ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمائة
ص 151
قال ابن الجوزي في المنتظم: في هذه السنة حكم جهلة المنجمين أنه سيكون في هذه السنة طوفان قريب من طوفان نوح، وشاع الكلام بذلك بين العوام وخافوا، فاستدعى الخليفة المستظهر ابن عشبون المنجم فسأله عن هذا الكلام فقال: إن طوفان نوح كان في زمن اجتمع في بحر الحوت الطوالع السبعة، والآن فقد اجتمع فيه ستة ولم يجتمع معها زحل، فلا بد من وقوع طوفان في بعض البلاد، والأقرب أنها بغداد. فتقدم الخليفة إلى وزيره بإصلاح المسيلات والمواضع التي يخشى انفجار الماء منها، وجعل الناس ينتظرون، فجاء الخبر بأن الحجاج حصلوا بوادي المناقب بعد نخلة فأتاهم سيل عظيم، فما نجا منهم إلا من تعلق برءوس الجبال، وأخذ الماء الجمال والرجال والرحال، فخلع الخليفة على ذلك المنجم وأجرى له جارية. وفيها ملك الأمير قوام الدولة أبو سعيد كرتوقا مدينة الموصل، وقتل شرف الدولة محمد بن مسلم بن قريش، وغرقه بعد حصار تسعة أشهر. وفيها ملك تميم بن المعز المغربي مدينة قابس وأخرج منها أخاه عمر، فقال خطيب سوسة في ذلك أبياتا.
ضحك الزمان وكان يلفى عابسا ... لما فتحت بحد سيفك قابسا
وأتيتها بكرا وما أمهرتها ... إلا قنا وصوارما وفوارسا
الله يعلم ما جنيت ثمارها ... إلا وكان أبوك قبلا غارسا
من كان في زرق الأسنة خاطبا ... كانت له قلل البلاد عرائسا
وفي صفر منها درس الشيخ أبو عبد الله الطبري بالنظامية، ولاه إياها فخر الملك بن نظام الملك وزير بركيارق. وفيها أغارت خفاجة على بلاد سيف الدولة صدقة بن مزيد بن منصور بن دبيس وقصدوا مشهد الحسين بالحائر، وتظاهروا فيه بالمنكرات والفساد، فكبسهم فيه الأمير صدقة المذكور،
فقتل منهم خلقا كثيرا عند الضريح. ومن العجائب أن أحدهم ألقى نفسه وفرسه من فوق السور فسلم وسلمت فرسه. وحج بالناس الأمير خمارتكين الحسناتى.
عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله
ص 152
أخو أبى حكيم الخيري، وخير: إحدى بلاد فارس، سمع الحديث وتفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكانت له معرفة بالفرائض والأدب واللغة، وله مصنفات، وكان مرضي الطريقة، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، فبينما هو ذات يوم يكتب وضع القلم من يده واستند وقال: والله لئن كان هذا موتا إنه لطيب، ثم مات.
عبد المحسن بن على بن أحمد الشنجى
ص 152
التاجر، ويعرف بابن شهداء مكة، بغدادي، سمع الحديث الكثير، ورحل وأكثر عن الخطيب وهو بصور، وهو الذي حمله إلى العراق، فلهذا أهدى إليه الخطيب تاريخ بغداد بخطه، وقد روى عنه في مصنفاته، وكان يسميه عبد الله، وكان ثقة.
عبد الملك بن إبراهيم
ص 152
ابن أحمد أبو الفضل المعروف بالهمداني، تفقه على الماوردي، وكانت له يد طولى في العلوم الشرعية والحساب وغير ذلك، وكان يحفظ غريب الحديث لأبى عبيد والمجمل لابن فارس، وكان عفيفا زاهدا، طلبه المقتدي ليوليه قاضي القضاة فأبى أشد الإباء، واعتذر له بالعجز وعلو السن، وكان ظريفا لطيفا، كان يقول: كان أبي إذا أراد أن يؤدبني أخذ العصا بيده ثم يقول: نويت أن أضرب ولدي تأديبا كما أمر الله، ثم يضربني. قال: وإلى أن ينوي ويتمم النية كنت أهرب. توفي في رجب منها ودفن عند قبر ابن شريح.
حمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور
ص 152
أبو بكر الدقاق، ويعرف بابن الحاضنة، كان معروفا بالإفادة وجودة القراءة وحسن الخط وصحة النقل، جمع بين علم القراءات والحديث، وأكثر عن الخطيب وأصحاب المخلص. قال: لما غرقت بغداد غرقت داري وكتبي فلم يبق لي شيء، فاحتجت إلى النسخ فكتبت صحيح مسلم في تلك السنة سبع مرات، فنمت فرأيت ذات ليلة كأن القيامة قد قامت وقائل يقول أين ابن الحاضنة؟ فجئت فأدخلت الجنة فلما دخلتها استلقيت على قفاي ووضعت إحدى رجلي على الأخرى وقلت: استرحت من النسخ، ثم استيقظت والقلم في يدي والنسخ بين يدي.
أبو المظفر السمعاني
ص 152
منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد، أبو المظفر السمعاني، الحافظ، من أهل مرو، تفقه أولا على أبيه في مذهب أبي حنيفة، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي فأخذ عن أبى إسحاق وابن
الصباغ، وكانت له يد طولى في فنون كثيرة، وصنف التفسير وكتاب الانتصار في الحديث، والبرهان والقواطع في أصول الفقه، والاصطلام وغير ذلك، ووعظ في مدينة نيسابور، وكان يقول:
ما حفظت شيئا فنسيته، وسئل عن أخبار الصفات فقال: عليكم بدين العجائز وصبيان الكتاتيب، وسئل عن الاستواء فقال:
جئتماني لتعلما سر سعدى ... تجداني بسر سعدى شحيحا
إن سعدى لمنية المتمني ... جمعت عفة ووجها صبيحا
توفي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن في مقبرة مرو رحمه الله تعالى وإيانا آمين.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.