ذكر ملك بلك بن بهرام بن أرتق مدينة عانة
ص 69
في هذه السنة في المحرم استولى بلك بن بهرام بن أرتق وهو ابن أخي أيلغازي بن أرتق على مدينة عانة والحديثة وكان له مدينة سروج فأخذها الفرنج منه وسار عنها إلى عانة وأخذها من بني يعيش بن عيسى بن خلاط فقصد بنو يعيش سيف الدولة صدقة بن مزيد ومعهم مشايخهم فسألوه الإصعاد إليها وأن يتسلمها منهم ففعل وأصعد معهم فرحل التركمان وبهرام عنها وأخذ صدقة رهائنهم وعاد إلى حلته فرجع بلك إليها ومعه ألفا رجل من التركمان فمانعه أصحابه قليلا واستدل على المخاضة إليها فخاضها وعبر ملكهم ونهبهم وسبى جميع حرمهم وانحدر طالبا هيت من الجانب الشامي فبلغ إلى قريب منها ثم رجع من يومه
ولما سمع صدقة جهز العساكر ثم أعادهم عند عود بذلك
ذكر غارة الفرنج على الرقة وقلعة جعبر
ص 69
في هذه السنة في صفر أغار الفرنج من الرها على مرج الرقة وقلعة جعبر وكانوا لما خرجوا من الرها افترقوا فرقتين وأبعدوا يوما واحدا تكون الغارة على البلدين فيه ففعلوا ما استقر بينهم وأغاروا واستاقوا المواشي وأسروا من وقع بأيديهم من المسلمين فكانت القلعة والرقة لسالم بن مالك بن بدران بن المقلد بن المسيب سلمها إليه السلطان ملكشاه سنة تسع وسبعين وقد ذكرناه فيها
ذكر الصلح بين السلطان بركيارق ومحمد
ص 69
في هذه السنة وقع الصلح بين السلطانين بركيارق ومحمد ابني ملكشاه
وكان سببه أن الحروب تطاولت بينهما وعم الفساد فصارت الأموال منهوبة والدماء مسفوكة والبلاد مخربة والقرى محرقة والسلطنة مطموعا فيها محكوما عليها وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين وكان الأمراء الأكابر يؤثرون ذلك ويختارونه ليدوم تحكمهم وانبساطهم وإدلالهم
وكان السلطان بركيارق حينئذ بالري والخطبة له بها وبالجبل وطبرستان وخوزستان وقارس وديار بكر والجزيرة وبالحرمين الشريفين
وكان السلطان محمد أذربيجان والخطبة له فيه وببلاد أرانية وأرمينية وأصبهان والعراق كلها ما عدا تكريت
وأما أعمال البطائح فيخطب ببعضها لبركيارق وببعضها لمحمد وأما البصرة فكان يخطب فيها لهما جميعا
وأما خراسان فإن السلطان سنجر كان يخطب له في جميعها وهي من حدود جرجان إلى ما وراء النهر ولأخيه السلطان محمد فلما رأى السلطان بركيارق المال عنده معدوما والطمع من العسكر زائدا أرسل القاضي أبا المظفر الجرجاني الحنفي وأبا الفرج بن عبد الغفار الهمذاني المعروف بصاحب قراتكين إلى أخيه محمد في تقرير قواعد الصلح فسار إليه وهو بالقرب من مراغة فذكرا له ما أرسلا فيه ورغباه في الصلح وفضيلته وما شمل البلاد من الخراب وطمع عدو الإسلام في أطراف الأرض فأجاب إلى ذلك وأرسل فيه رسلا واستقر الأمر وحلف كل واحد منهما لصاحبه وتقررت القاعدة أن السلطان بركيارق لا يعترض أخاه محمدا في الطبل وأن لا يذكر معه على سائر البلاد التي صارت له وأن لا يكاتب أحدهما الآخر بل تكون المكاتبة من الوزيرين ولا يعارض أحد من العسكر قصد أيهما شاء وأن يكون للسلطان محمد من النهر المعروف بأسبيذ إلى باب الأبواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشام ويكون له من بلاد العراق بلاد سيف الدولة صدقة فأجاب بركيارق إلى هذا وزال الخلف والشغب وأرسل السلطان محمد إلى أصحابه بأصبهان يأمرهم بالانصراف عنالبلد وتسليمه إلى أصحاب أخيه وسار السلطان بركيارق إلى أصبهان فلما سلمه إليه أصحاب أخيه وسار السلطان بركيارق إلى أصبهان فلما سلمه إليه أصحاب أخيه دعاهم إلى أن يكونوا معه وفي خدمته فامتنعوا ورأوا لزوم خدمة صاحبهم فسماهم أهل العسكرين جميعا أهل الوفاء وتوجهوا من أصبهان ومعهم حريم السلطان محمد إليه وأكرمهم بركيارق وحمل لأهل أخيه المال الكثير ومن الدواب ثلاثمائة جمل ومائة وعشرين بغلا تحمل الثقل وسير معهم العساكر ويخدمونهم
ولما وصت رسل السلطان بركيارق إلى الخليفة المستظهر بالله بالصلح وما استقرت القواعد عليه حضر أيلغازي بالديوان وسأل في إقامة الخطبة لبركيارق فأجيب إلى ذلك وخطب له بالديوان يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى وخطب له من الغد بالجوامع وخطب له أيضا بواسط ولما خطب أيلغازي ببغداد لبركيارق وصار في جملته أرسل الأمير صدقة إلى الخليفة يقول كان أمير المؤمنين ينسب إلي كل ما يتجدد من أيلغازي من إخلال بواجب الخدمة وشرط الطاعة ومن اطراح المراقبة والآن فقد أبدى صفحته للسلطان الذي استنابه وأنا غير صابر على ذلك بل أسير لإخراجه عن بغداد
فلما سمع أيلغازي ذلك شرع في جمع التركماني وورد صدقة بغداد فنزل مقابل التاج وقبل الأرض ونزل في مخيمه بالجانب الغربي ففارق أيلغازي بغداد إلى يعقوبا وأرسل إلى صدقة يعتذر من طاعته لبركيارق بالصلح الواقع وأن إقطاعه حلوان وغيرها في جملة بلاده وأن بغداد التي هو شحنة فيها قد صارت له فذلك الذي أدخله في طاعته فرضي عنه صدقة وعاد إلى الحلة
وفي ذي القعدة سيرت الخلع من الخليفة للسلطان بركيارق وللأمير أياز ولوزير بركيارق وهو الخطير العهد بالسلطنة وحلفوا جميعهم للخليفة وعادوا
ذكر ملك الفرنج جبيل وعكا من الشام
ص 71
في ذهه السنة وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة لاذقية فيها التجار والأجناد والحجاج وغير ذلك واستعان بهم صنجيل الفرنجي على حصار طرابلس فحصروها معه برا وبحرا وضايقوها وقاتلوها إماما فلم يروا فيها مطمعا فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل فحصروها وقاتلوا عليها قتالا شديدا فلما رأى أهلها عجزهم عن الفرنج أخذوا أمانا وسلموا إليهم فلم تف الفرنج لهم بالأمان وأخذوا أموالهم واستنفذوها بالعقوبات وأنواع العذاب فلما فرغوا من جبيل ساروا إلى مدينة عكا استنجدهم الملك بغدوين ملك الفرنج صاحب القدس على حصارها فنازلوها وحصروها في البر والبحر وكان الوالي بها اسمه بنا ويعرف بزهر الدولة الجيوشي نسبة إلى الملك الجيوش الأفضل فقاتلهم أشد قتال فزحفوا إليه غير مرة فعجز عن حفظ البلد فخرج منه وملك الفرنج البلد بالسيف قهرا بأهله الأفعال الشنيعة وسار الوالي به إلى دمشق فأقام بها ثم عاد إلى مصر واعتذر إلى الأفضل فقبل عذره
ذكر غزو سقمان وجكرمش الفرنج
ص 71
لما استطال الفرنج خذلهم الله تعالى بما ملكوه من بلاد الإسلام واتفق لهم اشتغال عساكر الإسلام وملوكه بقتال بعضهم بعضا فتفرقت حينئذ بالمسلمين الآراء واختلفت الأهواء وتمزقت الأموال وكانت حران لمملوك من مماليك ملكشاه اسمه قراجة فاستخلف عليها إنسانا يقال له محمد الأصبهاني وخرج في العام الماضي فعصى الأصبهاني على قراجة وأعانه أهل البلد لظلم قراجة وكان الأصبهاني جلدا شهما فلم يترك بحران من أصحاب قراجة سوى غلام تركي يعرف بجاولي وجعله اصفهسلار العسكر وأنس به فجلس معه يوما للشرب فاتفق جاولي مع خادم له على قتله فقتلاه وهو سكران فعند ذلك سار لافرنج إلى حران وحصروها فلما سمع معين الدولة سقمان وشمس الدولة جكرمش ذلك وكان بينهما حرب وسقمان يطالبه بقتل ابن أخيه وكل منهما يستعيد للقاء صاحبه وأنا أذكر سبب قتل جكرمش له إن شاء الله تعالى أرسل كل منهما إلى صاحبه يدعوه إلى الاجتماع معه لتلافي أمر حران ويعلمه أنه قد بذل نفسه لله تعالى وثوابه فكل واحد منهما أجاب صاحبه إلى ما طلب منه وسارا فاجتمعا على الخابور وتحالفا وسارا إلى لقاء الفرنج وكان مع سقمان سبعة آلاف فارس التركمان ومع جكرمش ثلاثة آلاف فارس من الترك العرب والأكراد فالتقوا على نهر البليخ وكان المصاف بينهم هناك فاقتتلوا فأظهر المسلمون الانهزام فتبعهم الفرنج نحو فرسخين فعاد عليهم المسلمون فقتلوهم كيف شاؤوا وامتلأت أيدي التركمان من الغنائم ووصلوا إلى الأموال العظيمة لأن سواد الفرنج كان قريبا وكان بيمند صاحب أنطاكية وطنكرى صاحب الساحل قد انفرد وراء جبل ليأتيا المسلمين من وراء ظهورهم إذا اشتدت الحرب فلما خرجا رأيا الفرنج منهزمين وسوادهم منهوبا فأقاما إلى الليل وهربا فتبعهم المسلمون وقتلوا من أصحابهما كثيرا وأسروا كذلك وأفلتا في ستة فرسان
وكان القمص بردويل صاحب الرها قد انهزم مع جماعة من قمامصتهم وخاضوا نهر البليخ فوحلت خيولهم فجاء تركماني من أصحاب سقمان فأخذهم وحمل بردويل إلى خيم صاحبه وقد سار فيمن معه لاتباع بيمند فرأى أصحاب جكرمش أن أصحاب سقمان قد استولوا على مال الفرنج ويرجعون هم من الغنيمة بغير طائل فقالوا لجكرمش أي منزلة تكون لنا عند الناس وعند التركمان إذا انصرفوا بالغنائم دوننا وحسنوا له أخذ القمص فأنفذ أخذ القمص من خيم سقمان فلما عاد سقمان شق عليه الأمر وركب أصحابه للقتال فردهم وقال لهم لا يقوم فرح المسلمين في هذه الغزاة بغمهم باختلافنا ولا أوثر شفاء غيظي بشماتة الأعداء بالمسلمين
ورحل لوقته وأخذ سلاح الفرنج وراياتهم وألبس أصحابه لبسهم وأركبهم خيلهم وجعل يأتي حصون شيحان وبها الفرنج فيخرجون ظنا منهم أن أصحابهم نصروا فيقتلهم ويأخذ الحصن منهم فعل ذلك بعدة حصون
وأما جكرمش فإنه سار إلى حران فتسلمها واستخلف بها صاحبه وسار إلى الرها فحصرها خمسة عشر يوما وعاد إلى الموصل ومعه القمص الذي أخذه من خيام سقمان ففاداه بخمسة وثلاثين دينارا ومائة وستين أسيرا من المسلمين وكان عدة القتلى من الفرنج يقارب اثني عشر ألف قتيل
ذكر وفاة دقاق وملك ولده
ص 73
في هذه السنة في شهر رمضان توفي الملك دقاق بن تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق وخطب أتابكة طغتكين لولد له صغير له سنة واحدة وجعل اسم المملكة فيه ثم قطع خطبته وخطب لبكتاش بن تتش عم هذا الطفل في ذي الحجة وله اثنتا عشرة سنة ثم إن طغتكين أشار عليه بقصد الرحبة فخرج إليها فملكها وعاد فمنعه طغتكين وقيل إن سبب أستيحاش بكتاش من طغتكين أن والدته خوفته منه وقالت إنه زوج والدة دقاق وهي لا تتركه حتى تقتلك ويستقيم الملك لولدها فخاف ثم إنه حسن له من كان يحسد طغتكين مفارقة دمشق وقصد بعلبك وجمع الرجال والاستنجاد بالفرنج والعود إلى دمشق وأخذها من طغتكين فخرج من دمشق سرا في صفر سنة ثمان وتسعين ولحقه الأمير أيتكين الحلبي وهو منجملة من قرر مع بكتاش ذلك وهو صاحب بصرى فعاثا في نواحي حوران ولحق بهما كل من يريد الفساد وراسلا بغدوين ملك الفرنج يستنجدانه فأجابهما إلى ذلك وسار إليهمات فاجتمعا به وقررا القواعد معه وأقاما عنده مدة فلم يريا منه غير التحريض على الإفساد في أعمال دمشق وتخريبها فلما يئسا من نصره عادا من عنده وتوجها في البرية إلى الرحبة فملكها بكتاش وعاد عنها واستقام أمر طغتكين بدمشق واستبد بالأمر وأحسن إلى الناس وبث فيهم العدل فسروا به سرورا كثيرا
ذكر استيلاء صدقة على واسط
ص 73
في هذه السنة في شوال انحدر سيف الدولة صدقة بن مزيد من الحلة إلى واسط في عسكر كثير وأمر فنودي بها في الأتراك من أقام فقد برئت منه الذمة فسار جماعة منهم إلى بركيارق وجماعة إلى بغداد وصار مع صدقة جماعة منهم ثم إنه أحضر مهذب الدولة بن أبي الجير صاحب البطيحة وضمنه البلد لمدة آخرها السنة بخمسين ألف دينار وعاد إلى الحلة وأقام مهذب الدولة بواسط إلى سادس ذي القعدة وانحدر إلى بلده
ذكر عدة حوادث
ص 74
في هذه السنة في ربيع الأول أطلق سديد الملك أبو المعالي من الاعتقال وهو الذي كان وزير الخليفة ولما أطلق هرب إلى الحلة السيفية ومنها إلى السلطان بركيارق فولاه الإشراف على ممالكه
وفيها توفي أمين الدولة أبو سعيد العلاء بن الحسن بن الموصلايا فجأة وكان قد أضر وكان بليغا فصيحا وكان ابتداء خدمته للقائم بأمر الله اثنتين وثلاثين وأربعمائة خدم الخلفاء خمسا وستين سنة كل يوم تزداد منزلته حتى ناب عن الوزارة وكان نصرانيا فأسلم سنة أربع وثمانين وكان كثير الصدقة جميل المحضر صالح النية ووقف أملاكه على أبواب البر ومكاتباته مشهورة حسنة
ولما مات خلع على ابن أخته أبي نصر ولقب نظام الحضرتين وقلد ديوان الإنشاء
وفيها كانت ببغداد بين العامة فتن كثيرة وانتشر العيارون
وفيها قتل أبو نعيم بن ساوة الطبيب الواسطي وكان الحذاق في الطب وله فيه إصابات حسنة
وفيها عزل السلطان سنجر وزيره المجير أبا الفتح الطغرائي
وسبب ذلك أن الأمير بزغش وهو إصفهسلار العسكر السنجري ألقى إليه ملطف فيه لا يتم لك أمر مع هذا السلطان ووقع إلى سنجر لا يتم لك مع الأمير بزغش مع كثرة جموعه فجمع بزغش أصحاب العمائم وعرض عليهم الملطفين فاتفقوا على كاتب الطغرائي وظهرت عليه فقتل وقبض سنجر على الطغرائي وأراد قتله فمنعه بزغش وقال له حق خدمة فأبعده إلى غزنة
وفيها جمع بزغش كثيرا من عساكر خراسان وأتاه كثير من المتطوعة وسار إلى قتال الإسماعيلية فقصد طبس وهي لهم فخربها وما جاورها من القلاع والقرى وأكثر فيهم القتل والنهب والسبي وفعل بهم الأفعال العظيمة ثم إن أصحاب سنجر أشاروا بأن يؤمنوا ويشرط عليهم أنهم لا يبنون حصنا ولا يشترون سلاحا ولا يدعون أحدا إلى عقائدهم فسخط كثير من الناس هذا الأمان وهذا الصلح ونقموه على سنجر ثم إن بزغش بعد عوده من هذه الغزاة توفي وكانت خاتمة أمره الجهاد رحمه الله
وفي هذه السنة توفي أبو بكر علي بن أحمد بن زكرياء الطريثيتي وكان صوفيا محدثا مشهورا
وفي رجب توفي القاضي أبو الحسين أحمد بن محمد الثقفي قاضي الكوفة ومولده في ربيع الدامغاني وولي القضاء بعده ابنه أبو البركات
وفي ربيع الآخر توفي أو عبد الله الحسين بن علي بن البسري البندار المحدث ومولده سنة أربع وأربعمائة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.