الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
72

ثم دخلت سنة ستين وخمسمائة

الجزء التاسع 6 عنصر صفحة 475
ذكر وفاة شاه مازندران وملك ابنه بعده ص 475

في هذه السنة ثامن ربيع الأول توفي شاه مازندران رستم بن علي بن شهريار بن قارن ولما توفي كتم ابنه علاء الدين الحسن موته أياما حتى استولى على سائر الحصون والبلاد ثم أظهره فلما ظهر خبر وفاته أظهر إيثاق صاحب جرجان ودهستان المنازعة لولده في الملك ولم يرع حق أبيه عليه فإنه لم يزل يذب عنه ويحميه إذا التجأ إليه ولكن الملك عقيم ولم يحصل من منازعته على شيء غير سوء السمعة وقبح الأحدوثة

ذكر حصر عسكر المؤيد نسا ورحيلهم عنها ص 475

كان المؤيد قد سير جيشا إلى مدينة نسا فحصروها إلى جمادى الأولى في هذه السنة فسير خوارزمشاه بن أرسلان بن أتسن جيشا إلى نسا فلما قاربوها رحل عنها عسكر المؤيد وعادوا إلى نيسابور فتقدم العسكر المؤيدي ليردوهم عنها فلما سمع العسكر الخوارزمي بهم عاد عنهم وصار صاحب نسا في طاعة خوارزمشاه والخطبة له فيها وسار عسكر خوارزم إلى دهستان فالتجأ صاحبها الأمير إيثاق إلى المؤيد صاحب نيسابور بعد تمكن الوحشة بينهما فقبله المؤيد بأحسن قبول وسير إليه جيشا كثيفا فأقاموا عنده حتى دفع الضرر عن نفسه وبلده من جهة طبرستان وأمادهستان فإ عسكر خوارزم غلبوا عليها وصار لهم فيها شحنة

ذكر استيلاء المؤيد على هراة ص 475

قد ذكرنا قتل صاحب هراة سنة تسع وخمسين فلما قتل تجهز الأمراء الغزية وساروا إلى هراة وخصروها وقد تولى أمرها إنسان يلقب أثير الدين وكان له ميل إلى الغز وهو يحاربهم ظاهرا ويراسلهم باطنا فهلك لهذا السبب خلق كثير من أهل هراة فاجتمع إليها أهلها فقتلوه وقام مقامه أبو الفتوح بن علي بن فضل الله الطغرائي فإرسل أهلها إلى المؤيد أي أبه صاحب نيسابور بالطاعة والانقياد إليه فسير إليهم مملوكه سيف الدين تنكز في جيش وسير جيشا آخر أغاروا على سرخس ومرو فأخذوا دواب الغز وعادوا سالمين فلما سمع الغز بذلك رحلوا عن هراة إلى مرو

ذكر الحرب بين قلج أرسلان وبين ابن الدانشمند ص 476

في هذه السنة كانت الفتنة بين الملك قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية وما يجاورها من بلد الروم وبين ياغي أرسلان بن دانشمند صاحب ملطية وما يجاورها من بلد الروم وجرى بينهما حرب شديدة وسببها أن قلج أرسلان تزوج ابنة الملك صلتق بن علي بن أبي القاسم فسيرت الزوجة إلى قلج أرسلان مع جهاز كثيلا لا يعلم قده وأغار ياغي صاحب ملطية عليه وأخذ العوس وما معها وأراد أن يزوجها بابن أخيه ذي النون بن محمد بن دانشمند فأمرها بالردة عن الإسلام فزوجها من ابن اخيه فجمع قلج أرسلان عسكره وسار إلى ابن دانشمند فالتقيا واقتتلا فانهزم قلج أرسلان والتجأ إلى ملك الروم واستنصره فأرسلا إليه جيشا كثيرا فمات ياغي أرسلان بن دانشمند في تلك الأيام وملك قلج أرسلان بعض بلاده واصطلح هو والملك إبرهيم بن محمد بن دانشمند لأنه ملك البلاد بعد عمه ياغي أرسلان واستولى ذو النون بن محمد بن دانشمند على مدينة قيسارية وملك شاهان شاه بن مسعود أخو قلج أرسلان على مدينة أنكورية واستقرت القواعد بينهم واتفقوا

ذكر الفتنة بين نور الدين وقلج أرسلان ص 476

في هذه السنة كانت وحشة متأكدة بين نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام وبين قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان صاحب الروم أدت إلى الحرب والتضاغن فلما بلغ خبرها إلى مصر كتب الصالح بن رزيك وزير صاحب مصر إلى قلج أرسلان ينهاه عن ذلك ويأمره بموافقته وكتب فيه شعرا

( نقول ولكن أين من يتفهم % ويعلم وجه الرأي والرأي مبهم )

( وما كل من قاس الأمور وساسها % يوفق للأمر الذي هو أحزم )

( وما أحد في الملك يبقى مخلدا % وما أحد مما قضى الله يسلم )

( أمن بعد ما ذاق العدا طعم حربكم % بفيهم وكانت وهي صاب وعلقم )

( رجعتم إلى حكم التنافس بينكم % وفيكم من الشحناء نار تضرم )

( أما عندكم من يتقي الله وحده % أما في رعاياكم من الناس مسلم )

( تعالوا لعل الله ينصر دينه % إذا ما نصرنا الدين نحن وأنتم )

( وتنهض نحو الكافرين بعزمة % بأمثالها تحوى البلاد وتقسم )

وهي أطول من هذا

هكذا ذكر بعض العلماء هذه الحادثة وأن الصالح أرسل بهذا الشعر فإن كان الشعر للصالح فينبغي أن بكون الحادثة قبل هذا التاريخ ويحتمل أن يكون هذا التنافس كان أيام الصالح فكتب الأبيات ثم امتد إلى الآن

ذكر عدة حوادث ص 477

في هذه السنة في صفر وقع بأصفهان فتنة عظيمة بين صدر الدين عبد اللطيف ابن الخجندي وغيره من أصحاب المذاهب بسبب التعصب للمذاهب فدام القتال بين الطائفتين ثمانية أيام متتابعة قتل فيها خلق كثير واحترق وهدم كثير من الدور والأسواق ثم افترقوا على أقبح صورة

وفيها بنى الإسماعيلية قلعة بالقرب من قزوين فقيل لشمس الدين ايلدكز عنها فلم يكن له إنكار لهذه الحال خوفا من شرهم وغائلتهم فتقدموا بعد ذلك إلى قزوين فحصروها وقاتلهم أهلها أشد قتال رآه الناس وحكى لي بعض أصدقائنا بل مشايخنا من الأئمة الفضلاء قال كنت بقزوين أشتغل بالعلم وكان بها إنسان يقود جمعا كبيرا وكان موصوفا بالشجاعة وله عصابة حمراء إذا قاتل عصب بها رأسه قال فكنت أحبه وأشتهي الجلوس معه قال فبينما أنا عنده يوما وإذا هو يقول كأني بالملاحدة وقد قصدوا البلد غدا فخرجنا إليهم وقاتلناهم فكنت أول الناس وأنا متعصب بهذه العصابة فقاتلناهم فلم يقتل غيري ثم ترجع الملاحدة ويرجع أهلها البلد قال فوالله لما كان الغد إذ قد وقع الصوت بوصول الملاحدة فخرج الناس قال فذكرت قول الرجل فخرجت والله وليس لي همة إلا أني أنظر هل يصح ما قال أم لا قال فلم يكن إلا قليل حتى عاد الناس وهو محمول على أيديهم قتيلا بعصابته الحمراء وذكروا أنه لم يقتل بينهم غيره فبقيت متعجبا من قوله كيف صح ولم يتغير منه شيء ومن أين له هذا اليقين ولما حكي لي هذه الحكاية لم أسأله عن تاريخها وإنما كان في هذه المدة في تلك البلاد فلهذا أثبتها هذه السنة على الظن والتخمين

وفيها قبض المؤيد أي أبه صاحب نيسابور على وزيره ضياء الملك محمد بن أبي طالب سعد بن أبي القاسم محمود الرازي وحبسه وابتوزر بعده نصير الدين أبا بكر محمد بن أبي نصر محمد المستوفي وهو من أعيان الدولة السنجرية

وفي هذه السنة وردت الأخبار أن الناس حجوا سنة تسع وخمسين ولقوا شدة وانقطع منهم خلق كثير في فيدوا الثعلبية وواقصة وغيرها وهلك كثير ولم يمض الحجاج إلى النبي لهذه الأسباب ولشدة الغلاء فيها وعم ما يقتات ووقع الوباء في البادية وهلك منهم عالم لا يحصون وهلكت مواشيهم وكانت الأسعار بمكة غالية

وفيها في صفر قبض المستنجد بالله على الأمير توبة بن العقيلي وكان قد قرب منه قربا عظيما بحيث يخلو معه وأحبه المستنجد محبة كثيرة فحسده الوزير ابن هبيرة فوضع كتبا من العجم مع قوم وأمرهم أن يتعوضوا فيؤخذوا ففعلوا ذلك وأخذوا وأخضروا عند الخليفة فأظهروا الكتب بعد الامتناع الشديد فلما وقف الخليفة عليها خرج إلى نهر الملك يتصيد وكانت حلل توبة على الفرات فحضر عنده فأمر بالقبض عليه فقبض وأدخل بغداد ليلا وحبس فكان آخر العهد به فلم يمنح الوزير بعده بالحياة بل مات بعد ثلاثة أشهر وكان توبة من أ : مل العرب مروءة وعقلا وسخاء وإجازة واجتمع فيه من خلال الكمال ما تفرق في الناس

وفيها في ربيع الأول توفي الشهاب محمود بن عبد العزيز الحامدي الهروي وزير السلطان أرسلان ووزير أتابك شمس الدين أيلدكز

وفيها توفي عون الدين الوزير ابن هبيرة واسمه يحيى بن محمد بن المظفر وزير الخليفة وكان موته في جمادى الأولى ومولده سنة تسعين وأربعمائة ودفن بالمدرسة التي بناها للحنابلة بباب البصرة وكان حنبلي المذهب دينا خيرا عالما يسمع حديث النبي وله فيه التصانيف الحسنة وكان ذا رأي سديد ونافق على المقتفي نفاقا عظيما حتى أن المقتفي كان يقول لم يوزر لبني العباس مثله ولما مات قبض على أولاده وأهله

وتوفي بهذه السنة محمد بن سعيد البغدادي بالموصل وله شعر حسن فمن قوله

( أفدي الذي وكلني حبه % بطول إعلالي وأمراضي )

( ولست أدري بعد ذا كله % أساخط مولاي أم راضي )

وفيها توفي الشيخ الإمام أبو القاسم عمر بن عكرمة بن البرزي الشافعي تفقه على الفقيه الكيا الهراسي وكان واحد عصره في الفقه تأتيه الفتاوى من العراق وخراسان وسائر البلاد وهو من جزيرة ابن عمر

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.