الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
7

ثم دخلت سنة ست وتسعين

الجزء التاسع 9 عنصر صفحة 60
ذكر استيلاء ينال على الري وأخذها منه ووصوله إلى بغداد ص 60

كانت الخطبة بالري للسلطان بركيارق فلما خرج السلطان محمد من أصبهان على ما ذكرناه ومعه ينال بن أنوشتكين الحسامي استأذنه في قصد الري وإقامة الخطبة له بها فأذن له فسار هو وأخوه علي بن أنوشتكين فوصلا إليها في صفر فأطاع من بها من نواب بركيارق وخطب لمحمد بالري واستولى ينال على البلد وعسف أهله وصادرهم بمائتي ألف دينار وأقام بها إلى النصف من ربيع الأول فورد إليه الأمير برسق بن برسق من عند السلطان بركيارق فوقع القتال بينهم على باب الري فانهزم ينال وأخوه علي فأما علي فعاد إلى ولايته قزوين وسلك ينال الجبال فقتل من أصحابه كثير وتشتتوا فأتى إلى بغداد في سبعمائة رجل فأكرمه الخليفة واجتمع هو وايلغازي وسقمان ابنا أرتق بمشهد أبي حنيفة وتحالفوا على مناصحة السلطان محمد وساروا إلى سيف الدولة صدقة فحلف لهم أيضا على ذلك وعادوا

ذكر ما فعله ينال بالعراق ص 60

قد ذكرنا وصول ينال بن أنوشتكين إلى بغداد قبل فلما استقر ببغداد ظلم الناس بالبلاد جميعا وصادرهم واستطال أصحابه على العامة بالضرب والقتل والتقسيط وصادر العمال فأرسل إليه الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن الدامغاني ينهاه عن ذلك ويقبح عنده ما يرتكبه من الظلم والعدوان وتردد أيضا إلى أيلغازي

وكان ينال قد تزوج هذه الأيام بأخته وهي التي كانت زوجة تاج الدولة تتش حتى توسط الأمر معه فمضوا إليه وحلفوه على الطاعة وترك ظلم الرعية وكف أصحابه ومنعهم فحلف ولم يف باليمين ونكث ودام على الظلم وسوء السيرة فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة صدقة وعرفه ما يفعله ينال من نهب الأموال وسفك الدماء وطلب منه أن يحضر بنفسه ليكف ينال فسار من حلته في رمضان ووصل بغداد رابع شوال وضرب خيامه بالنجمي واجتمع هو وينال وأيلغازي ونواب ديوان الخليفة وتقررت القواعد على مال يأخذه ويرحل عن العراق فطلب ينال المهلة فعاد صدقة عاشر شوال إلى حلته وترك ولده دبيسا ببغداد ليمنعه من الظلم والتعدي عما استقر الأمر عليه فبقي ينال إلى مستهل ذي القعدة وسار إلى أوانا فنهب وقطع الطريق وعسف الناس وبالغ في الفعل القبيح وأقطع القرى لأصحابه فأرسل الخليفة إلى صدقة في ذلك فأرسل ألف فارس وساروا إليه ومعهم جماعة من أصحاب الخليفة وايلغازي شحنة بغداد فلما سمع ينال بقربهم منه عبر دجلة وسار إلى باجسرى وشعثها وقصد شهرأبان فمنعه فقاتلهم فقتل بينهم قتلى ورحل عنهم وسار إلى أذربيجان قاصدا إلى السلطان محمد وعاد دبيس بن صدقة وايلغازي شحنة بغداد إلى مواضعهم

ذكر وصول كمشتكين القيصري شحنة إلى بغداد والفتنة بينه وبين أيلغازي ص 61

في هذه السنة منتصف ربيع الأول ورد كمشتكين القيصري إلى بغداد شحنة أرسله إليها السلطان بركيارق وقد ذكرنا وقد ذكرنا في السنة المتقدمة رحيل بركيارق من أصبهان إلى همذان فلما أوصلها أرسل إلى بغداد كمشتكين شحنة فلما سمع أيلغازي وهو شحنة ببغداد للسلطان محمد أرسل إلى أخيه بن أرتق صاحب حصن كيفا يستدعيه إليه ليعتضد به على منعه وسار إلى سيف الدولة صدقة بالحلة واجتمع به وسأله تجديد عهد في دفع من يقصده منجهة بركيارق فأجابه إلى ذلك وحلف فعاد ايلغازي وورد سقمان في عساكره ونهب في طريقه تكريت وسبب تمكنه منها أنه أرسل جماعة من التركمان إلى تكريت معهم أحمال جبن وسمن وعسل فباعوا ما معهم وأظهروا أن سقمان قد عاد من الانحدار فاطمأن أهل البلد ووثب التركمان تلك الليلة على الحراس فقتلوهم وفتحوا الأبواب وورد إليها سقمان ودخلها ونهبها ولما وصل بغداد نزل بالرملة

وأما كمشتكين فوصل أول ربيع إلى فرميسين وأرسل إلى من له هوى مع بركيارق وأعلمهم بقربه منهم

فخرج إليه جماعة منهم بالبندنيجين وأعلموه الأحوال واشاروا عليه بالمعاجلة فأسرع السير فوصل إلى بغداد منتصف ربيع الأول ففارق أيلغازي داره واجتمع بأخيه سقمان وأصعد من الرملة ونهبا بعض قرى دجيل فسار طائفة من عسكر كمشتكين وراءهما ثم عادوا عنهما وخطب للسلطان بركيارق ببغداد كمشتكين القصري إلى سيف الدولة القناع ببغداد في مخالفته وسار من الحلة إلى جسر صرصر فقطعت خطبة بركيارق ببغداد

ولم يذكر على منابرها أحد من السلاطين واقتصر الخطباء على الدعاء للخليفة لا غير

ولما وصل سيف الدولة إلى صرصر أرسل إلى أيلغازي وسقمان وكان بحربي يعرفهما أنه قد أتى لنصرتهما فعادا ونهبا دجيلا ولم يبقيا على قرية كبيرة ولا صغيرة وأخذت الأموال وافتضت الأبكار ونهب العرب والأكراد الذين مع سيف الدولة بنهر ملك إلا أنهم لم ينقل عنهم التركمان أخذ النساء والفساد معهن لكنهم استقصوا في أخذ الأموال بالضرب والإحراق وبطلت معايش الناس وغلت الأسعار فكان الخبز يساوي عشرة أرطال بقيراط فصار ثلاثة أرطال بقيراط وجميع الأشياء كذلك

فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة في الإصلاح فلم تستقر قاعدة أيلغازي وسقمان ومعهما دبيس بن سيف الدولة صدقة من دجيل فخيموا بالرملة فقصدهم جماعة كثيرة من العامة فقاتلهم فقتل من العامة أربعة نفر وأخذ منهم جماعة فأطلقوا أسلحتهم وازداد الأمر شدة على الناس فأرسل الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن بن الدمغاني وتاج الرؤساء بن الموصلايا إلى سيف الدولة يأمره بالكف عن الأمر الذي هو ملابسه ويعرفه ما الناس فيه ويعظم الأمر عليه فأظهر طاعة الخليفة أن أخرج القيصري من بغداد وإلا فليس غير السيف وأرعد وأبرق فلما عاد الرسول استقر الأمر على إخراج القيصري من بغداد ففارقها ثاني عشر ربيع الآخر وسار إلى النهروان وعاد سيف الدولة إلى بلده وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد وسار القيصري إلى واسط فخاف الناس منه وأرادوا الانحدار منها ليأمنوا فمنعهم القيصري وخطب لبركيارق بواسط ونهبوا كثيرا من سوادها فلما سمع صدقة ذلك سار إلى واسط فدخلها وعدل في أهلها وكف عسكره عن أذاهم ووصل إليه أيلغازي بواسط وفارقها القيصري ونزل متحصنا بدجلة فقيل لسيف الدولة إن هناك مخاضة فسار إليها بعسكره وقد لبسوا السلاح فلما رآهم عسكر القيصري تفرقوا عنه وبقي في خواص أصحابه فطلب الأمان من سيف الدولة فآمنه فحضر عنده فأكرمه وقال له قد سمنت وتركتنا نسمن أخرجتنا من بغداد ثم من واسط ونحن لا نعقل

ثم بذل صدقة الأمان لجميع عسكر واسط ومن كان مع القيصري سوى رجلين فعادوا إليه فأمنهم

وعاد القيصري إلى بركيارق وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط وخطب بعده لسيف الدولة وأيلغازي واستتاب كل واحد منهما فيها ولده وعاد عنها في العشرين من جمادى الأولى وأمن أهل واسط مما كانوا يخافونه

فأما أيلغازي فإنه أصعد إلى بغداد وأما سيف الدولة صدقة فإنه عاد إلى الحلة وأرسل ولده الأصغر منصورا مع أيلغازي إلى المستظهر بالله يسأله الرضا عنه فإنه كان قد سخط بسبب هذه الحادثة فوصل إلى بغداد وخاطب في ذلك فأجيب إليه

ذكر استيلاء صدقة على هيت ص 63

كانت مدينة هيت لشرف الدولة مسلم بن قريش أقطعه إياها السلطان ألب أرسلان ولم تزل معه حتى قتل فنظر فيها عمداء بغداد إلى أن مات السلطان ملكشاه ثم أخذها أخوه تتشي بن ألب أرسلان فلما استولى بركيارق أقطعها لبهاء الدولة ثروان بن وهب بن وهبية وأقام هو وجماعة من بني عقيل عند سيف الدولة صدقة وكانا متصافيين وكان صدقة يزوره كثيرا ثم تنافر وكان سبب ذلك أن صدقة زوج بنتا له من ابن عمه وكان ثروان قد خطبها فلم يجبه إلى ذلك فتحالفت عقيل وهم في حلة سيف الدولة أن يكونوا يدا واحدة عليه فأنكر صدقة ذلك وحج ثروان عقيب ذلك وعاد مريضا فوكل به صدقة وقال لا بد من هيت فأرسل ثروان حاجبه وكتب خطه بتسليم البلد إليه وكان بهيت حينئذ محمد بن رافع بنت رفاع بن ضبيعة بن مالك بن مقلد بن جعفر وأرسل صدقة ابنه دبيسا مع الحاجب ليتسلمها فلم يسلم إليه محمد فعاد دبيس إلى أبيه فلما أخذ صدقة واسطا هذه النوبة وأصعد في عسكره إلى هيت فخرج إليه منصور بن كثير ابن أخي ثروان ومعه جماعة من أصحابه فلقوا سيف الدولة وحاربوه ساعة من النهار

ثم إن جماعة من الربعيين فتحوا لسيف الدولة البلد أصحابه فلما رأى ذلك منصور ومن معه سلموا البلد إليه فملكه يوم نزوله وخلع على منصور وجماعة من وجوه أصحابه وعاد إلى حلته واستخلف عليه ابن عمه ثابت بن كامل

ذكر الحرب بين بركيارق ومحمد ص 64

في هذه السنة ثامن جمادى الآخرة كان المصاف الخامس بين السلطان بركيارق والسلطان محمد وكانت كنجة وبلاد أران جميعها للسلطان محمد وبها عسكره ومقدمهم الأمير غزغلي فلما طال مقام محمد بأصبهان محصورا توجه غزغلي والأمير منصور بن نظام الملك وابن أخيه محمد بن مؤيد الملك بن نظام قاصدين لنصرته ليراهم بعين الطاعة وكان آخر ما تقام فيه الخطبة لمحمد زنجان مما يلي أذربيجان فوصلوا إلى الري في العشرين من ذي الحجة سنة خمس وتسعين ففارقه عسكر بركيارق ودخلوه وأقاموا به ثلاثة أيام وصلهم الخبر بخروج السلطان محمد من أصبهان وأنه وصل إلى ساوه فساروا إليه ولحقوه بهمذان ومعه ينال وعلي ابنا أنوشتكين الحسامي فبلغ عددهم سنة آلاف فارس فأقاموا بها إلى أواخر المحرم فأتاهم الخبر بأن السلطان بركيارق قد أتاهم فتلونوا في رأيهم فسار ينال وعلي ابنا أنوشتكين إلى الري على ما ذكرناه

وعزم السلطان محمد على التوجه إلى شروان فوصل إلى أردبيل فأرسل إليه الملك مودود بن إسماعيل بنت ياقوتي صاحب بعض أذربيجان وكانت قبله لأبيه إسماعيل بن ياقوتي وهو خال السلطان بركيارق وكانت أخته زوجة السلطان محمد وهو مطالب السلطان بركيارق بثأر أبيه وقد تقدم مقتله أول دولة بركيارق وقال له ينبغي أن تقدم إلينا لتجتمع كلمتنا على طاعتك وقتال خصمنا

فسار إليه مجدا وتصيد في طريقه بين أردبيل وبيلقان وانفرد عن عسكره فوثب عليه نمر وهو غافل فجرح السلطان محمدا في عضده فأخذ سكينا بها جوف النمر فألقاه عن فرسه ونجا

ثم إن مودود بن إسماعيل توفي في النصف من ربيع الأول وعمره اثنتان وعشرون سنة ولما بلغ بركيارق اجتماع السلطان محمد والملك مودود سار غير متوقف فوصل بعد موت مودود وكان عسكر مودود قد اجتمعوا على طاعة السلطان محمد وحلفوا له وفيهما سكمان القبطي ومحمد بن باغي سيان الذي كان أبوه صاحب أنطاكية وقزل أرسلان بن السبع الأحمر فلما وصل بركيارق وقعت الحرب بينهما على باب خوي من أذربيجان عند غروب الشمس ودامت إلى العشاء الآخرة فاتفق أن الأمير أياز أخذ معه خمسمائة فارس مستريحين وحمل بهم وقد أعيا العسكر من الجهتين على عسكر السلطان محمد فكسرهم وولوا الأدبار لا يلوي أحد على أحد

فأما السلطان بركيارق فإنه قصد جبلا بين مراغة وتبريز كثير العشب والماء فأقام به أياما وسار إلى زنجان

وأما السلطان محمد فإنه سار مع جماعة من أصحابه إلى أرجيش من بلاد أرمينية على أربعين فرسخا من الوقعة وهي من أعمال خلاط من جملة أقطاع الأمير سكمان القبطي وسار منها إلى خلاط واتصل به الأمير علي صاحب أرزن الروم وتوجه إلى آني وصاحبها منوجهر أخو فضلون الروادي ومنها سار إلى تبريز من أذربيجان

وسنذكر باقي أخبارهم سنة سبع وتسعين عند صلحهم إن شاء الله

وكان الأمير محمد بن مرشد مؤيد الملك بن نظام الملك مع السلطان محمد في هذه الرقعة فمر منهزما ودخل ديار بكر وانحدر منها إلى جزيرة ابن عمر وسار منها إلى بغداد وكان في حياة أبيه يقيم ببغداد في سوق المدرسة فاتصلت الشكاوى منه إلى أبيه فكتب إلى كوهرائين بالقبض عليه فاستجار بدار الخلافة وتوجه سنة اثنتين وتسعين إلى مجد الملك البلاساني ووالده حينئذ بكنجة عند السلطان محمد قبل أن يخطب لنفسه بالسلطنة وتوجه بعد قتل مجد الملك إلى والده وقد صار وزير السلطان محمد وخطب لمحمد بالسلطنة وبقي قتل والده واتصل بالسلطان محمد وحضر معه هذه الحرب فانهزم

ذكر عزل سديد الملك وزير الخليفة ونظر أبي سعد بن الوصلايا في الوزارة ص 65

في هذه السنة منتصف رجب قبض على الوزير سديد الملك أبي المعالي وزير الخلفية وحبس في دار بدار الخلافة وكان أهله قد وردوا عليه من أصبهان فنقلوا إليه وكان محبسه جميلا وسب عزله جهله بقواعد ديوان الخلافة فإنه قضى عمره أعمال السلاطين وليس لهم هذه القواعد ولما قبض عاد أمين الدولة بن الموصلايا إلى النظر في الديوان ومن عجب ما جرى من الكلام الذي وقع بعد أيام أن سديد الملك كان يسكن في دار عميد الدولة بن جهير وجلس فيها مجلسا عاما يحضره الناس لوعظ المؤيد عيسى الغزنوي فأنشدوا أبياتا ارتجلها

( سديد الملك سدت وخضت بحرا % عميق اللج فاحفظ فيه روحك )

( وأحي معالم الخيرات واجعل % لسان الصدق في الدنيا فتوحك )

( وفي الماضين معتبر فأسرج % مروحك في السلامة أو جموحك )

ثم قال سديد الملك من شرب من مرقة السلطان احترقت شفتاه ولو بعد زمان ثم أشار إلى الدار وقرأ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم فقبض على الوزير بعد أيام

ذكر ملك الملك دقاق مدينة الرحبة ص 66

في هذه السنة في شعبان ملك الملك دقاق بن تتش صاحب دمشق الرحبة وكانت بيد إنسان اسمه قايماز من مماليك السلطان ألب أرسلان فلما قتل كربوقا استولى عليها فسار دقاق وطغتكين أتابكه إليه وحصراه بها ثم رحل عنه وتوفي قايماز هذه السنة في صفر وقام غلام تركي اسمه حسن فأبعد عنه كثيرا من جنده وخطب لنفسه وخاف من دقاق فاستظهر وأخذ جماعة من السلارية الذين يخافوهم فقبض عليهم وقتل جماعة من أعيان البلد وحبس آخرين وصادرهم فتوجه دقاق إليه وحصره فسلم العامة البلد إليه واعتصم حسن بالقلعة فأمنه دقاق فسلم القلعة إليه فأقطعه أقطاعا كثيرا بالشام وقرر أمر الرحبة وأحسن إلى أهلها وجعل فيها من يحفظها ورحل عنها إلى دمشق

ذكر أخبار الفرنج بالشام ص 66

كان الأفضل أمير الجيوش بمصر قد أنفذ مملوكا لأبيه لقبه سعد الدولة ويعرف بالطواشي إلى الشام لحرب الفرنج فلقيهم بين الرملة ويافا ومقدم الفرنج يعرف ببغدوين لعنه الله تعالى وتصافوا واقتتلوا فحملت الفرنج حملة صادقة فانهزم المسلمون وكان المنجمون يقولون لسعد الدولة إنك تموت مترديا فكان يحذر من ركوب الخيل حتى أنه ولي بيروت وأرضها مفروشة بالبلاط فقلعه خوفا أن تزلق به فرسه أو يعثر فلم ينفعه الحذر عند نزول القدر فلما كانت هذه الوقعة انهزم فتردى به فرسه فسقط ميتا

وملك الفرنج خيمه وجميع ما للمسلمين فأرسل الأفضل بعده ابنه شرف المعالي في جمع كثير فالتقوا هم والفرنج بيازوز بقرب الرملة فانهزم الفرنج وقتل منهم مقتلة عظيمة وعاد من سلم منهم مفلولين فلما رأى بغدوين شدة الأمر وخاف القتل والأسر ألقى نفسه واختفى فيه فلما أبعد المسلمون خرج منه إلى الرملة وسار شرف المعالي بن الأفضل من المعركة ونزل على قصر بالرملة وبه سبعمائة من أعيان الفرنج وفيهم بغدوين فخرج متخفيا إلى يافا وقاتل ابن الأفضل من بقي خمسة عشر يوما ثم أخذها فقتل أربعمائة صبرا ثلاثمائة إلى مصر

ثم اختلف أصحابه في مقصدهم فقال قوم نقصد البيت المقدس ونتملكه

وقال قوم نقصد يافا ونملكها

فبينما هم في هذا الاختلاف إذ وصل إلى الفرنج خلق كثير في البحر قاصدين زيارة البيت المقدس فندبهم بغدوين للغزو معه فساروا إلى عسقلان وبها شرف المعالي فلم يكن يقوى بحربهم فلطف الله تعالى بالمسلمين فرأى الفرنج البحرية حصانة عسقلان وخافوا البيات فرحلوا إلى يافا وعاد ولد الأفضل إلى أبيه فسير رجلا يقال له تاج العجم في البر وهو من أكبر مماليك أبيه وجهز معه أربعة آلاف فارس وسير في البحر رجلا يقال له القاضي ابن قادوس في الأسطول على يافا ونزل تاج العجم على عسقلان فاستدعاه ابن قادوس إليه ليتفقا على حرب الفرنج فقال تاج العجم ما يمكنني أن أنزل إليك إلا بالأمر ولم يحضر عنده ولا أعانه فأرسل القادوسي إلى قاضي عسقلان وشهودها وأعيانها وأخذ خطوطهم بأنه أقام على يافا عشرين يوما واستدعى تاج العجم فلم يأته ولا أرسل رجلا فلما وقف الأفضل على الحال أرسل من قبض على تاج العجم وأرسل رجلا لقبه جمال الملك فأسكنه عسقلان وجعله متقدم العساكر الشامية وخرجت هذه السنة وبيد الفرنج لعنهم الله البيت المقدس وفلسطين ما عدا عسقلان ولهم أيضا يافا وأرسوف وقيسارية وحيفا وطبرية ولاذقية وأنطاكية ولهم بالجزيرة الرها وسروج وكان صنجيل يحاصر مدينة طرابلس الشام والمواد تأتيها وبها فخر الملك بن عمار وكان يرسل أصحابه في المراكب يغيرون على البلاد التي بيد الفرنج ويقتلون من وجدوا وقصد بذلك أن يخلو السواد ممن يزرع لثقل المواد من الفرنج فيرحلوا عنه

ذكر عدة حوادث ص 68

في هذه السنة سادس المحرم توفيت بنت أمير القائم بأمر الله التي كانت زوجة السلطان طغرلبك وكانت موصوفة بالدين وكثرة الصدقة وكان الخليفة المستظهر بالله قد ألزمها بيتها لأنه أبلغ عنها أنها تسعى في إزالة دولته

وفيها في شعبان أيضا استوزر المستظهر بالله زعيم الرؤساء أبا القاسم بن جهير واستقدمه من الحلة من عند سيف الدولة صدقة وقد ذكرنا في السنة المتقدمة سبب مسيره إليها فلما قدم إلى بغداد خرج كل أرباب الدولة فاستقبلوه وخلع عليه الخلع التامة وأجلس في الديوان ولقب قوام الدين

وفيه أيضا قتل أبو المظفر بن الخجندي بالري وكان يعظ الناس فقتله رجل علوي حين نزل من كرسيه وقتل العلوي ودفن الخجندي بالجامع

وأصل بيت الخجندي من مدينة خجندة بما وراء النهر وينسبون إلى المهلب ابن أبي صفرة وكان نظام الملك قد سمع أبا بكر محمد بن ثابت الخجندي يعظ بمرو فأعجبه كلامه وعرف محله من الفقه والعلم فحمله إلى أصبهان وصار مدرسا بمدرسته بها فنال جاها عريضا ودنيا واسعة وكان نظام الملك يتردد إليه ويزوره

وفيها جمع ساغربك بما وراء النهر جموعا كثيرة وهو من أولاد الخانية وقصد محمد خان الذي ملكه السلطان سنجر سمرقند ونازعه في ملكها فضعف محمد خان عنه فأرسل إلى السلطان سنجر يستنجده فسار إلى سمرقند فأبعد عنه ساغربك وخانه واحتمى منه وأرسل يطلب الأمان من سنجر والعفو فأجابه إلى ما طلب وحضر ساغربك وقرر الصلح بينه وبين محمد خان وحلف كل منهما لصاحبه وعاد إلى خراسان فوصل إلى مرو في ربيع الأول سنة سبع وتسعين وأربعمائة

وفيها توفي أبو المعالي الصالح ساكن باب الطاق وكان مقلا من الدنيا له كرامات ظاهرة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.