فيها بعث السلطان غياث الدين جيشا كثيفا، صحبة الأمير مودود بن زنكي صاحب الموصل، في جملة أمراء ونواب، منهم سكمان القطبي، صاحب تبريز، وأحمد يل صاحب مراغة، والأمير إيلغازي صاحب ماردين، وعلى الجميع الأمير مودود صاحب الموصل، لقتال الفرنج بالشام، فانتزعوا من أيدي الفرنج حصونا كثيرة، وقتلوا منهم خلقا كثيرا ولله الحمد، ولما دخلوا دمشق دخل الأمير مودود إلى جامعها ليصلي فيه فجاءه باطني في زي سائل فطلب منه شيئا فأعطاه، فلما اقترب منه ضربه في فؤاده فمات من ساعته، ووجد رجل أعمى في سطح الجامع ببغداد معه سكين مسموم فقيل إنه كان يريد قتل الخليفة. وفيها ولد للخليفة من بنت السلطان ولد فضربت الدبادب والبوقات، ومات له ولد وهكذا الدنيا فرضى بوفاته وجلس الوزير للهناء والعزاء. وفي رمضان عزل الوزير أحمد بن النظام، وكانت مدة وزارته أربع سنين وإحدى عشر شهرا. وفيها حاصرت الفرنج مدينة صور، وكانت بأيدي المصريين، عليها عز الملك الأعز من جهتهم، فقاتلهم قتالا شديدا، ومنعها منعا جيدا، حتى فني ما عنده من النشاب والعدد، فأمده طغتكين صاحب دمشق، وأرسل إليه العدد والآلات فقوى جأشه وترحلت عنه الفرنج في شوال منها. وحج بالناس أمير الجيوش قطز الخادم، وكانت سنة مخصبة مرخصة.
ثم دخلت سنة خمس وخمسمائة
أبو حامد الغزالي.
أبو حامد الغزالي، ولد سنة خمسين وأربعمائة، وتفقه على إمام الحرمين، وبرع في علوم كثيرة، وله مصنفات منتشرة في فنون متعددة، فكان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه، وساد في
شبيبته حتى إنه درس بالنظامية ببغداد، في سنة أربع وثمانين، وله أربع وثلاثون سنة، فحضر عنده رءوس العلماء، وكان ممن حضر عنده أبو الخطاب وابن عقيل، وهما من رءوس الحنابلة، فتعجبوا من فصاحته واطلاعه، قال ابن الجوزي: وكتبوا كلامه في مصنفاتهم، ثم إنه خرج عن الدنيا بالكلية وأقبل على العبادة وأعمال الآخرة، وكان يرتزق من النسخ، ورحل إلى الشام فأقام بها بدمشق وبيت المقدس مدة، وصنف في هذه المدة كتابه إحياء علوم الدين، وهو كتاب عجيب، يشتمل على علوم كثيرة من الشرعيات، وممزوج بأشياء لطيفة من التصوف وأعمال القلوب، لكن فيه أحاديث كثيرة غرائب ومنكرات وموضوعات، كما يوجد في غيره من كتب الفروع التي يستدل بها على الحلال والحرام، فالكتاب الموضوع للرقائق والترغيب والترهيب أسهل أمرا من غيره، وقد شنع عليه أبو الفرج ابن الجوزي، ثم ابن الصلاح، في ذلك تشنيعا كثيرا، وأراد المازري أن يحرق كتابه إحياء علوم الدين، وكذلك غيره من المغاربة، وقالوا: هذا كتاب إحياء علوم دينه، وأما ديننا فإحياء علومه كتاب الله وسنة رسوله، كما قد حكيت ذلك في ترجمته في الطبقات، وقد زيف ابن شكر مواضع إحياء علوم الدين، وبين زيفها في مصنف مفيد، وقد كان الغزالي يقول: أنا مزجى البضاعة في الحديث، ويقال إنه مال في آخر عمره إلى سماع الحديث والتحفظ للصحيحين، وقد صنف ابن الجوزي كتابا على الأحياء وسماه علوم الأحياء بأغاليط الاحيا، قال ابن الجوزي: ثم ألزمه بعض الوزراء بالخروج إلى نيسابور فدرس بنظاميتها، ثم عاد إلى بلده طوس فأقام بها، وابتنى رباطا واتخذ دارا حسنة، وغرس فيها بستانا أنيقا، وأقبل على تلاوة القرآن وحفظ الأحاديث الصحاح، وكانت وفاته في يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بطوس رحمه الله تعالى، وقد سأله بعض أصحابه وهو في السياق فقال: أوصني، فقال: عليك بالإخلاص، ولم يزل يكررها حتى مات رحمه الله.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
