ذكر مسير العساكر إلى قتال الفرنج
ص 142
في هذه السنة اجتمعت العساكر التي أمرها السلطان بالمسير إلى قتال الفرنج فكانوا الأمير مودود صاحب الموصل والأمير سكمان القطبي صاحب تبريز وبعض ديار بكر والأمير أيلبكي وزنكي ابنا برسق ولهما همذان وما جاورها والأمير أحمديل وله مراغة وكوتب الأمير أبو الهيجا صاحب إربل والأمير أيلغازي صاحب ماردين والأمراء البيكجية باللحاق بالملك مسعود ومودود فاجتمعوا ما عدا الأمير أيلغازي فإنه سير ولده أياز وأقام هو فلما اجتمعوا وساروا إلى بلده سنجار ففتحوا عدة حصون للفرنج وقتل من بها منهم وحصروا مدينة الرها مدة ثم رحلوا عنها من غير أن يملكوها
وكان سبب رحيلهم عنها أن الفرنج اجتمعت جميعها فارسها وراجلها وساروا إلى الفرات ليعبروها ليمنعوا الرها من المسلمين فلما وصلوا إلى الفرات بلغهم كثرة المسلمين فلم يقدموا عليه وأقاموا على الفرات فلما رأى المسلمون ذلك رحلوا عن الرها إلى حران ليطمع الفرنج ويعبروا الفرات إليهم ويقاتلوهم فلما رحلوا عنها جاء الفرنج ومعهم الميرة والذخائر إلى الرها فجعلوا فيها كل ما يحتاجون إليه بعد أم كانوا قليلي الميرة وقد أشرفوا على أن يؤخذوا وأخذوا كل من فيه عجز وفقر وعادوا إلى الفرات فعبروه إلى الجانب الشامي وطرقوا أعمال حلب فأفسدوا ما فيها ونهبوها وقتلوا فيها وأسروا وسبوا خلقا كثيرا
وكان سبب ذلك أن الفرنج لما عبروا إلى الجزيرة خرج الملك رضوان صاحب حلب إلى ما أخذه الفرنج من أعمالها فاستعاد بعضه ونهب منهم وقتل فلما عادوا وعبروا الفرات فعلوا بأعماله ما فعلوا وأما العسكر السلطاني فإنه لما سمع بعود الفرنج وعبورهم الفرات رحلوا إلى الرها وحصروها فرأوا أمرا محكما قد قويت نفوس أهلها بالذخائر التي تركت عندهم وبكثرة المقاتلين عنهم ولم يجدوا مطمعا فرحلوا عنها وعبروا الفرات فحصروا قلعة تل باشر خمسة وأربعين ورحلوا عنها ولم يبلغوا غرضا ووصلوا إلى حلب فأغلق الملك رضوان أبواب البلد ولم يجتمع بهم
ثم مرض هناك الأمير سكمان القطبي فعاد مريضا فتوفي في بالس فجعله أصحابه في تابوت وحملوه عائدين إلى بلاده فقصدهم أيلغازي ليأخذهم ويغنم ما معهم فجعلوا تابوته في القلب وقاتلوا بين يديه فانهزم أيلغازي وغنموا ما معه وساروا إلى بلادهم
ولما غلق الملك رضوان أبواب حلب ولم يجتمع بالعساكر السلطانية رحلوا إلى معرة النعمان واجتمع بهم طغتكين صاحب دمشق ونزل على الأمير مودود فاطلع من الأمراء على نيات فاسدة في حقه فخاف أن تؤخذ منه دمشق فشرع في مهادنة الفرنج سرا وكانوا قد نكلوا عن قتال المسلمين فلم يتم ذلك وتفرقت العساكر وكان سبب تفرقهم أن الأمير برسق الذي هو أكبر الأمراء كان به نقرس فهو يحمل في محفة ومات سكمان القطبي كما ذكرنا وأراد الأمير أحمديل صاحب مراغة العود ليطلب أن يقطعه ما كان لسكمان من البلاد وأتابك طغتكين صاحب دمشق خاف الأمراء على نفسه فلم ينصحهم إلا أنه حصل بينه وبين مودود صاحب الموصل مودة وصداقة فتفرقوا لهذه الأسباب وبقي مودود وطغتكين بالمعرة فساروا منها ونزلوا على نهر العاصي ولما سمع الفرنج بتفرق عساكر الإسلام طمعوا وكانوا قد اجتمعوا كلهم بعد الاختلاف والتباين وساروا إلى فامية فسمع بهم سلطان بن منقذ صاحب شيزر فسار إلى مودود وطغتكين وهون عليهما أمر الفرنج وحرضهما على الجهاد فرحلوا إلى شيزر ونزلوا عليها ونزل الفرنج بالقرب منهم فضيق عليهم عسكر المسلمين الميرة ولزوهم بالقتال والفرنج يحفظون نفوسهم ولا يعطون مصافا فلما رأوا قوة المسلمين عادوا إلى فامية وتبعهم المسلمون فتخطفوا من أدركوه في ساقتهم وعادوا إلى شيزر في ربيع الأول
ذكر حصر الفرنج مدينة صور
ص 143
لما تفرقت العساكر اجتمعت الفرنج على قصد مدينة صور وحصرها فساروا إليها مع الملك بغدوين صاحب اللقدس وحشدوا وجمعوا ونازلوها وحصروها فساروا إليها مع الملك بغدوين صاحب القدس وحشدوا وجمعوا ونازلوها وحصروها في الخامس والعشرين من جمادى الأولى وعملوا عليها ثلاثة أبراج علو البرج سبعون ذراعا وفي كل برج ألف رجل ونصبوا عليها المجانيق وألصقوا أحدها إلى سور البلد وأخلوه من الرجال وكانت صور للآمر بأحكام الله العلوي ونائبه بها عز الملك الأعز فأحضر أهل البلد واستشارهم في حيلة يدفعون بها شر الأبراج عنهم فقام شيخ من أهل طرابلس وضمن على نفسه إحراقها وأخذ معه ألف رجل بالسلاح التام ومع كل رجل منهم حزمة حطب فقاتلوا الفرنج إلى أن وصلوا البرج الملتصق بالمدينة فألقى الحطب من جهاته وألقى فيه النار ثم خاف أن يشتغل الفرنج الذين في البرج بإطفاء النار ويتخلصوا فرماهم بجرب كان قد أعدها مملوءة من العذرة فلما سقطت عليهم اشتغلوا بها وبما نالهم من سوء الرائحة والتلويث فتمكنت النار منه فهلك كل من به إلا القليل
وأخذ منه المسلمون ما قدروا عليه بالكلاليب ثم أخذ سلال العنب الكبار وترك فيها الحطب الذي قد سقاه بالنفط ولزفت والكتان والكبريت ورماهم بسبعين سلة واحرق البرجين الآخرين
ثم إن أهل صور حفروا سراديب تحت الأرض ليسقط فيها الفرنج إذا زحفوا إليهم ولينخسف برج إن عملوه وسيروه إليهم فاستأمن نفر من المسلمين إلى الفرنج
وأعلموهم بما علموه فحذروا منها
وأرسل أهل البلد إلى أتابك طغتكين صاحب دمشق
يستنجدونه ويطلبونه ليسلموا البلد إليه فسار في عساكره إلى نواحي بانياس وسير إليهم نجدة مائتي فارس فدخلوا البلد فامتنع من فيه بهم واشتد قتال الفرنج خوفا من اتصال النجدات ففني نشاب الأتراك فقاتلوا بالخشب وفني النفط فظفروا بسرداب تحت الأرض فيه نفط لا يعلم من خزنه ثم إن عز الملك صاحب صور أرسل الأموال إلى طغتكين ليكثر من الرجال ويقصدهم ليملك البلد فأرسل طغتكين طائرا فيه رقعة ليعلمه وصول المال ويأمره أن يقيم مركبا بمكان ذكره لتجيء الرجال إليه فسقط الطائر على مركب الفرنج فأخذه رجلان مسلم وإفرنجي فقال الافرنجي نطلقه لعل فيه فرجا لهم فلم يمكنه المسلم وحمله إلى الملك بغدوين فلما وقف عليه سير مركبا إلى المكان الذي ذكر طغتكين وفيه جماعة من المسلمين الذين استأمنوا إليه من صور فوصل إليهم العسكر فكلموهم بالعربية فلم ينكروهم وركبوا معهم فأخذوهم أسرى وحملوهم إلى الفرنج فقتلوهم وطمعوا في أهل صور فكان طغتكين يغير على أعمال الفرنج من جميع جهاتها وقصد حصن الحبيس في السواد من أعمال دمشق وهو للفرنج فحصره وملكه بالسيف وقتل كل ما فيه وعاد إلى الفرنج الذين على صور وكان يقطع الميرة عنهم في البر فأحضروها في البحر وخندقوا عليهم لم يخرجوا إليه فسار إلى صيدا وأغار على ظارها فقتل جماعة من البحرية وأحرق نحو عشرين مركبا على الساحل وهو مع ذلك يواصل أهل صور بالكتب يأمرهم بالصبر ولافرنج يلازمون قتالهم وقاتل أهل صور قتال من أيس من الحياة فدام القتال إلى أوان إدراك الغلات فخاف الفرنج أن طغتكين يستولي على غلات بلادهم فساروا عن البلد عاشر شوال إلى عكا وعاد عسكر طغتكين إليه وأعطاهم أهل صور الأموال وغيرها ثم أصلحوا ما تشعث من سورها وخندقها وكان الفرنج قد طموه
ذكر انهزام الفرنج بالأندلس
ص 145
في هذه السنة خرج أذفونش الفرنجي صاحب طليطلة بالأندلس إلى بلاد الإسلام بها يطلب ملكها والاستيلاء عليها وجمع وحشد فأكثر وكان قد قوي طمعه فيها بسبب موت أمير المسلمين يوسف بن تاشفين فسمع أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين الخبر فسار إليه في عساكرها وجموعه فلقيه فاقتتلوا واشتد القتال وكان الظفر للمسلمين وانهزم الفرنج وقتلوا قتلا ذريعا وأسر منهم بشر كثير وسبى منهم وغنم من أموالهم ما يخرج من الإحصاء فخافه الفرنج بعد ذلك وامتنعوا من قصد بلاده وذل أذفونش حينئذ وعلم أن في البلاد حاميا لها وذابا عنها
وفي هذه السنة في جمادى الآخرة توفي الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الإمام المشهور
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.