الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
32

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمائة

الجزء التاسع 4 عنصر صفحة 240
ذكر ولاية الشهيد أتابك زنكي شحنكية العراق ص 240

في هذه السنة في ربيع الآخر أسند السلطان محمود شحنكية العراق إلى عماد الدين زنكي بن آقسنقر وكان سبب ذلك أن عماد الدين لما أصعد من واسط في التجمل والجمع الذي ذكرناه وقام في حفظ واسط البصرة وتلك النواحي القيام الذي عجز غيره عنه عظم في صدر السلطان وصدور أمرائه فلما عزم السلطان على المسير عن بغداد نظر فيمن يصلح أن يلي شحنكية العراق يأمن معه من الخليفة فاعتبر أمراء وأعيان دولته فلم ير فيهم من يقوم في هذا الأمر مقام عماد الدين فاستشار في ذلك فكل أشار به وقالوا لا تقدر على رقع هذا الخرق وإعادة ناموس هذه الولاية ولا تقوى نفس أحد على ركوب هذا الخطر غير عماد الدين زنكي فوافق ما عنده فأسند إليه الولاية وفوضها إليه مضافة إلى ماله من الأقطاع وسار عن بغداد وقد اطمأن قلبه من جهة العراق فكان الأمر كما ظن

ذكر عود السلطان عن بغداد ووزارة أنو شروان بن خالد ص 240

في هذه السنة ف يعاشر ربيع الآخر سار السلطان محمود عن بغداد بعد تقرير القواعد بها ولما عزم على المسير حمل إليه الخليفة الخلع والدواب الكثيرة فقبل ذلك جميعه وسار ولما أبعد عن بغداد قبض على وزيره أبي القاسم علي بن القاسم الأنسابادي في رجب لأنه اتهمه بممالاة المسترشد بالله لقيامه في أمره وإتمام الصلح مقاما ظهر أثره فسعى به أعداؤه فلما قبض عليه أرسل السلطان إلى بغداد أحضر شرف الدين أنو شروان بن خالد وكان مقيما بها فلما علم بذلك جاءته الهدايا من كل أحد حتى من الخليفة وسار عن بغداد خامس شعبان فوصل إلى السلطان وهو بأصبهان فخلع عليه خلع الوزارة وبقي فيها نحو عشرة أشهر ثم استعفى منها وعزل نفسه وعاد إلى بغداد في شعبان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة

وأما الوزير أبو القاسم فإنه بقي مقبوضا إلى أن خرج السلطان سنجر إلى الري سنة اثنتين وعشرين فأخرجه من الحبس في ذي الحجة وأعاده إلى السلطان محمود وهي الوزارة الثانية

ذكر وفاة عز الدين بن البرسقي وولاية عماد الدين الموصل وأعمالها ص 241

في هذه السنة توفي عز الدين مسعود بن البرسقي وهو صاحب الموصل وكان موته بمدينة الرحبة

وسبب مسيره إليها أنه لما استقامت أموره في ولايته وراسل السلطان محمودا وخطب له ولاية ما كان أبوه يتولاه من الموصل وغيرها فأجاب السلطان إلى ما طلب فرتب الأمور وقررها فكثر جنده وكان شجاعا شهما فطمع في التغلب على بلاد الشام فجمع عسكره وسار إلى الشام يريد قصد دمشق فابتدأ بالرحبة فوصل إليها ونازلها وقام يحاصرها فأخذه مرض حاد وهو محاصر لها فتسلم القلعة ومات بعد ساعد فندم من بها على تسليمها إليه ولما مات بقي مطروحا على بساط لم يدفن وتفرق عنه عسكره ونهب بعضهم بعضا فشغلوا عنه ثم دفن بعد ذلك وقام بعده أخ له صغير واستولى على البلاد مملوك للبرسقي يعرف بالجاولي ودبر أمر الصبي وأرسل إلى السلطان يطلب أن يقرر البلاد على ولد البرسقي وبذل الأموال الكثيرة على ذلك وكان الرسول في هذا الأمر القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن القاسم الشهرزوري وصلاح الدين محمد أمير حاجب البرسقي فحضر أدركاء السلطان ليخاطبا في ذلك وكانا يخافان جاولي ولا يرضيان بطاعته والتصرف بما يحكم به فاجتمع صلاح الدين ونصير الدين جقر الذي صار نائبا عن أتابك عماد الدين بالموصل وكان بينهما مصاهرة وذكر له صلاح الدين ما ورد فيه وأفشى إليه سره فخوفه نصير الدين من جاولي وقبح طاعته وقرر في نفسه أنه إنما أبقاه لحاجته إليهم ومتى أجيب إلى مطلوبه لا يبقي على أحد منهم وتحدث معه في المخاطبة في ولاية عماد الدين زنكي وضمن له الولايات والأقطاع الكثيرة وكذلك للقاضي بهاء الدين الشهرزوري فأجابه إلى ذلك وأحضره معه عند القاضي بهاء الدين وخاطباه في هذا الأمر وضمنا له كل ما أراده فوافقهما على ما طلبا وركب هو وصلاح الدين إلى دار الوزير وهو حينئذ شرف الدين أنو شروان بن خالد وقالا له قد علمت أنت والسلطان أن ديار الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج منها وقويت شوكتهم بها فاستولوا علة أكثرها وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مصر ما عدا البلاد الباقية بيد المسلمين وقد كان البرسقي مع شجعته وتجربته وانقياد العساكر إليه يكف بعض عاديتهم وشرهم فمذ قتل ازداد طمعهم وهذا ولده طفل صغير ولا بد من رجل شهم شجاع ذي رأي وتجربة يذب عنها ويحفظها ويحمي حوزتها وقد أنهينا الحال لئلا يجري خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين فيختص اللوم بنا ويقال لم لا أنهيتم إلينا جلية الحال فرفع الوزير قولهما إلى السلطان فاستحسنه وشكرهما عليه وأحضرهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية فذكرا جماعة منهم عماد الدين زنكي وبذلا عنه تقربا إلى خزانة السلطان مالا جليلا فأجاب السلطان إلى توليته لما يعلمه من كفايته لما يليه فأحضروه وولاه البلاد كلها وكتب منشوره بها

وسار فبدأ بالبوازيج ليملكها ويتقوى بها ويجعلها ظهره لأنه خاف من جاولي أنه ربما صده عن البلاد فلما دخل البوازيج سار عنها إلى الموصل فلما سمع جاولي بقربه من البلد خرج إلى تلقيه ومعه جميع العسكر فلما رآه جاولي نزل عن فرسه وقبل الأرض بين يديه وعاد في خدمته إلى الموصل فدخلها في رمضان

وأقطع جاولي الرحبة وسيره إليها وأقام بالموصل يصلح أمورها ويقرر قواعدها فولى نصير الدين دزدارية القلعة وجعل إليه سائر دزدارية القلاع وجعل صلاح الدين أميرا حاجبا وبهاء الدين قاضي قضاة بلاده جميعها وزاده أملاكا وأقطاعا واحتراما

وكان لا يصدر إلا عن رأيه

فلما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جزيرة ابن عمر وبها مماليك البرسقي فامتنعوا عليه فحصرهم وراسلهم وبذل لهم البذول الكثيرة إن سلموا فلم يجيبوه إلى ذلك فجد في قتالهم وبينه وبين البلد دجلة فأمر الناس فألقوا أنفسهم في الماء ليعبروه إلى البلد ففعلوا وعبر بعضهم سباحة وبعضهم في السفن وبعضهم في الأكلاك وتكاثروا على أهل الجزيرة وكانوا قد خرجوا عن البلد إلى أرض بين الجزيرة ودجلة تعرف بالزلاقة ليمنعوا من يريد عبور دجلة

فلما عبر العسكر إليهم قاتلوهم ومانعوهم فتكاثر عسكر عماد الدين عليهم فانهزم أهل البلد ودخلوه وتحصنوا بأسواره واستولى عماد الدين على الزلاقة فلما رأى من بالبلد ذلك ضعفوا ووهنوا وأيقنوا أن البلد يملك سلما أو عنوة فأرسلوا يطلبون الأمان فأجابهم إلى ذلك وكان هو أيضا مع عسكره بالزلاقة فسلموا البلد إليه فدخله هو وعسكره

ثم إن دجلة زادت تلك الليلة زيادة عظيمة لحقت سور البلد وصارت الزلاقة ماء فلو أقام ذلك اليوم لغرق هو وعسكره ولم ينج منهم أحد فلما رأى الناس ذلك أيقنوا أن أمرا هذا بدايته لعظيم

ثم سار عن الجزيرة إلى نصيبين وكانت لحسام الدين تمرتاش صاحب ماردين فلما نازلها سار حسان الدين إلى ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان بن أرتق وهو صاحب حصن كيفا وغيرها فاستنجده على أتابك زنكي فوعده النجدة بنفسه وجمع عسكره وعاد تمرتاش إلى ماردين وأرسل رقاعا على أجنحة الطيور إلى نصيبين يعرف من بها من العسكر أنه وابن عمه سائران في العسكر الكثير إليهم وإزاحة عماد الدين عنهم ويأمرهم بحفظ البلد خمسة أيام

فبينما أتابك في خيمته إذ سقط طائر على خيمة تقابله فأمر به فصيد فرأى فيه رقعة فقرأها وعرف ما فيها فأمر أن يكتب غيرها يقول فيها إنني قصدت ابن عمي ركن الدولة وعدني النصرة وجمع العساكر وما يتأخر عن الوصول أكثر من عشرين يوما ويأمرهم بحفظ البلد هذه المدة إلى أن يصلوا وجعلها في الطائر وأرسله فدخل نصيبين فلما وقف من بها على الرقعة سقط في أيديهم وعلموا أنهم لا يقدرون أن يحفظوا البلد هذه المدة فأرسلوا إلى الشهيد وصالحوه وسلموا البلد إليه فبطل على تمرتاش وداود وما كانا عزما عليه وهذا غريب ما يسمع فلما ملك نصيبين سار عنها إلى سنجار فامتنع من بها عليه ثم صالحوه وسلموا البلد إليه وسير منها الشحن إلى الخابور فملكه جميعه ثم سار إلى حران وهي للمسلمين وكانت الرها وسروج والبيرة وتلك النواحي جميعها للفرنج وأهل حران معهم في ضر عظيم وضيق شديد لخلوا البلاد من حام يدب عنها وسلطان يمنعها فلما قارب حران خرج أهل البلد وأطاعوه وسلموا إليه ملكها أرسل إلى جوسلين صاحب الرها وتلك البلاد وراسله وهادنه مدة يسيرة وكان رضه أن يتفرغ لإصلاح البلاد وجند الأجناد وكان أهم الأمور إليه أن يعبر الفرات إلى الشام ويملك مدينة حلب وغيرها من البلاد الشامية فاستقر الصلح ببينهم وأمن الناس

ونحن نذكر ملك حلب إن شاء الله تعالى

ذكر عدة حوادث ص 243

في هذه السنة قتل معين الملك أبو نصر أحمد بن الفضل وزير السلطان سنجر قتلته الباطنية وكان له في قتالهم آثار حسنة ونية صالحة فرزقه الله الشهادة

وفيها ولي السلطان شحنكية بغداد مجاهد الدين بهروز لما سار أتابك زنكي إلى الموصل

ويها رتب الحسن بن سليمان في تدريس النظامية ببغداد وفيها أوقع السلطان سنجر بالباطنية في ألموت فقتل منهم خلقا كثيرا قيل كانوا يزيدون على عشرة آلاف نفس

وتوفي في هذه السنة علي بن المبرك أبو الحسن المقري المعروف بابن الفاعوس الحنبلي ببغداد في شوال وكان صالحا

وفي شوال توفي محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد أبو الحسن بن أبي الفضل الهمذاني الغرضي صاحب التاريخ

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.