ذكر قتل بلك بن بهرام بن أرتق وملك تمرتاش حلب
ص 226
في هذه السنة في صفر قبض بلك بن بهرام بن أرتق صاحب حلب على الأمير حسان البعلبكي صاحب منبج وسار إأيها فحصرها فملك المدينة وحصر القلعة فامتنعت عليه فسار الفرنج إليه ليرحلوه عنها لئلا يقوى بأخذها فلما قاربوا ترك على القلعة من يحصرها وسار في باقي عسكره إلى الفرنج فلقيهم وقاتلهم فكسرهم وقتل منهم خلقا كثيرا
وعاد إلى منبج فحصرها فبينما هو يقاتل من بها أتاه سهم فقتله لا يدري من رماه
واضطرب عسكره وتفرقوا وخلص حسان من الحبسفكان حسان الدين تمرتاش بن أيلغازي بن أرتق مع ابن عمه بلك فحمله مقتولا إلى ظاهر حلب وتسلمها في العشرين من ربيع الأول من هذه السنة وزال الحصار عن قلعة منبج وعاد إليها صاحبها حسان واستقر تمرتاش بحلب واستولى عليها
ثم إنه جعل فيها نائبا له يثق إليه ورتب عنده ما يحتاج إليه من جند وغيرهم وعاد إلى ماردين لأنه رأى الشام كثيرة الحرب مع الفرنج
وكان رجلا يحب الدعة والرفاهة فلما عاد إلى ماردين أخذت حلب منه على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ملك الفرنج مدينة صور بالشام
ص 226
كانت مدينة صور لخلفاء العلويين بمصر ولم تزل كذلك إلى سنة ست وخمسمائة فكان بها وال من جهة الأفضل أمير الجيوش وزير الآمر بأحكام الله العلوي يلقب عز الملك
وكان الفرنج قد حصروها وضيقوا عليها ونهبوا بلدها غير مرة فلما كان سنة ست جهز ملك الفرنج وجمع عساكره ليسير إلى صور فخافهم أهل صور فأرسلوا إلى أتابك طغتكين صاحب دمشق يطلبون منه أن يرسل إليهم أميرا من عنده يتولاهم ويحميهم وتكون البلد له وقالوا له إن أرسلت إلينا واليا وعسكرا وإلا سلمنا البلد إلى الفرنج
فسير إليهم عسكرا وجعل عندهم واليا اسمه مسعود وكان شهما شجاعا عارفا بالحرب ومكايدها وأمده بعسكر وسير إليهم ميرة ومالا فرقة فيهم وطابت نفوس أهل البلد ولم تغير الخطبة للآمر صاحب مصر ولا السكة
وكتب إلى الأفضل بمصر يعرفه صورة الحال ويقول متى وصل إليها من مصر من يتولاها ويذب عنها سلمتها إليه ويطلب أن الأسطول لا ينقطع عنها بالرجال والقوة فشكره الأفضل على ذلك وأثنى عليه وصوب رأيه فيما فعله
وجهز أسطولا وسيره إلى صور فاستقامت أحوال أهلها ولم يزل كذلك إلى سنة ست عشرة بعد قتل الأفضل فسير إليها أسطولا على جاري العادة وأمر المقدم على الأسطول أن يعمل الحيلة على الأمير مسعود الوالي بصور من قبل طغتكين ويقبض عليه ويتسلم البلد منه
كان السبب في ذلك أن أهل صور أكثروا الشكوى منه إلى الآمر بأحكام الله صاحب مصر بما يعتمده من مخالفتهم والإضرار بهم فسار الأسطول فأرسى عند صور فخرج مسعود إليه للسلام على المقدم عليه فلما صعد إلى المركب الذي يه المقدم اعتقله ونزل البلد واستولى عليه وعاد الأسطول إلى مصر وفيه الأمير مسعود فأكرم وأحسن إليه وأعيد إلى دمشق
وأما الوالي من قبل المصريين فإنه طيب قلوب الناس وراسل طغتكين يخدمه بالدعاء والاعتضاد وأن سبب ما فعل هو شكوى أهل صور من مسعود فأحسن طغتكين الجواب وبذل من نفسه المساعدة ولما سمع الفرنج بانصراف مسعود عن صور قوي طمعهم فيها وحدثوا نفوسهم بملكها وشرعوا في الجمع والتأهب للنزول عليها وحصرها فسمع الوالي بها للمصريين الخبر فعلم أنه لا قوة له ولا طاقة على دفع الفرنج عنها لقلة من بها من الجند والميرة فأرسل إلى الآمر بذلك فرأى أن يرد ولاية صور إلى طغتكين صاحب دمشق فأرسل إليه بذلك فملك صور ورتب بها من الجند وغيرهم ما ظن فيه كفاية وسار الفرنج إليهم ونازلوهم في ربيع الأول من هذه السنة وضيقوا عليهم ولازموا القتال فقلت الأقوات وسئم من بها القتال وضعفت نفوسهم وسار طغتكين إلى بانياس ليقرب منهم ويذب عن البلد ولعل الفرنج إذا رأوا قربه منهم رحلوا فلم يتحركوا ولزموا الحصار فأرسل طغتكين إلى مصر يستنجدهم فلم يجدوه وتمادت الأيام وأشرف على الهلاك فراسل حينئذ صاحب دمشق
وقرر الأمر على أن يسلم المدينة إليهم ويمكنوا من بها من الجند والرعية من الخروج منها بما يقدرون عليه من أموالهم ورحالهم وغيرها فاستقرت القاعدة على ذلك وفتحت أبواب البلد وملكه الفرنج وفارقه أهله وتفرقوا في البلاد وحملوا ما أطاقوا وتركوا ما عجزوا عنه ولم يعرض الفرنج إلى أحد منهم ولم يبق إلا الضعيف عجز عن الحركة وملك الفرنج البلد في الثالث والعشرين من جمادى الأولى من السنة
وكان فتحه وهنا عظيما على المسلمين فإنه من أحصن البلاد وأمنعها فالله يعيده إلى الإسلام ويقر أعين المسلمين بفتحه وبمحمد وآله
ذكر عزل البرسقي عن شحنكية العراق وولاية يرنقش الزكوي
ص 228
في هذه السنة عزل البرسقي عن شحنكية العراق ووليها سعد الدولة يرنقش الزكوي
وسبب ذلك أن البرسقي نفر عنه المسترشد بالله فأرسل إلى السلطان محمود يلتمس منه أن يعزل البرسقي عن العراق ويعيده إلى الموصل فأجابه السلطان إلى ذلك
وأرسل البرسقي بأمره بالعود إلى الموصل والاشتغال بجهاد الفرنج فلما علم البرسقي الخبر شرع في جباية الأموال ووصل نائب يرنقش فسلم إليه البرسقي الأمر وأرسل السلطان ولدا صغيرا مع أمه إلى البرسقي ليكون عنده فلما وصل الصغير إلى العراق خرجت العساكر والمواكب إلى لقائه وحملت له الإقامات
وكان يوم دخوله يوما مشهودا وتسلمه البرسقي وسار إلى الموصل وهو ووالدته معه
ولما سار البرسقي إلى الموصل كان عماد الدين زنكي بن آقسنقر بالبصرة قد سير البرسقي إليها ليحميها فظهر من حمايته لها ما عجب منه الناس ولم يزل يقصد العرب ويقاتلهم في حللهم حتى أبعدوا إلى البر
فأرسل البرسقي يأمره باللحاق به فقال لأصحابه
قد ضجرنا مما نحن فيه كل يوم للموصل أمير جديد ونريد نخدمه وقد رأيت أن أسير إلى السلطان فأكون معه فأشاروا عليه بذلك سار إليه فقدم عليه بأصبهان فأكرمه وأقطعه البصرة وأهاده إليها
ذكر ملك البرسقي مدينة حلب
ص 228
في هذه السنة في ذي الحجة ملك آقسنقر البرسقي حلب وقلعتها
وسبب ذلك أن الفرنج لما ملكوا مدينة صور على ما ذكرناه طمعوا وقويت نفوسهم وتيقنوا الاستيلاء على بلاد الشام واستكثروا من الجموع ثم وصل إليهم دبيس بن صدقة صاحب الحلة فأطمعهم طمعا ثانيا لا سيما في حلب وقال لهم إن أهلها شيعة وهم يميلون إلي لأجل المذهب فمتى رأوني سلموا البلد إلي وبذل لهم على مساعدته بذولا كثيرة وقال إنني أكون ههنا نائبا ومطيعا لكم فساروا معه إليها وحصروها وقاتلوا قتالا شديدا ووطنوا نفوسهم على المقام الطويل وأنهم لا يفارقونها حتى يملكوها وبنوا البيوت لأجل البرد والحر
فلما رأى أهلها ذلك ضعفت نفوسهم وخافوا الهلاك وظنوا لهم من صاحبهم تمرتاش الوهن والعجز وقلت الأقوات عندهم فلما رأوا ما دفعوا إليه من هذه الأنساب أعملوا الرأي في طريق يتخلصون به فرأوا أنه ليس لهم غير البرسقي صاحب الموصل فأرسلوا إليه يستنجدونه ويسألونه المجيء ليسلموا البلد إليه فجمع عساكره وقصدهم وأرسل إلي من بالبلد وهو في الطريق يقول إنني لا أقدر على الوصول إليكم والفرنج يقاتلونكم إلا إذا سلمتم القلعة إلى نوابي وصار أصحابي فيها لأنني لا أدري ما يقدره الله تعالى إذا أنا لقيت الفرنج فإن انهزمنا منهم وليست حلب بيد أصحابي حتى أحتمي أنا وعسكري بها لم يبق منا أحد وحينئذ تؤخذ حلب وغيرها
فأجابوه إلى ذلك وسلموا القلعة إلى نوابه فلما استقروا فيها واستولوا عليها سار في العساكر التي معه فلما أشرف عليها رحل الفرنج عنها وهو يراهم فأراد من في مقدمة عسكره أن يحمل عليهم فمنعهم هو بنفسه وقال قد كفينا شرهم وحفظنا بلدنا منهم والمصلحة تركهم حتى يتقرر أمر حلب ونصلح حالها ونكثر ذخائرها ثم حينئذ نقصدهم ونقاتلهم فلما رحل الفرنج خرج أهل حلب ولقوه وفرحوا به وأقام عنده حتى أصلح الأمور وقررها
ذكر عدة حوادث
ص 229
في هذه السنة انقطعت الأمطار في العراق والموصل وديار الجزيرة والشام وديار بكر وكثير من البلاد فقلت الأقوات وغلت الأسعار في جميع البلاد ودام إلى سنة تسع عشرة
وفيها وصل منصور بن صدقة أخو دبيس إلى بغداد تحت الاستظهار فمرض بها فأحضر الخليفة الأطباء وأمرهم بمعالجته وأحضره عنده وجعل في حجرة وأدخل أصحابه إليه وفيها سار دبيس من الشام بعد رحيله عن حلب وقصد الملك طغرل فأغراه بالخليفة وأطمعه في العراق وكان ما نذكره سنة تسع عشرة إن شاء الله تعالى
وفيها مات الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية صاحب الموت وقد تقدم من أخباره ما يعلم به محله من الشجاعة والرأي والتجربة
وفيها أيضا توفي داود ملك الأبخاز وشمس الدولة بن نجم الدين أيلغازي وفيها ثار أهل آمد بمن فيها من الإسماعيلية وكانوا قد كثروا فقتلوا منهم نحو سبعمائة رجل فضعف أمرهم بها بعد هذه الوقعة
وفيها في صفر توفي محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزعفراني وهو من أصحاب الخطيب البغدادي
وفيها توفي أحمد بن علي بن برهان أبو الفتح الفقيه المعروف بابن الحمامي لأن أباه كان حماميا وكان حنبليا تفقه على ابن عقيل ثم صار شافعيا وتفقه على الغزالي والشاشي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.