في هذه السنة في المحرم أذن السلطان مسعود للعساكر التي عنده ببغداد بالعود إلى بلادهم لما بلغه أن الراشد بالله قد فارق أتابك زنكي من الموصل فإنه كان يتمسك بالعساكر عنده خوفا أن ينحدر به إلى العراق فيملكه عليه فلما أراد أن يأذن للأمير صدقة بن دبيس صاحب الحلة زوجة ابنته تمسكا به وقدم على السلطان مسعود جماعة من الأمراء الذين حاربوه مع الملك داود منهم البقش السلاحي وبرسق بن برسق صاحب تستر وسنقر الخمارتكين شحنة همذان فرضي عنهم وأمنهم وولى البقش شحنكية بغداد فعسف الناس وظلمهم وكان السلطان مسعود بعد تفرق العساكر عنه قد بقي معه ألف فارس وتزوج الخليفة فاطمة أخت السلطان مسعود في رجب والصداق مائة ألف دينار وكان الوكيل في قبول النكاح وزير الخليفة علي بن طراد الزينبي والوكيل عن السلطان وزيره الزركزيني ووثق السلطان حيث صار الخليفة وصدقة بن دبيس بن صدقة صهريه وحيث سار الراشد بالله من عند زنكي الأتابك والله أعلم
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة
في هذه السنة في جمادى الأولى هرب تاج الدولة بهرام وزير الحافظ لدين الله العلوي صاحب مصر وكان قد استوزره بعد قتل ابنه حسن سنة تسع وعشرين وخمسمائة وكان نصرانيا أرمنيا فتمكن في البلاد واستعمل الأرمن وعزل المسلمين وأساء السيرة فيهم وأهانهم هو والأرمن الذين ولاهم وطمعوا فيهم فلم يكن في أهل مصر أنف من ذلك إلا رضوان بن الريحيني فإنه لما ساءه ذلك وأقلقه جمعا كثيرا وقصد القاهرة فسمع به بهرام فهرب إلى الصعيد من غير حرب ولا قتال وقصد مدينة أسوان فمنعه واليها من الدخول إليها وقاتله فقتل السودان من الأرمن كثيرا فلما لم يقدر على الدخول إلى أسوان أرسل إلى الحافظ يطلب الأمان فأمنه فعاد إلى القاهرة فسجن بالقصر فبقي مدة ثم ترهب وخرج من الحبس
وأما رضوان فإنه وزر للحافظ ولقب بالملك الأفضل وهو أول وزير للمصريين لقب بالملك ثم فسد ما بينه وبينه الحافظ فعمل الحافظ في إخراجه فثار الناس عليه منتصف شوال في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وهرب من داره وتركها بما فيها فنهب الناس منها ما لا يحد ولا يحصى وركب الحافظ فسكن الناس ونقل ما بقي في دار رضوان إلى قصره وأما رضوان فسار يريد الشام يستنجد الأتراك ويستنصرهم فأرسل إليه الحافظ الأمير بن مصال ليرده بالأمان والعهد أنه لا يؤذيه فرجع إلى القاهرة فحبسه الحافظ عنده في القصر وقيل إنه توجه إلى الشام وهو الصحيح وقصد صرخد فوصل إليها في ذي القعدة ونزل على صاحبها أمين الدولة كمشتكين فأكرمه وعظمه وأقام عنده ثم سار إلى مصر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ومعه عسكر فقاتل المصريين عند باب النصر وهزمهم وقتل منهم جماعة كثيرة وأقام ثلاثة أيام فتفرق عنه كثير ممن معه فعزم على العود إلأى الشام فأرسل إليه الحافظ الأمير ابن مصال فرده وحبسه عنده في القصر وجمع بينه وبين عياله وأهله فأقام في القصر إلى سنة ثلاث وأربعين فنقب الحبس وخرج منه وقد أعدت له خيل فهرب عليها وعبر النيل إلى الجيزة فحشد وجمع المغاربة وغيرهم وعاد إلى القاهرة فقاتل المصريين عند جامع ابن طولون وهزمهم ودخل القاهرة فنزل عند جامع الأقمر فأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا ليفرقه على عادتهم فإنهم كانوا إذا وزروا وزيرا أرسلوا إليه عشرين ألف دينار ليفرقها فأرسل الحافظ عشرين ألف دينار فقسمها وكثر عليه الناس وطلب زيادة فأرسل إليه عشرين ألف دينار ففرقها فتفرق الناس وخفوا عنه فإذا الصوت قد وقع وخرج إليه جمع كثير من السودان وضعهم الحافظ عليه فحملوا على غلمانه فقاتلوهم فقام يركب فقدم إليه بعض أصحابه فرسا ليركبه فلما أراد ركوبه ضرب الرجل رأسه بالسيف فقتله وحمل رأسه إلى الحافظ فأرسله إلى زوجته فوضع في حجرها فألقت به وقالت هكذا يكون الرجال ولم يستوزر الحافظ أحدا وباشر الأمور بنفسه إلى أن مات
وفي هذه السنة في رجب سار عسكر دمشق مع مقدمتهم الأمير تراوش إلى طرابلس الشام فاجتمع معه كثير من الغزاة المتطوعة والتركمان أيضا خلق كثير فلما سمع القمص صاحبها بقربهم من ولايته سار إليهم في جموعه وحشوده فقاتلهم وانهزم الفرنج وعادوا إلى طرابلس في صورة سيئة قد قتلت فرسانهم وشجعانهم فلما عادوا نهب المسلمون من أعمالهم أكثرها وحصروا حصن وادي ابن الأحمر وضيقوا عليه فملكوها عنوة ونهبوا ما فيه وقتلوا المقاتلة وسبوا الحريم والذرية وأسر الرجال فاشتروا أنفسهم بمال جزيل وعاد المسلمين إلى دمشق سالمين والله أعلم
في هذه السنة في شعبان سار أتابك زنكي إلى مدينة حمص وقدم إليها حاجبه صلاح الدين محمد الباغيسياني وهو أكبر أمير معه وكان ذا مكر وحيل أرسله ليتوصل مع من فيها ليسلموها إليه
فوصل إليها وفيها معين الدين أنز وهو الوالي عليها والحاكم فيها وهو أيضا أكبر أمير بدمشق وحمص أقطاعه كما سبق ذكره فلم ينفذ فيه مكره فوصل حينئذ زنكي إليها وحصرها وعاودا مراسلة أنز في التسليم غير مرة تارة بالوعد وتارة بالوعيد واحتج بأنها ملك صاحبه شهاب الدين وأنها بيده أمانة ولا يسلمها إلا عن غلبة فأقام عليها إلى العشرين من شوال ورحل عنها من غير بلوغ غرض إلى بعرين فحصرها وكان منه ومن الفرنج ما نذكره إن شاء الله تعالى
وفي هذه السنة في شوال سار أتابك زنكي من حمص كما ذكرناه وحصر قلعة بعرين وهي للفرنج تقارب مدينة حماة وهي من أمنع الحصون وأحصنها فلما نزل عليها قاتلها وزحف إليها فجمع الفرنج فارسيهم وراجلهم وساروا في قضهم وقضيضهم وملوكهم وقمامصتهم وكنودهم إلى أتابك زنكي ليرحلوه عن بعرين فلم يرحل وصبر لهم إلى أن وصلوا إليه فلقيهم وقاتلهم أشد قتال وصبر الفريقان ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب واحتمى ملوكهم بحصن بعرين لقربه منهم فحصرهم المسلمون ومنع أتابك زنكي عنهم كل شيء حتى الأخبار فكان من به منهم لا يعلم شيئا من أخبار بلادهم لشدة ضبط الطرق وهيبته على جنوده ثم إن القسوس والرهبان دخلوا بلاد الروم وبلاد الفرنج وما والاها من بلاد النصرانية مستنفرين على المسلمين وأعلموهم أن زنكي إن أخذ قلعة بعرين ومن فيها من الفرنج ملك جميع بلادهم في أسرع وقت لعدم المحامي عنها وأن المسلمين ليس لهم نية إلا قصد البيت المقدس فحينئذ اجتمعت النصرانية وساروا على الصعب والذلول وقصدوا الشام مع ملك الروم وكان منهم ما نذكره
وأنا زنكي فإنه جد في قتال الفرنج فصبروا وقلت عليهم الميرة والذخيرة فإنهم كانوا غير مستعدين ولم يكونوا يعتقدون أن أحدا يقدر عليهم بل كانوا يتوقعون ملك باقي البلاد بالشام فلما قلت الذخيرة أكلوا دوابهم وأذعنوا بالتسليم ليؤمنهم ويتركهم يعودون إلى بلادهم فلم يجبهم إلى ذلك فلما سمع بقرب ملك الروم من الشام واجتماعه بمن بقي من الفرنج أعطى لمن في الحصن الأمان وقرر عليهم تسليم الحصن ومن المال خمسين ألف دينار يحملونها إليه فأجابوه إلى ذلك فخرجوا وسلموا إليه فلما فارقوه بلغهم اجتماع من اجتمع بسببهم فندموا على التسليم حيث لا ينفعهم الندم وكان لا يصلحهم شيء من الأخبار البتة فلهذا سلموه وكان زنكي في مدة مقامه عليهم فتح المعرة وكفرطاب من الفرنج فكان أهلها وأهل سائر الولايات التي بينها وبين حلب وحماة مع أهل بعرين في الخزي لأن الحرب بينهم قائمة على ساق والنهب والقتل لا يزال بينهم فلما ملك أمن الناس وعمرت البلاد وعظم دخلها وكان فتحا مبينا ومن رآه علم صحة قولي ومن أحسن الأعمال ما علمه زنكي مع أهل المعرة فإن الفرنج لما ملكوها كانوا قد أخذوا أملاكهم فلما فتحها زنكي الآن حضر من بقي من أهلها معهم أعقاب من هلك وطلبوا أملاكهم فطلب منهم كتبها فقالوا إن الفرنج أخذوا كل ما لنا والكتب التي للأملاك فيها فقال اطلبوا دفاتر حلب وكل من عليه خراج على ملك يسلم إليه ففعلوا ذلك وأعاد على الناس أملاكهم وهذا من أحسن الأفعال وأعدلهم
قد تقدم أن الفرنج أرسلوا إلى ملك القسطنطينية يستصرخون به ويعرفونه ما فعله زنكي فيهم ويحرضونه على لحاق البلاد قبل أن تملك ولا ينفعه حينئذ المجيء فتجهز وسار مجدا فابتدأ وركب البحر وسار إلى مدينة أنطاكية وهي له على ساحل البحر فأرسى فيها وأقام ينتظر وصول المراكب التي فيها أثقاله وسلاحه فلما وصلت سار عنها إلى مدينة نيقية فحصرها وأن أصحابها صالحوه على مال يؤدونه إلأيه وقيل بل ملكها
وسار عنها إلى مدينة أذنة ومدينة المصيصة وهما بيد ابن ليون الأرمني صاحب قلاع الدروب فحصرهما وملكهما
ورحل إلى عين زربة فحصرها وملكها عنوة
وملك تل حمدون وحمل أهله إلى جزيرة قبرس وعبر ميناء الإسكندرية
وخرج إلى الشام فحصر مدينة أنطاكية في ذي القعدة وضيق على أهلها وبها صاحبها الفرنجي ريمند فترددت الرسل إليهم ومشوا بينهم فتصالحا
ورحل عنها إلى بغراس ودخل منها إلى بلد ابن ليون الأرمني فبذل له ابن ليون أموالا كثيرة ودخل في طاعته والله أعلم
في هذه السنة رابع وعشرين في أيار ظهر بالشام سحاب أسود وأظلمت له الدنيا وصار الجو كالليل المظلم ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر كأنه النار أضاءت له الدنيا وهبت ريح عاصفة ألقت كثيرا من الشجر وكان أشد ذلك بحوران ودمشق وجاء بعده مطر شديد وبرد كبار
وفيها عاد مؤيد الدين أبو الفوارس المسيب بن علي بن الحسين المعروف بابن الصوفي من صرخد إلى دمشق وكان قد أخرج هو وأهله من دمشق إلى صرخد فبقوا فيها إلى الآن وعادوا وولي أبو الفوارس الرياسة بدمشق وحكم فيها حكما ماضيا وكان ذا رياسة عظيمة ومروءة ظاهرة
فيها كثرت الأمراض ببغداد وكثر الموت فجأة بأصفهان وهمذان
وفيها سار أتابك زنكي إلى دقوقا فحضرها وملكها بعد أن قاتل على قلعتها قتالا شديدا وفيها توفي أبو سعيد أحمد بن محمد بن ثابت الخجندي رئيس الشافعية بأصفهان وتفقه على والده ودرس بالنظامية بأصفهان
وتوفي أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري ومولده يوم عاشوراء سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وهو آخر من روى عن أبي الحسن زوج الحرة وقد روى الخطيب أبو بكر بن ثابت عن زوج الحرة أيضا وكانت وفاة الخطيب سنة ثلاث وستين وأربعمائة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
