فيها استوزر ابن ركن الدولة بن بويه أبا العباس أحمد بن إبراهيم الضبي، الملقب بالكافي، وذلك بعد وفاة الصاحب إسماعيل بن عباد، وكان من مشاهير الوزراء. وفيها قبض بهاء الدولة على القاضي عبد الجبار وصادره بأموال جزيلة، فكان من جملة ما بيع له في المصادرة ألف طيلسان وألف ثوب معدني، ولم يحج في هذه السنة وما قبلها وما بعدها ركب العراق، والخطبة في الحرمين للفاطميين.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة
وهو إسماعيل بن عباد بن عباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني، أبو القاسم الوزير المشهور بكافي الكفاة، وزر لمؤيد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وقد كان من العلم والفضيلة والبراعة والكرم والإحسان إلى العلماء والفقراء على جانب عظيم، كان يبعث في كل سنة إلى بغداد
بخمسة آلاف دينار لتصرف على أهل العلم، وله اليد الطولى في الأدب، وله مصنفات في فنون العلم واقتنى كتبا كثيرة، وكانت تحمل على أربعمائة بعير، ولم يكن في وزراء بنى بويه مثله ولا قريب منه في مجموع فضائله، وقد كانت دولة بني بويه مائة وعشرين سنة وأشهرا، وفتح خمسين قلعة لمخدومه مؤيد الدولة، وابنه فخر الدولة، بصرامته وحسن تدبيره وجودة رأيه، وكان يحب العلوم الشرعية، ويبغض الفلسفة وما شابهها من علم الكلام والآراء البدعية، وقد مرض مرة بالإسهال فكان كلما قام عن المطهرة وضع عندها عشرة دنانير لئلا يتبرم به الفراشون، فكانوا يتمنون لو طالت علته، ولما عوفي أباح للفقراء نهب داره، وكان فيها ما يساوى نحوا من خمسين ألف دينار من الذهب، وقد سمع الحديث من المشايخ الجياد العوالي الإسناد، وعقد له في وقت مجلس للإملاء فاحتفل الناس لحضوره، وحضره وجوه الأمراء، فلما خرج إليه لبس زي الفقهاء وأشهد على نفسه بالتوبة والإنابة مما يعانيه من أمور السلطان، وذكر للناس أنه كان يأكل من حين نشأ إلى يومه هذا من أموال أبيه وجده مما ورثه منهم، ولكن كان يخالط السلطان وهو تائب مما يمارسونه، واتخذ بناء في داره سماه بيت التوبة، ووضع العلماء خطوطهم بصحة توبته، وحين حدث استملى عليه جماعة لكثرة مجلسه، فكان في جملة من يكتب عنه ذلك اليوم القاضي عبد الجبار الهمداني وأضرابه من رءوس الفضلاء وسادات الفقهاء والمحدثين، وقد بعث إليه قاضي قزوين بهدية كتب سنية، وكتب معها.
العميدي عبد كافى الكفاة وأنه ... اعقل في وجوه القضاة
خدم المجلس الرفيع، بكتب ... منعمات، من حسنها مترعات
فلما وصلت إليه أخذ منها كتابا واحدا ورد باقيها وكتب تحت البيتين.
قد قبلنا من الجميع كتابا ... ورددنا لوقتها الباقيات
لست أستغنم الكثير وطبعي ... قول: خذ ليس مذهبي قول هات
وجلس مرة في مجلس شراب فناوله الساقي كأسا، فلما أراد شربها قال له بعض خدمه: إن هذا الذي في يدك مسموم. قال: وما الشاهد على صحة قولك؟ قال تجربه، قال: فيمن؟ قال في الساقي. قال ويحك لا أستحل ذلك، قال ففي دجاجة، قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز، تم أمر بصب ما في ذلك القدح وقال للساقى: لا تدخل بعد اليوم داري، ولم يقطع عنه معلومه. وقد عمل عليه الوزير أبو الفتح ابن ذي الكفايتين حتى عزله عن وزارة مؤيد الدولة في وقت وباشرها عوضه واستمر فيها مدة، فبينما هو ذات ليلة قد اجتمع عنده أصحابه وهو في أتم السرور، قد هيئ له في مجلس حافل بأنواع اللذات، وقد نظم أبياتا والمغنون يغنونه بها وهو في غاية الطرب والسرور والفرح، وهي هذه الأبيات
دعوت الهنا ودعوت العلا ... فلما أجابا دعوت القدح
وقلت لأيام شرخ الشباب ... إلي. فهذا أوان الفرح
إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها منتزح
ثم قال لأصحابه: باكروني غدا إلى الصبوح، ونهض إلى بيت منامه فما أصبح حتى قبض عليه مؤيد الدولة وأخذ جميع ما في داره من الحواصل والأموال، وجعله مثلة في العباد، وأعاد إلى وزارته ابن عباد. وقد ذكر ابن الجوزي أن ابن عباد هذا حين حضرته الوفاة جاءه الملك فخر الدولة بن مؤيد الدولة يغوده ليوصيه في أموره فقال له إني موصيك أن تستمر في الأمور على ما تركتها عليه، ولا تغيرها، فإنك إن استمريت بها نسبت إليك من أول الأمر إلى آخره، وإن غيرتها وسلكت غيرها نسب الخير المتقدم إلي لا إليك، وأنا أحب أن تكون نسبة الخير إليك وإن كنت أنا المشير بها عليك. فأعجبه ذلك منه واستمر بما أوصاه به من الخير، وكانت وفاته في عشية يوم الجمعة لست بقين من صفر منها. قال ابن خلكان: وهو أول من تسمى من الوزراء بالصاحب، ثم استعمل بعده منهم، وإنما سمي بذلك لكثرة صحبته الوزير أبا الفضل بن العميد، ثم أطلق عليه أيام وزارته. وقال الصابئ في كتابه الناجي: إنما سماه الصاحب مؤيد الدولة لأنه كان صاحبه من الصغر، وكان إذ ذاك يسميه الصاحب، فلما ملك واستوزره سماه به واستمر فاشتهر به، وسمى به الوزراء بعده، ثم ذكر ابن خلكان قطعة صالحة من مكارمه وفضائله وثناء الناس عليه، وعدد له مصنفات كثيرة، منها كتابه المحيط في اللغة في سبع مجلدات، يحتوي على أكثر اللغة وأورد من شعره أشياء منها في الخمر:
رق الزجاج وراقت الخمر ... وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
قال ابن خلكان: توفي بالري في هذه السنة وله نحو ستين سنة ونقل إلى أصبهان رحمه الله.
أبو محمد الأديب، كان شاعرا متجولا كثيرا المكارم، روى عن علي بن محمد بن سعيد الموصلي وعنه الصوري، وكان صدوقا. وهو الذي أنزل المتنبي داره حين قدم بغداد وأحسن إليه حتى قال له المتنبي: لو كنت مادحا تاجرا لمدحتك، وقد كان أبو محمد هذا شاعرا ماهرا، فمن شعره الجيد قوله:
شربت المعالي غير منتظر بها ... كسادا ولا سوقا يقام لها أحرى
وما أنا من أهل المكاسب كلما ... توفرت الأثمان كنت لها أشرى
عمر بن أحمد بن عثمان بن محمد بن أيوب بن زذان، أبو حفص المشهور، سمع الكثير وحدث عن الباغندي وأبي بكر بن أبي داود والبغوي، وابن صاعد، وخلق. وكان ثقة أمينا، يسكن الجانب الشرقي من بغداد، وكانت له المصنفات العديدة. ذكر عنه أنه صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفا
منها التفسير في ألف جزء، والمسند في ألف وخمسمائة جزء، والتاريخ في مائة وخمسين جزءا، والزهد في مائة جزء توفى في ذي الحجة منها وقد قارب التسعين رحمه الله.
علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصناعة، وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا، سمع الكثير، وجمع وصنف وألف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والانتقاد والاعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام دهره في أسماء الرجال وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية، والاطلاع التام في الدراية، له كتابه المشهور من أحسن المصنفات في بابه، لم يسبق إلى مثله ولا يلحق في شكله إلا من استمد من بحره وعمل كعمله، وله كتاب العلل بين فيه الصواب من الدخل، والمتصل من المرسل والمنقطع والمعضل، وكتاب الأفراد الذي لا يفهمه، فضلا عن أن ينظمه، إلا من هو من الحفاظ الأفراد، والأئمة النقاد، والجهابذة الجياد، وله غير ذلك من المصنفات التي هي كالعقود في الأجياد، وكان من صغره موصوفا بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب، والبحر الزاخر، جلس مرة في مجلس إسماعيل الصفار وهو يملى على الناس الأحاديث، والدار قطنى ينسخ في جزء حديث، فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس: إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ، فقال الدار قطنى: فهمي للاملاء أحسن من فهمك وأحضر، ثم قال له ذلك الرجل: أنحفظ كم أملى حديثا؟ فقال: إنه أملى ثمانية عشر حديثا إلى الآن، والحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئا، فتعجب الناس منه. وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: لم ير الدار قطنى مثل نفسه. وقال ابن الجوزي: وقد اجتمع له مع معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر مع الإمامة والعدالة، وصحة العقيدة، وقد كانت وفاته في يوم الثلاثاء السابع من ذي القعدة منها، وله من العمر سبع وسبعون سنة ويومان، ودفن من الغد بمقبرة معروف الكرخي رحمه الله.
قال ابن خلكان: وقد رحل إلى الديار المصرية فأكرمه الوزير أبو الفضل جعفر بن خنزابة وزير كافور الإخشيدي، وساعده هو الحافظ عبد الغنى على إكمال مسندة، وحصل قطنى منه مال جزيل. قال: والدار قطنى نسبة إلى دار القطن وهي محلة كبيرة ببغداد، وقال عبد الغنى بن سعيد الضرير: لم يتكلم على الأحاديث مثل علي بن المديني في زمانه، وموسى بن هارون في زمانه، والدار قطنى في زمانه. وسئل الدار قطنى: هل رأى مثل نفسه؟ قال: أما في فن واحد فربما رأيت من هو أفضل منى، وأما فيما اجتمع لي من الفنون فلا. وقد روى الخطيب البغدادي عن الأمير أبى نصر هبة الله بن ماكولا قال: رأيت في المنام كأني أسأل عن حال أبى الحسن الدار قطنى وما آل أمره إليه في
الآخرة، فقيل لي ذاك يدعى في الجنة الامام.
أبو الحسن الطالقاني، والد الوزير إسماعيل بن عباد المتقدم ذكره، سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب وغيره من البغداديين والأصفهانيين والرازيين وغيرهم، وحدث عنه ابنه الوزير أبو الفضل القاسم، وأبو بكر بن مردويه، ولعباد هذا كتاب في أحكام القرآن، وقد اتفق موته وموت ابنه في هذه السنة رحمهما الله.
أبو الحسن الأحنف العكبري الشاعر المشهور، له ديوان مفرد، ومن مستجاد شعره ما ذكره ابن الجوزي في منتظمه قوله:
أقضى علي من الأجل ... عذل العذول إذا عذل
وأشد من عذل العذول ... صدود إلف قد وصل
وأشد من هذا وذا ... طلب النوال من السفل
وقوله
من أراد العز والراحة ... من هم طويل
فليكن فردا في الناس ... ويرضى بالقليل
ويرى أن سيرى ... كافيا عما قليل
ويرى بالحزم أن الحزم ... في ترك الفضول
ويداوي مرض الوحدة ... بالصبر الجميل
لا يماري أحدا ما ... عاش في قال وقيل
يلزم الصمت فان الصمت ... تهذيب العقول
يذر الكبر لأهل الكبر ... ويرضى بالخمول
أي عيش لامرئ ... يصبح في حال ذليل
بين قصد من عدو ... ومداراة جهول
واعتلال من صديق ... وتجنى من ملول
واحتراس من ظنون السوء ... مع عذل العذول
ومقاسات بغيض ... ومداناة ثقيل
أف من معرفة الناس ... على كل سبيل
وتمام الأمر لا يعرف ... سمحا من بخيل
فإذا أكمل هذا كان ... في ظل ظليل
أبو الحسين الهاشمي، من ولد على بن المهدي، كان شاعرا خليعا ظريفا، وكان ينوب في نقابة الهاشميين. فترافع إليه رجل اسمه علي وامرأة اسمها عائشة يتحاكمان في جمل فقال هذه قضية لا أحكم فيها بشيء لئلا يعود الحال خدعة. ومن مستجاد شعره ولطيف قوله:
في وجه إنسانة كلفت بها ... أربعة ما اجتمعن في أحد
الوجه بدر، والصدغ غالية ... والريق خمر، والثغر من برد
وله في قوله وقد دخل حماما فسرق نعليه فعاد إلى منزله حافيا فقال:
إليك أذم حمام ابن موسى ... وإن فاق المنى طيبا وحرا
تكاثرت اللصوص عليه حتى ... ليحفى من يطيف به ويعرى
ولم أفقد به ثوبا ولكن ... دخلت محمدا وخرجت بشرا
أبو الفتح القواس، سمع البغوي وابن أبي داود وابن صاعد وغيرهم، وعنه الخلال والعشاري والبغدادي والتنوخي وغيرهم، وكان ثقة ثبتا، يعد من الأبدال. قال الدار قطنى: كنا نتبرك به وهو صغير. توفى لثلاث بقين من ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة، ودفن بباب حرب.
السيرافي أبو محمد النحوي، وهو الذي تمم شرح أبيه لكتاب سيبويه، وكان يرجع إلى علم ودين وكانت وفاته في ربيع الأول منها عن خمس وخمسين سنة.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
