الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الشفا بتعريف حقوق المصطفى / الجزء الثاني / الباب الأول في ما يختص بالأمور الدينية والكلام في عصمة نبينا عليه الصلاة والسلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وفيه ستة عشر فصلا
7

الباب الأول في ما يختص بالأمور الدينية والكلام في عصمة نبينا عليه الصلاة والسلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وفيه ستة عشر فصلا

الجزء الثاني 17 عنصر صفحة 227
تمهيد ص 228

قال القاضي أبو الفضل وفقه الله

إعلم أن الطواريء من التغيرات والافات على آحاد البشر لا يخلو أن تطرأ على جسمه، أو على حواسه بغير قصد واختيار، كالأمراض والأسقام، أو تطرأ بقصد واختيار.. وكله في الحقيقة عمل وفعل.. ولكن جرى رسم المشايخ بتفصيله إلى ثلاثة أنواع:

عقد بالقلب.. وقول باللسان، وعمل بالجوارح. وجميع البشر تطرأ عليهم الآفات والتغيرات بالاختيار وبغير الاختيار في هذه الوجوه كلها.. والنبي صلى الله عليه وسلم- وإن كان من البشر. ويجوز على جبلته ما يجوز على جبلة البشر- فقد قامت البراهين القاطعة، وتمت كلمة الإجماع على خروجه عنهم، وتنزيهه عن كثير من الافات التي تقع على الاختيار.. وعلى غير الاختيار، كما سنبينه إن شاء الله تعالى فيما نأتي به من التفاصيل.

الفصل الأول في حكم عقد قلب النبي صلى الله عليه وسلم من وقت نبوته ص 229

اعلم منحنا الله وإياك توفيقه أن ما تعلق منه بطريق التوحيد والعلم بالله وصفاته، والإيمان به وبما أوحي إليه، فعلى غاية المعرفة، ووضوح العلم واليقين، والانتفاء عن الجهل بشيء من ذلك، أو الشك أو الريب فيه، والعصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك.. واليقين..

هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه.

ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه.

ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم عليه السلام: «قال:

بلى ولكن ليطمئن قلبي.. «1» إذ لم يشك إبراهيم في إخبار الله تعالى له بإحياء الموتى.. ولكن إرادة طمأنينة القلب،

وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء.. فحصل له العلم الأول بوقوعه وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته.

الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السلام إنما أراد اختبار منزلته عند ربه.. وعلم إجابته «1» دعوته بسؤال ذلك من ربه..

ويكون «2» قوله تعالى «أولم تؤمن «3» » أي تصدق بمنزلتك مني وخلتك واصطفائك.

الوجه الثالث: أنه سأل زيادة يقين، وقوة طمأنينة. وإن لم يكن في الأول شك.. إذ العلوم الضرورية «4» ، والنظرية «5» ، قد تتفاضل في قوتها، وطريان الشكوك على الضروريات ممتنع، ومجوز «6» في النظريات فأراد الانتقال من النظر أو الخبر إلى المشاهدة والترقي من علم القين إلى عين اليقين.. فليس الخبر كالمعاينة.

ولهذا قال سهل «7» بن عبد الله «سأل كشف غطاء العيان، ليزداد بنور اليقين تمكنا في حاله» .

الوجه الرابع: أنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيي ويميت طلب ذلك من ربه ليصبح احتجاجه عيانا..

الوجه الخامس قول بعضهم: هو سؤال عن طريق الأدب..

المراد: أقدرني على إحياء الموتى.. وقوله «ليطمئن قلبي» عن هذه الأمنية..

الوجه السادس: أنه أرى من نفسه الشك وما شك.. لكن ليجاوب «1» فيزداد قربه «2» .

وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم..»

نفي «3» لأن يكون إبراهيم شك.. وإبعادا للخواطر الضعيفة أن تظن هذا بإبراهيم.. أي نحن موقنون بالبعث وإحياء الله الموتى.. فلو شك إبراهيم لكنا أولى بالشك منه.. إما عن طريق الأدب.. أو أن يريد أمته الذين يجوز عليهم الشك.. أو على طريق التواضع والإشفاق إن حملت قصة إبراهيم على اختبار حاله أو زيادة يقينه..

فإن قلت: فما معنى قوله: «فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك «1» » الآيتين.

فاحذر- ثبت الله قلبك- أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن عباس «2» أو غيره من إثبات شك للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي إليه.. وأنه من البشر!!

فمثل هذا لا يجوز عليه جملة..

بل قد قال «3» ابن عباس: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل.

ونحوه عن ابن جبير «4» والحسن «5» .

وحكى «6» قتادة «7» : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أشك «8» ولا أسأل.. وعامة المفسرين على هذا.

واختلفوا في معنى الآية فقيل المراد.. قل يا محمد للشاك إن كنت في شك.. الاية..

قالوا: وفي السورة نفسها ما دل على هذا التأويل.

قوله «قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني «1» » الآية وقيل: المراد بالخطاب العرب وغير النبي صلى الله عليه وسلم.

كما قال «لئن أشركت ليحبطن عملك «2» » الآية. الخطاب له والمراد غيره.

ومثله «فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء» »

ونظيره كثير.

قال بكر «4» بن العلاء: ألا تراه يقول «ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله «5» » الآية.. وهو صلى الله عليه وسلم كان المكذب فيما يدعو إليه، فكيف يكون ممن كذب به!!.

فهذا كله يدل على أن المراد بالخطاب غيره..

ومثل هذه الآية قوله: «الرحمن فسئل به خبيرا «6» » .

المأمور ههنا غير النبي صلى الله عليه وسلم ليسأل النبي، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الخبير المسؤول، لا المستخبر السائل.

وقال: إن هذا الشك الذي أمر به غير النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال

الذين يقرؤون الكتاب إنما هو فيما قصه الله من أخبار الأمم..

لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة

ومثل هذا قوله تعالى: «وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا.. «1» » الاية المراد المشركون والخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه وسلم قاله القتبي «2» ..

وقيل معناه.. سلنا عمن أرسلنا من قبلك. فحذف الخافض وتم الكلام.. ثم ابتدأ «أجعلنا من دون الرحمن.. «3» »

إلى آخر الآية على طريق الإنكار.. أي ما جعلنا.. حكاه مكي «4» ..

وقيل: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الأنبياء ليلة الإسراء عن ذلك.. فكان أشد يقينا من أن يحتاج إلى السؤال.. فروي أنه قال لا أسأل قد اكتفيت «5» قاله ابن زيد «6» .

وقيل: سل امم من أرسلنا.. هل جاؤوهم بغير التوحيد وهو معنى قول مجاهد «1» ، والسدي «2» ، والضحاك «3» ، وقتادة «4» ، والمراد بهذا بهذا والذي قبله إعلامه صلى الله عليه وسلم بما بعثت به الرسل وأنه تعالى لم يأذن في عبادة غيره لأحد.. ردا على مشركي العرب وغيرهم في قولهم «إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى «5» » . وكذلك.

قوله تعالى: «والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين.. «6» أي في علمهم بأنك رسول الله.. وإن لم يقروا بذلك وليس المراد به شكه فيما ذكر في أول الآية.. وقد يكون أيضا على مثل ما تقدم.

أي قل يا محمد لمن امترى في ذلك: لا تكونن من الممترين.

بدليل قوله أول الآية «أفغير الله أبتغي حكما. «7» »

الاية وأن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بذلك غيره..

وقيل: هو تقرير كقوله «أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله.. «1» » وقد علم أنه لم يقل.

وقيل: معناه.. ما كنت في شك.. فاسأل تزدد طمأنينة وعلما إلى علمك ويقينك.

وقيل: إن كنت تشك فيما شرفناك وفضلناك به فاسألهم عن صفتك في الكتب ونشر فضائلك..

وحكي عن أبي عبيدة «2» : أن المراد.. إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا. فإن قيل فما معنى قوله «حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا «3» » على قراءة التخفيف «4» .

قلنا: المعنى في ذلك ما قالته عائشة «5» رضي الله عنها..

معاذ الله أن تظن ذلك الرسل بربها.. وإنما معنى ذلك أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من أتباعهم

كذبوهم «1» .. وعلى هذا أكثر المفسرين.

وقيل: إن ضمير ظنوا عائد على الأتباع والأمم لا على الأنبياء والرسل. وهو قول ابن عباس «2» ، والنخعي «3» وابن جبير «4» ، وجماعة من العلماء..

وبهذا المعنى قرأ مجاهد «5» : «كذبوا» فلا تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء، فكيف بالأنبياء!! وكذلك ما ورد في حديث السيرة ومبدإ الوحي من قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة «6» : «لقد خشيت على نفسي «7» » ليس معناه الشك فيما آتاه الله بعد رؤية الملك، ولكن لعله خشي أن لا تحتمل قوته مقاومة

الملك وأعباء الوحي.. فينخلع قلبه، أو تزهق نفسه.

هذا على ما ورد في الصحيح أنه قاله بعد لقائه الملك أو يكون ذلك قبل لقائه، واعلام الله تعالى له بالنبوة لأول ما عرضت عليه من العجائب، وسلم عليه الحجر والشجر، وبدأته المنامات والتباشير.

كما روي في بعض طرق هذا الحديث: أن ذلك كان أولا في في المنام، ثم أري في اليقظة مثل ذلك تأنيسا له عليه السلام، لئلا يفجأه الأمر مشاهدة ومشافهة، فلا يحمله لأول حالة بنية البشرية.

وفي الصحيح عن عائشة «1» رضي الله عنها «2» : «أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة «3» . قالت.. ثم حبب إليه الخلاء.. وقالت إلى أن جاءه الحق وهو في غار حراء»

وعن»

ابن عباس «5» مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت «6» ، ويرى: الضوء «7» سبع سنين، ولا يرى

شيئا وثماني سنين يوحى اليه «1» ..

وقد روى «2» ابن اسحق «3» عن بعضهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

- وذكر جواره بغار حراء- قال: «فجاءني «4» وأنا نائم فقال اقرأ..

فقلت ما أقرأ..» وذكر نحو حديث عائشة في غطه «5» له واقرائه له «اقرأ باسم ربك «6» » السورة قال: فانصرف عني.. وهببت من نومي «7» كأنما صورت في قلبي، ولم يكن أبغض إلي من شاعر أو مجنون، قلت: لا تحدث «8» عني قريش بهذا أبدا..

لأعمدن إلى حالق «9» من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها..

فبينا أنا عامد لذلك، إذ سمعت مناديا ينادي من السماء: يا محمد..

أنت رسول الله وأنا جبريل.. فرفعت رأسي فإذا جبريل على صورة رجل.. وذكر الحديث..

فقد بين في هذا أن قوله لما قال، وقصده لما قصد، إنما كان قبل لقاء جبريل عليهما السلام، وقيل إعلام الله تعالى له بالنبوة، وإظهاره واصطفائه له بالرسالة.

ومثله حديث عمرو «1» بن شرحبيل أنه صلى الله عليه وسلم «2» قال لخديجة «3» :

«إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون هذا لأمر «4» » .

ومن رواية حماد «5» بن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم «6» قال لخديجة «3» :

«إني لأسمع صوتا، وأرى ضوآ، وأخشى أن يكون بي جنون وعلى هذا يتأول- لو صح قوله في بعض هذه الأحاديث- أن

الملك يا ابن عم فاثبت وأبشر. وآمنت به. فهذا يدل على أنها مستثبتة بما فعلته لنفسها، ومستظهرة لإيمانها لا للنبي صلى الله عليه وسلم.

وقول معمر «1» في فترة الوحي «2» : فحزن النبي صلى الله عليه وسلم- فيما بلغنا- حزنا غدا منه «3» مرارا كي يتردى من شواهق الجبال..

ولا يقدح في هذا الأصل لقول معمر عنه- فيما بلغنا- ولم يسنده ولا ذكر رواته، ولا من حدث «4» به، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، ولا يعرف مثل هذا «5» إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم «6» ، مع «7» أنه قد يحمل على أنه كان أول الأمر كما ذكرناه، أو أنه فعل ذلك لما أخرجه من تكذيب من بلغه.

كما قال تعالى: «فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا «8» » .

ويصحح معنى هذا التأويل حديث رواه «9» شريك «10» عن

عبد الله «1» بن محمد بن عقيل عن جابر «2» بن عبد الله:

أن المشركين لما اجتمعوا بدار الندوة «3» للتشاور في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق رأيهم على أن يقولوا إنه ساحر.. اشتد ذلك عليه وتزمل في ثيابه وتدثر فيها.. فأتاه جبريل فقال: يا أيها المزمل يا أيها المدثر» .

أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب منه فخشي أن تكون عقوبة من ربه، ففعل ذلك بنفسه.. ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به ونحو هذا فرار يونس عليه السلام خشية تكذيب قومه له لما وعدهم به من العذاب.

وقول الله في يونس: «فظن أن لن نقدر عليه «5» » معناه أن لن نضيق عليه

فأستغفر الله كل «1» يوم مئة مرة» - وفي طريق «2» - «في اليوم أكثر من سبعين مرة» .

فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريبا وقع في قلبه صلى الله عليه وسلم، بل أصل الغين في هذا ما يتغشى القلب ويغطيه، قاله أبو عبيد «3» - وأصله من «غين السماء» وهو إطباق الغيم عليها

وقال غيره «والغين» شيء يغشي القلب ولا يغطيه كل التغطية كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس..

وكذلك لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مئة مرة أو اكثر من سبعين في اليوم.. إذ ليس يقتضيه لفظه الذي ذكرناه، وهو أكثر الروايات.. وإنما هذا عدد للاستغفار لا للغين. فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه، وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر، ومشاهدة الحق، بما كان صلى الله عليه وسلم دفع إليه من مقاساة البشر، وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، ومقاومة الولي، والعدو، ومصلحة النفس، وما كلفه من أعباء أداء الرسالة، وحمل الأمانة.. وهو في كل هذا في طاعة ربه،

وعبادة خالقه.. ولكن لما كان صلى الله عليه وسلم أرفع الخلق عند الله مكانة، وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حاله عند خلوص قلبه، وخلو همه، وتفرده بربه، واقباله بكليته، ومقامه هنالك أرفع حاليه «1» .. رأى صلى الله عليه وسلم حال فترته عنها، وشغله بسواها، غضا «2» من علي حاله، وخفضا من رفيع مقامه، فاستغفر الله من ذلك.. هذا أولى وجوه الحديث وأشهرها.

وإلى معنى ما أشرنا به مال كثير من الناس، وحام حوله..

فقارب ولم يرد «3» .. وقد قربنا غامض معناه.. وكشفنا للمستفيد محياه «4» .. وهو مبني على جواز الفترات والفضلات، والسهو في غير طريق البلاغ على ما سيأتي..

إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله، وذلك لا يجوز على الأنبياء.. والمقصود وعظهم أن لا يتسبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين.

كما قال: «إني أعظك» وليس في آية منها دليل على كونهم على تلك الصفة التي نهاهم عن الكون عليها.. فكيف وآية نوح قبلها «فلا تسئلن ما ليس لك به علم» «1» فحمل ما بعدها على ما قبلها أولى، لأن مثل هذا قد يحتاج إلى إذن، وتجوز إباحة السؤال فيه ابتداء، فنهاه الله أن يسأله عما طوى عنه علمه، واكنه في غيبه من السبب الموجب لهلاك ابنه.. ثم أكمل الله تعالى نعمته عليه بإعلامه ذلك بقوله «إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح «1» » حكاه معناه مكي «2» .

كذلك أمر نبينا في الآية الأخرى بالتزام الصبر على إعراض قومه ولا يحرج عند ذلك فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر..

حكاه أبو بكر «3» بن فورك.. وقيل معنى الخطاب لأمة محمد.

أي فلا تكونوا من الجاهلين حكاه مكي «1» وقال مثله في القرآن كثير.

فبهذا الفصل وجب القول بعصمة الأنبياء منه بعد النبوة قطعا.

فإن قلت: فإذا قررت عصمتهم من هذا وأنه لا يجوز عليهم شيء من ذلك.. فما معنى إذا وعيد الله لنبينا صلى الله عليه وسلم على ذلك إن فعله وتحذيره منه.

كقوله «لئن أشركت ليحبطن عملك «2» » الآية.

وقوله تعالى: «ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك.. «3» » الآية.

وقوله تعالى: «إذا لأذقناك ضعف الحياة.. «4» » الاية.

وقوله: «لأخذنا منه باليمين «5» » و «إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله «6» .

وقوله: «اتق الله ولا تطع الكافرين «1» » .

فليس فيه أنه أطاعهم.. والله ينهاه عما يشاء ويأمره بما يشاء كما قال: «ولا تطرد الذين يدعون ربهم «2» » الآية.

وما كان طردهم صلى الله عليه وسلم، ولا كان من الظالمين.

الفصل الثاني عصمتهم من هذا قبل النبوة ص 256

وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكيك «1» في شيء من ذلك.

وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان.. بل على إشراق أنوار المعارف، ونفحات ألطاف السعادة، كما نبهنا عليه في الباب الثاني من القسم الأول من كتابنا هذا ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبيء «2» واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك. ومستند هذا الباب النقل

وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن «3» كانت هذه سبيله

وأنا أقول: إن قريشا قد رمت نبينا بكل ما افترته.. وعير كفار الأمم أنبياءها «1» بكل ما أمكنها «2» واختلقته مما نص الله تعالى عليه.. أو نقلته إلينا الرواة.. ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته، وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه.

ولو كان هذا.. لكانوا بذلك مبادرين وبتلونه «3» في معبوده محتجين.. ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع «4» وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل..

ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه.. إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه.. كما لم يسكتوا عن «5» تحويل القبلة وقالوا: «ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها «6» » كما حكاه الله عنهم.

وقد استدل القاضي القشيري «1» على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى: «وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك «2» » الآية وبقوله تعالى: «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين.. «3» » إلى قوله «لتؤمنن به ولتنصرنه..»

قال فطهره الله في الميثاق.. وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه.. ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب، هذا ما لا يجوزه إلا ملحد.. هذا معنى كلامه.. وكيف يكون»

ذلك وقد أتاه جبريل عليه السلام «5» ، وشق قلبه صغيرا، واستخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله وملأه حكمة وإيمانا، كما تظاهرت به أخبار المبدأ.. ولا يشبه عليه بقول إبراهيم..

في الكواكب والقمر والشمس هذا ربي.

فإنه قد قيل: كان هذا في سن الطفولية «1» وابتداء النظر والاستدلال وقبل لزوم التكليف.

وذهب معظم الحذاق «2» من العلماء والمفسرين إلى أنه إنما قال ذلك مبكتا «3» لقومه، ومستدلا عليهم.

وقيل معناه: الاستفهام الوارد مورد الافكار.. والمراد فهذا ربي!

قال الزجاج «4» : قوله «هذا ربي» أي على قولكم «5» .. كما قال «أبن شركائي» «6» : أي عندكم.

ويدل على أنه لم يعبد شيئا من ذلك، ولا أشرك قط بالله

طرفة عين قول الله عز وجل عنه.

«إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون «1» » ؟ .. ثم قال:

«أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين «2» » .

وقال: «إذ جاء ربه بقلب سليم «3» أي من الشرك..

وقوله: «واجنبني وبني أن نعبد الأصنام «4» » .

فإن قلت: فما معنى قوله: «لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين «5» ؟

قيل: إنه إن لم يؤيدني بمعونته أكن مثلكم في ضلالتكم وعبادتكم على معنى الإشفاق والحذر، وإلا فهو معصوم في الأزل من الضلال.

فإن قلت: فما معنى قوله «وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا «6» »

ثم قال بعد عن الرسل: «قد افترينا على الله كذبا إن عدنا

في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها «1» » .

فلا يشكل عليك لفظة العود وأنها تقتضي أنهم إنما يعودون إلى ما كانوا فيه من ملتهم.

فقد تأتي هذه اللفظة في كلام العرب لغير ما ليس له ابتداء، بمعنى الصيرورة، كما جاء في حديث الجهنميين «2» عادوا حمما «3» ، ولم يكونوا قبل كذلك.

ومثله قول الشاعر «4» :

تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

وما كانا قبل كذلك..

فإن قلت: فما معنى قوله «ووجدك ضالا فهدى «5» » ؟ فليس

هو من الضلال الذي هو الكفر..

قيل: ضالا عن النبوة، فهداك إليها.. قاله الطبري «1» .

وقيل: وجدك بين أهل الضلال فعصمك من ذلك، وهداك للإيمان وإلى إرشادهم.

ونحوه عن السدي «2» وغير واحد.

وقيل: ضالا عن شريعتك أي لا تعرفها «3» . فهداك إليها.

و «الضلال» ههنا التحير. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه ويتشرع به حتى هداه الله إلى الإسلام قال معناه القشيري «4» .

وقيل: لا تعرف الحق فهداك إليه..

وهذا مثل قوله تعالى: «وعلمك ما لم تكن تعلم

«5» قاله علي «6» بن عيسى.

قال ابن عباس «1» لم تكن له ضلالة معصية.

وقيل: «هدى» أي بين أمرك بالبراهين.

وقيل: وجدك ضالا بين مكة والمدينة فهداك إلى المدينة.

وقيل: المعنى: وجدك فهدى بك ضالا.

وعن جعفر «2» بن محمد: ووجدك ضالا عن محبتي لك في الأزل.

أي لا تعرفها.. فمننت عليك بمعرفتي..

وقرأ الحسن «3» بن علي ووجدك ضال «4» فهدى.. أي اهتدى بك وقال ابن عطاء «5» : ووجدك «ضالا» أي محبا لمعرفتي..

«والضال» المحب كما قال «إنك لفي ضلالك القديم «6» » أي محبتك القديمة.. ولم يريدوا ههنا في الدين.. إذ قالوا ذلك في نبي الله لكفروا..

ومثله عند هذا قوله: «إنا لنراها في ضلال مبين «7» » أي محبة بينة

وقال الجنيد»

: ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل إليك، فهداك لبيانه.

لقوله: «وأنزلنا إليك الذكر.. «2» » الآية.

وقيل: ووجدك لم يعرفك أحد بالنبوة حتى أظهرك فهدى بك السعداء..

ولا أعلم أحدا قال من المفسرين فيها: ضالا عن الإيمان.

وكذلك في قصة موسى عليه السلام.

قوله «فعلتها إذا وأنا من الضالين «3» » أي من المخطئين الفاعلين شيئا بغير قصد قاله ابن عرفة «4» .

وقال الأزهري «5» : معناه من الناسين.

وقد قيل ذلك في قوله: «ووجدك ضالا فهدى «1» » أي ناسيا كما قال تعالى: «أن تضل إحداهما «2» ..» فإن قلت فما معنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان «3» » ..

فالجواب أن السمرقندي «4» قال: معناه: ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان.

وقال أبو بكر «5» القاضي نحوه.

قال: ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام.

قال: فكان قبل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل فزاد بالتكليف إيمانا وهو أحسن وجوهه..

فإن قلت: فما معنى قوله؟ ..

«وإن كنت من قبله لمن الغافلين «6» » ..

فاعلم: أنه ليس بمعنى قوله «والذين هم عن آياتنا غافلون «7» »

بل حكى أبو عبد الله «1» الهروي: أن معناه: لمن الغافلين عن قصة يوسف.. إذ لم تعلمها إلا بوحينا.

وكذلك الحديث «2» الذي يرويه عثمان «3» بن أبي شيبة بسنده عن جابر «4» أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم..

فسمع ملكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم خلفه.

فقال الآخر.. كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام.. فلم يشهدهم بعد..

فهذا الحديث أنكره أحمد «5» بن حنبل جدا.. وقال: هو موضوع أو شبيه بالموضوع.

وقال الدارقطني «6» : يقال: إن عثمان «3» وهم في إسناده.

والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه..

والمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه عند أهل العلم.

من قوله «بغضت إلى الأصنام» .

وقوله في الحديث الآخر «1» الذي روته أم أيمن «2» حين كلمه عمه وآله في حضور بعض أعيادهم.. وعزموا عليه فيه بعد كراهته لذلك.. فخرج معهم ورجع مرعوبا.. فقال: «كلما دنوت منها من صنم تمثل لي شخص أبيض طويل يصيح بي- وراءك- لا تمسه..» فما شهد بعد لهم عيدا.

وقوله في قصة بحيرا «3» حين استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللات والعزى.

إذ لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي ورأى علامات النبوة فاختبره بذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه.. فقال: سل عما بدا لك..»

- وكذلك المعروف من سيرته صلى الله عليه وسلم وتوفيق الله له، أنه كان قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج.. فكان يقف هو بعرفة لأنه كان موقف إبراهيم «4» عليه السلام

الفصل الثالث معرفة الأنبياء بأمور الدنيا ص 268

قد بان بما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد، والإيمان، والوحي، وعصمتهم في ذلك على ما بيناه.

فأما ما عدا هذا الباب من عقود قلوبهم، فجماعها أنها مملوءة علما ويقينا على الجملة.. وأنها احتوت من المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا مالا شيء فوقه..

ومن طالع الأخبار، واعتنى بالحديث وتأمل ما قلناه وجده.

وقد قدمنا منه في حق نبينا صلى الله عليه وسلم في الباب الرابع- أول قسم من هذا الكتاب- ما بينه على ما وراءه.. إلا أن أحوالهم في هذه المعارف تختلف..

- فأما ما يتعلق منها بأمر «1» الدنيا، فلا يشترط في حق

الأنبياء العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها، أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه، ولا وصم عليهم فيه.. إذ هممهم متعلقة بالآخرة وأنبائها.. وأمر الشريعة وقوانينها.. وأمور الدنيا تضادها.

- بخلاف غيرهم من أهل الدنيا الذبن «يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون «1» » كما سنبين هذا في الباب الثاني إن شاء الله.. ولكنه.. لا يقال إنهم لا يعلمون شيئا من أمر الدنيا!!. فإن ذلك يؤدي إلى الغفلة والبله، - وهم المنزهون عنه.

بل قد أرسلوا إلى أهل الدنيا، وقلدوا سياستهم وهدايتهم، والنظر في مصالح دينهم ودنياهم، وهذا لا يكون مع عدم العلم بأمور الدنيا بالكلية، وأحوال الأنبياء وسيرهم في هذا الباب معلومة، ومعرفتهم بذلك كله مشهورة..

- وأما إن كان هذا العقد مما يتعلق بالدين فلا يصح من النبي صلى الله عليه وسلم إلا العلم به ولا يجوز عليه جهله جملة..

لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحي من الله..

فهو ما لا يصح الشك منه فيه..- على ما قدمناه- فكيف الجهل..

بل حصل له العلم اليقين أو يكون فعل ذلك باجتهاده فيما لم ينزل عليه فيه شيء- على القول بتجويز وقوع الاجتهاد منه في ذلك على قول المحققين-. وعلى مقتضى حديث أم سلمة «1» : إني «إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء.» خرجه الثقات «2» .

وكقصة أسرى بدر «3» ، والإذن للمتخلفين «4» ، على رأي بعضهم- فلا يكون أيضا ما يعتقده مما يثمره اجتهاده إلا حقا وصحيحا..

هذا هو الحق الذي لا يلتفت إلى خلاف من خالف فيه ممن أجاز عليه الخطأ في الاجتهاد.

لا على القول بتصويب المجتهدين الذي هو الحق والصواب عندنا.. ولا على القول الآخر بأن الحق في طرف واحد..

لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ في الاجتهاد في الشرعيات.

- ولأن القول في تخطئة المجتهدين إنما هو بعد استقرار الشرع.

ونظر النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده إنما هو فيما لم ينزل عليه فيه شيء.. ولم يشرع له قبل.

هذا فيما عقد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قلبه.

- فأما مالم يعقد عليه قلبه من أمر النوازل الشرعية، فقد كان لا يعلم منها أولا إلا ما علمه الله شيئا، حتى استقر علم جملتها عنده إما بوحي من الله، أو إذن أن يشرع في ذلك ويحكم بما أراه الله.

وقد كان ينتظر الوحي في كثير منها، ولكنه لم يمت حتى استفرغ علم جميعها عنده صلى الله عليه وسلم.. وتقررت معارفها لديه على التحقيق ورفع الشك والريب، وانتفاء الجهل.. وبالجملة فلا يصح منه الجهل بشيء من تفاصيل الشرع الذي أمر بالدعوة إليه.. إذ لا تصح دعوته إلى ما لا يعلمه.

- وأما ما تعلق بعقده من ملكوت السماوات والأرض، وخلق الله، وتعيين أسمائه الحسنى، وآياته الكبرى، وأمور الآخرة، وأشراط الساعة، وأحوال السعداء والأشقياء. وعلم ما كان وما يكون «1» مما لم يعلمه إلا بوحي.. فعلى ما تقدم..

من أنه معصوم فيه لا يأخذه فيما أعلم منه شك ولا ريب.. بل هو فيه على غاية اليقين.. لكنه لا يشترط له العلم بجميع تفاصيل ذلك.

وإن كان عنده من علم ذلك ما ليس عند جميع البشر.

لقوله صلى الله عليه وسلم «1» : «إني لا أعلم إلا ما علمني ربي» .

ولقوله «2» : ولا خطر على قلب بشر» .

«فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» «3» .

وقول موسى للخضر»

: «هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا» «5» .

وقوله صلى الله عليه وسلم «6» : «أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم» وقوله «7» : «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك.»

وقد قال الله تعالى: «وفوق كل ذي علم عليم «8» » .

قال زيد «9» بن أسلم وغيره: حتى ينتهي العلم إلى الله..

وهذا ما لا خفاء به، إذ معلوماته تعالى لا يحاط بها ولا منتهى لها.

هذا حكم عقد النبي صلى الله عليه وسلم في التوحيد والشرع والمعارف والأمور الدينية.

الفصل الرابع العصمة من الشيطان ص 274

واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان، وكفايته منه، لا في جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس.

عن عبد الله «1» بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» :

«ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة.. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ .. قال: وإياي..

ولكن الله أعانني عليه فأسلم «3» » .

زاد غيره عن منصور «4» «فلا يأمرني إلا بخير..»

وعن عائشة «1» بمعناه روي: «فأسلم» بضم الميم.. أي فأسلم «2» أنا منه.

وصحح بعضهم هذه الرواية «3» ورجحها.

وروي «فأسلم «4» » يعني القرين أنه انتقل من حال كفره إلى الإسلام فصار لا يأمر إلا بخير كالملك وهو ظاهر الحديث..

ورواه بعضهم «فاستسلم..»

قال القاضي أبو الفضل وفقه الله. فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط على بني آدم «5» فكيف بمن بعد منه «6» ولم يلزم صحبته ولا أقدر على الدنو منه!! ..

وقد جاءت الآثار بتصدي الشياطين له في غير موطن «7» رغبة في إطفاء نوره، وإماتة نفسه، وإدخال شغل عليه، إذ يئسوا

من إغوائه فانقلبوا خاسرين.. كتعرضه له في الصلاة فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وأسره «1» .

ففي الصحاح «2» قال أبو هريرة «3» عنه صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان عرض «4» لي..» قال عبد الرزاق «5» «في صورة هر.. فشد علي يقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه فذعته «6»

ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه فذكرت قول أخي سليمان «رب اغفر لي وهب لي ملكا..» «7» الآية.. فرده الله خاسئا.

وفي حديث أبي الدرداء «8» عنه صلى الله عليه وسلم «9» : «إن عدو الله إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله في وجهي والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة» وذكر تعوذه بالله منه ولعنه له.. «ثم أردت أن آخذه» «10» وذكر

نحوه وقال: «لأصبح موثقا بتلاعب به ولدان أهل المدينة..

وكذلك في حديثه في الإسراء: وطلب عفريت له بشعلة نار فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه» ذكره في الموطأ ولما لم يقدر على أذاه بمباشرته تسبب بالتوسط إلى عداه كقضيته مع قريش في الائتمار بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وتصوره في صورة الشيخ النجدي.

- ومرة أخرى في غزوة يوم بدر «1» في صورة سراقة «2» بن مالك وهو قوله: «وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم..» «3» الآية.

- ومرة ينذر بشأنه عند بيعة العقبة.. وكل هذا فقد كفاه أمره، وعصمه ضره وشره.

وقد قال صلى الله عليه وسلم «4» : «إن عيسى عليه السلام كفي من لمسه، فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد فطعن في الحجاب «5» » .

وقال صلى الله عليه وسلم حين لد»

في مرضه «2» ، وفيل له: خشينا أن يكون بك ذات الجنب.. فقال: «إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطه علي «3» ..

فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله «4» ..» الاية!! ..

فقد قال بعض المفسرين: إنها راجعة إلى قوله: «وأعرض عن الجاهلين «5» » ثم قال: «وإما ينزغنك» أي يستخفك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم فاستعذ بالله..

وقيل: «النزغ» هنا الفساد.

كما قال «من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي «6» ..»

وقيل «ينزغنك» يغرينك ويحركنك «والنزغ» أدنى الوسوسة «7»

فأمره الله تعالى أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ منه. فيكفى أمره ويكون سبب تمام عصمته إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له.. ولم يجعل له قدرة عليه.

وقد قيل في هذه الآية غير هذا..

وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ويلبس عليه لا في أول الرسالة ولا بعدها.. والاعتماد في ذلك دليل المعجزة بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقة.. إما بعلم ضروري يخلقه الله له.. أو ببرهان يظهره لديه لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا.. لا مبدل لكلماته..

فإن قيل فما معنى قوله تعالى: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى «1» ألقى الشيطان في أمنيته «2» » الآية!!

فاعلم أن للناس في معنى هذه الآية أقاويل «3» ، منها السهل والوعث «4» ، والسمين، والغث «5» .

وأولى ما يقال فيها ما عليه الجمهور من المفسرين: أن «التمني» ههنا التلاوة.. وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا للتالي، حتى يدخل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه، أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف، وسوء التأويل، ما يزيله الله وينسخه، ويكشف لبسه، ويحكم آياته.

وسيأتي الكلام على هذه الاية بعد بأشبع من هذا إن شاء الله.

وقد حكي السمرقندي «1» إنكار قول من قال بتسلط الشيطان على ملك سليمان وغلبته.. وأن مثل هذا لا يصح. وقد ذكرنا قصة سليمان مبينة بعد هذا، ومن قال إن الجسد هو الولد الذي ولد له..

وقال أبو محمد «2» مكي في قصة أيوب وقوله: «أني مسني الشيطان بنصب وعذاب «3» » : إنه لا يجوز لأحد أن يتأول أن الشيطان هو الذي أمرضه، وألقى الضر في بدنه، ولا يكون ذلك إلا بفعل الله وأمره ليبتليهم ويثيبهم «4» ..

قال مكي: وقيل: إن الذي أصابه الشيطان ما وسوس به إلى أهله فإن قلت: فما معنى قوله تعالى في يوشع «1» : «وما أنسانيه إلا الشيطان «2» ..» وقوله عن يوسف: «فأنساه الشيطان ذكر ربه «3» » وقول نبينا صلى الله عليه وسلم حين نام عن الصلاة يوم الوادي «4» : «إن هذا واد به شيطان.. وقول موسى عليه السلام في وكزته «5» : «هذا من عمل الشيطان «6» » !!

فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في جميع هذا على مورد مستمر كلام العرب في وصفهم كل قبيح من شخص أو فعل بالشيطان أو فعله.

كما قال تعالى: «طلعها كأنه رؤس الشياطين «1» » .

وقال صلى الله عليه وسلم «2» : «فليقاتله فإنما هو شيطان» .

وأيضا «3» فإن قول يوشع لا يلزمنا الجواب عنه، إذ لم يثبت له في ذلك الوقت نبوة مع موسى.

قال الله تعالى: «وإذ قال موسى لفتاه «4» » .

والمروي أنه إنما نبيء بعد موت موسى. وقيل: قبيل «5» موته.

وقول موسى كان قبل نبوته بدليل القرآن وقصة يوسف قد ذكر أنها كانت قبل نبوته.

وقد قال المفسرون في قوله: «فأنساه الشيطان» «6» قولين أحدهما أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه أحد صاحبي السجن «وربه» الملك.. أي أنساه أن يذكر للملك شأن يوسف عليه السلام.

وأيضا.. فإن مثل هذا من فعل الشيطان ليس فيه تسلط على يوسف عليه السلام ويوشع بوساوس ونزغ، وإنما هو بشغل خواطرهما بأمور أخر، وتذكير هما من أمور هما ما ينسيهما ما نسيا.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا واد به شيطان» فليس فيه ذكر تسلطه عليه ولا وسوسته له.. بل إن كان بمقتضى ظاهره فقد بين أمر ذلك الشيطان بقوله «1» : «إن الشيطان أتى بلالا فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام..»

فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة «2» الفجر. هذا إن جعلنا قوله: «إن هذا واد به شيطان» تنبيها على سبب النوم عن الصلاة.

وأما إن جعلناه تنبيها على سبب الرحيل عن الوادي، وعلة لترك الصلاة به، وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم «3» ، فلا اعتراض به في هذا الباب لبيانه وارتفاع اشكاله..

الفصل الخامس صدق أقواله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله ص 284

وأما أقواله صلى الله عليه وسلم، فقد قامت الدلائل «1» الواضحة بصحة المعجزة على صدقه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا.

أما تعمد الخلف في ذلك فمنتف بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله: صدق فيما قال اتفاقا، وبإطباق أهل الملة إجماعا.

وأما وقوعه على جهة الغلط في ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ»

أبي إسحق «3» الإسفرائيني، ومن قال بقوله، ومن جهة الإجماع

فقط. وورود الشرع بانتفاء ذلك وعصمة النبي لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر «1» الباقلاني ومن وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة لا نطول بذكره فنخرج عن غرض الكتاب، فلنعتمد ما وقع عليه إجماع المسلمين.

- أنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ الشريعة والإعلام بما أخبر به عن ربه، وما أوحاه إليه من وحيه، لا على العمد ولا على غير عمد، ولا في حالي الرضى والسخط، والصحة والمرض.

وفي حديث «2» عبد الله بن عمرو «3» : «قلت يا رسول الله..

أأكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم.. قلت: في الرضى والغضب؟ .. قال نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا، ولنزد «4» ما أشرنا إليه من دليل المعجزة عليه بيانا.

- فنقول: إذا قامت المعجزة على صدقه وأنه لا يقول إلا حقا، ولا يبلغ عن الله إلا صدقا، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله له:

صدقت فيما تذكره عني.. وهو يقول: «اني رسول الله إليكم

لأبلغكم ما أرسلت به اليكم وأبين لكم ما نزل عليكم» .. «وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى «1» » «قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم «2» » «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا «3» » فلا يصح أن يوجد منه في هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أي وجه كان.

فلو جوزنا عليه الغلط والسهو لما تميز لنا من غيره، ولاختلط الحق بالباطل.

فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص..

فتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله واجب برهانا وإجماعا كما قاله أبو إسحق «4»

الفصل السادس دفع بعض الشبهات ص 287

وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات:

منها ما روي «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة «النجم» وقال:

«أفرأيتم اللات «2» والعزى «3» ومناة «4» الثالثة الأخرى «5» ..»

قال: «تلك الغرانيق «6» العلى وإن شفاعتها لترتجى» ويروى ترتضى.. وفي رواية: إن شفاعتها لترتجى وإنها لمع الغرانيق العلى وفي أخرى والغرانقة العلى، تلك الشفاعة ترتجى.. فلما ختم

السورة سجد وسجد المسلمون والكفار لما سمعوه أثنى على آلهتهم.

وما وقع في بعض الروايات أن شيطانا ألقاها على لسانه. وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن لو نزل عليه شيء يقارب بينه وبين قومه.

وفي رواية أخرى: أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه- وذكر هذه القصة وأن جبريل عليه السلام جاءه فعرض عليه السورة..

فلما بلغ الكلمتين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى تسلية له: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي «1» ..» الاية وقوله: «وإن كادوا ليفتنونك «2» .. الاية.

فاعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين أحدهما في توهين أصله والثاني على تسليمه..

أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث «3» لم يخرجه أحد من أهل الصحة «4» ولا رواه ثقة بسند سليم متصل «5» ..

وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب

المتلقفون «1» من الصحف كل صحيح وسقيم «2» .

وصدق القاضي بكر «3» بن العلاء «4» المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض «5» أهل الأهواء والتفسير.. وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته «6» ، وانقطاع إسناده «7» ، واختلاف كلماته فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول. قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة وآخر يقول بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه.. وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال:

والله ما هكذا أنزلت.

- إلى غير ذلك من اختلاف الرواة.

- ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين «1» والتابعين «2» لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب. وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية.

والمرفوع فيه «3» حديث شعبة «4» عن أبي بشر»

عن سعيد «6» بن جبير عن ابن عباس «7» قال: فيما أحسب «8» - الشك في الحديث «9» أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة- وذكر القصة-.

قال أبو بكر «10» البزار: هذا لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا.. ولم يسنده عن شعبة «4» إلا أمية «11» بن خالد. وغيره يرسله عن سعيد «6» بن جبير.. وإنما

يعرف عن الكلبي «1» عن أبي صالح «2» عن ابن عباس «3» .

فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه.

أما حديث الكلبي «1» فمما لا تجوز الرواية عنه «4» ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار «5» رحمه الله.

- والذي منه في الصحيح. أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «والنجم» وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا

توهينه «1» من طريق النقل.

- أما من جهة المعنى فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو يتسور «2» عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم..

أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفر..

أو سهوا وهو معصوم من هذا كله.

وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا.. أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو

أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه.

وقد قال الله تعالى: «ولو تقول علينا بعض الأقاويل «1» ..» الآية وقال تعالى: «إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات «2» » ووجه ثان: هو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا. وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد «3» المشركين ممن يخفى عليه ذلك.. وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه!!

ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندي المشركين، وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين، نفور هم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين، والشماتة «4» بهم الفينة بعد الفينة. وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة..

ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة

الأصل.. ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة «1» ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة.

وكذلك ما روي في قصة القضية «2» ، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب «3» المعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت.

فما روي عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت «4» شفة.. فدل على بطلها، واجتثاث «5» أصلها..

- ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين ليلبس به على ضعفاء المسلمين «6»

ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت «وإن كادوا ليفتنونك.. «1» الآيتين.

وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه.. لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكادير كن إليهم.

فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم. وأنه قال صلى الله عليه وسلم: افتريت على الله وقلت ما لم يقل.. وهذا ضد مفهوم الآية وهي تضعف «2» الحديث لو صح فكيف ولا صحة له وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: «ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك، وما يضلون إلا أنفسهم. وما يضرونك من شيء

«3» »

وقد روي «1» عن ابن عباس «2» : كل ما في القرآن «كاد» فهو ما لا يكون «3» .

قال الله تعالى: «يكاد سنا «4» برقه يذهب بالأبصار «5» » ولم يذهب و «أكاد أخفيها» ولم يفعل.

قال القشيري «6» القاضي: ولقد طالبه «7» قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعدوه الإيمان به إن فعل فما فعل، ولا كان «8» ليفعل..

قال ابن الأنباري «9» : ما قارب الرسول ولا ركن.

وقد ذكرت «1» في معنى هذه الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله ترد سفسافها «2» .

فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار وراموا من فتنته.

ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته صلى الله عليه وسلم وهو مفهوم الآية.

- وأما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم الحديث لو صح.. وقد أعاذنا الله من صحته. ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين..

فمنها ما روى قتادة «3» ومقاتل «4» أن النبي صلى الله عليه وسلم أصابته سنة «5» عند قراءته هذه السورة فجرى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم.

- وهذا لا يصح إذ لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم مثله في حالة من أحواله، ولا يخلقه الله على لسانه، ولا يستولي الشيطان عليه في

نوم ولا يقظة لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو..

وفي قول الكلبي «1» : إن النبي صلى الله عليه وسلم حدث نفسه فقال ذلك الشيطان على لسانه.

وفي رواية ابن شهاب «2» عن أبي بكر «3» بن عبد الرحمن قال:

وسها.. فلما أخبر «4» بذلك قال: إنما ذلك من الشيطان..

وكل هذا لا يصح أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لا سهوا ولا قصدا ولا يتقوله الشيطان على لسانه.

وقيل: لعل النبي صلى الله عليه وسلم قاله أثناء تلاوته على تقدير التقرير والتوبيخ للكفار.. كقول إبراهيم عليه السلام «هذا ربي «5» » على أحد التأويلات وكقوله «بل فعله كبيرهم هذا «6» » بعد

السكت وبيان الفصل بين الكلامين، ثم رجع إلى تلاوته وهذا ممكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد، وأنه ليس من المتلو.

وهو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر «1» .. ولا يعترض على هذا بما روي أنه كان في الصلاة فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع..

والذي يظهر ويترجح «2» في تأويله عنده «3» وعند غيره من المحققين- على تسليمه- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا «4» ، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته «5» ، كما رواه الثقات «6» عنه- فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعوها.. ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منه.

وقد حكى موسى «1» بن عقبة في مغازيه نحو هذا وقال: إن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم، ويكون ما روي من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة.

وقد قال الله تعالى: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي «2» ..» الآية فمعنى «تمنى» تلا «3» .

قال الله تعالى: «لا يعلمون الكتاب إلا أماني «4» » أي تلاوة وقوله: «فينسخ الله ما يلقي الشيطان «5» أي يذهبه ويزيل اللبس به، ويحكم آياته.

وقيل: معنى الآية هو ما يقع للنبي صلى الله عليه وسلم من السهو إذا قرأ

فينتبه لذلك، ويرجع عنه، وهذا نحو قول الكلبي «1» في الآية أنه حدث نفسه وقال «إذا تمنى» أي حدث نفسه.

وفي رواية أبي بكر «2» بن عبد الرحمن نحوه

وهذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني، وتبديل الألفاظ، وزيادة ما ليس من القرآن، بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة ولكنه لا يقر على هذا السهو بل ينبه عليه، ويذكر به للحين، على ما سنذكره في حكم ما يجوز عليه من السهو وما لا يجوز ومما يظهر في تأويله أيضا أن مجاهدا «3» روى هذه القصة «والغرانقة العلى» فإن سلمنا القصة قلنا لا يبعد أن هذا كان قرآنا والمراد بالغرانقة العلى وأن شفاعتهن لترتجى «الملائكة» على هذه الرواية.

وبهذا فسر الكلبي «1» «الغرانقة» أنها الملائكة.. وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون أن الأوثان والملائكة بنات الله.

كما حكى الله عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله: «ألكم الذكر

وله الأنثى «1» فأنكر الله كل هذا من قولهم، ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح.. فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم، ولبس عليهم الشيطان ذلك وزينه في قلوبهم وألقاه إليهم نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للإلباس.. كما نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته.. وكان في إنزال الله تعالى لذلك حكمة وفي نسخه حكمة «ليضل به من يشاء ويهدي من يشاء، وما يضل به إلا الفاسقين «2» » ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم.. وإن الظالمين لفي شقاق بعيد، وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم «3» » الآية.

وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة ذكر اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، خاف الكفار أن يأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين ليخلطوا في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم، ويشنعوا عليه على عادتهم

وقولهم «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون «1» » ونسب هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه وأشاعوا ذلك وأذاعوه.. وأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فحزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه.. فسلاه الله تعالى بقوله: «وما أرسلنا من قبلك «2» ..» الآية وبين للناس الحق من ذلك من الباطل وحفظ القرآن وأحكم آياته، ودفع ما لبس به العدو.. كما ضمنه تعالى من قوله: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون «3» » .

ومن ذلك ما روي من «4» قصة يونس عليه السلام أنه وعد قومه العذاب عن ربه، فلما تابوا كشف عنهم العذاب فقال:

لا أرجع إليهم كذابا أبدا فذهب مغاضبا.

فاعلم أكرمك الله أن «5» ليس في خبر من الأخبار الواردة في هذا الباب أن يونس عليه السلام قال لهم: إن الله مهلككم وإنما فيه أنه دعا عليهم بالهلاك.. والدعاء ليس بخير يطلب صدقه من كذبه، لكنه قال لهم: إن العذاب مصبحكم وقت كذا وكذا..

فكان ذلك كما قال.. ثم رفع الله تعالى عنهم العذاب وتداركهم.

قال الله تعالى: «إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي «1» » الآية..

وروي في الأخبار. أنهم رأوا دلائل العذاب ومخايله «2» ..

قاله «3» ابن مسعود «4» .

وقال سعيد «5» بن جبير: غشاهم العذاب كما يغشي الثوب «6» القبر. فإن قلت: فما معنى ما روي «7» أن عبد الله «8» بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش فقال لهم: إني كنت أصرف محمدا حيث أريد.. كان

يملي علي «عزيز حكيم» فأقول أو «عليم حكيم» ؟ فيقول نعم كل صواب.

وفي حديث آخر «1» فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم اكتب كذا فيقول:

أكتب كذا؟ فيقول اكتب كيف شئت. ويقول اكتب «عليما حكيما» فيقول أكتب «سميعا بصيرا» ؟ فيقول له اكتب كيف شئت.

وفي الصحيح «2» عن أنس «3» رضي الله عنه: أن نصرانيا «4» كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلم، ثم ارتد «5» ، وكان يقول:

ما يدري محمد إلا ما كتبت له.

فاعلم ثبتنا الله وإياك على الحق، ولا جعل للشيطان وتلبيسه الحق بالباطل إلينا سبيلا، أن مثل هذه الحكاية أولا لا توقع في قلب مؤمن ريبا.. إذ هي حكاية عمن ارتد وكفر بالله.

ونحن «6» لا نقبل خبر المسلم المتهم فكيف بكافر افترى هو ومثله

على الله ورسوله ما هو أعظم من هذا.

والعجب لسليم العقل يشغل بمثل هذه الحكاية سره، وقد صدرت من عدو كافر مبغض للدين.. مفتر على الله ورسوله..

ولم يرد عن أحد من المسلمين ولا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله وافتراه على نبي الله، «وإنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون «1» » .

وما وقع من ذكرها في حديث أنس «2» رضي الله عنه وظاهر حكايتها. فليس فيه ما يدل على أنه شاهدها، ولعله حكى ما سمع..

وقد علل البزار «3» حديثه ذلك وقال: رواه ثابت «4» عنه ولم يتابع عليه.. ورواه حميد «5» عن أنس «2» ، قال: وأظن حميدا إنما سمعه من ثابت «4» .

قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: ولهذا- والله أعلم- لم يخرج أهل الصحيح حديث ثابت «4» ولا حميد «6» .

والصحيح حديث عبد الله «1» بن عزيز بن رفيع عن أنس «2» رضي الله عنه، الذي خرجه أهل الصحة، وذكرناه وليس فيه عن أنس «2» قول شيء من ذلك من قبل نفسه إلا من حكايته عن المرتد النصراني..

ولو كانت صحيحة لما كان فيها قدح، ولا توهيم «3» للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي إليه، ولا جواز للنسيان والغلط عليه، والتحريف فيما بلغه، ولا طعن في نظم القرآن وأنه من عند الله.. إذ ليس فيه- لو صح- أكثر من أن الكاتب قال له: «عليم حكيم» أو كتبه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كذلك هو.. فسبقه لسانه أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما نزل على الرسول قبل إظهار الرسول لها.. إذ كان ما تقدم مما أملاه الرسول يدل عليها، ويقتضي وقوعها بقوة قدرة الكاتب على الكلام، ومعرفته به، وجودة حسه وفطنته، كما يتفق ذلك للعارف إذا سمع البيت أن يسبق إلى قافيته، أو مبتدأ الكلام الحسن إلى ما يتم به.. ولا يتفق ذلك في جملة الكلام

كما لا يتفق ذلك في آية ولا سورة.. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم إن صح «كل صواب» فقد يكون هذا فيما فيه من مقاطع الآي «1» وجهان وقراءتان أنزلتا جميعا على النبي صلى الله عليه وسلم فأملى إحداهما، وتوصل الكاتب بفطنته ومعرفته بمقتضى الكلام إلى الأخرى، فذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم، فصوبها له النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أحكم الله من ذلك ما أحكم، ونسخ ما نسخ، كما قد وجد ذلك في بعض مقاطيع الآي، مثل قوله تعالى: «إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم «2» » وهذه قراءة الجمهور «3»

وقد قرأ جماعة «4» «فإنك أنت الغفور الرحيم» وليست من المصحف وكذلك كلمات جاءت على وجهين في غير المقاطع قرأ بهما معا الجمهور، وثبتتا في المصحف مثل: «وانظر إلى العظام كيف ننشرها «5» .. وننشزها «6» ، «ويقضي «7» الحق» «ويقص الحق «8» » وكل هذا لا يوجب ريبا، ولا يسبب

للنبي صلى الله عليه وسلم غلطا ولا وهما.

وقد قيل: إن هذا يحتمل أن يكون فيما يكتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس غير القرآن فيصف الله ويسميه في ذلك كيف شاء..

الفصل السابع حالته صلى الله عليه وسلم في أخبار الدنيا ص 310

هذا القول فيما طريقه البلاغ.. وأما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التي لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحي، بل في أمور «1» الدنيا وأحوال نفسه.

فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقع خبره في شيء من ذلك بخلاف مخبره، لا عمدا ولا سهوا ولا غلطا وأنه معصوم من ذلك في حال رضاه، وفي حال سخطه، وجده، ومزحه «2» ، وصحته، ومرضه، ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه.

وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت وعن «3» أي

شيء وقعت، وأنه «1» لم يكن لهم توقف ولا تردد في شيء منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك.. هل وقع فيها سهو أم لا ولما احتج ابن أبي «2» الحقيق اليهودي «3» على عمر «4» حين أجلاهم من خيبر بإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، واحتج عليه عمر رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم، كيف بك إذا أخرجت من خيبر؟! فقال اليهودي:

كانت هزيلة «5» من أبي القاسم.. فقال له عمر «6» : كذبت يا عدو الله وأيضا فإن أخباره وآثاره، وسيره وشمائله، معتنى بها مستقصى تفاصيلها.. ولم يرد في شيء منها استدراكه صلى الله عليه وسلم لغلط في قول قاله، أو اعترافه بوهم في شيء أخبر به.. ولو كان ذلك لنقل كما نقل «7» من قصته «8» عليه السلام ورجوعه صلى الله عليه وسلم عما أشار به على الأنصار في تلقيح النخل.. وكان ذلك رأيا لا خبرا..

وغير ذلك من الأمور التي ليست من هذا الباب.

كقوله «1» : «والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا فعلت الذي حلفت عليه وكفرت عن يميني» .

وقوله «2» : «إنكم تختصمون إلي» .. الحديث «3» .

وقوله «4» : «اسق «5» يا زبير «6» حتى يبلغ الماء «7» الجدر «8» » ..

كما سنبين كل ما في هذا الحديث من مشكل ما في هذا الباب والذي بعده إن شاء الله مع أشباههما «9» .

- وأيضا فإن الكذب متى عرف من أحد في شيء من الأخبار بخلاف ما هو على أي وجه كان، استريب بخبره، واتهم

في حديثه، ولم يقع قوله في النفوس موقعا..

ولهذا ترك المحدثون والعلماء الحديث عمن عرف بالوهم والغفلة، وسوء الحفظ، وكثرة الغلط مع ثقته «1» ..

- وأيضا فإن تعمد الكذب في أمور الدنيا معصية..

والإكثار منه كبيرة بإجماع، مسقط المروءة، وكل هذا مما ينزه عنه منصب النبوة..

والمرة الواحدة منه فيما يستبشع ويستشنع مما يخل بصاحبها ويزري بقائلها لا حقة بذلك..

وأما فيما لا يقع هذا الموقع، فإن عددناها من الصغائر فهل تجري على حكمها في الخلاف فيها؟!. مختلف فيه..

والصواب تنزيه النبوة عن قليله وكثيره، وسهوه وعمده..

إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام والتبيين، وتصديق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وتجويز شيء من هذا قادح في ذلك ومشكك فيه مناقض للمعجزة..

فلنقطع عن «1» يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء خلف «2» في القول في وجه من الوجوه لا بقصد ولا بغير قصد، ولا نتسامح «3» مع من تسامح في تجويز ذلك عليهم حال السهو فيما «4» ليس طريقه البلاغ.. نعم «5» وبأنه لا يجوز عليهم الكذب قبل النبوة، ولا الاتسام به في أمورهم، وأحوال دنياهم.. لأن ذلك كان يزري ويريب بهم، وينفر القلوب عن تصديقهم بعد.

وانظر أحوال عصر النبي صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرها من الأمم، وسؤالهم عن حاله في صدق لسانه، وما عرفوا به من ذلك واعترفوا به مما عرف، واتفق النقل «6» على عصمة نبينا صلى الله عليه وسلم منه قبل وبعد، وقد ذكرنا من الآثار فيه في الباب الثاني أول الكتاب ما يبين لك صحة ما أشرنا «7» اليه..

***

الفصل الثامن رد بعض الاعتراضات ص 315

فإن قلت فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث «1» السهو الذي حدثنا به الفقيه أبو إسحق «2» إبراهيم بن جعفر..

قال أبو هريرة «3» رضي الله عنه: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر «4» فسلم في ركعتين.. فقام ذو اليدين «5» فقال: يا رسول

أقصرت «1» الصلاة أم نسيت؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم يكن.»

وفي الرواية الأخرى: «ما قصرت الصلاة وما نسيت-» الحديث بقصته فأخبر بنفي الحالتين وأنها لم تكن وقد كان أحد ذلك، كما قال ذو اليدين «2» . «قد كان بعض ذلك يا رسول الله..»

فاعلم وفقنا الله وإياك أن للعلماء في ذلك أجوبة بعضها بصدد الإنصاف، ومنها ما هو بنية «3» التعسف «4» والاعتساف..

وها أنا أقول: أما على القول الأول.. بتجويز الوهم والغلط مما ليس طريقه من القول البلاغ وهو الذي زيفناه «5» من القولين.

فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه..

وأما على مذهب من يمنع السهو والنسيان في أفعاله جملة ويرى أنه في مثل هذا عامد لصورة النسيان ليسن، فهو صادق في خبره لأنه لم ينس ولا قصرت، ولكنه على هذا القول تعمد هذا الفعل في هذه الصورة ليسنه لمن اعتراه مثله.. وهو قول مرغوب عنه،

نذكره «1» في موضعه.. وأما على إحالة السهو عليه.. في الأقوال وتجويز السهو عليه فيما ليس طريقه القول كما سنذكره «2» ففيه أجوبة:

منها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن اعتقاده وضميره، - أما إنكار القصر فحق وصدق باطنا وظاهرا، وأما النسيان فأخبر صلى الله عليه وسلم عن اعتقاده وأنه لم ينس في ظنه فكأنه قصد الخبر بهذا عن ظنه وإن لم ينطق به، وهذا «3» صدق أيضا.

ووجه ثان: «أن قوله «ولم أنس» راجع إلى السلام أي إني سلمت قصدا وسهوت عن العدد.. أي لم أسه في نفس السلام..

وهذا محتمل.. وفيه بعد» ..

وجه ثالث: (وهو أبعدها.. ما ذهب إليه بعضهم وإن احتمله اللفظ من قوله، كل ذلك لم يكن.. أي لم يجتمع القصر والنسيان بل كان أحدهما.. ومفهوم اللفظ خلافه مع الرواية الأخرى الصحيحة وهو قوله «ما قصرت الصلاة وما «4» نسيت» ) .

- هذا ما رأيت فيه لأئمتنا.. وكل من هذه الوجوه محتمل

للفظ «1» على بعد بعضها «2» ، وتعسف الآخر «3» منها

قال القاضي أبو الفضل «4» وفقه الله: والذي أقول ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه كلها أن قوله: «لم أنس» إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه وأنكره على غيره بقوله «5» : «بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا، ولكنه نسي «6» .» وبقوله في في بعض «7» رواية، الحديث الاخر: «لست أنسى ولكن «8» أنسى» ..

فلما قال له السائل.. أقصرت الصلاة أم نسيت.. أنكر قصرها كما كان ونسيانه هو من قبل نفسه.. وأنه إن كان جرى شيء من ذلك فقد نسي حتى سأل غيره، فتحقق أنه نسي وأجري عليه ذلك ليسن.

فقوله على هذا «لم أنس» «ولم تقصر» ، «وكل «9» ذلك لم يكن» ، صدق وحق، لم تقصر، ولم ينس حقيقة، ولكنه نسي.

ووجه آخر استثرته «1» من كلام بعض المشايخ وذلك أنه قال:

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو ولا ينسى ولذلك نفى عن نفسه النسيان قال: لأن النسيان غفلة وآفة، والسهو إنما هو شغل «2» .. قال:

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ولا يغفل عنها.. وكان يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة شغلا بها لا غفلة عنها..

فهذا إن تحقق على هذا المعنى.. لم يكن في قوله «ما قصرت» و «ما نسيت» خلف في قول.

وعندي أن قوله: «ما قصرت الصلاة وما نسيت» بمعنى الترك الذي هو أحد وجهي النسيان أراد- والله أعلم- أني لم أسلم من ركعتين تاركا لإكمال الصلاة. ولكني نسيت، ولم يكن ذلك من تلقاء نفسي.. والدليل على ذلك.

قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إني لا أنسى أو أنسى لأسن» والله الموفق «3» للصواب. أما قصة كلمات إبراهيم المذكورة «4» أنها

كذباته الثلاث المنصوصة في القرآن منها اثنتان قوله «إني سقيم «1» » «بل فعله كبيرهم هذا «2» » وقوله «3» للملك عن زوجته إنها أختي.

فاعلم أكرمك الله أن هذه كلها خارجة عن الكذب، لا في القصد ولا في غيره.. وهي داخلة في باب المعاريض «4» التي فيها مندوحة «5» عن الكذب «6» .. أما قوله «إني سقيم «7» »

فقال الحسن «8» وغيره: معناه «سأسقم» أي إن كل مخلوق معرض لذلك فاعتذر لقومه من الخروج معهم إلى عيدهم بهذا.

وقيل: «بل سقيم بما قدر علي من الموت» .

وقيل: «سقيم القلب بما أشاهده «9» من كفركم وعنادكم» .

وقيل: بل كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم.. فلما

رآه اعتذر بعادته» . وكل هذا ليس فيه كذب.. بل خبر صحيح صدق..

وقيل: «بل عرض بسقم حجته عليهم، وضعف ما أراد بيانه لهم، من جهة النجوم التي كانوا يشتغلون بها، وأنه أثناء نظره في ذلك» .. وقيل: «استقامة حجته عليهم في حال سقم ومرض» ، مع أنه لم يشك هو، ولا ضعف إيمانه.. ولكنه ضعف في استدلاله عليهم.. وسقم نظره.. كما يقال: (حجة سقيمة) (ونظر معلول) .. حتى ألهمه الله باستدلاله وصحة حجته عليهم بالكواكب والشمس، والقمر، ما نصه الله تعالى وقدمنا بيانه.

وأما قوله: «بل فعله كبيرهم هذا «1» » الاية..

فإن علق خبره بشرط نطقه كأنه قال: إن كان ينطق فهو فعله..

على طريق التبكيت لقومه.. وهذا صدق أيضا ولا خلف فيه.

وأما قوله: «أختي» .. فقد بين في الحديث «2» وقال:

فإنك أختي في الإسلام.. وهو صدق.

والله تعالى يقول: «إنما المؤمنون إخوة «3» » .

فإن قلت: فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد سماها كذبات.

وقال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات «1» »

وقال في حديث الشفاعة «2» ويذكر كذباته..

فمعناه: أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات. ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه السلام بمؤاخذته «3» بها.

وأما الحديث «4» : «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها.»

فليس فيه خلف في القول.. إنما هو ستر مقصده لئلا يأخذ عدوه حذره.. وكتم وجه ذهابه بذكر السؤال عن موضع آخر.

والبحث عن أخباره والتعريض بذكره. لا أنه يقول: تجهزوا إلى غزوة كذا، أو وجهتنا إلى موضع كذا خلاف مقصده، فهذا لم يكن.

والأول ليس فيه خبر يدخله الخلف.

والأول ليس فيه خبر يدخله الخلف.

فإن قلت: فما معنى قول موسى عليه السلام وقد سئل: أي الناس أعلم «1» ؟ .. فقال: أنا أعلم.. فعتب الله عليه ذلك إذ لم يرد العلم إليه! الحديث وفيه قال بل عبد «2» لنا بمجمع البحرين أعلم منك.

وهذا خبر قد أنبأ الله أنه ليس كذلك، فاعلم أنه وقع في هذا الحديث من بعض طرقه الصحيحة عن ابن «3» عباس.

«هل تعلم أحدا أعلم منك؟»

فإذا كان جوابه على علمه فهو خبر حق وصدق لا خلف فيه ولا شبهة.

وعلى الطريق الآخر فمحمله على ظنه ومعتقده، كما لو صرح به لأن حاله في النبوة والاصطفاء يقتضي ذلك، فيكون إخباره بذلك أيضا عن اعتقاده وحسبانه صدقا لا خلف فيه.

وقد يريد بقوله: «أنا أعلم» بما تقتضيه وظائف النبوة من

علوم التوحيد، وأمور الشريعة، وسياسة الأمة، ويكون الخضر «1» أعلم منه بأمور أخر مما لا يعلمه أحد إلا بإعلام الله من علوم غيبه، كالقصص المذكورة في خبرهما. فكان موسى أعلم على الجملة بما تقدم، وهذا أعلم على الخصوص بما أعلم.. ويدل عليه:

قوله تعالى «وعلمناه من لدنا علما «2» » .

وعتب «3» الله عليه- فيما قاله العلماء- إنكار هذا القول عليه لأنه لم يرد العلم إليه.. كما قالت الملائكة «لا علم لنا إلا ما علمتنا «4» » أو لأنه لم يرض قوله شرعا.. وذلك- والله أعلم- لئلا يقتدي به فيه من لم يبلغ كما له في تزكية نفسه، وعلو درجته من أمته، فيهلك لما تضمنه من مدح الإنسان نفسه، ويورثه ذلك من الكبر والعجب والتعاطي والدعوى، وإن نزه عن هذه الرذائل الأنبياء فغيرهم بمدرجة سبيلها، ودرك ليلها، إلا من عصمه الله.

فالتحفظ منها أولى لنفسه، وليقتدى به،

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم تحفظا من مثل هذا مما قد علم به «5» : «أنا سيد

ولد آدم ولا فخر» وهذا الحديث إحدى حجج القائلين بنبوة الخضر لقوله فيه: «أنا أعلم من موسى» ولا يكون الولي أعلم من من النبي.

وأما الأنبياء فيتفاضلون في المعارف..

وبقوله «وما فعلته عن أمري «1» » .

- فدل أنه يوحي.. ومن قال إنه ليس بنبي قال: يحتمل أن يكون فعله بأمر نبي آخر.. وهذا يضعف لأنه ما علمنا أنه كان في زمن موسى نبي غيره إلا أخاه هارون. وما نقل أحد من أهل الأخبار في ذلك شيئا يعول عليه..

- وإذا جعلنا «أعلم منك» ليس على العموم، وإنما هو على الخصوص، وفي قضايا معينة، لم يحتج إلى إثبات نبوة الخضر.

- ولهذا قال بعض الشيوخ: كان موسى أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله، والخضر أعلم فيما دفع إليه من موسى..

وقال آخر إنما ألجىء موسى إلى الخضر للتأديب لا للتعليم..

***

الفصل التاسع عصمتهم في الأعمال من الفواحش والموبقات ص 326

وأما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال ولا يخرج من جملتها القول باللسان فيما عدا الخبر الذي وقع فيه الكلام، ولا الاعتقاد بالقلب فيما عدا التوحيد بما قدمناه من معارفه المختصة به.

- فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات.

- ومستند الجمهور في ذلك الإجماع الذي ذكرناه وهو مذهب القاضي أبي بكر «1» .

ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع.. وهو قول الكافة..

واختاره الأستاذ أبو إسحق «2» .

- وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من كتمان «1» الرسالة والتقصير في التبليغ.

لأن كل ذلك يقتضي العصمة منه المعجزة مع الإجماع على ذلك من الكافة.

والجمهور قائل بأنهم معصومون من ذلك من قبل الله معتصمون باختيارهم وكسبهم.. إلا حسينا «2» النجار فإنه قال: لا قدرة لهم على المعاصي أصلا.

- وأما الصغائر.. فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء وهو مذهب أبي جعفر «3» الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين.

وسنورد بعد هذا ما احتجوا به وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف.. وقالوا: العقل لا يحيل وقوعها منهم.. ولم يأت في الشرع قاطع بأحد الوجهين.

وذهبت طائفة أخرى من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر.. قالوا: «لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها من الكبائر وإشكال ذلك» .

وقول ابن «1» عباس وغيره: «إن كل ما عصي الله به فهو كبيرة وأنه إنما سمي منها الصغير بالإضافة «2» إلى ما هو أكبر منه ومخالفة الباري في أي أمر كان يجب كونه كبيرة.

قال القاضي أبو محمد «3» عبد الوهاب: «لا يمكن أن يقال إن في معاصي الله صغيرة إلا على معنى أنها تغتفر باجتناب الكبائر، ولا يكون لها حكم مع ذلك. بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها فلا يحبطها «4» شيء، والمشيئة في العفو عنها إلى الله تعالى «وهو قول القاضي أبي «5» بكر وجماعة أئمة الأشعرية وكثير من أئمة الفقهاء.

وقال بعض أئمتنا: «لا يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها، إذ يلحقها ذلك بالكبائر، ولا في صغيرة أدت إلى إزالة الحشمة، وأسقطت المروءة وأوجبت الإزراء والخساسة، فهذا أيضا مما يعصم عنه الأنبياء إجماعا..

لأن مثل هذا يحط منصب المتسم «1» به، ويزري بصاحبه، وينفر القلوب عنه.

والأنبياء منزهون عن ذلك، بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح فأدى إلى «2» مثله لخروجه بما أدى إليه عن اسم المباح إلى الحظر» . وقد ذهب بعضهم إلى عصمتهم من مواقعة المكروه قصدا

وقد استدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم، واتباع آثارهم وسيرهم مطلقا، وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك «3» ، والشافعي «4» ، وأبي حنيفة «5» ، من غير التزام قرينة.. بل مطلقا عند بعضهم.. وإن اختلفوا في حكم ذلك «6» .

وحكى ابن خويز «1» منداذ وأبو الفرج «2» عن مالك «3» .

التزام ذلك وجوبا.. وهو قول الأبهري «4» وابن القصار «5» وأكثر أصحابنا.. وقول أكثر أهل العراق، وابن سريج «6» والإصطخري «7» ، وابن خيران «8» من الشافعية.

وأكثر الشافعية على أن ذلك ندب..

وذهبت طائفة إلى الإباحة وقيد بعضهم الاتباع فيما كان من الأمور الدينية وعلم به مقصد القربة.

ومن قال بالإباحة في أفعاله لم يقيد.. قال: «فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم إذ ليس كل فعل من أفعاله يتميز مقصده به من القربة أو الإباحة أو الحظر أو المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية لا سيما على من يرى من الأصوليين تقديم الفعل على القول إذا تعارضا.

ونزيد هذا حجة بأن نقول: من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا صلى الله عليه وسلم مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل، وأنه متى رأى شيئا فسكت عنه صلى الله عليه وسلم دل على جوازه.. فكيف يكون هذا حاله في حق غيره ثم يجوز وقوعه منه في نفسه؟!

- وعلى هذا المأخذ تجب عصمته من مواقعة المكروه كما قيل..

وإذ الخطر أو الندب على الاقتداء بفعله ينافي الزجر والنهي عن فعل المكروه.

- وأيضا فقد علم من دين «1» الصحابة قطعا الاقتداء بأفعال

النبي صلى الله عليه وسلم كيف توجهت، وفي كل فن كالاقتداء بأقواله.. فقد نبذوا خواتيمهم حين نبذ خاتمه «1» .. وخلعوا نعالهم حين خلع «2» .. واحتجاجهم «3» برؤية ابن عمر «4» إياه جالسا لقضاء حاجته مستقبلا بيت المقدس.. واحتج غير واحد منهم في غير شيء «5» مما بابه العبادة أو العادة بقوله «6» : «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله» وقال «7» : «هلا خبرتيها أني أقبل وأنا صائم» ..

وقالت عائشة «8» محتجة «9» : «كنت أفعله أنا ورسول صلى الله عليه وسلم وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي أخبر بمثل هذا عنه فقال «10» : «يحل الله لرسوله ما يشاء» .

وقال: «إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده» . والآثار في هذا أعظم من أن يحيط بها. لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها ولو جوزوا عليه المخالفة في شيء منها لما اتسق هذا، ولنقل عنهم، وظهر بحثهم عن ذلك. ولما أنكر صلى الله عليه وسلم على الآخر قوله واعتذاره بما ذكرناه.

- وأما المباحات «1» فجائز وقوعها منهم إذ ليس فيها قدح.

بل هي مأذون فيها وأيديهم «2» كأيدي غيرهم مسلطة عليها.

- إلا أنهم بما خصوا به من رفيع المنزلة، وبما شرحت له صدورهم من أنوار «3» المعرفة، واصطفوا به من تعلق بالهم بالله والدار الآخرة.. لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات مما يتقوون به على سلوك طريقهم وصلاح دينهم وضرورة دنياهم.

وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة وصار قربة كما بينا منه- أول الكتاب طرفا في خصال نبينا صلى الله عليه وسلم.

فبان لك عظيم فضل الله على نبينا وعلى سائر أنبيائه عليهم السلام، بأن جعل أفعالهم قربات وطاعات بعيدة عن وجه المخالفة ورسم المعصية.

الفصل العاشر عصمتهم من المعاصي قبل النبوة ص 334

وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة فمنعها قوم وجوزها آخرون.

والصحيح إن شاء الله تنزيههم من كل عيب وعصمتهم من كل ما يوجب الريب.. فكيف والمسألة تصورها كالممتنع.. فإن المعاصي والنواهي إنما تكون بعد تقرر الشرع.

وقد اختلف الناس في حال نبينا صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه..

هل كان متبعا لشرع قبله، أم لا؟؟ فقال جماعة لم يكن متبعا لشيء.. وهذا قول الجمهور.

فالمعاصي على هذا القول غير موجودة، ولا معتبرة في حقه حينئذ، إذ الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالأوامر والنواهي،

وتقرر «1» الشريعة، ثم اختلفت حجج القائلين بهذه المقالة عليها..

فذهب سيف السنة ومقتدى فرق الأمة القاضي أبو بكر «2» إلى أن طريق العلم بذلك النقل، وموارد الخبر من طريق السمع..

وحجته أنه لو كان ذلك لنقل، ولما أمكن كتمه وستره في العادة..

إذ كان من مهم أمره وأولى ما اهتبل «3» به من سيرته، ولفخر به أهل تلك الشريعة ولا حتجوا به عليه.. ولم يؤثر شيء من ذلك جملة.. وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا.. قالوا:

لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا وبنوا «4» هذا على التحسين والتقبيح «5» ، وهي طريقة غير سديدة.

واستناد ذلك إلى النقل- كما تقدم للقاضي أبي بكر- أولى وأظهر وقالت فرقة أخرى: «بالوقف في أمره صلى الله عليه وسلم وترك قطع الحكم عليه بشيء في ذلك إذ لم يحل أحد الوجهين منها العقل ولا

استبان عندها في أحدهما طريق النقل.. وهو مذهب أبي المعالي «1»

وقالت فرقة ثالثة: «إنه كان عاملا بشرح من قبله، ثم اختلفوا- هل يتعين ذلك الشرع أم لا؟. فوقف بعضهم عن تعيينه وأحجم وجسر بعضهم على التعيين وصمم» .

ثم اختلفت هذه المعينة فيمن كان يتبع فقيل: نوح «2» وقيل:

إبراهيم «3» . وقيل: موسى «4» . وقيل: عيسى «5» صلوات الله عليهم. فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة.

والأظهر فيها ما ذهب إليه القاضي أبو بكر «6» وأبعدها مذاهب المعينين.. إذ لو كان شيء من ذلك لنقل كما قدمناه، ولم يخف جملة.. ولا حجة لهم في أن عيسى آخر الأنبياء فلزمت شريعته من جاء بعدها.. إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى «7» .. بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم، ولا حجة

أيضا للاخرين «1» في قوله: «أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا «2» » ولا للآخرين «3» في قوله تعالى «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا «4» » فمجمل «5» هذه الآية على اتباعهم في التوحيد.

كقوله تعالى: «أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده «6» » ، وقد سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث، ولم تكن له شريعته تخصه، كيوسف بن يعقوب- على قول من يقول إنه ليس برسول-..

وقد سمى الله تعالى جماعة منهم في هذه الآية شرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها فدل أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى..

وبعد هذا فهل يلزم من قال بمنع الاتباع هذا القول في سائر الأنبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم أو يخالفون بينهم؟ ..

أما من منع الاتباع عقلا فيطرد أصله في كل رسول بلا مرية..

وأما من قال إلى النقل فأينما تصور له وتقرر اتبعه ومن قال بالوقف فعلى أصله..

ومن قال بوجوب الاتباع لمن قبله يلتزمه بمساق صحبته في كل نبي «1» ..

الفصل الحادي عشر السهو والنسيان في الأفعال ص 339

هذا حكم ما تكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد، وهو ما يسمى معصية ويدخل تحت التكليف.. وأما ما يكون بغير قصد وتعمد، كالسهو، والنسيان في الوظائف الشرعية، مما تقرر الشرع بعدم تعلق الخطاب به، وترك المؤاخذة عليه.. فأحوال الأنبياء في ترك المؤاخذة به وكونه ليس بمعصية لهم مع أممهم سواء.

ثم ذلك على نوعين:

- ما طريقه البلاغ وتقرير الشرع وتعلق الأحكام وتعليم الأمة بالفعل وأخذهم باتباعه فيه.

- وما هو خارج عن هذا مما يختص بنفسه.

أما الأول: فحكمه عند جماعة من العلماء حكم السهو في القول في هذا الباب.. وقد ذكرنا الاتفاق على امتناع ذلك في حق

النبي صلى الله عليه وسلم وعصمته من جوازه عليه قصدا أو سهوا، فكذلك قالوا: الأفعال في هذا الباب لا يجوز طرو المخالفة فيها، لا عمدا ولا سهوا، لأنها بمعنى القول من جهة التبليغ والأداء.. وطرو هذه العوارض عليها يوجب التشكيك، ويسبب المطاعن..

واعتذروا عن أحاديث السهو «1» بتوجيهات نذكرها بعد هذا.

وإلى هذا مال أبو اسحق «2» وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية، والأحكام الشرعية، سهوا وعن غير قصد منه، جائز عليه كما تقرر من أحاديث السهو في الصلاة «3» وفرقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية لقيام المعجزة على الصدق في القول.. ومخالفة ذلك تناقضها، فأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها ولا قادح في النبوة.. بل غلطات الفعل، وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال صلى الله عليه وسلم «4» «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» نعم «5» .. بل حالة النسيان والسهو

هنا في حقه صلى الله عليه وسلم سبب إفادة علم وتقرير شرع، كما قال صلى الله عليه وسلم «1» «إني لأنسى أو أنسى لأسن» بل قد روي: «لست أنسى ولكن أنسى لأسن»

وهذه الحالة زيادة له في التبليغ، وتمام عليه في النعمة.. بعيدة عن سمات النقص «2» ، وأغراض الطعن.

فإن القائلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط.. بل ينبهون عليه، ويعرفون حكمه بالفور- على قول بعضهم- وهو الصحيح «3» .. وقبل انقراضهم- على قول الاخرين- أما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من أفعاله صلى الله عليه وسلم. وما يختص به من أمور دينية، وأذكار قلبية، مما لم يفعله ليتبع فيه فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها، ولحوق الفترات «4» والغفلات بقلبه، وذلك بما كلفه من مقاساة الخلق، وسياسات الأمة، ومعاناة «5» الأهل،

وملاحظة الأعداء.. ولكن ليس على سبيل التكرار، ولا الاتصال.. بل على سبيل الندور.

كما قال صلى الله عليه وسلم «1» : «إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله..»

وليس في هذا شيء يحط من رتبته، ويناقض معجزته.

وذهبت طائفة: إلى منع السهو والنسيان والغفلات والفترات في حقه صلى الله عليه وسلم جملة.. وهو مذهب جماعة المتصوفة «2» . وأصحاب علم القلوب والمقامات «3» . ولهم في هذه الأحاديث مذاهب نذكرها بعد هذا إن شاء الله..

الفصل الثاني عشر الأحاديث المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه وسلم ص 343

وقد قدمنا في الفصول قبل هذا ما يجوز فيه عليه السهو صلى الله عليه وسلم وما يمتنع.. وأحلناه «1» في الأخبار جملة وفي الأقوال الدينية قطعا وأجزنا وقوعه في الأفعال الدينية على الوجه الذي رتبناه وأشرنا إلى ما ورد في ذلك ونحن نبسط القول فيه.

والصحيح من الأحاديث الوارة في سهوه «2» صلى الله عليه وسلم ثلاثة «3» أحاديث.

أولها: حديث ذو اليدين «4» في السلام من اثنتين «5» .

الثاني: حديث ابن بحينة «6» في القيام من اثنتين.

الثالث: حديث ابن مسعود «1» رضي الله عنه «2» أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى انظهر خمسا «3» ..

وهذه الأحاديث مبنية على السهو في الفعل الذي قررناه..

وحكمة الله فيه ليستن به، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول، وأرفع للاحتمال.. وشرطه أنه لا يقر على السهو بل يشعر به ليرتفع الالتباس وتظهر فائدة الحكمة كما قدمناه..

وأن النسيان والسهو في الفعل في حقه صلى الله عليه وسلم غير مضاد للمعجزة، ولا قادح في التصديق..

وقد قال صلى الله عليه وسلم «4» : «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» .

وقال «5» : «رحم الله فلانا «6» لقد أذكرني كذا «7» وكذا آية كنت أسقطتهن» ويروى «أنسيتهن» .

وقال صلى الله عليه وسلم «1» : إني لأنسى- أو أنسى- لأسن.

قيل: هذا اللفظ «2» شك من الراوي. وقد روي إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن.

وذهب ابن نافع «3» وعيسى «4» بن دينار إنه ليس بشك، وأن معناه التقسيم، أي أنسى أنا أو ينسيني الله..

قال القاضي أبو الوليد «5» الباجي: «يحتمل ما قالاه وأن يريد أني أنسى في اليقظة وأنسى في النوم «6» .. أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذهول عن الشيء والسهو، أو أنسى مع إقبالي عليه وتفرغي له. فأضاف أحد النسيانين إلى نفسه إذ كان له بعض السبب فيه، ونفى الآخر عن نفسه إذ هو فيه كالمضطر» .

وذهبت طائفة من أصحاب المعاني «7» والكلام على الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو في الصلاة ولا ينسى «8» .. لأن النسيان

ذهول وغفلة وآفة قال «1» : والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عنها، والسهو شغل..

فكان صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته، ويشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة شغلا بها لا غفلة عنها.

واحتج بقوله «2» في الرواية الأخرى «3» : «إني لا أنسى» وذهبت طائفة «4» إلى منع هذا كله عنه. وقالوا: «إن سهوه عليه السلام كان عمدا وقصدا ليسن» .. وهذا قول مرغوب عنه متناقض المقاصد «5» لا يحلى «6» منه بطائل.. لأنه

كيف يكون متعمدا ساهيا في حال؟! ولا حجة لهم في قولهم إنه أمر بتعمد صورة النسيان ليسن لقوله إني لأنسى أو أنسى» ..

وقد «7» أثبت أحد الوصفين ونفى مناقضة التعمد والقصد وقال:

«إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون.»

وقد مال إلى هذا عظيم من المحققين من أئمتنا وهو أبو «8» المظفر

الإسفرائيني ولم يرتضه غيره منهم.. ولا أرتضيه. ولا حجة لهاتين الطائفتين في قوله «إني لا أنسى ولكن أنسى» .. إذ ليس فيه نفي حكم النسيان بالجملة وإنما فيه نفي لفظه.. وكراهة لقبه

كقوله «1» : «بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا ولكنه نسي «2» » .. أو نفي الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه لكن شغل بها عنها «3» ونسي بعضها ببعضها كما ترك الصلاة «4» يوم الخندق «5» حتى خرج وقتها وشغل «6» بالتحرز من العدو عنها فشغل بطاعة عن طاعة «7»

وقيل «8» : «إن الذي ترك يوم الخندق أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء «9» » .

وبه احتج من ذهب إلى جواز تأخير الصلاة في الخوف إذا لم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن. وهو مذهب الشاميين «1» والصحيح أن حكم صلاة الخوف كان بعد هذا فهو ناسخ له «2» ..

فإن قلت فما تقول في نومه صلى الله عليه وسلم «3» عن الصلاة «4» يوم الوادي «5» وقد قال «6» : «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» .

فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة..

منها: أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وغيبته «7» في غالب الأوقات.. وقد يندر منه غير ذلك.. كما يندر من غيره خلاف عادته.

ويصحح هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه «8» «إن الله قبض أرواحنا» وقول بلال «9» : «ما ألقيت علي نومة مثلها قط.

ولكن مثل هذا إنما يكون منه لأمر يريده الله من إثبات حكم وتأسيس سنة وإظهار شرع.

وكما قال في الحديث الآخر «1» : «لو شاء الله لأيقظنا ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم» .

الثاني: أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه لما روي أنه كان محروسا، وأنه كان ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه «2» ، ثم يصلي ولا يتوضأ.

وحديث ابن عباس «3» المذكور «4» فيه وضوؤه عند قيامه من النوم فيه نومه مع أهله «5» فلا يمكن الاحتجاج به على وضوءه بمجرد النوم.. إذ لعل ذلك لملامسة الأهل.. أو لحدث آخر.

فكيف وفي آخر الحديث نفسه.. ثم نام حتى سمعت غطيطه.. ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ.

وقيل: «لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه في النوم» ..

وليس قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس وليس هذا من فعل القلب.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا» .

فإن قيل فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال «اكلأ «1» لنا الصبح» .

فقيل في الجواب: «إنه كان من شأنه صلى الله عليه وسلم التغليس «2» بالصبح.

ومراعاة أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح الظاهرة فوكل بلالا بمراعاة أوله ليعلمه بذلك كما لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته» ..

فإن قيل: «فما معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن القول «نسيت» وقد قال صلى الله عليه وسلم «إني أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني.» !! وقال:

لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها؟.

فاعلم أكرمك الله أنه لا تعارض في هذه الألفاظ..

أما نهيه عن أن يقال: نسيت آية كذا فمحمول على ما نسخ فعله «3» من القرآن.. أي إن الغفلة في هذا لم تكن منه.. ولكن الله تعالى اضطره إليها ليمحو ما يشاء ويثبت..

وما كان من سهو أو غفلة من قبله تذكرها صلح أن يقال فيه أنسى..

وقد قيل: «إن هذا منه صلى الله عليه وسلم على طريق الاستحباب أن يضيف الفعل إلى خالقه، والآخر على طريق الجواز لاكتساب العبد فيه، وإسقاطه صلى الله عليه وسلم لما أسقط من هذه الآيات جائز عليه بعد بلاغ ما أمر ببلاغه، وتوصيله إلى عباده، ثم يستذكرها «1» من أمته، أو من قبل نفسه، إلا ما قضى الله نسخه ومحوه من القلوب وترك استذكاره. وقد يجوز أن ينسى النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا سبيله كرة، ويجوز أن ينسيه منه قبل البلاغ ما لا يغير نظما ولا يخلط حكما «2» مما لا يدخل خللا في الخبر ثم يذكره إياه.. ويستحيل دوام نسيانه له لحفظ الله كتابه «3» وتكليفه بلاغه «4» ..

الفصل الثالث عشر الرد على من أجاز عليهم من الصغائر ص 352

في الرد على من أجاز عليهم الصغائر والكلام على ما احتجوا به في ذلك. اعلم أن المجوزين للصغائر على الأنبياء من الفقهاء والمحدثين ومن شايعهم «1» على ذلك من المتكلمين «2» احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن والحديث.. إن التزموا ظواهرها أفضت «3» بهم إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم.

فكيف وكل ما احتجو به مما اختلف المفسرون في معناه وتقابلت «4» الاحتمالات في مقتضاه، وجاءت أقاويل «5» فيها

للسلف بخلاف ما التزموا من ذلك. فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا وكان الخلاف فيما احتجوا به قديما، وقامت الدلالة «1» على خطأ قولهم، وصحة غيره، وجب تركه والمصير إلى ما صح.

وها نحن نأخذ في النظر فيها إن شاء الله: فمن ذلك قوله تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «2» وقوله: «واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات «3» » .

وقوله: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك «4» » .

وقوله: «عفا الله عنك لم أذنت لهم «5» » .

وقوله: «لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم «6» » .

وقوله: «عبس وتولى أن جاءه الأعمى «7» » الآية.

وما قص من قصص غيره من الأنبياء.

كقوله: «وعصى آدم ربه فغوى «8» » .

وقوله: «فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما.. «1» »

وقوله عنه: «ربنا ظلمنا أنفسنا.. «2» » الاية.

وقوله عن يونس: «سبحانك إني كنت من الظالمين.. «3» » .

وما ذكره من قصة داود وقوله: «وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب «4» » إلى قوله «ماب» .

وقوله: «ولقد همت به وهم بها.. «5» » .

وما قص من قصته مع إخوته.

وقوله عن موسى: «فوكزه موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان «6» »

وقوله النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه «7» : «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت..» ونحوه من أدعيته صلى الله عليه وسلم وذكر الأنبياء في الموقف ذنوبهم- في حديث الشفاعة «8» -

وقوله: «إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله «9» » .

وفي حديث أبي هريرة «1» : «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين «2» مرة» .

وقوله تعالى عن نوح: «وإلا تغفر لي وترحمني «3» » الآية.

وقد كان قال الله له: «ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون «4» » .

وقال عن إبراهيم: «والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين «5» .

وقوله عن موسى: «تبت إليك «6» » .

وقوله: «ولقد فتنا سليمان «7» » .

إلى ما أشبه هذه الظواهر..

فأما احتجاجهم بقوله: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «8» » فهذا قد اختلف فيه المفسرون.

فقيل: «المراد ما كان قبل النبوة وبعدها» .

وقيل: «المراد ما وقع لك من ذنب وما لم يقع.. أعلمه أنه مغفور له» .

وقيل: ( «المتقدم» ما كان قبل النبوة، والمتأخر عصمتك بعدها) حكاه أحمد «1» بن نصر.

وقيل: «المراد بذلك أمته صلى الله عليه وسلم» .

وقيل: «المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل» حكاه الطبري «2» واختاره القشيري «3» .

وقيل: ( «ما تقدم» لأبيك آدم «وما تأخر» من ذنوب أمتك) حكاه السمرقندي «4» والسلمي «5» عن ابن عطاء «6» وبمثله والذي قبله يتأول قوله: «واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات»

قال مكي «7» «: مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ههنا هي مخاطبة لأمته» ..

وقيل: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن يقول: «وما أدري ما يفعل بي ولا بكم «8» » سر بذلك الكفار) .

فأنزل الله تعالى: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «1» » الآية.

وبمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها «2» قاله «3» ابن عباس «4» فمقصد الآية إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب أن لو كان «5»

قال بعضهم: «المغفرة ههنا تبرئة من العيوب»

وأما قوله: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك «6» »

فقيل: «ما سلف من ذنبك قبل النبوة» وهو قول ابن زيد «7» والحسن «8» ومعنى قول قتادة «9» .

وقيل: «معناه أنه حفظ قبل نبوته منها وعصم ولولا ذلك لأثقلت ظهره «10» » حكى معناه السمرقندي «11» .

وقيل: «المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى

بلغها» حكاه الماوردي «1» والسلمي «2» .

وقيل: «حططنا عنك ثقل الجاهلية» حكاه مكي «3» .

وقيل: «ثقل شغل سرك وحيرتك وطلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك» حكى معناه القشيري «4» .

وقيل: «معناه.. خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت وحفظ عليك» .

- ومعنى «أنقض ظهرك» أي كاد ينقضه «5» فيكون المعنى على من جعل ذلك لما قبل النبوة.. اهتمام النبي بأمور فعلها قبل نبوته، وحرمت عليه بعد النبوة فعدها أوزارا وثقلت عليه وأشفق منها.

- أو يكون «الوضع» عصمة الله له وكفايته من ذنوب لو كانت لأنقضت ظهره.

- أو يكون من ثقل الرسالة.

- أو ما ثقل عليه وشغل قلبه من أمور الجاهلية، وإعلام الله

تعالى له بحفظ ما استحفظه من وحيه..

وأما قوله: «عفا الله عنك لم أذنت لهم «1» » .

فأمر لم يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعد معصية..

ولا عده الله تعالى معصية.. بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك.

قال نفطويه «2» : «وقد حاشاه الله تعالى من ذلك.. بل كان مخيرا في أمرين.

قالوا: «وقد كان له أن يفعل ما شاء «3» فيما لم ينزل عليه فيه وحي.. فكيف وقد قال الله تعالى: «فأذن لمن شئت منهم «4» » فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم.. أنه لو لم يأذن لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل.

وليس «عفا» هنا بمعنى غفر.. بل قال النبي صلى الله عليه وسلم «5» :

«عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق» ولم تجب عليهم قط. أي لم يلزمكم ذلك ونحوه للقشيري «1» قال: «وإنما يقول «العفو» لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب قال: ومعنى «عفا» الله عنك» أي لم يلزمك ذنبا» .

قال الداودي «2» : «روي أنها كانت تكرمه» .

قال مكي «3» : «هو استفتاح كلام مثل- أصلحك الله- وأعزك» وحكى السمرقندي «4» : «أن معناه- عافاك الله-..»

وأما قوله في أسارى بدر «5» : «ما كان لنبي أن يكون له أسرى «6» » الايتين. فليس فيه إلزام ذنب للنبي صلى الله عليه وسلم..

بل فيه بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء. فكأنه قال: ما كان هذا لنبي غيرك

كما قال صلى الله عليه وسلم «1» : «أحلت لي الغنائم «2» .. ولم تحل لنبي قبلي» .

فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: «تريدون عرض الدنيا. «3» »

الآية. قيل: المعنى الخطاب لمن أراد ذلك منهم، وتجرد غرضه لعرض الدنيا وحده والاستكثار منها. وليس المراد بهذا النبي صلى الله عليه وسلم ولا علية «4» أصحابه بل قد روي عن الضحاك «5» : «أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر واشتغل الناس بالسلب «6» وجمع الغنائم عن القتال حتى خشي عمر «7» أن يعطف عليهم العدو» .

ثم قال تعالى: «لولا كتاب من الله سبق» «8» .

فاختلف المفسرون في معنى الآية..

فقيل: معناها «9» : «لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدا إلا بعد النهي لعذبتكم.. فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية» .

وقيل المعنى: «لولا إيمانكم بالقرآن وهو الكتاب السابق فاستوجبتم به الصفح لعوقبتم على الغنائم «1» » .

ويزداد هذا القول تفسيرا وبيانا.

بأن يقال: «لولا ما كنتم مؤمنين بالقرآن وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم لعوقبتم كما عوقب من تعدى» .

وقيل: «لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم فهذا كله ينفي الذنب والمعصية.. لأن من فعل ما أحل له لم يعص» .

قال الله تعالى: «فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا «2» » .

وقيل: بل كان النبي صلى الله عليه وسلم قد خير في ذلك وقد روي عن علي «3» رضي الله عنه قال: «جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسارى إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل في العام المقبل مثلهم.. فقالوا: الفداء ويقتل منا «4» ..»

وهذا دليل على صحة ما قلناه، وأنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه.. لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره

من الإثخان والقتل فعوتبوا على ذلك، وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم، وكلهم غير عصاة ولا مذنبين.

وإلى نحو هذا أشار الطبري «1» . وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه القضية «2» :

«لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر «3» » إشارة إلى هذا من تصويب رأيه ورأي من أخذ بمأخذه في إعزاز الدين، وإظهار كلمته، وإبادة عدوه، وأن هذه القضية لو استوجبت عذابا نجا منه عمر «3» ومثله «4» - وعين عمر- لأنه أول من أشار بقتلهم «5» ولكن الله لم يقدر عليهم في ذلك عذابا لحله لهم فيما سبق.

وقال الداودي «6» والخبر بهذا لا يثبت، ولو ثبت لما جاز أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بما لا نص فيه، ولا دليل من نص، ولا جعل الأمر فيه إليه وقد نزهه الله تعالى عن ذلك.

وقال القاضي بكر «7» بن العلاء أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم والفداء وقد

كان قبل هذا فادوا في سرية عبد الله «1» بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي «2» والحكم بن كيسان «3» وصاحبه «4» فما عتب الله ذلك عليم.. وذلك قبل بدر بأزيد من عام «5» .

فهذا كله يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى كان على تأويل وبصيرة. وعلى ما تقدم قبل مثله.. فلم ينكره الله تعالى عليهم.. لكن الله تعالى أراد لعظم أمر بدر، وكثرة أسراها- والله أعلم- إظهار نعمته، وتأكيد منته بتعريفهم ما كتبه في في اللوح المحفوظ من حل ذلك لهم، لا على وجه عتاب وإنكار وتذنيب.. هذا معنى كلامه.

وأما قوله: «عبس وتولى «6» ..» الآيات فليس فيه إثبات ذنب له صلى الله عليه وسلم، بل إعلام الله أن ذلك المتصدى «7» له ممن لا يتزكى

وأن الصواب والأولى كان- لو «1» كشف لك «2» حال الرجلين- الإقبال على الأعمى «3» .

وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل، وتصديه لذاك الكافر، كان طاعة لله، وتبليغا عنه، واستئلافا له، كما شرعه الله له، لا معصية ومخالفة له.

- وما قصه الله عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين، وتوهين أمر الكافر عنده، والإشارة إلى الإعراض عنه بقوله: «وما عليك ألا يزكى» .

وقيل: (أراد «بعبس» «وتولى» الكافر الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم قاله: أبو تمام «4» ) .

وأما قصة آدم عليه السلام وقوله تعالى: «فأكلا منها «5» »

بعد قوله: «ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين «1» »

وقوله: «ألم أنهكما عن تلكما الشجرة «2» » وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله تعالى: «وعصى آدم ربه فغوى «3» » أي جهل. وقيل: (أخطأ) . فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله: «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما «4» »

قال ابن زيد «5» : «نسي عداوة إبليس له، وما عهد الله إليه من ذلك» .

بقوله: «إن هذا عدو لك ولزوجك «6» ..» الاية.

قيل: «نسي ذلك بما أظهر لهما» .

وقال ابن عباس «7» : (إنما سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي) .

وقيل: «لم يقصد المخالفة استحلالا لها، ولكنهما اغترا بحلف إبليس لهما «إني لكما لمن الناصحين «8» » وتوهما أن

أحدا لا يحلف بالله حانثا. وقد روي عذر آدم بمثل هذا في بعض الآثار

وقال ابن جبير «1» : «حلف بالله لهما حتى غرهما.. والمؤمن يخدع «2» .

وقيل: (نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال: «ولم نجد له عزما «3» » أي قصدا للمخالفة) ..

وأكثر المفسرين على أن «العزم» هنا الحزم والصبر.

وقيل: «كان عند أكله سكران وهذا فيه ضعف «3» » .

لأن الله تعالى وصف خمر الجنة أنها لا تسكر «4» .. فإذا كان ناسيا لم تكن معصية، وكذلك إن كان ملبسا عليه غالطا إذ الاتفاق على خروج الناسي والساهي عن حكم التكليف.

وقال الشيخ أبو بكر «5» بن فورك وغيره: (إنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوة ودليل ذلك قوله: «وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى «6» » فذكر أن

الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان) .

وقيل: «بل أكلها متأولا، وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها.. لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس» .

ولهذا قيل: «إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة»

وقيل: «تأول أن الله لم ينهه عنها نهي تحريم» .

فإن قيل: (فعلى كل حال فقد قال الله تعالى «وعصى آدم ربه فغوى «1» » .

وقال: «فتاب عليه وهدى «2» » .

وقوله في حديث الشفاعة «3» : «- ويذكر ذنبه- وإني نهيت عن أكل الشجرة فعصيت» . فسيأتي الجواب عنه وعن أشباهه مجملا آخر الفصل إن شاء الله.

وأما قصة يونس «4» : فقد مضى الكلام على بعضها آنفا «5» ، وليس في قصة يونس نص على ذنب وإنما فيها (أبق) (وذهب مغاضبا) وقد تكلمنا عليه..

وقيل: (إنما نقم الله خروجه عن قومه فارا من نزول العذاب)

وقيل: «بل. لما وعدهم العذاب، ثم عفا الله عنهم قال:

والله لا ألقاهم بوجه كذاب أبدا» .

وقيل: «بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك» .

وقيل: «ضعف عن حمل أعباء الرسالة.»

وقد تقدم الكلام أنه لم يكذبهم «1» .. وهذا كله ليس فيه نص على معصية إلا على قول مرغوب عنه.

وقوله: «أبق إلى الفلك

«2» مشحون «3» قال المفسرون:

تباعد «4» .

وأما قوله: «إني كنت من الظالمين «5» » «5» «فالظلم» وضع الشيء في غير موضعه «6» فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه..

فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه أو لضعفه عما حمله، أو لدعائه بالعذاب على قومه.

وقد دعا نوح هلاك قومه فلم يؤاخذ.

وقال الواسطي «1» في معناه: «نزه ربه عن الظلم، وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا» .

ومثل هذا قول آدم وحواء: «ربنا ظلمنا أنفسنا «2» » إذ كانا السبب في وضعهما في غير الموضع الذي أنزلا فيه وإخراجهما من الجنة، وإنزالهما إلى الأرض.

وأما قصة داوود «3» عليه السلام: فلا يجب «4» أن يلتفت إلى ما سطره فيه الإخباريون عن أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا، ونقله بعض المفسرين.. ولم ينص الله على شيء من ذلك ولا ورد في حديث صحيح. والذي نص الله عليه

قوله: «وظن داود أنما فتناه «1» ..» إلى قوله: «وحسن ماب» وقوله فيه: «أواب» فمعنى (فتناه) اختبرناه و «أواب»

قال قتادة «2» : «مطيع» .. وهذا التفسير أولى.

قال ابن عباس «3» وابن مسعود «4» : «ما زاد داود أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك وأكفلينها فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه وأنكر علة شغله بالدنيا» . وهذا الذي ينبغي أن يعول عليه من أمره.

وقيل: «خطبها على خطبته «5» » وقيل: «بل أحب بقلبه أن يستشهد «6» » .

وحكى السمرقندي «7» : «أن ذنبه الذي استغفر منه قوله لأحد الخصمين «8» : «لقد ظلمتك «9» » فظلمه «10» بقول

خصمه «1» وقيل لما خشي على نفسه، وظن من الفتنة بما بسط له من الملك والدنيا، وإلى نفي ما أضيف في الأخبار إلى داود ذهب أحمد بن نصر «2» وأبو تمام «3» وغيرهما من المحققين.

قال الداودي «4» : «ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم» .

وقيل: «إن الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نتاج «5» غنم على ظاهر الآية» .

وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف منها تعقب، وأما إخوته، فلم تثبت نبوتهم فيلزم الكلام على أفعالهم.. وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء.

قال المفسرون: «يريد من نبىء من أبناء الأسباط» .

وقد قيل: «إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما فعلوه صغار الأسنان ولهذا لم يميزوا يوسف حين اجتمعوا به، ولهذا قالوا:

«أرسله معنا غدا يرتع ويلعب «1» .» وإن ثبتت لهم نبوة فبعد هذا الفعل- والله أعلم-.

وأما قول الله تعالى فيه: «ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه «2» » .

فعلى مذهب كثير من الفقهاء والمحدثين أن هم النفس لا يؤاخذ به وليست سيئة.

لقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه «3» : «إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة..» فلا معصية في همه إذن.

وأما على مذهب المحققين «4» من الفقهاء والمتكلمين: فإن الهم إذا وطنت عليه النفس سيئة.. وأما مالم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه.. وهذا هو الحق.

فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا.

ويكون قوله: «وما أبرئ نفسي «1» ..» الآية.. أي ما أبرئها من هذا الهم.

أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكي قبل وبرىء.. فكيف وقد حكى أبو حاتم «2» عن أبي عبيدة «3» أن يوسف لم يهم وأن الكلام فيه تقديم وتأخير.

أي ولقد همت به.. ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها.

ولقد قال الله تعالى عن المرأة «ولقد راودته عن نفسه فاستعصم «4» » .

وقد قال تعالى: «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء «5» »

وقال تعالى: «وغلقت الأبواب وقالت هيت لك،» قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي «6» » الآية.

قيل: في «ربي» الله وقيل: الملك.

وقيل: «هم بها» أي بزجرها ووعظها وقيل: «هم بها»

أي غمها «1» امتناعه عنها وقيل: «هم بها» نظر إليها وقيل: هم بضربها ودفعها وقيل: «هذا كله كان قبل نبوته» .

وقد ذكر بعضهم: «ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه» .

وأما خبر موسى صلى الله عليه وسلم مع قتيله «2» الذي وكزه «3» .. وقد نص الله تعالى أنه من عدوه.

وقيل: «كان من القبط «4» الذين على دين فرعون،، ودليل السورة في هذا كله أنه قبل «5» نبوة موسى» .

وقال قتادة «6» : «وكزه بالعصا ولم يتعمد قتله، فعلى هذا لا معصية في ذلك» .

وقوله: «هذا من عمل الشيطان «1» » وقوله: «ظلمت نفسي فاغفر لي «2» » .

قال ابن جريج «3» : «قال ذلك من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر» .

وقال النقاش «4» : (لم يقتله عن عمد مريدا للقتل، وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه) .

قال «5» وقد قيل: (إن هذا كان قبل النبوة وهو مقتضى التلاوة) وقوله تعالى في قصته: «وفتناك فتونا «6» » أي ابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء.

قيل: «في هذه القصة وما جرى له «7» مع فرعون.

وقيل: «إلقاؤه في التابوت «1» واليم «2» » وغير ذلك.

وقيل: معناه أخلصناك إخلاصا «3» قاله ابن جبير «4» ومجاهد «5» من قولهم: «فتنت الفضة في النار» إذا خلصتها. وأصل «الفتنة معنى» الاختبار وإظهار ما بطن إلا أنه استعمل في عرف الشرع في اختيار أدى إلى ما يكره.

وكذلك ما روي في الخبر الصحيح «6» من أن ملك الموت جاءه فلطم عينه ففقأها..

الحديث ليس فيه ما يحكم على موسى عليه السلام بالتعدي وفعل ما لا يجب.. إذ هو ظاهر الأمر، بين الوجه، جائز الفعل، لأن موسى دافع عن نفسه من أتاه لإتلافها.. وقد تصور له في صورة آدمي، ولا يمكن أنه علم حينئذ أنه ملك

الموت، فدافعه عن نفسه مدافعة. أدت إلى ذهاب عين تلك الصورة التي تصور له فيها الملك، امتحانا من الله، فلما جاءه بعد وأعلمه الله تعالى أنه رسوله إليه استسلم.

وللمتقدمين وللمتأخرين على هذا الحديث أجوبة. هذا أسدها عندي، وهو تأويل شيخنا الإمام أبي عبد الله «1» المازري.

وقد تأوله قديما ابن عائشة «2» وغيره على صكه «3» ولطمه بالحجة وفقء عين حجته، وهو كلام مستعمل في هذا الباب في اللغة ومعروف.

وأما قصة سليمان وما حكى فيها أهل التفاسير من ذنبه وقوله: «ولقد فتنا سليمان «4» » فمعناه ابتليناه، وابتلاؤه

ما حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم «1» أنه قال: (لأطوفن الليلة على مئة «2» امرأة أو تسع وتسعين «3» كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه «4» : قل إن شاء الله فلم يقل.. فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده.

لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله» ) .

قال أصحاب المعاني «5» : «والشق» هو الجسد «6» الذي ألقي على كرسيه حين عرض عليه.. وهي عقوبته ومحنته.

وقيل: «بل مات فألقي على كرسيه ميتا» .

وقيل: «ذنبه حرصه على ذلك وتمنيه «7» ..»

وقيل: «لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني» .

وقيل: عقوبته أن سلب «1» ملكه وذنبه أنه أحب بقلبه أن يكون الحق لأختانه «2» على خصمهم.

ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور، في حكمه لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله «3» .

وإن سئل لم لم يقل سليمان في القصة المذكور إن شاء الله؟؟

فعنه «4» أجوبة «5» : أحدهما: ما روي في الحديث الصحيح أنه نسي أن يقولها، وذلك لينفذ مراد «6» الله.

والثاني: أنه لم يسمع صاحبه «7» وشغل عنه.

وقوله: «وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي «8» »

لم يفعل هذا سليمان غيرة «1» على الدنيا، ولا نفاسة «2» بها، ولكن مقصده في ذلك على ما ذكره المفسرون أن لا يسلط عليه أحد كما سلط عليه الشيطان الذي سلبه إياه مدة امتحانه- على قول من قال ذلك «3» - وقيل: بل أراد أن يكون له من الله فضيلة، وخاصة يختص بها، كاختصاص «4» غيره من أنبياء الله ورسله بخواص «5» منه.

وقيل: «ليكون ذلك دليلا وحجة على نبوته كإلانة الحديد لأبيه، وإحياء الموتى لعيسى، واختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالشفاعة، ونحو هذا» ..

وأما قصة نوح عليه السلام فظاهرة العذر، وأنه أخذ فيها بالتأويل، وظاهر اللفظ لقوله تعالى «وأهلك «6» » فطلب مقتضى هذا اللفظ، وأراد علم ما طوي عنه من ذلك لا أنه شك في وعد الله.

فبين «1» الله عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم لكفره، وعمله، الذي هو غير صالح، وقد أعلمه أنه مغرق الذين ظلموا، ونهاه عن مخاطبته فيهم، فأوخذ بهذا التأويل، وعتب عليه، وأشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم يؤذن له في السؤال فيه.

وكان نوح- فيما حكاه النقاش «2» - لا يعلم بكفرابنه وقيل في الآية: غير هذا.. وكل هذا لا يقضي على نوح بمعصية سوى ما ذكرناه من تأويله وإقدامه بالسؤال فيمن «3» لم يؤذن له فيه ولا نهي عنه..

وما روي في الصحيح «4» من أن نبيا قرصته «5» نملة فحرق قرية «6» النمل فأوحى الله إليه: أن «7» قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح «8» ؟!!.

فليس في هذا الحديث أن هذا الذي أتى معصية بل فعل ما رآه مصلحة وصوابا بقتل من يؤذي جنسه ويمنع المنفعة بما أباح الله.

ألا ترى أن هذا النبي كان نازلا تحت الشجرة. فلما آذته انملة تحول برحله عنها مخافة تكرار الأذى عليه..

وليس فيما أوحى الله إليه ما يوجب عليه معصية.. بل ندبه إلى احتمال الصبر، وترك التشفي.

كما قال تعالى: «ولئن صبرتم لهو خير للصابرين «1» » إذ ظاهر فعله إنما كان لأجل أنها آذته هو في خاصته فكان انتقساما لنفسه، وقطع مضرة يتوقعها من بقية النمل هناك، ولم يأت في كل هذا أمرا نهي عنه فيعصى به، ولا نص فيما أوحى الله إليه بذلك ولا بالتوبة والاستغفار منه- والله أعلم-

فإن قيل فما معنى قوله عليه السلام «2» : ما من أحد إلا ألم بذنب أو كاد، إلا يحيى بن زكريا أو كما قال «3» عليه السلام فالجواب عنه كما تقدم من ذنوب الأنبياء التي وقعت عن غير قصد وعن سهو وغفلة.

الفصل الرابع عشر حالة الانبياء في خوفهم واستغفارهم ص 384

فإن قلت: فإذا نفيت عنهم صلوات الله عليهم الذنوب والمعاصي بما ذكرته من اختلاف المفسرين وتأويل المحققين.. فما معنى قوله تعالى: «وعصى آدم ربه فغوى «1» » وما تكرر في القرآن والحديث الصحيح من اعتراف الأنبياء بذنوبهم، وتوبتهم، واستغفارهم، وبكائهم على ما سلف منهم، وإشفاقهم؟؟!!

وهل يشفق ويتاب ويستغفر من لا شيء؟!!

فاعلم وفقنا الله وإياك أن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو، والمعرفة بالله وسنته في عباده، وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله، والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وأنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها، ولا

أمروا بها، ثم ووخذوا «1» عليها، وعوتبوا بسببها، وحذروا «2» من المؤاخذة بها.. وأتوها على وجه التأويل، أو السهو، أو تزيد من أمور الدنيا المباحة، خائفون وجلون.

وهي ذنوب بالإضافة إلى علي منصبهم. ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم.

لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم. فإن الذنب مأخوذ «3» من الشيء الدنيء الرذل «4» ، ومنه «ذنب «5» كل شيء» أي آخره وأذناب الناس رذا لهم «6» فكأن «7» هذه أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم، لتطهيرهم، وتنزيههم، وعمارة بواطنهم وظواهرهم بالعمل الصالح، والكلم الطيب، والذكر الظاهر والخفي، والخشية لله وإعظامه في السر والعلانية..

وغيرهم يتلوث من الكبائر والقبائح والفواحش ما تكون

بالإضافة إلى «1» هذه الهنات «2» في حقه كالحسنات.

كما قيل «3» : «حسنات الأبرار، سيئات المقربين» .

أي يرونها بالإضافة إلى علي أحوالهم كالسيئات وكذلك «العصيان» الترك والمخالفة، فعلى مقتضى اللفظة كيفما كانت من سهو، أو تأويل، فهي مخالفة وترك. وقوله: «غوى» أي أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها.. «والغي» الجهل وقيل:

أخطأ ما طلب من الخلود إذ أكلها.. وخابت أمنيته «4» .

وهذا يوسف عليه السلام قد ووخذ «5» بقوله لأحد صاحبي السجن «6» : «اذكرني عند ربك، فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين «7» » .

قيل: «أنسي يوسف ذكر الله» .

وقيل: «أنسي صاحبه أن يذكره لسيده الملك» .

قال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : «لولا كلمة يوسف ما لبث في السجن ما لبث» قال ابن دينار «2» : لما قال ذلك يوسف قيل له: اتخذت «3» من دوني وكيلا!! .. لأطيلن حبسك.. فقال: يا رب أنسى قلبي كثرة «4» البلوى.

وقال بعضهم: «يؤاخذ الأنبياء بمثاقيل «5» الذر «6» لمكانتهم عنده ويجاوز عن سائر الخلق لقلة مبالاته «7» بهم في أضعاف ما أتوا به

من سوء الأدب. وقد قال المحتج للفرقة «1» الأولى. على سياق ما قلناه.. إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا مما لا يؤاخذ به غيرهم من السهو والنسيان وما ذكرته وحالهم أرفع فحالهم «2» إذن في هذا أسوأ «3» حالا من غيرهم.

فاعلم أكرمك الله: أنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حد مؤاخذة غيرهم.. بل نقول: «إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا ليكون ذلك زيادة في درجاتهم، ويبتلون بذلك ليكون استشعارهم «4» له سببا لمنماة «5» رتبهم كما قال: «ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى «6» » .

وقال لداود: «فغفرنا له ذلك «7» » الآية وقال بعد قول موسى: «تبت إليك «8» » «إني اصطفيتك على الناس «9» » .

وقال بعد ذكر فتنة سليمان وإنابته: «فسخرنا له الريح. إلى

وحسن مآب «1» » وقال بعض المتكلمين: «زلات الأنبياء في الظاهر زلات وفي الحقيقة كرامات وزلف «2» . وأشار إلى نحو مما قدمناه.

وأيضا فلينبه غيرهم من البشر منهم، أو ممن ليس من درجتهم بمؤاخذتهم بذلك فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر على النعم، ويعدوا الصبر على المحن «3» بملاحظة ما وقع بأهل هذا النصاب «4» الرفيع المعصوم. فكيف بمن سواهم.

ولهذا قال صالح «5» المري: «ذكر داود بسطة «6» للتوابين» .

قال ابن عطاء «7» : «لم يكن ما نص الله تعالى من قصة صاحب «8»

الحوت نقصا «1» له، ولكن استزادة «2» من نبينا صلى الله عليه وسلم، وأيضا.

فيقال لهم: فإنكم ومن وافقكم تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر، ولا خلاف في عصمة الأنبياء من الكبائر..

فما جوزتم من وقوع الصغائر عليهم هي مغفورة على هذا، فما معنى المؤاخذة بها إذن عندكم!! .. وخوف الأنبياء وتوبتهم منها وهي مغفورة لو كانت!! ..

فما أجابوا به فهو جوابنا عن المؤاخذة بأفعال السهو والتأويل.

وقد قيل: إن كثرة استغفار النبي صلى الله عليه وسلم وتوبته وغيره من الأنبياء على وجه ملازمة الخضوع والعبودية والاعتراف بالتقصير شكرا لله على نعمه.

كما قال صلى الله عليه وسلم «3» وقد أمن من المؤاخذة بما تقدم وما تأخر «أفلا أكون عبدا شكورا..» !!

وقال «4» : «إني أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» .

قال الحارث بن أسد «1» : «خوف الملائكة والأنبياء خوف إعظام وتعبد لله لأنهم آمنون» .

وقيل «2» : فعلوا ذلك ليقتدى بهم وتستن بهم أممهم.

كما قال صلى الله عليه وسلم «3» «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» وأيضا فإن في التوبة والاستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء، وهو استدعاء محبة الله «4» .

قال الله تعالى: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين «5» » .

فإحداث «6» الرسل والأنبياء الاستغفار والتوبة والإنابة والأوبة في كل حين استدعاء لمحبة الله والاستغفار فيه معنى التوبة.

وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: «لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار «7» .»

الآية وقال تعالى: «فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا «8» » .

الفصل الخامس عشر فائدة مامر من الفصول التي بحثت مسألة العصمة ص 392

قد استبان لك أيها الناظر بما «1» قررناه ما هو الحق من عصمته صلى الله عليه وسلم عن الجهل بالله، وصفاته، أو كونه على حالة تنافي العلم بشيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلا وإجماعا، وقبلها سماعا ونقلا، ولا بشي مما قرره من أمور الشرع، وأداه عن ربه من الوحي قطعا وعقلا وشرعا، وعصمته عن الكذب، وخلف القول، منذ نبأه الله، وأرسله قصدا أو غير قصد، واستحالة ذلك عليه شرعا وإجماعا ونظرا وبرهانا، وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا، وتنزيهه عن الكبائر إجماعا «2» وعن الصغائر تحقيقا، وعن استدامة السهو والغفلة، واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة، وعصمته في كل حالاته من رضا، وغضب، وجد، ومزح،

فيجب عليك أن تتلقاه باليمين «1» ، وتشد عليه يد الضنين «2» ، وتقدر «3» هذه الفصول حق قدرها، وتعلم عظيم فائدتها وخطرها، فإن من يجهل ما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو يجوز، أو يستحيل عليه، ولا يعرف صور أحكامه، لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه، ولا ينزهه عما لا يجب «4» أن يضاف إليه، فيهلك من حيث لا يدري، ويسقط في هوة «5» الدرك «6» الأسفل من النار.. إذ ظن الباطل به واعتقاد ما لا يجوز عليه يحل بصاحبه دار البوار، ولهذا احتاط عليه السلام على الرجلين اللذين رأياه ليلا وهو معتكف في المسجد مع صفية «7» .. فقال لهما: «إنها صفية» .. ثم قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني

خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا فتهلكا «1» » ..

- هذه أكرمك الله إحدى فوائد ما تكلمنا عليه في هذه الفصول.

ولعل جاهلا لا يعلم بجهله.. إذا سمع شيئا منها يرى أن الكلام فيها جملة من فضول العلم، وأن السكوت أولى..

وقد استبان لك أنه متعين للفائدة التي ذكرناها وفائدة ثانية يضطر إليها في أصول الفقه، ويبتنى «2» عليها مسائل لا تنعد «3» من الفقه، ويتخلص بها من تشغيب «4» مختلفي الفقهاء في عدة منها، وهي:

- الحكم في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وهو باب عظيم، وأصل كبير من أصول الفقه، ولا بد من بنائه على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في أخباره وبلاغه وأنه لا يجوز عليه السهو فيه، وعصمته من المخالفة في أفعاله عمدا، وبحسب اختلافهم في وقوع الصغائر وقع خلاف «5» في امتثال الفعل بسط بيانه في كتب ذلك العلم، فلا نطول به..

وفائدة ثالثة: يحتاج إليها الحاكم «6» والمفتي فيمن أضاف إلى

النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من هذه الأمور ووصفه بها فمن لم يعرف ما يجوز، وما يمتنع عليه، وما وقع الإجماع فيه، والخلاف كيف يصمم في الفتيا في ذلك!! ومن أين يدري هل ما قاله فيه نقص أو مدح!!. فإما أن يجترىء على سفك دم مسلم حرام، أو يسقط حقا ويضيع حرمة للنبي صلى الله عليه وسلم «1» .. وبسبيل هذا ما قد اختلف أرباب الأصول وأئمة العلماء والمحققين في عصمة الملائكة..

الفصل السادس عشر عصمة الملائكة ص 396

في القول في عصمة الملائكة: أجمع «1» المسلمون على أن الملائكة «2» مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة، مما ذكرنا عصمتهم منه، وأنهم في حقوق الأنبياء، والتبليغ إليهم، كالأنبياء مع الأمم..

واختلفوا في غير المرسلين منهم، فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي «3» ، واحتجوا بقوله تعالى: «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون «4» » وبقوله: «وما منا إلا له

مقام معلوم، وإنا لنحن الصافون «1» وإنا لنحن المسبحون «2» »

وبقوله: «ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون» «3» .

وبقوله: «إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته «4» » الاية وبقوله: «كرام بررة «5» » و: «لا يمسه إلا المطهرون «6» » ونحوه من السمعيات «7» .

وذهبت طائفة: إلى أن هذا خصوص «8» للمرسلين منهم والمقربين واحتجوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتفاسير نحن نذكرها إن إن شاء الله بعد، ونبين الوجه فيها إن شاء الله.

والصواب: عصمة جميعهم، وتنزيه نصابهم «9» الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم. ورأيت بعض شيوخنا أشار «10» بأن «11» لا حاجة بالفقيه إلى الكلام في عصمتهم «12» .

وأنا أقول إن للكلام في ذلك ما للكلام في عصمة الأنبياء من الفوائد التي ذكرناها سوى فائدة الكلام في الأقوال والأفعال، فهي ساقطة ههنا «1» .

فمما احتج به من لم يوجب عصمة جميعهم «2» قصة هاروت وماروت «3» وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقلة المفسرين، وما روي عن علي «4» وابن عباس «5» في خبرهما وابتلائهما.

فاعلم أكرمك الله- أن هذه الأخبار لم يرو منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» . وليس هو شيئا يؤخذ بقياس.. والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف كما سنذكره.

وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نصه الله أول الآيات من افترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه.

وقد انطوت القصة على شنع «1» عظيمة. وها نحن نحبر «2» في ذلك ما يكشف غطاء هذه الإشكالات إن شاء الله.

فاختلف أولا في هاروت وماروت.. هل هما ملكان أو إنسيان وهل هما المراد بالملكين أم لا.. وهل القراءة «ملكين» «3» أو «ملكين» «4» .

وهل ما في قوله «وما أنزل «5» » و «ما يعلمان من أحد «6» » نافية أو موجبة..

فأكثر المفسرين: «أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين لتعليم السحر وتبيينه.. وأن عمله «7» كفر.. فمن تعلمه كفر ومن تركه آمن «8» » .

قال الله تعالى: «إنما نحن فتنة فلا تكفر «1» » وتعليمهما الناس له تعليم إنذار.. أي يقولان لمن جاء يطلب تعلمه لا تفعلوا «2» كذا فإنه يفرق بين المرء وزوجه، ولا تتخيلوا «3» بكذا فإنه سحر. فلا تكفروا.

فعلى هذا: فعل الملكين طاعة، وتصرفهما فيما أمرا به ليس بمعصية.. وهي لغيرهما فتنة.

وروى ابن وهب «4» عن خالد «5» بن أبي عمران: أنه ذكر عنده هاروت وماروت، وأنهما يعلمان السحر فقال: نحن ننزههما عن هذا.. فقرأ بعضهم «وما أنزل على الملكين «6» » فقال خالد:

لم ينزل عليهما) .

فهذا خالد على جلالته وعلمه نزههما عن تعليم السحر الذي قد ذكره غيره أنهما «7» مأذون لهما في تعليمه بشريطة أن يبينا أنه كفر، وأنه امتحان من الله وابتلاء.. فكيف لا ينزههما عن كبائر «8»

المعاصي والكفر المذكورة في تلك الأخبار.

وقول خالد: «لم ينزل» يريد أن ما «نافية» وهو قول ابن عباس «1» .

قال مكي «2» : «وتقدير الكلام.. وما كفر سليمان- يريد بالسحر الذي افتعلته عليه الشياطين واتبعتهم في ذلك اليهود» .

وما أنزل على الملكين. قال مكي «2» : «هما جبريل وميكائيل.

ادعى اليهود عليهما المجيء به كما ادعوا على سليمان فأكذبهم الله في ذلك.. «ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. ببابل هاروت وماروت «3» » قيل: «هما رجلان تعلماه» .

قال الحسن «4» : «هاروت وماروت علجان «5» من أهل بابل وقرأ «وما أنزل على الملكين «6» بكسر اللام، وتكون «ما» إيجابا على هذا.

وكذلك قراءة عبد الرحمن «1» بن أبزى بكسر اللام، ولكنه قال: «الملكان هنا داوود وسليمان» .. وتكون «ما» نفيا «2» على ما تقدم..

وقيل: كانا ملكين من بني إسرائيل فمسخهما الله.. حكاه السمرقندي «3» ، والقراءة بكسر اللام شاذة فمحمل الآية على تقدير أبي محمد مكي حسن.. ينزه الملائكة، ويذهب الرجس عنهم..

ويطهرهم تطهيرا..

وقد وصفهم الله بأنهم «مطهرون «4» » و «كرام بررة «5» » و «لا يعصون الله ما أمرهم «6» » .

ومما يذكرونه: قصة إبليس وأنه كان من الملائكة ورئيسا فيهم، ومن خزان الجنة.. إلى آخر ما حكوه وأنه استثناه من الملائكة بقوله: «فسجدوا إلا إبليس «7» » .

وهذا أيضا لم يتفق عليه.. بل الأكثر ينفون ذلك، وأنه أبو الجن كما آدم أبو الإنس وهو قول الحسن «1» وقتادة «2» ، وابن زيد «3» وقال شهر «4» بن حوشب: «كان من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض حين أفسدوا.. والاستثناء من غير الجنس «5» شائع في كلام العرب سائغ» .

وقد قال الله تعالى: «ما لهم به من علم إلا اتباع الظن» ومما رووه في الأخبار «6» : «أن خلقا من الملائكة عصوا الله فحرقوا «7» ، وأمروا أن يسجدوا لآدم فأبوا فحرقوا، ثم آخرون كذلك، حتى سجد له من ذكر الله إلا إبليس.. في أخبار لا أصل لها تردها صحاح الأخبار.. فلا يشتغل بها والله أعلم.

النص من طبعة دار الفيحاء بعمّان لكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض اليحصبي، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.