الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
155

ثم دخلت سنة خمس وأربعمائة

الجزء الحادي عشر 12 عنصر صفحة 351
ثم دخلت سنة خمس وأربعمائة ص 351

فيها منع الحاكم صاحب مصر النساء من الخروج من منازلهم، أو أن يطلعن من الأسطحة أو من الطاقات، ومنع الخفافين من عمل الخفاف لهن، ومنعهن من الخروج إلى الحمامات، وقتل خلقا من النساء على مخالفته في ذلك، وعدم بعض الحمامات عليهن، وجهز نساء عجائز كثيرة يستعلمن أحوال النساء لمن يعشقن أو يعشقهن، بأسمائهن وأسماء من يتعرض لهن، فمن وجد منهن كذلك أطفأها وأهلكها، ثم إنه أكثر من الدوران بنفسه ليلا ونهارا في البلد، في طلب ذلك، وغرق خلقا من الرجال والنساء والصبيان ممن يطلع على فسقهم، فضاق الحال واشتد على النساء، وعلى الفساق ذلك، ولم يتمكن أحد منهن أن يصل إلى أحد إلا نادرا، حتى أن امرأة كانت عاشقة لرجل عشقا قويا كادت أن تهلك بسببه، لما حيل بينهما وبينه، فوقفت لقاضى القضاة وهو مالك بن سعد الفارقي وحلفته بحق

الحاكم لما وقف لها واستمع كلامها،، فرحمها فوقف لها فبكت إليه بكاء شديدا مكرا وحيلة وخداعا، وقالت له: أيها القاضي إن لي أخا ليس لي غيره، وهو في السياق وإني أسألك بحق الحاكم عليك لما أوصلتنى إلى منزله، لأنظر إليه قبل أن يفارق الدنيا، وأجرك على الله. فرق لها القاضي رقة شديدة وأمر رجلين كانا معه يكونان معها حتى يبلغانها إلى المنزل الذي تريده، فأغلقت بابها وأعطت المفتاح لجارتها، وذهبت معهما حتى وصلت إلى منزل معشوقها، فطرقت الباب ودخلت وقالت لهما: اذهبا هذا منزله فإذا رجل كانت تهواه ونحبه ويهواها ويحبها، فقال لها: كيف قدرت على الوصول إلي؟

فأخبرته بما احتالت به من الحيلة على القاضي، فأعجبه ذلك من مكرها وحيلتها، وجاء زوجها من آخر النهار فوجد بابه مغلقا وليس في بيته أحد، فسأل الجيران عن أمرها فذكرت له جارتها ما صنعت فاستغاث على القاضي وذهب إليه وقال له: ما أريد امرأتي إلا منك الساعة، وإلا عرفت الحاكم، فان امرأتي ليس لها أخ بالكلية، وإنما ذهبت إلى معشوقها، فخاف القاضي من معرة هذا الأمر، فركب إلى الحاكم وبكى بين يديه، فسأله عن شأنه فأخبره بما اتفق له من الأمر مع المرأة، فأرسل الحاكم مع ذينك الرجلين من يحضر المرأة والرجل جميعا، على أي حال كانا عليه، فوجدهما متعانقين سكارى، فسألهما الحاكم عن أمرهما فأخذا يعتذران بما لا يجدي شيئا، فأمر بتحريق المرأة في بادية وضرب الرجل ضربا مبرحا حتى أتلفه، ثم ازداد احتياطا وشدة على النساء حتى جعلهن في أضيق من جحر ضب، ولا زال هذا دأبه حتى مات. ذكره ابن الجوزي.

وفي رجب منها ولى أبو الحسن أحمد بن أبي الشوارب قضاء الحضرة بعد موت أبى محمد الأكفاني. وفيها عمر فخر الدولة مسجد الشرقية ونصب عليه الشبابيك من الحديد.

بكر بن شاذان بن بكر ص 352

أبو القاسم المقري الواعظ، سمع أبا بكر الشافعي، وجعفر الخلدي، وعنه الأزهري والخلال، وكان ثقة أمينا صالحا عابدا زاهدا، له قيام ليل، وكريم أخلاق. مات فيها عن نيف وثمانين سنة، ودفن بباب حرب

بدر بن حسنويه بن الحسين ص 352

أبو النجم الكردي، كان من خيار الملوك بناحية الدينور وهمدان، وله سياسة وصدقة كثيرة، كناه القادر بأبي النجم، ولقبه ناصر الدولة، وعقد له لواء وأنفذه إليه، وكانت معاملاته وبلاده في غاية الأمن والطيبة، بحيث إذا أعيى جمل أحد من المسافرين أو دابته عن حمله يتركها بما عليها في البرية فيرد عليه، ولو بعد حين لا ينقص منه شيء، ولما عاثت أمراؤه في الأرض فسادا عمل لهم ضيافة حسنة، فقدمها إليهم ولم يأتهم بخبز، فجلسوا ينتظرون الخبز، فلما استبطاؤه سألوا عنه فقال لهم:

إذا كنتم تهلكون الحرث وتظلمون الزراع، فمن أين تؤتون بخبز؟ ثم قال لهم: لا أسمع بأحد أفسد في الأرض بعد اليوم إلا أرقت دمه. واجتاز مرة في بعض أسفاره برجل قد حمل حزمة حطب وهو

يبكى فقال له: مالك تبكى؟ فقال: إني كان معي رغيفان أريد أن أتقوتهما فأخذهما مني بعض الجند، فقال: له أتعرفه إذا رأيته؟ قال: نعم، فوقف به في موضع مضيق حتى مر عليه ذلك الرجل الذي أخذ رغيفيه، قال: هذا هو، فأمر به أن ينزل عن فرسه وأن بحمل حزمته التي احتطبها حتى يبلغ بها إلى المدينة، فأراد أن يفتدي من ذلك بمال جزيل فلم يقبل منه، حتى تأدب به الجيش كلهم.

وكان يصرف كل جمعة عشرين ألف درهم على الفقراء والأرامل، وفي كل شهر عشرين ألف درهم في تكفين الموتى، ويصرف في كل سنة ألف دينار إلى عشرين نفسا يحجون عن والدته، وعن عضد الدولة، لأنه كان السبب في تمليكه، وثلاثة آلاف دينار في كل سنة إلى الحدادين والحذائين لأجل المنقطعين من همذان وبغداد، يصلحون الأحذية ونعال دوابهم، ويصرف في كل سنة مائة ألف دينار إلى الحرمين صدقة على المجاورين، وعمارة المصانع، وإصلاح المياه في طريق الحجاز، وحفر الآبار. وما اجتاز في طريقه وأسفاره بما إلا بني عنده قرية، وعمر في أيامه من المساجد والخانات ما ينيف على ألفي مسجد وخان، هذا كله خارجا عما يصرف من ديوانه من الجرايات، والنفقات والصدقات، والبر والصلات، على أصناف الناس، من الفقهاء والقضاة، والمؤذنين والأشراف، والشهود والفقراء، والمساكين والأيتام والأرامل. وكان مع هذا كثير الصلاة والذكر وكان له من الدواب المربوطة في سبيل الله وفي الحشر ما ينيف على عشرين ألف دابة. توفى في هذه السنة رحمه الله عن نيف وثمانين سنة، ودفن في مشهد علي، وترك من الأموال أربعة عشر ألف بدرة، ونيفا وأربعين بدرة، البدرة عشرة آلاف، رحمه الله.

الحسن بن الحسين بن حمكان ص 353

أبو علي الهمداني، أحد الفقهاء الشافعية ببغداد، عني أولا بالحديث فسمع منه أبو حامد المروزي وروى عنه الأزهري، وقال: كان ضعيفا ليس بشيء في الحديث.

عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم ص 353

أبو محمد الأسدي المعروف بابن الأكفاني، قاضي قضاة بغداد، ولد سنة ست عشرة وثلاثمائة وروى عن القاضي المحاملي، ومحمد بن خلف، وابن عقدة وغيرهم، وعنه البرقاني والتنوخي، يقال إنه أنفق على طلب العلم مائة ألف دينار، وكان عفيفا نزها، صين العرض. توفى في هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، ولي الحكم منها أربعين سنة نيابة واستقلالا، رحمه الله.

عبد الرحمن بن محمد ص 353

ابن محمد بن عبد الله بن إدريس بن سعد، الحافظ الإستراباذي المعروف بالإدريسي، رحل في طلب العلم والحديث، وعني به وسمع الأصم وغيره، وسكن سمرقند، وصنف لها تاريخا وعرضه على الدار قطنى فاستحسنه، وحدث ببغداد فسمع منه الأزهري والتنوخي، وكان ثقة حافظا.

أبو نصر عبد العزيز بن عمر ص 354

ابن أحمد بن نباتة الشاعر المشهور، امتدح سيف الدولة بن حمدان، أظنه أخو الخطيب ابن نباتة أو غيره، وهو القائل البيت المطروق المشهور:

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والموت واحد

عبد العزيز بن عمر بن محمد بن نباتة ص 354

أبو نصر السعدي الشاعر وشعره موقوف ومن شعره قوله:

وإذا عجزت عن العدو فداره ... وامزج له إن المزاج وفاق

كالماء بالنار الذي هو ضدها ... يعطى النضاج وطبعها الإحراق

توفى فيها

عبد الغفار بن عبد الرحمن ص 354

أبو بكر الدينوري الفقيه السفياني، وهو آخر من كان يفتى بمذهب سفيان الثوري ببغداد، في جامع المنصور، وكان إليه النظر في الجامع والقيام بأمره.

توفى فيها ودفن خلف جامع الحاكم.

الحاكم النيسابوري ص 354

صاحب المستدرك، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه، بن نعيم بن الحكم، أبو عبد الله الحاكم الضبي الحافظ، ويعرف بابن البيع، من أهل نيسابور، وكان من أهل العلم والحفظ والحديث، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وأول سماعه من سنة ثلاثين، وثلاثمائة، سمع الكثير وطاف الآفاق، وصنف الكتب الكبار والصغار، فمنها المستدرك على الصحيحين، وعلوم الحديث والإكليل وتاريخ نيسابور، وقد روى عن خلق، ومن مشايخه الدار قطنى وابن أبي الفوارس وغيرهما، وقد كان من أهل الدين والأمانة والصيانة، والضبط، والتجرد، والورع، لكن قال الخطيب البغدادي: كان ابن البيع يميل إلى التشيع، فحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرموي، قال: جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في صحيحيهما، فمنها حديث الطير، «ومن كنت مولاه فعلي مولاه» ، فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ولم يلتفتوا إلى قوله ولاموه في فعله. وقال محمد بن طاهر المقدسي: قال الحاكم: حديث الطير لم يخرج في الصحيح وهو صحيح، قال ابن طاهر: بل موضوع لا يروى إلا عن أسقاط أهل الكوفة من المجاهيل، عن أنس. فإن كان الحاكم لا يعرف هذا فهو جاهل، وإلا فهو معاند كذاب. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: دخلت على الحاكم وهو مختف من الكرامية لا يستطيع أن يخرج منهم، فقلت له: لو خرجت حديثا في فضائل معاوية لاسترحت مما أنت فيه، فقال: لا يجيء من قبلي، لا يجيء من قبلي. توفى فيها عن أربع وثمانين سنة.

ابن كج ص 354

هو يوسف بن أحمد بن كج أبو القاسم القاضي، أحد أئمة الشافعية، وله في المذهب وجوه غريبة وكانت له نعمة عظيمة جدا، وولي القضاء بالدينور لبدر بن حسنويه فلما تغيرت البلاد بعد موت بدر وثب عليه جماعة من العيارين فقتلوه ليلة سبع وعشرين من رمضان من هذه السنة.

(تم الجزء الحادي عشر من البداية والنهاية ويليه الجزء الثاني عشر وأوله سنة ست وأربعمائة وبالله التوفيق)

المجلد الثاني عشر ص 355

بسم الله الرحمن الرحيم

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.