الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / زاد المعاد في هدي خير العباد / الجزء الخامس / ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحداد المعتدة نفيا وإثباتا
285

ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحداد المعتدة نفيا وإثباتا

الجزء الخامس 1 عنصر صفحة 614
ص 614

ثبت في " الصحيحين ":، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب: دخلت على أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة رضي الله عنها بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر ( «لا

يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» )

قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر ( «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» )

قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة رضي الله عنها تقول ( «جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن بنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا " مرتين، أو ثلاثا، كل ذلك يقول " لا "، ثم قال إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» )

فقالت زينب: ( «كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا، ولا شيئا، حتى يمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار، أو شاة، أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب، أو غيره.» ) قال مالك: تفتض تمسح به جلدها.

وفي " الصحيحين ": ( «، عن أم سلمة رضي الله عنها أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على عينها فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال:

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد كانت إحداكن تكون في شر بيتها، أو في شر أحلاسها في بيتها حولا، فإذا مر كلب رمت ببعرة فخرجت، أفلا أربعة أشهر وعشرا» )

وفي " الصحيحين "، عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «قال: لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط، أو أظفار» )

وفي " سنن أبي داود ": من حديث الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تكتحل، ولا تختضب» )

وفي " سننه " أيضا: من حديث ابن وهب أخبرني مخرمة، عن أبيه قال سمعت المغيرة بن الضحاك يقول أخبرتني أم حكيم بنت أسيد، عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء.

قال أحمد بن صالح رحمه الله: الصواب بكحل الجلاء ( «فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة رضي الله عنها فسألتها عن كحل الجلاء فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك

فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبرا فقال " ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب. فقال " إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب " قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال " بالسدر تغلفين به رأسك» )

وقد تضمنت هذه السنة أحكاما عديدة. أحدها: أنه لا يجوز الإحداد على ميت فوق ثلاثة أيام كائنا من كان إلا الزوج وحده.

وتضمن الحديث الفرق بين الإحدادين من وجهين.

أحدهما: من جهة الوجوب والجواز، فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز.

الثاني: من مقدار مدة الإحداد، فالإحداد على الزوج عزيمة وعلى غيره رخصة، وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا ما حكي عن الحسن والحكم بن عتيبة.

أما الحسن فروى حماد بن سلمة، عن حميد عنه (أن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتمتشطان وتتطيبان وتختضبان وتنتقلان وتصنعان ما شاءتا) وأما الحكم فذكر عنه شعبة: (أن المتوفى عنها لا تحد)

قال ابن حزم: واحتج أهل هذه المقالة، ثم ساق من طريق أبي الحسن محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثنا الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال لامرأة جعفر بن أبي طالب: ( «إذا كان ثلاثة أيام فالبسي ما شئت، أو إذا كان بعد ثلاثة أيام» ) شعبة شك.

ومن طريق حماد بن سلمة حدثنا الحجاج بن أرطاة، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد ( «أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تبكي على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام، ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي» )

قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد لأنه بعدها، فإن أم سلمة رضي الله عنها روت حديث الإحداد وأنه صلى الله عليه وسلم أمرها به إثر موت أبي سلمة، ولا خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر رضي الله عنهما.

وأجاب الناس عن ذلك بأن هذا حديث منقطع، فإن عبد الله بن شداد بن الهاد لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآه، فكيف يقدم حديثه على الأحاديث الصحيحة المسندة التي لا مطعن فيها؟ وفي الحديث الثاني: الحجاج بن أرطاة، ولا يعارض بحديثه حديث الأئمة الأثبات الذين هم فرسان الحديث.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة (نسخة مكتبة المنار الإسلامية) لكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية (نفس تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط المعتمد في المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.