في هذه السنة كان حرب شديدة بين سنقر الهمذاني وأرغش المسترشدي وسببها أن سنقر الهمذاني كان قد نهب سواد بغداد بطريق خراسان وكثر جمعه فخرج الخليفة المقتفي لأمر الله في جمادى الأولى بنفسه يطلبه فلما وصل إلى بلد اللحف قال له الأمير خطلوبرس أنا أكفيك هذا المهم وكان بينه وبين سنقر مودة فركب إليه وتلاقيا وجرى بينهما عتاب طويل لأجل خروجه عن طاعة الخليفة فأجاب سنقر إلى الطاعة وعاد خطلوبرس وأصلح حاله فأقطعه بلد اللحف والأمير أرغش فرآه محتزرا فتحاربا واقتتلا قتالا شديدا وغدر بأرغش أصحابه فعاد منهزما إلى بغداد وانفرد سنقر ببلد اللحف وخطب فيه للملك محمد فسير من بغداد عسكرا لقتاله مقدمهم خطلوبرس فجرت بينهما حرب شديدة انهزم في آخرها سنقر وقتلت رجاله ونهبت أمواله التي في العسكر وسار هو إلى قلعة الماهكي وأخذ ما كان له فيها واستخلف فيها بعض غلمانه وسار هو إلى همذان فلم يلتفت إليه الملك محمد شاه فعاد إلى قلعة الماهكي
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
في هذه السنة أيضا كان قتال بين شملة صاحب خوزستان ومعه ابن مكلية وبين قايماز السلطاني في ناحية بادرايا فجمعا عسكرهما وسارا إليه فأتاه الخبر بذلك وهو يشرب فلم يحفل بذلك وركب إليهم في نحو ثلاثمائة فارس وكان معجبا بنفسه فحمل عليهم واختلط بهم فأحدقوا به وقاتل أشد قتال فانهزم أصحابه وأخذ هو أسيرا فتسلمه إنسان تركماني كان له عليه دم لأنه قتل ابنا للتركماني فقتله بابنه وأرسل رأسه إلى محمد شاه وأرسل الخليفة عسكرا ليقاتل شملة ومن معه فانزاحوا من بين أيديهم ولحقوا بالملك ملكشاه بخوزستان فهلك كثير منهم بالبرد
كان الأتراك الغزية قد أقاموا ببلخ واستوطنوها وتركوا النهب والقتل ببلاد خراسان واتفقت الكلمة بها على طاعة السلطان خاقان محمود بن محمد أرسلان وكان المتولي لأمور دولته المؤيد أي أبه وعن رأيه يصدر محمود فلما كان هذه السنة في شعبان سار الغز من بلخ إلى مرو وكان السلطان محمود بسرخس في العساكر فسار المؤيد في طائفة من العسكر إليهم فأوقع بطائفة منهم وظفر بهم ولم يزل يتبعهم إلى أن دخلوا إلى مرو أوائل رمضان وغنم من أموالهم وقتل كثيرا وعاد إلى سرخس فاتفقا هو والسلطان محمود على قصد الغز وقتالهم فجمعا العساكر وحشدا وسارا إلى الغز فالتقوا سادس شوال إلى نصف الليل من ليلة الأربعاء الحادي عشر من الشهر تواقعوا عدة وقعات متتابعة ولم يكن بينهما راحة ولا نزول إلا لما لا بد منه انهزم الغز فيها ثلاث دفعات وعادوا إلى الحرب فلما أسفر الصبح يوم الأربعاء انكشفت الحرب عن هزيمة عساكر خراسان وتفرقهم في البلاد وظفر الغز بهم وقتلوا فأكثروا فيهم وأما الجرحى والأسرى فأكثر من ذلك وعاد المؤيد ومن سلم معه إلى طوس فاستولى الغز على مرو وأحسنوا السيرة وأكرموا العلماء والأئمة مثل تاج الدين أبي سعد السمعاني وشيخ الإسلام علي البلخي وغيرهما وأغاروا على سرخس وخربت القرى وجلى أهلها وقتل من أهل سرخس نحو عشرة آلاف قتيل ونهبوا طوس أيضا وقتلوا أهلها إلا القليل وعادوا إلى مرو
وأما السلطان محمود بن محمد الخان والعساكر التي معه فلم يقدروا على المقام بخراسان من الغز فساروا إلى جرجان ينتظرون ما يكون من الغز
فلما دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة أرسل الغز إلى السلطان يسألونه أن يحضر عندهم ليملكوه أمرهم فلم يثق بهم وخافهم على نفسه فأرسلوا يطلبون منه ابنه جلال الدين عمر ليملكوه أمرهم ويصدروا عن أمره ونهيه في قليل الأمور وكثيرها وترددت الرسل واحتاط السلطان محمود لولده بالعهد والمواثيق وتقرير القواعد ثم سيره من جرجان إلى خراسان فلما سمع الأمراء الغزية بقدومه ساروا من مرو إلى طريقه فالتقوه بنيسابور وأكرموه وعظموه ودخل نيسابور واتصلت به العساكر الغزية واجتمعوا عنده في الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وخمسمائة ثم إن السلطان محمودا سار من جرجان إلى خراسان في الجيوش التي معه من الأمراء السنجرية وتخلف عنه المؤيد أي أبه فوصل إلى حدود نسا وأبيورد وأقطع نسا لأمير اسمه عمر بن حمزة النسوي فقام في حفظها المقام المرضي ومنع عنها أيدي المفسدين وأقام السلطان محمود بظاهر نسا حتى انسلخ جمادى الآخرة من السنة
ولما كان الغز بنيسابور هذه السنة أرسلوا إلى طوس يدعونهم إلى الطاعة والموافقة فامتنع أهل راذكان من اجابتهم إلى ذلك واغتروا بسور بلدهم وبما عندهم من الشجاعة والقوة والعدة الوافرة والذخائر الكثيرة فقصدها طائفة من الغز وحصروهم وملكوا البلد وقتلوا فيه ونهبوا وأكثروا ثم عادوا إلى نيسابور وساروا مع جلال الدين محمد ابن السلطان محمود الخان إلى بيهق وحصروا سابزوار سابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وخمسمائة فامتنع أهلها عليهم وقام بأمرهم النقيب عماد الدين علي بن محمد بن يحيى العلوي الحسيني نقيب العلويين واجتمعوا معه ورجعوا إلى أمره ونهيه ووقفوا عند إشارته فامتنعوا على الغز وحفظوا البلد منهم وصبروا على القتال فلما رأى الغز امتناعهم عليهم وقوتهم أرسلوا إليهم يطلبون الصلح فاصطلحوا ولم يقتل من أهل سابزوار في تلك الحروب غير رجل واحد ورحل الملك جلال الدين والغز عن سابزوار في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وخمسمائة وساروا إلى نسا وأبيورد
قد ذكرنا أن المؤيد أي أبه تخلف عن السلطان ركن الدين محمود بن محمد بجرجان فلما كان الآن سار من جرجان إلى خراسان فنزل بقرية من قرى خبوشان اسمها زانك وبها حصن فسمع الغز بوصوله إلى زانك فساروا إليه وحصروه فيه فخرج منه هاربا فرآه واحد من الغز فأخذه فوعده بمال جزيل إن أطلقه فقال الغزي وأين المال فقال هو مودع في بعض هذه الجبال فسار هو والغزي فوصلا إلى جدار قرية فيها بساتين وعيون فقال للفارس المال ههنا وصعد الجدار ونزل من ظهره ومضى هاربا فرأى الغز قد ملؤوا الأرض فدخل قرية فعرفه طحان فيها فأعلم زعيم القرية به وطلب منه مركبا فأتاه بما أراد وأعانه على الوصول إلى نيسابور فوصل إليها واجتمعت العساكر وقوي أمره وعاد إلى حاله وأحسن إلى الطحان وبالغ في الإحسان إليه
لما عاد الغز ومعهم محمد بن محمود الخان إلى نيسا وأبيورد كما ذكرناه خرج والده السلطان محمود الخان وكان هناك فيمن معه من العساكر الخراسانية فاجتمع بهم واتفقت الكلمة على طاعته وأراد عمارة البلاد وحفظها فلم يقدر على ذلك فلما اجتمعوا ساروا إلى نيسابور وبها المؤيد أي أبه في شعبان فلما سمع بقربهم منه رحل عنها إلى خواف في سادس عشرة ووصلوا إليها في الحادي والعشرين منه ونزلوا فيه وخافهم الناس خوفا عظيما فلم يفعلوا بهم شيئا وساروا عنها في السادس والعشرين منه إلى سرخس ومرو وكان بها الفقيه المؤيد بن الحسين الموفقي رئيس الشافعية وله بيت قديم وهو من أجناد الإمام أبي سهل الصعلوكي وله مصاهرة إلى بيت أبي المعالي الجويني وهو المقدم في البلد والمشار إليه وله من الأتباع ما لا يحصى فاتفق أن بعض أصحابه قتل إنسانا من الشافعية اسمه أبو الفتوح الفستقاني خطأ وهذا أبو الفتوح له تعلق بنقيب العلويين بنيسابور وهو ذخر الدين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسيني وكان هذا النقيب هو الحاكم هذه المدة بنيسابور فغضب من ذلك وأرسل إلى الفقيه المؤيد يطلب منه القاتل ليقتص منه ويتهدده إن لم يفعل فامتنع المؤيد من تسليمه وقال لا مدخل لك من اصحابنا إنما حكمك على الطائفة العلويين فجمع النقيب أصحابه ومن يتبعه وقصد الشافعية فاجتمعوا له وقاتلوه فقتل منهم جماعة ثم إن النقيب أحرق سور العطارين وأحرقوا سكة معاد أيضا وسكة باغ طاهر ودار إمام الحرمين أبي المعالي الجوينس وكان الفقيه المؤيد الشافعي بها للصهر الذي بينهم
وعظمت المصيبة على كافة الناس وجمع بعد ذلك المؤيد الفقيه جموعا من طوس واسفراين وجوين وغيرهم وقتلوا واحدا من اتباع النقيب زيد يعرف بابن الحاجي الأشناني فأهم العلوية ومن معهم فاقتتلوا ثامن عشر شوال من سنة أربع وخمسين وقامت الحرب على ساق وأحرقت المدارس والأسواق والمساجد وكثر القتل في الشافعية فالتجأ المؤيد الشافعي في شرذمة إلى قلعة فرخك وقصر باع الشافعية عن القتال ثم انتقل المؤيد إلى قرية من قرى طوس وبطلت دروس الشافعية بنيسابور وخرب البلد وكثر القتل فيه
في هذه السنة في رجب سار الملك أبو شجاع فرخشاه وهو يزعم أنه من أولاده بهرام جور وقد تقدم ذكره أيام كسرى أبرويز إلى ترمذ وحصرها وكان سبب ذلك انه كان في طاعة السلطان سنجر فلما خرج عليه الغز طلبه ليحضر معه حربه لهم فجمع عسكره وأظهر أنه واصل فيمن عنده من العساكر إليه وأقام ينتظر ما يكون منه فإن ظفر حضر وقال له سبقتني بالحرب وإن كان الظفر للغز قال لهم إنما تأخرت محبة وإرادة أن تملكوا فلما انهزم سنجر وكان ما ذكرناه بقي إلى الآن فسار إلى ترمذ ليحصرها فجمع صابحها فيروزشاه أحمد بن أبي بكر بن قماج عسكره ولقيه ليمنعه فاقتتلوا فانهزم فيروزشاه ومضى منهزما لا يلوي على شيء فأصابه في الطريق قولنج فمات منه
في هذه السنة عاد المؤيد أي أبه إلى نيسابور في عساكره ومعه الإمام المؤيد الموفقي الشافعي الذي تقدم ذكر الفتنة بينه وبين ذخر الدين نقيب العلويين وخروجه من نيسابور فلما خرج منها صار مع المؤيد وحضر مع المؤيد وحضر معه حصار نيسابور وتحصن النقيب العلوي بشارستان واشتد الخطب وطال الحرب وسفكت الدماء وهتكت الأستار وخربوا ما بقي من نيسابور من الدور وغيرها وبالغ الشافعية ومن معهم من الانتقام فخربوا المدرسة الصندلية لأصحاب أبي حنيفة وخربوا غيرها وحصروا قهندز وهذه الفتنة استأصلت نيسابور ثم رحل المؤيد أي أبه عنها إلي بيهق في شوال من سنة أربع وخمسين وخمسمائة كان ينبغي أن تكون هذه الحوادث الغزية الواقعة في سنة أربع وخمسين مذكورة في سنتها وإنما قدمناها ههنا ليتلو بعضها بعضا فيكون أحسن لسياقتها
في هذه السنة ملك ملكشاه ابن السلطان محمود بلد خوزستان وأخذه من شملة التركماني وسبب ذلك أن الملك محمد ابن السلطان محمود لما عاد من حصار بغداد كما ذكرناه مرض وبقي مريضا بهمذان ومضى أخوه ملكشاه إلى قم وقاجان وما والاها فنهبها جميعها وصادر أهلها وجمع أمولا كثيرة فراسله أخوه محمد شاه يأمره بالكف عن ذلك ليجعله ولي عهده في الملك فلم يفعل ومضى إلى أصفهان فلما قاربها أرسل رسولا إلى ابن الخجندي وأعيان البلد في تسليم البلد إليه فامتنعوا من ذلك وقالوا لأخيك في رقابنا يمين ولا نغدر به فحينئذ شرع ملكشاه في الفساد والمصادرة لأهل القرى فلما سمع محمد شاه الخبر سار عن همذان وعلى مقدمته كردبازوه الخادم فتفرقت جموع ملكشاه عند فرسيسين فلحق به قويدان وكان قد فارق المقتفي لأمر الله واتفق مع سنقر الهمذاني فلحق كلاهما به وحسنا له قصد بغداد فسار عن بلد خوزستان إلى واسط ونزل بالجانب الشرقي وهم على غاية الضر من الجوع فنهبوا القرى نهبا فاحشا ففتح بثق بتلك الناحية فغرق منهم كثير ونجا ملكشاه ومن سلم معه وساروا إلى خوزستان فمنعه شملة من العبور فراسله ليمكنه من العبور إلى أخيه الملك محمد شاه فلم يجبه إلى ذلك وكاتب حينئذ الأكراد الكر الذين هناك واستدعاهم إليه ففرحوا به ونزل إليه من تلك الجبال خلق كثير فأطاعوه فرحل ونزل على كرخانا وطلب من شملة الحرب فألان له شملة القول وقال أنا أخطب لك فلقيه ملكشاه ومعه سنقر الهمذاني وقويدان وغيرهما من الأمراء فاقتتلوا فانهزم شملة وقتل كثير من أصحابه وصعد إلى قلعته دندرزين وملك ملكشاه البلاد وجبى الأموال الكثيرة وأظهر العدل
وتوجه إلى أرض فارس
كان بنواحي قهستان طائفة من التركمان فنزل إليهم جمع من الإسماعيلية من قلاعهم وهم ألف وسبعمائة فأوقعوا بالتركمان فلم يجدوا الرجال وكانوا قد فارقوا بيوتهم فنهبوا الأموال وأخذوا النساء والأطفال وأحرقوا ما لم يقدروا على حمله وعاد التركمان فرأوا ما فعل بهم فتبعوا أثر الإسماعيلية فأدركوهم وهم يقتسمون الغنيمة فكبروا وحملوا عليهم ووضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاؤوا حتى أفنوهم قتلا وأسرا ولم ينج إلا تسعة رجال لا غير
في هذه السنة كثر فساد التركمان أصحاب ترجم الإيوائي بالجبل فسير إليهم من بغداد عسكر مقدمهم منكبرس المسترشدي فلما قاربهم اجتمع التركمان فالتقوا واقتتلوا هم ومنكبرس فانهزم التركمان أقبح هزيمة وقتل بعضهم وأسر بعض وحملت الرؤوس والأسارى إلى بغداد
وفيها حج الناس فلما وصلوا إلى مدينة النبي وصل لهم الخبر أن العرب قد اجتمعت لتأخذهم فتركوا الطريق وسلكوا طريق خيبر فوجدوا مشقة شديدة ونجوا من العرب
وفيها توفي الشيخ نصر بن منصور بن الحسين العطار أبو القاسم الحراني ومولده بحران سنة أربع وثمانين وأربعمائة وأقام ببغداد وكثر ماله وصدقاته أيضا زكان يقرأ القرآن وهو والد ظهير الدين الذي حكم في دولة المستضيء بأمر الله على ما نذكره إن شاء الله
وفيها توفي أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي ببغداد وهو سجزي الأصل هروي المنشأ وكان قدم إلى بغداد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة يريد الحج فسمع الناس بها عليه صحيح البخاري وكان عالي الإسناد فتأخر لذلك عن الحج فلما كان هذه السنة عزم على الحج فمات
وفيها توفي يحيى بن سلامة بن الحسن بن محمد الفضل الحصكفي الأديب بميافارقين وله شعر حسن ورسائل جيدة مشهورة وكان يتشيع ومولده بطنزة فمن شعره
( وخليع بت أعذله % ويرى عذلي من العبث )
( قلت إن الخمر مخبثة % قال حاشاها من الخبث )
( قلت فالأرفاث تتبعها % قال طيب العيش في الرفث )
( قلت منها القي قال أجل % شرفت عن مخرج الحدث )
( وسأسلوها فقلت متى % قال عند الكون في الحدث )
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
