الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
49

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة

الجزء العاشر 3 عنصر صفحة 161
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة ص 161

فيها توفى بالبصرة محمد بن سليمان فأمر الرشيد بالاحتياط على حواصله التي تصلح للخلفاء، فوجدوا من ذلك شيئا كثيرا من الذهب والفضة والأمتعة وغير ذلك، فنضدوه ليستعان به على الحرب وعلى مصالح المسلمين. وهو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وأمه أم حسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي، وكان من رجالات قريش وشجعانهم. جمع له المنصور بين البصرة والكوفة، وزوجه المهدي ابنته العباسة، وكان له من الأموال شيء كثير، كان دخله في كل يوم مائة ألف. وكان له خاتم من ياقوت أحمر لم ير مثله. وروى الحديث عن أبيه عن جده الأكبر،

وهو حديث مرفوع في مسح رأس اليتيم إلى مقدم رأسه، ومسح رأس من له أب إلى مؤخر رأسه.

وقد وفد على الرشيد فهنأه بالخلافة فأكرمه وعظمه وزاده في عمله شيئا كثيرا. ولما أراد الخروج خرج معه الرشيد يشيعه إلى كلواذا. توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة، وقد أرسل الرشيد من اصطفى من ماله الصامت فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ستة آلاف ألف، خارجا عن الأملاك.

وقد ذكر ابن جرير أن وفاته ووفاة الخيزران في يوم واحد، وقد وقفت جارية من جواريه على قبره فأنشأت تقول:

أمسى التراب لمن هويت مبيتا ... الق التراب فقل له حييتا

إنا نحبك يا تراب وما بنا ... إلا كرامة من عليه حثيتا

وفيها توفيت الخيزران جارية المهدي وأم أمير المؤمنين الهادي والرشيد، اشتراها المهدي وحظيت عنده جدا ثم أعتقها وتزوجها وولدت له خليفتين: موسى الهادي والرشيد. ولم يتفق هذا لغيرها من النساء إلا الولادة بنت العباس العبسية، زوجة عبد الملك بن مروان، وهي أم الوليد وسليمان. وكذلك لشاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد، ولدت لمولاها الوليد بن عبد الملك: مروان وإبراهيم. وكلاهما ولي الخلافة. وقد روي من طريق الخيزران عن مولاها المهدي عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اتقى الله وقاه كل شيء» . ولما عرضت الخيزران على المهدي ليشتريها أعجبته إلا دقة في ساقيها، فقال لها: يا جارية إنك لعلى غاية المنى والجمال لولا دقة ساقيك وخموشهما. فقالت: يا أمير المؤمنين إنك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما. فاستحسن جوابها واشتراها وحظيت عنده جدا. وقد حجت الخيزران مرة في حياة المهدي فكتب: إليها وهي بمكة يستوحش لها ويتشوق إليها بهذا الشعر: -

نحن في غاية السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور

عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غيب ونحن حضور

فأجدوا في السير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا

فأجابته أو أمرت من أجابه:

قد أتانا الذي وصفت من الشوق ... فكدنا وما قدرنا نطير

ليت أن الرياح كن يؤدين ... إليكم ما قد يكن الضمير

لم أزل صبة فإن كنت بعدي ... في سرور فدام ذاك السرور

وذكروا أنه أهدى إليها محمد بن سليمان نائب البصرة الذي مات في اليوم الذي ماتت فيه مائة

وصيفة، مع كل وصيفة جام من فضة مملوء مسكا. فكتبت إليه: إن كان ما بعثته ثمنا عن ظننا فيك فظننا فيك أكثر مما بعثت، وقد بخستنا في الثمن، وإن كنت تريد به زيادة المودة فقد اتهمتنى في المودة. وردت ذلك عليه. وقد اشترت الدار المشهورة بها بمكة المعروفة بدار الخيزران، فزادتها في المسجد الحرام.

وكان مغل ضياعها في كل سنة ألف ألف وستين ألفا. واتفق موتها ببغداد ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة. وخرج ابنها الرشيد في جنازتها وهو حامل سريرها يخب في الطين. فلما انتهى إلى المقبرة أتي بماء فغسل رجليه ولبس خفا وصلى عليها، ونزل لحدها. فلما خرج من القبر أتي بسرير فجلس عليه واستدعى بالفضل بن الربيع فولاه الخاتم والنفقات. وأنشد الرشيد قول ابن نويرة حين دفن أمه الخيزران:

وكنا كندماني جذيمة برهة ... من الدهر حتى قيل له يتصدعا

فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

غادر ص 163

جارية كانت لموسى الهادي، كان يحبها حبا شديدا جدا، وكانت تحسن الغناء جدا، فبينما هي يوما تغنيه إذ أخذته فكرة غيبته عنها وتغير لونه، فسأله بعض الحاضرين: ما هذا يا أمير المؤمنين؟

فقال: أخذتني فكرة أنى أموت وأخى هارون يتولى الخلافة بعدي ويتزوج جاريتي هذه. ففداه الحاضرون ودعوا له بطول العمر. ثم استدعى أخاه هارون فأخبره بما وقع فعوذه الرشيد من ذلك، فاستحلفه الهادي بالأيمان المغلظة من الطلاق والعتاقو والحج ماشيا حافيا أن لا يتزوجها، فحلف له واستحلف الجارية كذلك فحلفت له، فلم يكن إلا أقل من شهرين حتى مات، ثم خطبها الرشيد فقالت: كيف بالايمان التي حلفناها أنا وأنت؟ فقال: إني أكفر عنى وعنك. فتزوجها وحظيت عنده جدا، حتى كانت تنام في حجره فلا يتحرك خشية أن يزعجها. فبينما هي ذات ليلة نائمة إذ انتبهت مذعورة تبكي، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين رأيت الهادي في منامي هذا وهو يقول:

أخلفت عهدي بعد ما ... جاورت سكان المقابر

ونسيتني وحنثت في ... أيمانك الكذب الفواجر

ونكحت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر

أمسيت في أهل البلى ... وعددت في الموتى الغوابر

لا يهنك الإلف الجدي ... د ولا تدر عنك الدوائر

ولحقت بي قبل الصبا ... ح وصرت حيث غدوت صائر

فقال لها الرشيد: أضغاث أحلام. فقالت: كلا والله يا أمير المؤمنين، فكأنما كتبت هذه الأبيات في قلبي. ثم ما زالت ترتعد وتضطرب حتى ماتت قبل الصباح. وفيها ماتت:

هيلانة ص 164

جارية الرشيد، وهو الذي سماها هيلانة لكثرة قولها هي لانة. قال الأصمعي: وكان لها محبا، وكانت قبله لخالد بن يحيى بن برمك، فدخل الرشيد يوما منزله قبل الخلافة فاعترضته في طريقه وقالت: أما لنا منك نصيب؟ فقال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ فقالت: استوهبني من هذا الشيخ. فاستوهبها من يحيى بن خالد فوهبها له وحظيت عنده، ومكثت عنده ثلاث سنين ثم توفيت فحزن عليها حزنا شديدا ورثاها وكان من قوله فيها: -

قد قلت لما ضمنوك الثرى ... وجالت الحسرة في صدري

اذهب فلاق الله لا سرني ... بعدك شيء آخر الدهر

وقال العباس بن الأحنف في موتها:

يا من تباشرت القبور بموتها ... قصد الزمان مساءتي فرماك

أبغي الأنيس فما أرى لي مؤنسا ... إلا التردد حيث كنت أراك

قال: فأمر له الرشيد بأربعين ألفا، لكل بيت عشرة آلاف، فالله أعلم.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.