في المحرم درس أبو بكر الشاشي في المدرسة التاجية بباب أبرز، التي أنشأها الصاحب تاج الدين أبو الغنائم على الشافعية. وفيها كانت فتن عظيمة بين الروافض والسنة، ورفعوا المصاحف، وجرت حروب طويلة، وقتل فيها خلق كثير، نقل ابن الجوزي في المنتظم من خط ابن عقيل أنه قتل في هذه السنة قريب من مائتي رجل، قال: وسب أهل الكرخ الصحابة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فلعنة الله على من فعل ذلك من أهل الكرخ، وإنما حكيت هذا ليعلم ما في طوايا الروافض من الخبث والبغض لدين الإسلام وأهله، ومن العداوة الباطنة الكامنة في قلوبهم، لله ولرسوله وشريعته. وفيها ملك السلطان ملك شاه ما وراء النهر وطائفة كبيرة من تلك الناحية، بعد حروب عظيمة، ووقعات هائلة. وفيها استولى جيش المصريين على عدة بلاد من بلاد الشام. وفيها عمرت منارة جامع حلب. وفيها أرسلت الخاتون بنت السلطان امرأة الخليفة تشكو إلى أبيها إعراض الخليفة عنها، فبعث إليها أبوها الطواشى صواب والأمير مران ليرجعاها إليه، فأجاب الخليفة إلى ذلك، وبعث معها بالنقيب وجماعة من أعيان الأمراء، وخرج ابن الخليفة أبو الفضل والوزير فشيعاها إلى النهروان وذلك في ربيع الأول، فلما وصلت إلى عند أبيها توفيت في شوال من هذه السنة، بأصبهان، فعمل عزاها ببغداد سبعة أيام، وأرسل الخليفة إلى السلطان أميرين لتعزيته فيها. وحج بالناس خمارتكين.
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وأربعمائة
المعروف بطاهر، النيسابوري الحافظ، رحل وسمع الكثير، وخرج، وعاجله الموت في هذه السنة بهمذان وهو شاب.
أبو القاسم الدبوسى، مدرس النظامية بعد المتولي، سمع شيئا من الحديث، وكان فقيها ماهرا،
وجدليا باهرا
ابن محمد بن علي بن عاصم بن مهران، أبو الحسين العاصمي، من أهل الكرخ، سكن باب الشعير ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، وكان من أهل الفضل والأدب، وسمع الحديث من الخطيب وغيره، وكان ثقة حافظا، ومن شعره قوله:
لهفي على قوم بكاظمة ... ودعتهم والركب معترض
لم تترك العبرات مذ بعدوا ... لي مقلة ترنو وتغتمض
رحلوا فدمعي واكف هطل ... جار وقلبي حشوه مرض
وتعرضوا لا ذقت فقدهم ... عنى وما لي عنهم عوض
أقرضتهم قلبي على ثقة ... منهم فما ردوا الذي اقترضوا
ابن عبيد، أبو جعفر البخاري المتكلم المعتزلي، أقام ببغداد وتعرف بقاضي حلب، وكان حنفي المذهب في الفروع، معتزليا في الأصول، مات ببغداد في هذه السنة، ودفن بباب حرب.
ابن محمد بن إسماعيل الأصبهاني، المعروف بمسلرفة، أحد الحفاظ الجوالين الرحالين، سمع الكثير وجمع الكتب، وأقام بهراة، وكان صالحا كثير العبادة، توفي بنيسابور في ذي الحجة من هذه السنة والله أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
