الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة
4

ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة

الجزء التاسع 8 عنصر صفحة 24
ذكر إعادة خطبة السلطان بركيارق ببغداد ص 24

في هذه السنة أعيدت الخطبة للسلطان بركيارق بغداد وسبب ذلك أن بركيارق سار في العام الماضي من الري إلى خوزستان فدخلها وجميع من معه على حال سيئة وكان أمير عسكره حينئذ ينال بن أنوشتكين الحسامي وأتاه غيره من الأمراء وسار إلى واسط فظلم عسكره الناس ونهبوا البلاد واتصل به الأمير صدقة بن مزيد صاحب الحلة ووثب على السلطان قوم ليقتلوه فأخذوا وأحضروا بين يديه فاعترفوا أن الأمير سر من شحنة أصبهان وضعهم على قتله فقتل أحدهم وحبس الباقون وسار إلى بغداد فدخلها سابع عشر صفر وخطب له ببغداد يوم الجمعة منتصف صفر قبل وصوله بيومين وكان سعد الدولة كوهرايين بالشفيعي وهو في طاعة السلطان محمد فسار إلى دي مرج ومعه أيلغازي بن أرتق وغيره من الأمراء فأرسل إلى مؤيد الملك والسلطان محمد يستحثهما على الوصول إليه كربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب جزيرة ابن عمر فأما جكرمش فاستأذن كواهرايين في العود إلى بلده وقال إنه قد اختلت الأحوال فأذن له وبقي مع كوهرايين جماعة من الأمراء فاتفقوا على أن يصدروا عن رأي واحد لا يختلفون ثم اتفقت آراؤهم على أن كتبوا إلى السلطان بركيارق يقولون له اخرج فما فينا من يقاتلك وكان الذي أشار بذا كربوقا وقال لكوهرايين إننا لم نظفر من محمد ومؤيد الملك بطائل وكان ممنحرفا عن مؤيد الملك فسار بركيارق إليهم فترجلوا وقبلوا الأرض وعادوا معه إلى بغداد وأعاد إلى كوهرايين جميع ما كان أخذ له من سلاح ودواب وغير ذلك واستوزر بركيارق ببغداد الأعز أبا المحاسن عبد الجليل بن علي بن محمد الداهستاني وقبض على عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وطالبه بالحاصل من ديار بكر والموصل لما تولاها هو وأبوه أيام ملكشاه فاستقر الأمر على مائة ألف دينار وستين ألف دينار يحملها إليه وخلع الخليفة على السلطان بركيارق

ذكر الواقعة بين السلاطين بركيارق ومحمد وإعادة خطبة محمد ببغداد ص 25

في هذه السنة سار بركيارق من بغداد إلى شهر زور فأقام بها ثلاثة أيام والتحق به عالم كثير من التركمان وغيرهم فسار نحو أخيه السلطان محمد ليحاربه فكاتبه رئيس همذان ليسير إليها ويأخذ اقطاع الأمراء الذين مع أخيه فلم يفعل وسار نحو أخيه فوقع الحرب بينهم رابع رجب وهو المصاف الأول بين بركيارق وأخيه السلطان محمد باسبيذ روز ومعناه النهر الأبيض وهو عل عدة فراسخ من همذان وكان مع محمد نحو عشرين ألف مقاتل وكان محمد في القلب ومعه الأمير سرمز وعلى ميمنته أمير آخر وابنه أياز وعلى ميسرته مؤيد الملك والنظامية وكان السلطان بركيارق في القلب ووزيره الأعز أبو المحاسن وعلى ميمنته كوهرايين وعز الدولة بن صدقة بن مزيد وسرخاب بن بدر وعلى ميسرته كربوقار وغيره فحمل كوهرايين من ميمنة بركيارق على ميسرة محمد وبها مؤيد الملك والنظامية فانهزموا ودخل عسكر بركيارق في خيامهم فنهبوهم وحملت ميمنة محمد على مسيرة بركيارق فانهزمت الميسرة وانضافت ميمنة محمد إليه في القلب على بركيارق ومن معه فانهزم بركيارق ووقف محمد مكانه وعاد كوهرايين من طلب المنهزمين الذين انهزموا بين يديه وكبا به فرسه فأتاه خراساني فقتله وأخذ رأسه وتفرقت عساكر بركيارق وبقي في خمسين فارسا وأما وزيره الأعز أبو المحاسن فإنه أخذ أسيرا فأكرمه مؤيد الملك بن نظام الملك ونصب له خيما وخركاه وحمل إليه الفرش والكسوة وضمنه عمادة بغداد واعاده إليها وأمره بالمخاطبة في إعادة الخطبة للسلطان محمد ببغداد فلما إليها خاطب في ذلك فأجيب إليه وخطب له يوم الجمعة رابع عشر رجب

ذكر قتل سعد الدولة كواهرايين ص 25

في هذه السنة في رجب قتل سعد الدولة كواهرايين في الحرب المذكورة قبل وكان ابتداء أمره أنه كان خادما للملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بويه انتقل إليه من امرأة من قرقوب بخوزستان وكان إذا توجه إلى الأهواز حضر عندها واستعرض حوائجها وأصاب أهلها منه خيرا كثيرا فأرسله أبي كاليجار مع ابنه أبي نصر إلى بغداد فلما قبض عليه السلطان طغرلبك مضى معه إلى قلعة طبرك فلما مات أبو نصر انتقل إلى خدمة السلطان ألب أرسلان ووقاه بنفسه لما جرحه يوسف الخوارزمي وكان ألب أرسلان أرسله ابنه ملكشاه إلى بغداد فأحضر له الخلع والتقليد ورأى ما لم يره خادم قبله من نفوذ الأمر وتمام القدرة وطاعة أعيان المراء وخدمتهم إياه

وكان حليما كريما حسن السيرة لم يصادر أحدا من أهل ولايته ومناقبه كثيرة

ذكر حال السلطان بركيارق بعد الهزيمة وانهزامه من أخيه سنجر أيضا وقتل أمير داذ حبشي ص 26

لما انهزم السلطان بركيارق من أخيه السلطان محمد سار قليلا وهو في خمسين فارسا ونزل عتمة واسترح وقصد الري وأرسل إلى من كان يعلم أنه يريده ويؤثر دولته فاستدعاه فاجتمع معه جمع صالح فسار إلى إسفرايين وكاتب أمير داذ حبشي بن التونتاق وهو بدامغان يستدعيه فأجابه يشير عليه بالمقام بنيسابور حتى يأتيه وكان بيده حينئذ أكثر خراسان وطبرستان وجرجان فلما وصل بركيارق إلى نيسابور قبض على رؤسائها وخرج بهم وأطلقهم بعد ذلك وتمسك بعميد خراسان أبي محمد وأبي القاسم بن أبي المعالي الجويني فأما أبو القاسم فمات مسموما في قبضه وقد تقدم أنه قتل سنة اثنتين وتسعين وعاد بركيارق فاستدعى أمير داذ فاعتذر بقصد السلطان سنجر بلاده في عساكر بلخ ويسأل السلطان بركيارق أن يصل إليه ليعينه على الملك سنجر فسار إليه في ألف فارس فلم يعلم قدومه إلا الأمراء الكبار من أصحاب سنجر ولم يعلم الأصاغر لئلا ينهزموا وكان مع الأمير داذ عشرون ألف فارس فيهم من رجالة الباطنية خمسة آلاف ووقع المصاف بين بركيارق وأخيه سنجر خارج النوشجان

وكان الأمير بزغش في ميمنة سنجر والأمير كندكز في ميسرته والأمير رستم في القلب فحمل بركيارق على رستم فطعنه فقتله وانهزم أصحابه وأصحاب سنجر واشتغل العسكر بالنهب فحمل عليهم بزغش وكندكز فقتلا المنهزمين وانهزم الرجالة إلى مضيق بين جبلين فأرسل عليهم الماء فأهلكهم ووقعت الهزيمة على أصحاب بركيارق وكان قد أخذ والدة أخيه سنجر لما انهزم أصحابه أولا فخافت أن يقتلها بأمه فأحضرها وطيب قلبها وقال إنما أخذتك حتى يطلق أخي سنجر من عنده من الأسرى ولست كفؤا لوالدتي حتى أقتلك فلما أطلق سنجر الأسرى أطلقها بركيارق وهرب أمير داذ إلى بعض القرى وأخذه بعض التركمان فأعطاه في نفسه مائة ألف دينار فلم يطلقه وحمله إلى بزغش فقتله وسار بركيارق إلى جرجان ثم إلى دامغان وسار في البرية ورؤي في بعض المواضع ومعه سبعة عشر فارسا وجمازة واحدة ثم كثر جمعه وصار معه ثلاثة آلاف فارس منهم جاولي سقاووه وغيره وسار إلى أصبهان بمكاتبة من أهلها فسمع السلطان محمد فسبقه إليها فعاد إلى سميرم

ذكر فتح تميم بن المعز مدينة سفاقس ص 27

في هذه السنة فتح تميم ابن المعز مدينة سفاقس وكان صاحبها حمو قد عاد فتغلب عليها واشتد أمره بوزير كان عنده قد قصده وهو من كتاب المعز كان حسن الرأي والتدبير فاستقامت به دولته وعظم شأنه فأرسل إليه تميم يطلبه ليستخدمه ووعده وبالغ في استمالته فلم يقبل فسير تميم جيشا إلى حصار سفاقس وأمر الذي جعله مقدم الجيش أن يهدم ما حول المدينة ويحرقه ويقطع الأشجار سوى ما يتعلق بذلك الوزير فإنه لا يتعرض إليه ويبالغ في صيانته ففعل ذلك

فلما رأى حمو ما فعل بأملاك الناس ما عدا الوزير اتهمه فقتله نظام دولته وتسلم عسكر تميم المدينة وخرج حمو منها وقصد مكن بن كامل الدهماني فأقام عنده فأحسن إليه ولم يزل عنده حتى مات

ذكر عزل عميد الدولة من وزارة الخليفة ووفاته ص 27

لما أطلق مؤيد الدولة وزير السلطان محمد الأعز أبا المحاسن وزير بركيارق وضمنه عمادة بغداد أمره أن يخاطب الخليفة بعزل وزيره عميد الدولة بن جهير فسار من العسكر وسمع عميد الدولة الخبر فأمر الأصبهبذ صابوة بن خمارتكين بالخروج إلى طريق الأعز وقتله

وكان الأصبهبذ قد حضر الحرب مع بركيارق ولما انهزم العسكر قصد بفداد فخرج إلى طريق الأعز أبي المحاسن فلقيه قريبا من بعقوبا فأوقع بمن معه والتجأ الأعز إلى القرية واحتمى فلما رأى الأصبهبذ صباوة ذلك أرسل إليه يقول إنك وزير السلطان بركياق وأنا مملوكه فإن كنت على خدمته فخرج إلينا حتى نسير إلى بغداد ونقيم الخطبة للسلطان وأنت الصاحب الذي لا يخالف وإن لم تجب إلى هذا فما بيننا غير السيف

فأجابه الأعز إلى ذلك واجتمعا فعرفه صباوة الذي أمره به عميد الدولة من قتلة وباتا تلك الليلة وأرسل الأعز إلى الأمير أيلغازي بن أرتق وكان قد ورد في صحبته وفارقه نحو الراذان فحضر من الليل فانقطع حينئذ أمل صباوة منه وفارقه الأعز إلى بغداد وخاطب في عزل عميد الدولة فعزل في رمضان وأخذ من ماله خمسة وعشرون ألف دينار وقبض عليه وعلى اخوته وبقي معزولا إلى سادس عشر شوال فتوفي محبوسا في دار الخلافة ومولده في المحرم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وكان عاملا كريما حليما إلا أنه كان عظيم الكبر يكاد يعد كلامه عدا وكان إذا كلم إنسان كلمات يسيرة هني ذلك الرجل بكلامه

ذكر ظفر المسلمين بالفرنج ص 28

في ذي القعدة من هذه السنة لقي كمشتكين بن الدانشمند طايلو وإنما قيل له ابن الدانشمند لأن أباه كان معلما للتركمان وتقلبت به الاحوال حتى ملك وهو صاحب ملطية وسيواس وغيرهما بيمند الفرنجي وهو من مقدمي الفرنج قريب ملطية وكان صاحبها قد كاتبه واستقدمه إليه فورد عليه في خمسة آلاف فلقيهم ابن الدنشمند فانهزم بيمند وأسر ثم وصل من البحر سبعة قمامصة من الفرنج وأرادو تخليص بيمند فأتوا إلى قلعة تسمى أنكووية فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين وساروا إلى قلعة أخرى فيها إسماعيل بن الدانشمند وحصروها فجمع ابن الدانشمند جمعا كثيرا ولقي الفرنج وجعل له كمينا وقاتلهم وخرج الكمين عليهم فلم يفلت أحد من الفرنج وكانوا ثلاثمائة ألف غير ثلاثة آلاف هربوا ليلا وأفلتوا مجروحين وسار ابن الدانشمند إلى ملطية فملكها وأسر صاحبها ثم خرج إليه عسكر الفرنج من أنطاكية فلقيهم وكسرهم وكانت هذه الوقائع في شهور قريبة

ذكر عدة حوادث ص 28

في هذه السنة زاد أمر العيارين بالجانب الغربي من بغداد في شعبان وعظم ضررهم فأمر الخليفة كمال الدولة يمن بتهذيب البلد فأخذ جماعة من أعيانهم وطلب الباقين فهربوا

وفيها أيضا انحلت الأسعار بالعراق وكان الكر الحنطة قد بلغ سبعين دينارا وربما زاد كثير في بعض الأوقات وانقطعت الأمطار ويبست الأنهار وكثر الموت حتى عجزوا عن دفن الموتى فحمل في بعض الأوقات ستة أموات على نعش واحد وعدمت الأدوية والعقاقير

وفيها في رجب سار بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية إلى قلعة أفامية فحصرها وقاتل أهلها أياما وأفسد زروعها ثم رحل عنها

وفيها في آخر رمضان قتل الأمير بلكابك سرمز بأصبهان بدار السلطان محمد وكان كثير الاحتياط من الباطنية لا يفارقه لبس الدرع ومن يمنع عنه ففي ذلك اليوم لم يلبس درعا ودخل دار السلطان في قلة فقتله الباطنية فقتل واحد ونجا آخر

وفيها توفي أبو الحسن البسطامي الصوفي ورباطه مشهور على دجلة غربي بغداد بناه أبو الغنائم بن المحلبان

وفيها مات أبو نصر بن أبي عبد الله بن جرادة وأصله من عكبرا وإليه ينسب مسجد ابن جردة وخرابة ابن جرادة ببغداد

وفيها توفي أبو علي يحيى بن جزلة الطبيب وكان نصرانيا فأسلم وهو مصنف كتاب المنهاج

وفيها في شوال توفي عبد الرزاق الصوفي الغزنوي المقيم برباط عتاب وحج عدة حجات على التجريد ولم يخلف ما تكفن فيه فقالت زوجته إذا مت افتضحنا قال لم نفتضح قالت لأنك ليس لك ما تكفن فيه فقال إنما افتضح إذا خلفت ما أكفن فيه وفيها في رمضان توفي عز الدولة أبو المكارم محمد بن سيف الدولة صدقة بن مزيد

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.