ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة
ص 311
فيها عظم الخطب بأمر العيارين، عاثوا ببغداد فسادا وأخذوا الأموال والعملات الثقال ليلا ونهارا، وحرقوا مواضع كثيرة، وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشرط فلم يفد ذلك شيئا ولا فكروا في الدولة، بل استمروا على ما هم عليه من أخذ الأموال، وقتل الرجال، وإرعاب النساء والأطفال، في سائر المحال. فلما تفاقم الحال بهم تطلبهم السلطان بهاء الدولة وألح في طلبهم فهربوا
بين يديه واستراح الناس من شرهم. وأظن هذه الحكايات التي يذكرها بعض الناس عن أحمد الدنف عنهم، أو كان منهم والله أعلم.
وفي ذي القعدة عزل الشريف الموسوي وولداه عن نقابة الطالبيين. وفيها رجع ركب العراق من أثناء الطريق بعد ما فاتهم الحج، وذلك أن الأصيفر الأعرابي الذي كان قد تكفل بحراستهم اعترض لهم في الطريق وذكر لهم أن الدنانير التي أقطعت له من دار الخلافة كانت دراهم مطلية، وأنه يريد من الحجيج بدلها وإلا لا يدعهم يتجاوزوا هذا المكان، فمانعوه وراجعوه، فحبسهم عن السير حتى ضاق الوقت ولم يبق فيه ما يدركوا فيه الحج فرجعوا إلى بلادهم، ولم يحج منهم أحد، وكذلك ركب الشام وأهل اليمن لم يحج منهم أحد، وإنما حج أهل مصر والمغرب خاصة. وفي يوم عرفة قلد الشريف أبو الحسين الزينبي محمد بن علي بن أبي تمام الزينبي نقابة العباسيين، وقرئ عهده بين يدي الخليفة بحضرة القضاة والأعيان.
وفيها توفى من الأعيان
ص 312
الصابئي الكاتب المشهور صاحب التصانيف، وهو:
إبراهيم بن هلال
ص 312
ابن إبراهيم بن زهرون بن حبون أبو إسحاق الحراني كاتب الرسائل للخليفة ولمعز الدولة بن بويه، كان على دين الصابئة إلى أن مات عليه، وكان مع هذا يصوم رمضان ويقرأ القرآن من حفظه، وكان يحفظه حفظا حسنا، ويستعمل منه في الرسائل، وكانوا يحرضون عليه أن يسلم فلم يفعل، وله شعر جيد قوى. توفى في شوال منها وقد جاوز السبعين، وقد رثاه الشريف الرضي وقال: إنما رثيت فضائله، وليس له فضائل ولا هو أهل لها ولا كرامة.
عبد الله بن محمد
ص 312
ابن نافع بن مكرم أبو العباس البستي الزاهد، ورث من آبائه أموالا كثيرة فأنفقها كلها في وجوه الخير والقرب، وكان كثير العبادة، يقال إنه مكث سبعين سنة لم يستند إلى حائط ولا إلى شيء، ولا اتكأ على وسادة، وحج من نيسابور ماشيا حافيا، ودخل الشام وأقام ببيت المقدس شهورا، ثم دخل مصر وبلاد المغرب، وحج من هناك ثم رجع إلى بلاده بست، وكان له بها بقية أموال وأملاك فتصدق بها كلها، ولما حضرته الوفاة جعل يتألم ويتوجع، فقيل له في ذلك فقال: أرى بين يدي أمورا هائلة، ولا أدرى كيف أنجو منها. توفى في المحرم من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، وليلة موته رأت امرأة أمها بعد موتها وعليها ثياب حسان وزينة فقالت: يا أمه ما هذه الزينة؟
فقالت: نحن في عيد لأجل قدوم عبيد الله بن محمد الزاهد البستي علينا رحمه الله تعالى.
على بن عيسى بن عبيد الله
ص 313
أبو الحسن النحوي المعروف بالرماني، روى عن ابن دريد، وكانت له يد طولى في النحو واللغة والمنطق والكلام، وله تفسير كبير وشهد عند ابن معروف فقبله، وروى عنه التنوخي والجوهري، قال ابن خلكان: والرماني نسبة إلى بيع الرماني أو إلى قصر الرمان بواسط، توفي عن ثمان وثمانين سنة ودفن في الشونيزية عند قبر أبى على الفارسي.
محمد بن العباس بن أحمد بن القزاز
ص 313
أبو الحسن الكاتب المحدث الثقة المأمون. قال الخطيب: كان ثقة، كتب الكثير وجمع ما لم يجمعه أحد في وقته، بلغني أنه كتب مائة تفسير ومائة تاريخ، وخلف ثمانية عشر صندقا مملوءة كتبا أكثرها بخطه سوى ما سرق له، وكان حفظه في غاية الصحة، ومع هذا كان له جارية تعارض معه- أي تقابل ما يكتبه- رحمه الله تعالى.
محمد بن عمران بن موسى بن عبيد الله
ص 313
أبو عبد الله الكاتب المعروف بابن المرزبان، روى عن البغوي وابن دريد وغيرهما، وكان صاحب اختيار وآداب، وصنف كتبا كثيرة في فنون مستحسنة، وهو مصنف كتاب تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، وكان مشايخه وغيرهم يحضرون عنده ويبيتون في داره على فرش وأطعمة وغير ذلك، وكان عضد الدولة إذا اجتاز بداره لا يجوز حتى يسلم عليه، وكان يقف حتى يخرج إليه، وكان أبو على الفارسي يقول عنه: هو من محاسن الدنيا. وقال العقيقي: كان ثقة. وقال الأزهري: ما كان ثقة. وقال ابن الجوزي: ما كان من الكذابين وإنما كان فيه تشيع واعتزال ويخلط السماع بالإجازة، وبلغ الثمانين سنة رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.