ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة
ص 147
فيها قدم يوسف بن أبق التركماني من جهة تتش صاحب دمشق إلى بغداد لأجل إقامة الدعوى له ببغداد، وكان تتش قد توجه لقتال أخيه بناحية الري، فلما دخل رسوله بغداد هابوه وخافوه واستدعاه الخليفة فقربه وقبل الأرض بين يدي الخليفة، وتأهب أهل بغداد له، وخافوا أن ينهبهم، فبينما هو كذلك إذ قدم عليه رسول أخيه فأخبره أن تتش قتل في أول من قتل في الوقعة، وكانت وفاته في سابع عشر صفر من هذه السنة، فاستفحل أمر بركيارق، واستقل بالأمور. وكان دقاق بن تتش مع أبيه حين قتل، فسار إلى دمشق فملكها، وكان نائب أبيه عليها الأمير ساوتكين،
واستوزر أبا القاسم الخوارزمي، وملك عبد الله بن تتش مدينة حلب، ودبر أمر مملكته جناح الدولة ابن اتكين، ورضوان بن تتش صاحب مدينة حماه، وإليه تنسب بنو رضوان بها. وفي يوم الجمعة التاسع عشر من ربيع الأول منها خطب لولي العهد أبي المنصور الفضل بن المستظهر، ولقب بذخيرة الدين. وفي ربيع الآخر خرج الوزير ابن جهير فاختط سورا على الحريم، وأذن للعوام في العمل والتفرج فأظهروا منكرات كثيرة، وسخافات عقول ضعيفة، وعملوا أشياء منكرة، فبعث إليه ابن عقيل رقعة فيها كلام غليظ، وإنكار بغيض. وفي رمضان خرج السلطان بركيارق فعدا عليه فداوي، فلم يتمكن منه، فمسك فعوقب فأقر على آخرين فلم يقرا فقتل الثلاثة. وجاء الطواشي من جهة الخليفة مهنئا له بالسلامة. وفي ذي القعدة منها خرج أبو حامد الغزالي من بغداد متوجها إلى بيت المقدس تاركا لتدريس النظامية، زاهدا في الدنيا، لابسا خشن الثياب بعد ناعمها، وناب عنه أخوه في التدريس ثم حج في السنة التالية ثم رجع إلى بلده، وقد صنف كتاب الإحياء في هذه المدة، وكان يجتمع إليه الخلق الكثير كل يوم في الرباط فيسمعونه. وفي يوم عرفة خلع على القاضي أبي الفرج عبد الرحمن بن هبة الله بن البستي، ولقب بشرف القضاة، ورد إلى ولاية القضاء بالحريم وغيره. وفيها اصطلح أهل الكرخ من الرافضة والسنة مع بقية المحال، وتزاوروا وتواصلوا وتواكلوا، وكان هذا من العجائب، وفيها قتل أحمد بن خاقان صاحب سمرقند، وسببه أنه شهد عليه بالزندقة فخنق وولي مكانه ابن عمه مسعود. وفيها دخل الأتراك إفريقية وغدروا بيحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وقبضوا عليه، وملكوا بلاده وقتلوا خلقا، بعد ما جرت بينه وبينهم حروب شديدة، وكان مقدمهم رجل يقال له شاه ملك، وكان من أولاد بعض أمراء المشرق، فقدم مصر وخدم بها ثم هرب إلى المغرب، ومعه جماعة ففعل ما ذكر. ولم يحج أحد من أهل العراق فيها.
الحسن بن أحمد بن خيرون
ص 148
أبو الفضل المعروف بابن الباقلاني، سمع الكثير، وكتب عنه الخطيب، وكانت له معرفة جيدة، وهو من الثقات، وقبله الدامغاني، ثم صار أمينا له، ثم ولي إشراف خزانة الغلات. توفي في رجب عن ثنتين وثمانين سنة.
تتش أبو المظفر
ص 148
تاج الدولة بن ألب أرسلان، صاحب دمشق وغيرها من البلاد، وقد تزوج امرأة على ابن أخيه بركيارق بن ملك شاه، ولكن قدر الله وماتت، وقد قال المتنبي:
ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدي ضرب من الهذيان
قال ابن خلكان: كان صاحب البلاد الشرقية فاستنجده أتسز في محاربة أمير الجيوش من جهة صاحب مصر، فلما قدم دمشق لنجدته وخرج إليه أتسز، أمر بمسكه وقتله، واستحوذ هو على دمشق
وأعمالها في سنة إحدى وسبعين، ثم حارب أتسز فقتله، ثم تحارب هو وأخوه بركيارق ببلاد الري، فكسره أخوه وقتل هو في المعركة، وتملك ابنه رضوان حلب، وإليه تنسب بنو رضوان بها، وكان ملكه عليها إلى سنة سبع وخمسين وخمسمائة، سمته أمه في عنقود عنب، فقام من بعده ولده تاج الملك بوري أربع سنين، ثم ابنه الآخر شمس الملك إسماعيل ثلاث سنين، ثم قتلته أمه أيضا، وهي زمرد خاتون بنت جاولي، وأجلست أخاه شهاب الدين محمود بن بوري، فمكث أربع سنين، ثم ملك أخوه محمد بن بورى طغركين سنة، ثم تملك مخير الدين أتق من سنة أربع وثلاثين إلى أن انتزع الملك منه نور الدين محمود زنكي كما سيأتي. وكان أتابك العساكر بدمشق أيام أتق معين الدين، الذي تنسب إليه المعينية بالغور، والمدرسة المعينية بدمشق.
رزق الله بن عبد الوهاب
ص 149
ابن عبد العزيز أبو محمد التميمي أحد أئمة القراء والفقهاء على مذهب أحمد، وأئمة الحديث، وكان له مجلس للوعظ، وحلقة للفتوى بجامع المنصور، ثم بجامع القصر، وكان حسن الشكل محببا إلى العامة له شعر حسن، وكان كثير العبادة، فصيح العبارة، حسن المناظرة. وقد روى عن آبائه حديثا مسلسلا عن علي بن أبي طالب أنه قال: هتف العلم بالعمل فان أجابه وإلا ارتحل. وقد كان ذا وجاهة عند الخليفة، يفد في مهام الرسائل إلى السلطان. توفى يوم الثلاثاء النصف من جمادى الأولى من هذه السنة، عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بداره بباب المراتب بإذن الخليفة، وصلى عليه ابنه أبو الفضل
أبو يوسف القزويني
ص 149
عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار الشيخ، شيخ المعتزلة، قرأ على عبد الجبار بن أحمد الهمداني، ورحل إلى مصر، وأقام بها أربعين سنة، وحصل كتبا كثيرة، وصنف تفسيرا في سبعمائة مجلد. قال ابن الجوزي: جمع فيه العجب، وتكلم على قوله تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) 2: 102 في مجلد كامل. وقال ابن عقيل: كان طويل اللسان بالعلم تارة، وبالشعر أخرى، وقد سمع الحديث من أبي عمر بن مهدي وغيره، ومات ببغداد عن ست وتسعين سنة. وما تزوج إلا في آخر عمره.
أبو شجاع الوزير
ص 149
محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم، أبو شجاع، الملقب ظهير الدين، الروذراوري الأصل الأهوازي المولد، كان من خيار الوزراء كثير الصدقة والإحسان إلى العلماء والفقهاء، وسمع الحديث من الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وغيره، وصنف كتبا، منها كتابه الذي ذيله على تجارب الأمم. ووزر للخليفة المقتدي وكان يملك ستمائة ألف دينار، فأنفقها في سبيل الخيرات والصدقات، ووقف الوقوف الحسنة، وبنى المشاهد، وأكثر الإنعام على الأرامل والأيتام. قال
له رجل: إلى مجانبنا أرملة لها أربعة أولاد وهم عراة وجياع، فبعث إليهم مع رجل من خاصته نفقة وكسوة وطعاما، ونزع عنه ثيابه في البرد الشديد، وقال: والله لا ألبسها حتى ترجع إلى بخبرهم، فذهب الرجل مسرعا بما أرسله على يديه إليهم، ثم رجع إليه فأخبره أنهم فرحوا بذلك ودعوا للوزير، فسر بذلك ولبس ثيابه. وجيء إليه مرة بقطائف سكرية فلما وضعت بين يديه تنغص عليه بمن لا يقدر عليها، فأرسلها كلها إلى المساجد، وكانت كثيرة جدا، فأطعمها الفقراء والعميان وكان لا يجلس في الديوان إلا وعنده الفقهاء، فإذا وقع له أمر مشكل سألهم عنه فحكم بما يفتونه، وكان كثير التواضع مع الناس، خاصتهم وعامتهم، ثم عزل عن الوزارة فسار إلى الحج وجاور بالمدينة ثم مرض، فلما ثقل في المرض جاء إلى الحجرة النبوية فقال: يا رسول الله قال الله تعالى (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) 4: 64 وها أنا قد جئتك أستغفر الله من ذنوبي وأرجو شفاعتك يوم القيامة، ثم مات من يومه ذلك رحمه الله، ودفن في البقيع.
القاضي أبو بكر الشاشي
ص 150
محمد بن المظفر بن بكران الحموي أبو بكر الشاشي، ولد سنة أربعمائة، وتفقه ببلده، ثم حج في سنة سبع عشرة وأربعمائة، وقدم بغداد فتفقه على أبي الطيب الطبري وسمع بها الحديث، وشهد عند ابن الدامغاني فقبله، ولازم مسجده خمسا وخمسين سنة، يقرئ الناس ويفقههم، ولما مات الدامغاني أشار به أبو شجاع الوزير فولاه الخليفة المقتدي القضاء، وكان من أنزه الناس وأعفهم، لم يقبل من سلطان عطية، ولا من صاحب هدية، ولم يغير ملبسه ولا مأكله، ولم يأخذ على القضاء أجرا ولم يستنب أحدا، بل كان يباشر القضاء بنفسه، ولم يحاب مخلوقا، وقد كان يضرب بعض المنكرين حيث لا بينة، إذا قامت عنده قرائن التهمة، حتى يقروا، ويذكر أن في كلام الشافعي ما يدل على هذا. وقد صنف كتابا في ذلك، ونصره ابن عقيل فيما كان يتعاطاه من الحكم بالقرائن، واستشهد له بقوله تعالى (إن كان قميصه قد من قبل) 12: 26 الآية. وشهد عنده رجل من كبار الفقهاء والمناظرين يقال له المشطب بن أحمد بن أسامة الفرغاني، فلم يقبله، لما رأى عليه من الحرير وخاتم الذهب، فقال له المدعي:
إن السلطان ووزيره نظام الملك يلبسان الحرير والذهب، فقال القاضي الشاشي: والله لو شهدا عندي على باقة بقلة ما قبلتهما، ولرددت شهادتهما. وشهد عنده مرة فقيه فاضل من أهل مذهبه فلم يقبله، فقال: لأى شيء ترد شهادتي وهي جائزة عند كل حاكم إلا أنت؟ فقال له: لا أقبل لك شهادة، فانى رأيتك تغتسل في الحمام عريانا غير مستور العورة، فلا أقبلك. توفي يوم الثلاثاء عاشر شعبان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بالقرب من ابن شريح.
أبو عبد الله الحميدي
ص 151
محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد، الأندلسى، من جزيرة يقال لها برقة قريبة من الأندلس، قدم بغداد فسمع بها الحديث، وكان حافظا مكثرا أديبا ماهرا، عفيفا نزها، وهو صاحب الجمع بين الصحيحين، وله غير ذلك من المصنفات، وقد كتب مصنفات ابن حزم والخطيب، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة، وقد جاوز التسعين، وقبره قريب من قبر بشر الحافي ببغداد.
هبة الله ابن الشيخ أبى ألوفا بن عقيل
ص 151
كان قد حفظ القرآن وتفقه وظهر منه نجابة، ثم مرض فأنفق عليه أبوه أموالا جزيلة فلم يفد شيئا فقال له ابنه ذات يوم: يا أبت إنك قد أكثرت الأدوية والأدعية، ولله في اختيار فدعني واختيار الله في، قال أبوه: فعلمت أنه لم يوفق لهذا الكلام إلا وقد اختير للحظوة والله سبحانه أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.