الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء الحادي عشر / ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة
75

ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة

الجزء الحادي عشر 8 عنصر صفحة 182
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ص 182

فيها جاءت الجند فأحدقوا بدار الخلافة وقالوا: ليخرج إلينا الخليفة الراضي بنفسه فيصلي بالناس.

فخرج فصلى بهم وخطبهم. وقبض الغلمان على الوزير ابن مقلة وسألوا من الخليفة أن يستوزر غيره فرد الخيرة إليهم، فاختاروا علي بن عيسى فلم يقبل، وأشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فاستوزره، وأحرقت دار ابن مقلة، وسلم هو إلى عبد الرحمن بن عيسى فضرب ضربا عنيفا، وأخذ خطبه بألف ألف دينار، ثم عجز عبد الرحمن بن عيسى فعزل بعد خمسين يوما وقلد الوزارة أبو جعفر بن القاسم الكرخي، فصادر علي بن عيسى بمائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بن عيسى بسبعين ألف دينار، ثم عزل بعد ثلاثة أشهر ونصف، وقلد سليمان بن الحسين، ثم عزل بأبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وذلك في السنة الآتية. وأحرقت داره كما أحرقت دار ابن مقلة في يوم أحرقت تلك فيه، وسنة بينهما واحدة. وهذا كله من تخبيط الأتراك والغلمان. ولما أحرقت دار ابن مقلة في هذه السنة كتب بعض الناس على بعض جدرانها:

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف يوما يأتي به القدر

وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر

وفيها ضعف أمر الخلافة جدا، وبعث الراضي إلى محمد بن رائق- وكان بواسط- يدعوه إليه ليوليه إمرة الأمراء ببغداد، وأمر الخراج والمغل في جميع البلاد والدواوين، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه بالخلع. فقدم ابن رائق إلى بغداد على ذلك كله، ومعه الأمير بجكم التركي غلام مرداويج، وهو الذي ساعد على قتل مرداويج. واستحوذ ابن رائق على أموال العراق بكماله، ونقل أموال بيت المال إلى داره، ولم يبق للوزير تصرف في شيء بالكلية، وهي أمر الخلافة جدا، واستقل نواب الأطراف بالتصرف فيها، ولم يبق للخليفة حكم في غير بغداد ومعاملاتها. ومع هذا ليس له مع ابن رائق نفوذ في شيء، ولا تفرد بشيء، ولا كلمة تطاع، وإنما يحمل إليه ابن رائق ما يحتاج إليه من الأموال والنفقات وغيرها. وهكذا صار أمر من جاء بعده من أمراء الأكابر، كانوا لا يرفعون رأسا بالخليفة، وأما بقية الأطراف فالبصرة مع ابن رائق هذا، يولى فيها من شاء. وخوزستان إلى أبى عبد الله البريدي، وقد غلب ابن ياقوت على ما كان بيده في هذه السنة من مملكة تستر وغيرها واستحوذ على حواصلها وأموالها. وأمر فارس إلى عماد الدولة بن بويه ينازعه في ذلك وشمكير أخو مرداويج وكرمان بيد أبي علي محمد بن إلياس بن اليسع. وبلاد الموصل والجزيرة وديار بكر ومضر وربيعة مع بني حمدان. ومصر والشام في يد محمد بن طغج. وبلاد إفريقية والمغرب في يد القائم بأمر الله ابن المهدي الفاطمي، وقد تلقب بأمير المؤمنين. والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد، الملقب بالناصر الأموي. وخراسان وما وراء النهر في يد السعيد نصر بن أحمد الساماني. وطبرستان وجرجان في يد الديلم. والبحرين واليمامة وهجر في يد أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطى. وفيها وقع

ببغداد غلاء عظيم وفناء كثير بحيث عدم الخبز منها خمسة أيام، ومات من أهلها خلق كثير، وأكثر ذلك كان في الضعفاء، وكان الموتى يلقون في الطريق ليس لهم من يقوم بهم، ويحمل على الجنازة الواحدة الرجلان من الموتى، وربما يوضع بينهم صبي، وربما حفرت الحفرة الواحدة فتوسع حتى يوضع فيها جماعة. ومات من أهل أصبهان نحو من مائتي ألف إنسان. وفيها وقع حريق بعمان أحرق فيه من السودان ألف، ومن البيضان خلق كثير، وكان جملة ما أحرق فيه أربعمائة حمل كافور. وعزل الخليفة أحمد بن كيغلغ عن نيابة الشام. وأضاف ذلك إلى ابن طغج نائب الديار المصرية. وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة بن بويه بأصبهان.

ابن مجاهد المقري ص 184

أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقري، أحد أئمة هذا الشأن. حدث عن خلق كثير، وروى عنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة مأمونا، سكن الجانب الشرقي من بغداد، وكان ثعلب يقول: ما بقي في عصرنا أحد أعلم بكتاب الله منه. توفى يوم الأربعاء وأخرج يوم الخميس لعشر بقين من شعبان من هذه السنة. وقد رآه بعضهم في المنام وهو يقرأ فقال له: أما مت؟ فقال: بلى ولكن كنت أدعو الله عقب كل ختمة أن أكون ممن يقرأ في قبره، فأنا ممن يقرأ في قبره. رحمه الله.

جحظة الشاعر البرمكي ص 184

أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، أبو الحسن النديم المعروف بجحظة الشاعر الماهر الأديب الأخباري، ذو الفنون في العلوم والنوادر الحاضرة، وكان جيد الغناء. ومن شعره:

قد نادت الدنيا على نفسها ... ولو كان في العالم من يسمع

كم آمل خيبت آماله ... وجامع بددت ما يجمع

وكتب له بعض الملوك رقعة على صير في بمال أطلقه له فلم يحصل له، فكتب إلى الملك يذكر له ذلك.

إذا كانت صلاتكم رقاعا ... تخطط بالأنامل والأكف

فلا تجد الرقاع على نفعا ... فذا خطى فخذه بألف ألف

ومن شعره يهجو صديقا له ويذمه على شدة شحه وبخلة وحرصه فقال:

لنا صاحب من أبرع الناس في البخل ... يسمى بفضل، وهو ليس بذي فضل

دعاني كما يدعو الصديق صديقه ... فجئت كما يأتي إلى مثله مثلي

فلما جلسنا للغداء رأيته ... يرى أنما من بعض أعضائه أكلى

فيغتاظ أحيانا ويشتم عبده ... فأعلم أن الغيظ والشتم من أجلي

أمد يدي سرا لآكل لقمة ... فيلحظني شزرا فأعبث بالبقل

إلى أن جنت كفى على جناية ... وذلك أن الجوع أعد منى عقلي

فأهوت يميني نحو رجل دجاجة ... فجرت رجلها كما جرت يدي رجلي

ومن قوى شعره قوله

رحلتم فكم من أنة بعد حنة ... مبينة للناس حزني عليكم

وقد كنت أعتقت الجفون من البكا ... فقد ردها في الرق شوقي إليكم

وقد أورد له ابن خلكان من شعره الرائق قوله:

فقلت لها: بخلت علي يقظى ... فجودي في المنام لمستهام

فقالت لي: وصرت تنام أيضا ... وتطمع أن أزورك في المنام؟

قال: وإنما لقبه بجحظة عبد الله بن المعتز، وذلك لسوء منظره بمآقيه. قال بعض من هجاء:

ببيت جحظه تسعين جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان

وارحمتا لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذة الآذان

توفى سنة ست وعشرين وقيل أربع وعشرين وثلاثمائة بواسط.

ابن المغلس الفقيه الظاهري ص 185

المشهور. له المصنفات المفيدة في مذهبه. أخذ الفقه عن أبي بكر بن داود. وروى عن عبد الله ابن أحمد بن حنبل، وعلي بن داود القنطري، وأبى قلابة الرياشي، وآخرين. وكان ثقة فقيها فاضلا وهو الذي نشر علم داود في تلك البلاد. توفي بالسكتة.

أبو بكر بن زياد ص 185

النيسابوري عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون، أبو بكر الفقيه الشافعي النيسابوري مولى أبان بن عثمان، رحل إلى العراق والشام ومصر، وسكن بغداد. حدث عن محمد بن يحيى الذهلي وعباس الدوري، وخلق. وعنه الدار قطنى وغير واحد من الحفاظ. قال الدار قطنى: لم ير في مشايخنا أحفظ منه للأسانيد والمتون. وكان أفقه المشايخ، جالس المزني والربيع. وقال عبد الله بن بطة: كنا نحضر مجلس ابن زياد وكان يحرز من يحضره من أصحاب المحابر ثلاثين ألفا. وقال الخطيب: أخبرنا أبو سعد الماليني أنبأ يوسف بن عمر بن مسرور سمعت أبا بكر بن زياد النيسابوري يقول: أعرف من قام الليل أربعين سنة لم ينم إلا جائيا، ويتقوت كل يوم خمس حبات، ويصلي صلاة الغد بطهارة العشاء، ثم يقول: أنا هو كنت أفعل هذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن- يعنى أم ولده- أيش أقول لمن زوجني. ثم قال في إثر هذا: ما أراد إلا الخير. توفي في هذه السنة عن ست وثمانين سنة.

عفان بن سليمان ص 186

ابن أيوب أبو الحسن التاجر، أقام بمصر وأوقف بها أوقافا دارة على أهل الحديث، وعلى سلالة العشرة رضي الله عنهم. وكان تاجرا موسعا عليه في الدنيا، مقبول الشهادة عند الحكام، توفي في شعبان منها

أبو الحسن الأشعري ص 186

قدم بغداد وأخذ الحديث عن زكريا بن يحيى الساجي وتفقه بابن سريج. وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية. وذكر ابن خلكان أنه كان يجلس في حلقة الشيخ أبي إسحاق المروزي، وقد كان الأشعري معتزليا فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم، وله من الكتب: الموجز وغيره، وحكى عن ابن حزم أنه قال: للأشعري خمسة وخمسون تصنيفا. وذكر أن مغله كان في كل سنة سبعة عشر ألف درهم، وأنه كان من أكثر الناس دعابة، وأنه ولد سنة سبعين ومائتين، وقيل سنة ستين ومائتين، ومات في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاثين، وقيل في سنة بضع وثلاثين وثلاثمائة فالله أعلم.

محمد بن الفضل ص 186

بن عبد الله، أبو ذر التميمي، كان رئيس جرجان، سمع الكثير، وتفقه بمذهب الشافعي، وكانت داره مجمع العلماء، وله إفضال كثير على طلبة العلم من أهل زمانه. هارون بن المقتدر أخو الخليفة الراضي، توفي في ربيع الأول منها، فحزن عليه أخوه الراضي وأمر بنفي بختيشوع ابن يحيى المتطبب إلى الأنبار، لأنه اتهم في علاجه، ثم شفعت فيه أم الراضي فرده.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.