ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
ص 232
في المحرم دخل السلطان سليمان شاه بن محمد بن ملك شاه إلى بغداد وعلى رأسه الشمسية، فتلقاه الوزير ابن هبيرة وأدخله على الخليفة، فقبل الأرض وحلفه على الطاعة وصفاء النية والمناصحة والمودة، وخلع عليه خلع الملوك، وتقرر أن للخليفة العراق ولسليمان شاه ما يفتحه من خراسان، ثم خطب له ببغداد بعد الملك سنجر، ثم خرج منها في ربيع الأول فاقتتل هو والسلطان محمد بن محمود بن ملك شاه، فهزمه محمد وهزم عسكره، فذهب مهزوما فتلقاه نائب قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، فأسره وحبسه بقلعة الموصل، وأكرمه مدة حبسه وخدمه، وهذا من أغرب
الاتفاقات. وفيها ملكت الفرنج المهدية من بلاد المغرب بعد حصار شديد. وفيها فتح نور الدين محمود بن زنكي قلعة تل حازم واقتلعها من أيدي الفرنج، وكانت من أحصن القلاع وأمنع البقاع، وذلك بعد قتال عظيم ووقعة هائلة كانت من أكبر الفتوحات، وامتدحه الشعراء عند ذلك. وفيها هرب الملك سنجر من الأسر وعاد إلى ملكه بمرو، وكان له في يد أعدائه نحو من خمس سنين.
وفيها ولى عبد المؤمن ملك الغرب أولاده على بلاده، استناب كل واحد منهم على بلد كبير، وإقليم متسع.
ذكر حصار بغداد
ص 233
وسبب ذلك أن السلطان محمد بن محمود بن ملك شاه أرسل إلى المقتفى يطلب منه أن يخطب له في بغداد، فلم يجبه إلى ذلك، فسار من همذان إلى بغداد ليحاصرها، فانجفل الناس وحصن الخليفة البلد، وجاء السلطان محمد فحصر بغداد، ووقف تجاه التاج من دار الخلافة في جحفل عظيم، ورموا نحوه النشاب، وقاتلت العامة مع الخليفة قتالا شديدا بالنفط وغيره، واستمر القتال مدة، فبينما هم كذلك إذ جاءه الخبر أن أخاه قد خلفه في همذان، فانشمر عن بغداد إليها في ربيع الأول من سنة اثنتين وخمسين، وتفرقت عنه العساكر الذين كانوا معه في البلاد، وأصاب الناس بعد ذلك القتال مرض شديد، وموت ذريع، واحترقت محال كثيرة من بغداد، واستمر ذلك فيها مدة شهرين.
وفيها أطلق أبو الوليد البدر بن الوزير بن هبيرة من قلعة تكريت، وكان معتقلا فيها من مدة ثلاث سنين، فتلقاه الناس إلى أثناء الطريق، وامتدحه الشعراء، وكان من جملتهم الأبله الشاعر، أنشد الوزير قصيدة يقول في أولها:
بأي لسان للوشاة ألام ... وقد علموا أني سهرت وناموا؟
إلى أن قال:
ويستكثرون الوصل لي ليلة ... وقد مر عام بالصدود وعام
فطرب الوزير عند ذلك. وخلع عليه ثيابه وأطلق له خمسين دينارا، وحج بالناس قيماز.
علي بن الحسين
ص 233
أبو الحسن الغزنوي الواعظ، كان له قبول كثير من العامة، وبنت له الخاتون زوجة المستظهر رباطا بباب الأزج، ووقفت عليه أوقافا كثيرة، وحصل له جاه عريض وزاره السلطان. وكان حسن الإيراد مليح الوعظ، يحضر مجلسه خلق كثير وجم غفير من أصناف الناس. وقد ذكر ابن الجوزي أشياء من وعظه، قال وسمعته يوما يقول: حزمة حزن خير من أعدال أعمال. ثم أنشد:
كم حسرة لي في الحشا ... من ولد إذا نشا
أملت فيه رشده ... فما يشاء كما نشا
قال وسمعته يوما ينشد:
يحسدني قومي على صنعتي ... لأنني في صنعتي فارس
سهرت في ليلي واستنعسوا ... وهل يستوي الساهر والناعس؟
قال: وكان يقول: تولون اليهود والنصارى فيسبون نبيكم في يوم عيدكم، ثم يصبحون يجلسون إلى جانبكم؟ ثم يقول: ألا هل بلغت؟ قال: وكان يتشيع، ثم سعي في منعه من الوعظ ثم أذن له، ولكن ظهر للناس أمر العبادي، وكان كثير من الناس يميلون إليه، وقد كان السلطان يعظمه ويحضر مجلسه، فلما مات السلطان مسعود ولى الغزنوي بعده، وأهين إهانة بالغة، فمرض ومات في هذه السنة. قال ابن الجوزي: وبلغني أنه كان يعرق في نزعه ثم يفيق وهو يقول: رضى وتسليم، ولما مات دفن في رباطه الذي كان فيه.
محمود بن إسماعيل بن قادوس
ص 234
أبو الفتح الدمياطي، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، وهو شيخ القاضي الفاضل، كان يسميه ذا البلاغتين، وذكره العماد الكاتب في الجريدة. ومن شعره فيمن يكرر التكبير ويوسوس في نية الصلاة في أولها:
وفاتر النية عنينها ... مع كثرة الرعدة والهمزة
يكبر التسعين في مرة ... كأنه يصلى على حمزة
الشيخ أبو البيان
ص 234
بنا بن محمد المعروف بابن الحوراني، الفقيه الزاهد العابد الفاضل الخاشع، قرأ القرآن وكتاب التنبيه على مذهب الشافعي، وكان حسن المعرفة باللغة، كثير المطالعة، وله كلام يؤثر عنه، ورأيت له كتابا بخطه فيه النظائم التي يقولها أصحابه وأتباعه بلهجة غريبة، وقد كان من نشأته إلى أن توفي على طريقة صالحة، وقد زاره الملك نور الدين محمود في رباطه داخل درب الحجر، ووقف عليه شيئا، وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثالث ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقابر الباب الصغير، وكان يوم جنازته يوما مشهودا. وقد ذكرته في طبقات الشافعية رحمه الله.
عبد الغافر بن إسماعيل
ص 234
ابن عبد القادر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن سعيد، الفارسي الحافظ، تفقه بإمام الحرمين وسمع الكثير على جده لأمه أبي القاسم القشيري، ورحل إلى البلاد وأسمع، وصنف المفهم في غريب مسلم وغيره، وولي خطابة نيسابور، وكان فاضلا دينا حافظا.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.