في ربيع الآخر منها نقصت دجلة نقصا كثيرا، حتى ظهرت جزائر لم تغرق، وامتنع سير السفن في أعاليها من أذنة والراشدية، فأمر بكرى تلك الأماكن، وفيها كمل السور على مشهد أمير المؤمنين على عليه السلام الذي بناه أبو إسحاق الأجانى، وذلك أن أبا محمد بن سهلان مرض فنذر إن عوفي ليبنينه فعوفي. وفي رمضان أرجف الناس بالخليفة القادر بالله بأنه مات فجلس للناس يوم جمعة بعد الصلاة وعليه البردة وبيده القضيب، وجاء الشيخ أبو حامد الإسفراييني فقبل الأرض بين يديه وقرأ (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم) 33: 60 الآيات فتباكى الناس ودعوا وانصرفوا وهم فراحا. وفيها ورد الخبر بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصادق بالمدينة فأخذ منها مصحفا وآلات كانت بها، وهذه الدار لم تفتح بعد موت صاحبها إلى هذا الآن، وكان مع المصحف قعب خشب مطوق بحديد ودرقة خيزران وحربة وسرير، حمل ذلك كله جماعة من العلويين إلى الديار المصرية، فأطلق لهم الحاكم أنعاما كثيرة ونفقات زائدة، ورد السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به. فردوا وهم ذامون له داعون عليه. وبنى الحاكم فيها دارا للعلم وأجلس فيها الفقهاء، ثم بعد ثلاث سنين هدمها وقتل خلقا كثيرا ممن كان فيها من الفقهاء والمحدثين وأهل الخير. وفيها عمر الجامع المنسوب إليه بمصر وهو جامع الحاكم، وتأنق في بنائه. وفي ذي الحجة منها أعيد المؤيد هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الأموي إلى ملكه بعد خلعه وحبسه مدة طويلة، وكانت الخطبة بالحرمين للحاكم صاحب مصر والشام.
ثم دخلت سنة أربعمائة من الهجرة
الحسن بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الموسوي، والد الرضي والمرتضى، ولي نقابة الطالبيين مرات نحوا من خمس مرات، يعزل ويعاد، ثم أخر في آخر عمره، وتوفي عن سبع وتسعين سنة، وصلى عليه ابنه المرتضى، ودفن في مشهد الحسين. وقد رثاه ابنه المرتضى في قصيدة حسنة قوية المنزع والمطلع فمنها:
سلام الله تنقله الليالي ... وتهديه الغدو إلى الرواح
على جدث حسيب من لؤي ... لينبوع العبادة والصلاح
فتى لم يرو إلا من حلال ... ولم يك زاده إلا المباح
ولا دنست له أزر لزور ... ولا علقت له راح براح
خفيف الظهر من ثقل الخطايا ... وعريان الجوارح من جناح
مشوق في الأمور إلى علاها ... ومدلول على باب النجاح
من القوم الذين لهم قلوب ... بذكر الله عامرة النواحي
بأجسام من التقوى مراض ... لنصرتها وأديان صحاح
نائب بهاء الدولة على العراق، وكان تليده لقتال الأعراب والأكراد، وكان من المقدمين في أيام عضد الدولة، وكانت له خبرة تامة بالحرب، وحزمة شديدة، وشجاعة تامة وافرة، وهمة عالية وآراء سديدة. ولما خرج من بغداد في سنة ثنتين وسبعين وثلاثمائة كثرت بها الفتن. توفى بالأهواز عن مائة سنة وخمس سنين. رحمه الله.
كان ذا مال جزيل جدا، اشتملت تركته على أزيد من ألف ألف دينار، من سائر أنواع المال.
توفى بأرض الحجاز ودفن بالمدينة النبوية عند قبر الحسن بن على، رضى الله عنهم.
تقدم ذكره وقراءته على كبير الأعراب في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن وأحلاهم أداء رحمه الله.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
