في هذه السنة عظم شأن ابن ردمير الفرنجي بالأندلس واستطال على المسلمين فخرج في عساكر كثيرة من الفرنج وجاس في بلاد الإسلام وخاضها حتى وصل إلى قريب قرطبة وأكثر النهب والسبي والقتل فاجتمع المسلمون في جيش عظيم زائد الحد في الكثرة وقصدوه فلم يكن بهم طاقة فتحصن منهم حصن منيع له اسمه ارنيسول فحصره وكبسهم ليلا فانهزم المسلمون وكثر القتل فيهم وعاد إلى بلاده
ثم دخلت سنة عشرين وخمسمائة
في هذه السنة أمر الوزير المختصر أبو نصر أحمد بن الفضل وزير السلطان سنجر بغزو الباطنية وقتلهم أين كانوا وحيثما ظفر بهم ونهب أموالهم وسبى حريمهم وجهز جيشا إلى طريثيث وهي لهم وجيشا إلى بيهق من أعمال نيسابور وكان في هذه الأعمال قرية مخصوصة بهم اسمها طرز ومقدمهم بها إنسان اسمه الحسن بن سمين وسير إلى كل طرف من أعمالهم جميعا من الجند ووصاهم أن يقتلوا من لقوه منهم فقصد كل طائفة إلى الجهة التي سيرت إليها فأما القرية التي بأعمال بيهق فقصدها العسكر فقتلوا كل من بها وهرب مقدمهم وصعد منارة المسجد وألقى نفسه منها فهلك
وكذلك العسكر المنفذ إلى طريثيث قتلوا من أهلها فأكثروا وغنموا من أموالهم وعادوا
في هذه السنة عظم أمر الإسماعيلية بالشام وقويت شوكتهم وملكوا بانياس في ذي القعدة منها
وسبب ذلك أن بهرام ابن أخت الأسد أباذي لما قتل خاله ببغداد كما ذكرناه هرب إلى الشام وصار داعي الإسماعيلية فيه وكان يتردد ويدعو أوباش الناس وطغامهم إلى مذهبه فاستجاب له منهم من لا عقل له فكثر جمعه إلا أنه يخفي شخصه فلا يعرف وأقام بحلب مدة ونفق على أيلغازي صاحبها وأراد أيلغازي أن يعتضد به لاتقاء الناس شره وشر أصحابه لنهم كانوا يقتلون كل من خالفهم وقصد من يتمسك بهم وأشار أيلغازي على طغتكين صاحب دمشق بأن يجعله عنده لهذا السبب فقبل رأيه وأخذه إليه فأظهر حينئذ شخصه وأعلن عداوته فكثر أتباعه من كل من يريد الشر والفساد وأعانه الوزير أبو طاهر بن سعد المرغيناني قصدا للاعتضاد به على ما يريد فعظم شره واستفحل أمره وصار أتباعه أضعافا مما كانوا فلولا أن عامة دمشق يغلب عليهم مذاهب أهل السنة وأنهم يشددون عليه فيما ذهب إليه لملك البلد ثم إن بهرام رأى من أهل دمشق فظاظة وغلظة عليه فخاف عاديتهم فطلب من طغتكين حصنا يأوي إليه هو ومن اتبعه فأشار الوزير بتسليم قلعة بانياس إليه فسلمت إليه فلما سار إليها اجتمع إليه أصحابه من كل ناحية فعظم حينئذ خطبه وجلت المحنة بظهوره واشتد الحال على الفقهاء والعلماء وأهل الدين لا سيما أهل السنة والستر والسلامة إلا أنهم لا يقدرون على أن ينطقوا بحرف واحد خوفا من سلطانهم أولا ومن شر الإسماعيلية ثانيا فلم يقدم أحد على إنكار هذه الحال فانتظروا بهم الدائر
في هذه السنة ثامن ذي القعدة قتل قسيم الدولة آقسنقر البرسقي صاحب الموصل بمدينة الموصل قتله الباطنية يوم جمعة بالجامع وكان يصلي الجمعة مع العامة وكان قد رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثاروا به فقتل بعضها ونال منه الباقي ما أذاه فقص رؤياه عل أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام فقال لا أترك الجمعة لشيء أبدا فغلبوا على رأيه ومنعوه من قصد الجمعة فعزم على ذلك فأخذ المصحف يقرأ فيه فأول ما رأى وكان أمر الله قدرا مقدورا فركب إلى الجامع عل عادته وكان يصلي في الصف الأول فوثب بضعة عشر نفسا عدة الكلاب التي رآها فجرحوه بالسكاكين فجرح هو بيده منهم ثلاثة وقتل رحمه الله وكان مملوكا تركيا خيرا يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله وكان من خير الولاة يحافظ على الصلوات في أوقاتها ويصلي من الليل متهجدا
حكى لي ولوالدي رحمه الله عن بعض من كان يخدمه قال كنت فراشا معه فكان يصلي كل ليلة كثيرا وكان يتوضأ هو بنفسه ولا يستعين بأحد ولقد رأيته في بعض ليالي الشتاء بالموصل وقد قام من فراشه وعليه فرجية صغيرة وبر وبيده إبريق فمشى نحو دجلة ليأخذ ماء فمنعني البرد من القيام ثم إنني خفته فقمت بين يديه لآخذ الإبريق منه فمنعني وقال يا مسكين ارجع إلى مكانك فإنه برد فاجتهدت لآخذ الإبريق فلم يعطني وردني إلى مكاني ثم توضأ وقام يصلي
ولما قتل كان ابنه عز الدين مسعود بحلب يحفظها من الفرنج فأرسل إليه أصحاب أبيه بالخبر فسار إلى الموصل ودخلها أول ذي الحجة وأحسن إلى أصحاب أ [ يه بها واقر وزيره المؤيد أبا غالب بن عبد الخالق بن عبد الرزاق على وزارته وأطاعه الأمراء والأجناد
وانحدر إلى خدمة السلطان محمود فأحسن إليه وأعاده ولم يختلف عليه أحد من أهل بلاد أبيه
ووقع البحث عن حال الباطنية والاستقصاء عن أخبارهم فقيل إنهم كانوا يجلسون إلى إسكاف بدرب إيليا فأحضر ووعد الإحسان إن أقر فلم يقر فهدد بالقتل فقال إنهم وردوا من سنين لقتله فلم يتمكنوا منه إلى الآن فقطعت يداه ورجلاه وذكره ورجم بالحجارة فمات
ومن العجب أن صاحب أنطاكية أرسل إلى عز الدين بن البرسقي يخبره بقتل والده قبل أن يصل إليه الخبر وكان قد سمعه الفرنج قبله لشدة عنايته بمعرفة الأحوال الإسلامية ولما استقر عز الدين في الولاية قبض على الأمير بابكر بن ميكائيل وهو من أكابر الأمراء وطلب منه أن يسلم ابن أخيه قلعة إربل إلى الأمير فضل وأبي علي ابني أبي الهيجاء وكان ابن أخيه قد أخذها منه سنة سبع عشرة فراسل ابن أخيه فسلم إربل إلى المذكورين
كان قد جرى بين برنقش الزكوي شحنة بغداد وبين نواب الخليفة المسترشد بالله نفرة تهدده الخليفة فيها فخافه على نفسه فسار عن بغداد إلى السلطان محمود في رجب من هذه السنة وشكا إلأيه وحذره جاب الخليفة وأعلمه أنه قد قاد العساكر ولقي الحروب وقويت نفسه ومتى لم تعالجه بقصد العراق ودخول بغداد ازداد قوة وجمعا ومنعك عنه وحينئذ يتعذر عليك ما هو الآن بيده فتوجه السلطان نحو العراق فأرسل إليه الخليفة يعرفه ما البلاد وأهلها عليه من الضعف والوهن بسبب دبيس وإفساد عسكره فيها وأن الغلاء قد اشتد بالناس لعدم الغلات والأقوات لهرب الأكرة عن بلادهم ويطلب منه أن يتأخر هذه الدفعة إلى أن ينصلح حال البلاد ثم يعود إليها فلا مانع له عنها وبذل له على ذلك مالا كثيرا فلما سمع السلطان هذه الرسالة قوي عنده ما قرره الزكوي أبى أن يجيب إلى التأخر وصم العزم وسار إليها مجدا فلما بلغ الخليفة الخبر عبر هو وأهله وحرمه ومن عنده من أولاد الخلفاء إلى الجانب الغربي في ذي القعدة مظهرا للغضب والانتزاح عن بغداد إن قصدها السلطان فلما خرج من داره بكى الناس جميعهم بكاء عظيما لم يشاهد مثله فلما علم السلطان ذلك اشتد عليه وبلغ منه كل مبلغ فأرسل الخليفة ويسأله العود إلى داره فأعاد الجواب أنه لا بد من عودك هذه الدفعة فإن الناس هلكى بشدة الغلاء وخراب البلاد وأنه لا يرى في دينه أمن يزداد ما بهم وهو يشاهدهم فإن عاد السلطان وإلا رحل هو عن العراق لئلا يشاهد ما يلقى الناس بمجيء العساكر
فغضب السلطان لقوله ورحل نحو بغداد وأقام الخليفة بالجانب الغربي فلما حضر عيد الأضحى خطب الناس وصلى بهم فبكى الناس لخطبته وأرسل عفيفا الخادم وهو من خواصه في عسكر إلى واسط ليمنع عنها نواب السلطان فأرسل السلطان إليه عماد الدين زنكي بن آقسنقر وكان له حينئذ البصرة
وقد فارق البرسقي واتصل بالسلطان فأقطعه البصرة فلما وصل عفيف إلى واسط سار إليه عماد الدين فنزل بالجانب الشرقي وكان عفيف بالجانب الغربي فأرسل إليه عماد الدين يحذره القتال ويأمره بالانتزاح عنها فأبى ولم يفعل فعبر إليه عماد الدين واقتتلوا فانهزم عسكر عفيف وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر مثلهم وتغافل عن عفيف حتى نجا لمودة كانت بينهما ثم إن الخليفة جمع السفن جميعها إليه وسد أبواب دار الخلافة سوى باب النوبى وأمر حاجب الباب ابن الصاحب بالمقام فيه لحفظ الدار ولم يبق من حواشي الخليفة بالجانب الشرقي سواه
ووصل السلطان إلى بغداد في العشرين من ذي الحجة ونزل بباب الشماسية ودخل بعض عسكره إلى بغداد ونزلوا في دور الناس ذلك إلى السلطان فأمر بإخراجهم وبقي فيها من له دار وبقي السلطان يراسل الخليفة بالعود ويطلب الصلح وهو يمتنع وكان يجري بين العسكريين مناوشة والعامة من الجانب الغربي يسبون السلطان أفحش سب ثم إن جماعة من عسكر السلطان دخلوا دار الخلافة ونهبوا التاج وحجر الخليفة أول المحرم سنة إحدى وعشرين وضج أهل بغداد من ذلك فاجتمعوا ونادوا الغزاة فأقبلوا من كل ناحية ولما رآهم الخليفة خرج من السرداق والشمسة على رأسه والوزير بين يديه وأمر بضرب الكوسات والبوقات ونادى بأعلى صوته يا لهاشم وأمر بتقديم السفن ونصب الجسر وعبر الناس دفعة واحدة وكان له في الدار ألف رجل مختفين في السراديب فظهروا وعسكر السلطان مشتغلون بالنهب فأسر منهم جماعة من الأمراء ونهب العامة دار وزير السلطان ودور جماعة من الأمراء ودار عزيز الدين المستوفي ودار الحكيم أوحد الزمان الطبيب وقتل منهم خلق كثير في الدروب ثم عبر الخليفة إلى الجانب الشرقي ومعه ثلاثون ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد وأمر بحفر الخنادق فحفرت بالليل وحفظوا بغداد من عسكر السلطان ووقع الغلاء عند العسكر واشتد الأمر عليهم أبواب البلد وعلى شاطئ دجلة وعزم عسكر الخليفة على أن يكسبوا عسكر السلطان فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردي صاحب إربل وخرج كأنه يريد القتال فالتحق هو وعسكره بالسلطان وكان السلطان قد أرسل إلى عماد الدين بواسط يأمره أن يحضر هو بنفسه ومعه المقاتلة في السفن وعلى الدواب في البر فجمع كل سفينة في البصرة وإلى بغداد وشحنها بالرجال المقاتلة وأكثر من السلاح وأصعد فلما قارب بغداد أمر كل من معه في السفن وفي البر بلبس السلاح وإظهار ما عندهم من الجلد والنهضة فسارت السفن في الماء والعسكر في البر على شاطئ دجلة قد انتشروا وملؤوا الأرض برا وبحرا فرأى الناس منظرا عجيبا كبر في أعينهم وملأ صدورهم
وركب السلطان والعسكر إلى لقائهم فنظروا إلى ما لم يروا مثله وعظم عماد الدين في أعينهم وعزم على قتال بغداد حينئذ والجد في ذلك في البر والماء فلما رأى الإمام المسترشد بالله الأمر على هذه الصورة وخروج الأمير أبي الهيجاء من عنده أجاب إلى الصلح وترددت الرسل بينهما فاصطلحا واعتذر السلطان مما جرى وكان حليما يسمع سبه بأذنه فلا يعاقب عليه وعفا عن أهل بغداد جميعهم
وكان أعداء الخليفة يشيرون على السلطان بإحراق بغداد فلم يفعل وقال لا تساوي الدنيا فعل مثل هذا
وأقام ببغداد إلى رابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين
وحمل الخليفة من المال إليه كل ما استقرت القاعدة عليه وأهدى له سلاحا وخيلا وغير ذلك فمرض السلطان ببغداد فأشار عليه الأطباء بمفارقتها فرحل إلى همذان فلما وصلها عوفي
في هذه السنة اجتمعت الفرنج وملوكها وقمامصتها وكنودها وساروا إلى نواحي دمشق فنزلوا بمرج الصفر عند قرية يقال لها سقحبا بالقرب من دمشق فعظم الأمر على المسلمين واشتد خوفهم
وكاتب طغتكين أتابك صاحبها أمراء التركمان من ديار بكر وغيرها وجمعهم وكان هو قد سار عن دمشق إلى جهة الفرنج واستخلف ابنه تاج الملوك بوري فكان بها كلما جاءت طائفة أحسن ضيافتهم وسيرهم إلى أبيه فلما اجتمعوا سار بهم طغتكين إلى الفرنج فالتقوا أواخر ذي الحجة واقتتلوا واشتد القتال فسقط طغتكين عن فرسه فظن أصحابه أنه قتل فانهزموا وركب طغتكين فرسه ولحقهم وتبعهم الفرنج وبقي التركمان لم يقدروا أن يلحقوا بالمسلمين في الهزيمة فتخلفوا فلما رأوا فرسان الفرنج قد تبعوا المنهزمين وأن معسكرهم وراجلهم ليس له مانع ولا حام حملوا على الرجالة فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد ونهبوا معسكر الفرنج وخيامهم وأموالهم وجميع ما معهم وفي جملته كنيسة فيها من الذهب والجواهر ما لا يقوم كثرة فنهبوا ذلك جميعه وعادوا إلى دمشق سالمين لم يعدم منهم أحد
ولما رجع الفرنج من أثر المنهزمين ورأوا رجالتهم قتلى وأموالهم منهوبة تموا منهزمين لا يلوي الأخ على أخيه وكان هذا من الغريب أن طائفتين تنهزمان كل واحدة منهما من صاحبتها
في هذه السنة حصر الفرنج رفينة من أرض الشام وهي بيد المسلمين وضيقوا عليها فملكوها
وفيها توفي أبو الفتح أحمد بن محمد بن محمد الغزالي الواعظ وهو أخو الإمام أبي حامد محمد وقد ذمه أبو الفرج بن الجوزي بأشياء كثيرة منها روايته في وعظه الأحاديث التي ليس له بصحيحة والعجب أنه يقدح فيه بهذا وتصانيفه هو ووعظه محشو به مملوء منه نسأل الله أن يعيذنا من الوقيعة في الناس ثم يا ليت شعري أما كان للغزالي حسنة تذكر مع ما ذكر من المساوي التي نسبها إليه لئلا ينسب إلى الهوى والغرض
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
