيي الدين أحمد بالعمادية وزاوية الكلاسة من جامع دمشق، ثم توفي ابنه أحمد هذا بعده في يوم الأربعاء ثامن رجب، فدرس بالعمادية والدماغية الشيخ زين الدين بن الفارقي شيخ دار الحديث نيابة عن أولاد القاضي عز الدين بن الصائغ بدر الدين وعلاء الدين.
وفيها توفي الملك السعيد فتح الدين
ص 303
عبد الملك بن الملك الصالح أبي الحسن إسماعيل ابن الملك العادل، وهو والد الملك الكامل ناصر الدين محمد، في ليلة الاثنين ثالث رمضان، ودفن من الغد بتربة أم الصالح، وكان من خيار الأمراء محترما كبيرا رئيسا، روى الموطأ عن يحيى بن بكير عن مكرم بن أبى الصقر، وسمع ابن الليثي وغيره.
القاضي نجم الدين عمر بن نصر بن منصور
ص 303
البياني الشافعي، توفي في شوال منها، وكان فاضلا، ولي قضاء زرع ثم قضاء حلب، ثم ناب في دمشق ودرس بالرواحية وباشرها بعده شمس الدين عبد الرحمن بن نوح المقدسي، يوم عاشر شوال.
وفي هذا اليوم توفي بحماة ملكها: الملك المنصور ناصر الدين
ص 303
محمد بن محمود بن عمر بن ملك شاه، بن أيوب، ولد سنة ثلاثين وستمائة، وتملك حماة سنة ثنتين وأربعين، وله عشر سنين، فمكث في الملك أزيد من أربعين سنة، وكان له بر وصدقات، وقد
أعتق في بعض موته خلقا من الأرقاء، وقام في الملك بعده ولده الملك المظفر بتقليد الملك المنصور له بذلك.
القاضي جمال الدين أبو يعقوب
ص 304
يوسف بن عبد الله بن عمر الرازي، قاضي قضاة المالكية، ومدرسهم بعد القاضي زين الزواوي الذي عزل نفسه، وقد كان ينوب عنه فاستقل بعده بالحكم، توفي في الخامس من ذي القعدة وهو في طريق الحجاز، وكان عالما فاضلا قليل التكليف والتكلف، وقد شغر المنصب بعده ثلاث سنين ودرس بعده للمالكية الشيخ جمال الدين الشريشي، وبعده أبو إسحاق اللوري، وبعده بدر الدين أبو بكر البريسى، ثم لما وصل القاضي جمال الدين بن سليمان حاكما درس بالمدارس والله سبحانه أعلم
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.