الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الثامن / ثم دخلت سنة سبع وسبعين وأربعمامئة
87

ثم دخلت سنة سبع وسبعين وأربعمامئة

الجزء الثامن 6 عنصر صفحة 432
ذكر الحرب بين فخر الدولة بن جهير وابن مروان وشرف الدولة ص 432

قد تقدم ذكر مسير فخر الدولة بن جهير في العساكر السلطانية إلى ديار بكر فلما كانت هذه السنة سير السلطان إليه أيضا جيشا فيهم الأمير أرتق بن أكسب وأمرهم بمساعدته وكان ابن مروان قد مضى إلى شرف الدولة وسأله نصرته على أن يسلم إليه آمد وحلف كل واحد لصاحبه وكل منهما يرى أن صاحبه كاذب لما كان بينهما من العداوة المستحكمة واجتمعا على حرب فخر الدولة وسارا إلى آمد وقد نزل فخر الدولة بنواحيها فلما رأى فخر الدولة اجتماعهما مال إلى الصلح وقال لا أوثر أن يحل بالعرب بلاء على يدي فعرف التركمان ما عزم عليه فركبوا ليلا وأتوا إلى العرب وأحاطوا بهم في ربيع الأول والتحم القتال واشتد فانهزمت العرب ولم يحضر هذه الوقعة الوزير فخر الدولة وأرتق وغنم التركمان حلل العرب ودوابهم وانهزم شرف الدولة وحمى نفسه حتى وصل إلى فضيل آمد وحصره فخر الدولة ومن معه فلما رأى شرف الدولة أنه محصور خاف على نفسه فراسل الأمير أرتق وبذل له مالا وسأله أن يمن عليه بنفسه ويمكنه من الخروج من آمد وكان هو على حفظ الطرق والحصار فلما سمع أرتق ما بذل له شرف الدولة أذن له في الخروج فخرج منها في الحادي إلى ميافارقين ومعه من الأمراء الأمير بهاء الدولة منصور بن مزيد وابنه سيف الدولة صدقة ففارقوه وعادوا إلى العراق وسار فخر الدولة إلى خلاط ولما استولى العسكر السلطاني على حلل العرب وغنموا أموالهم وسبوا حريمهم بذل سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأموال وافتك اسرى بني عقيل ونساءهم وأولادهم وجهزهم وردهم إلى بلادهم ففعل أمرا عظيما وأسدى مكرمة شريفة ومدحه الشعراء في ذلك فأكثروا فمنهم محمد بن محمد بن خليفة السنبسي يذكر ذلك في قصيدة

( كما أحرزت شكر بني عقيل % بآمد يوم كظهم الحذار )

( غداة رمتهم الأتراك طرا % بشهب في حوافلها أزورار )

( فما جبنوا ولكن فاض بحر % عظيم لا تقاومه البحار )

( فحين تنازلوا تحت المنايا % وفيهن الرزية والدمار )

( مننت عليهم وفككت عنهم % وفي أثناء حبلهم انتشار )

( ولولا أنت لم ينفك منهم % أسير حين أعلقه الأسار )

في أبيات كثيرة

وذكر أيضا البندنيجي أبياتا فأحسن ولولا خوف التطويل لكرت أبياته

ذكر استيلاء عميد الدولة على الموصل ص 433

لما بلغ السلطان أن شرف الدولة انهزم وحصر بآمد لم بشك في أسره فخلع على عميد الدولة بن جهير وسيره في جيش كثيف إلى الموصل وكاتب أمراء التركمان بطاعته وسير معه الأمراء آقسنقر قسيم الدولة جد ملوكنا أصحاب الموصل وهو الذي أقطعه السلطان بعد ذلك حلب وكان الأمير أرتق قد قصد السلطان فعاد صحبة عميد الدولة من الطريق فسار عميد الدولة حتى وصل إلى الموصل فأرسل إلى أهلها يشير عليهم بطاعة السلطان وترك عصيانه ففتحوا له البلد وسلموه إليه وسار السلطان بنفسه وعساكره إلى بلاد شرف الدولة ليملكها فأتاه الخبر بخروج أخيه تكش على ما يذكره ورأى شرف الدولة قد خلص من الحصر فأرسل مؤيد الملك بن نظام الملك إلى شرف الدولة وهو مقابل الرحبة فأعطاه العهود والمواثيق وأحضره عند السلطان وهو بالبوازيج فخلع عليه آخر رجب وكانت أمواله قد ذهبت فافترض ما خدم به وحمل للسلطان خيلا رائقه من جملتها فرسه بشار وهو فرسه المشهور الذي نجا به الخيل فجاء سابقا فقام السلطان قائما لما تداخله من العجب وأرسل الخليفة النقيب طراد الزينبي في لقي شرف الدولة فلقيه بالموصل فزاد شرف الدولة قوة وصالحه السلطان وأقره على بلاده وعاد إلى جانب خراسان لحرب أخيه

ذكر عصيان تكش على أخيه السلطان ملكشاه ص 434

قد تقدم ذكره وذكر مصالحته للسلطان فلما كان الآن ورأى بعد السلطان عنه عاود العصيان وكان أصحابه يؤثرون الاختلاط فحسنوا له مفارقة طاعة أخيه فأجابهم وسار معهم فملك مرو الروذ ة غيرها إلى قلعة تقارب سرخس ة هي لمسعود ابن الأمير ياخر وقد حصنها جهده فحصروه بها ولم يبق غير أخذها منه فاتفق أبو لافتح الطوسي صاحب نظام الملك وهو بنيسابور وعميد خراسان وهو أبو علي علي ان يكتب أبو الفتوح ملطفا إلى أبي مسعود بن ياخر وكان خط أب الفتوح أشبه شيء بخط نظام الملك يقول فيه كتبت هذه الرقعة من الري يوم كذا ونحن سائرون من الغد نحوك فاحفظ القلعة ونحن نكبس العدو في ليلة كذا واستدعيا فيجا يثقون به وأعطياه دنانير صالحة وقالا سر نحو مسعود فإذا وصلت إلى المكان الفلاني فأقم به ونم وأخف هذا الملطف في بعض حيطانه فستأخذك طلائع تكش فلا تعترف لهم حتى يضربوك فإذا لعلوا ذلك وبالغوا فأخرجه لهم وقل إنك فارقت السلطان بالري ولك منا الحباء والكرامة ففعل ذلك وجرى الأمر على ما وصفا وأضر بين يدي تكش وضرب وعر ض على القتل فأظهر الملطف وسلمه إليهم وأخبرهم أنه فارق السلطان ونظام الملك بالري في العساكر وهو سائر فلما وقفوا على الملطف وسمعوا كلام الرجل ساروا من وقتهم وتركوا خيامهم ودوابهم والقدور على النار فلم يصبروا على ما فيها وعادوا إلى قلعة ونج وكان هذا من الفرج العجيب فنزل مسعود وأخذ ما في المعسكر وورد السلطان إلى خراسان بعد ثلاثة أشهر ولولا هذا الفعل لنهب تكش إلى باب الري ولما وصل السلطان قصد تكش وأخذه وكان قد حلف له بالأيمان أنه لا يؤذيه ولا يناله منه مكروه فأفتاه بعض من حضر بأن يجعل الأمر إلى ولده أحمد ففعل ذلك فأمر أحمد بكحلة فكحل وسجن

ذكر فتح سليمان بن قتلمش أنطاكية ص 434

في هذه السنة سار سليمان بن قتلمش صاحب قونية واقصرا واعمالها من بلاد الروم إلى الشام فملك مدينة انطاكية من أرض الشام وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وسبب ملك سليمان المدينة أن صاحبها الفردوس الرومي وكان قد سسار عنها إلى بلاد الروم ورتب بها شحنة وكان الفردوس مسيئا إلى أهلها وإلى جنده أيضا حتى إنه حبس ابنه فاتفق ابنه والشحنة على تسليم البلد إلى سليمان بن قتلمش وكاتبوه يستدعونه فركب البحر في ثلاثمائة فارس وكثير من الرجالة وخرج منه وسار في جبال وعرة ومضايق شديدة حتى وصل إليها للموعد فنصب السلاليم باتفاق من الشحنة ومن معه وصعد السور واجتمع بالشحنة وأخذ البلد في شعبان فقاتله أهل البلد فهزمهم مرة بعد أخرى وقتل كثير من أهلها ثم عفا عنهم وتسلم القلعة المعروفة بالقسيان وأخذ من الأموال ما يجاوز الإحصاء وأحسن إلى الرعية وعدل فيهم وأمرهم بعمارة ما خرب ومنع أصحابه من النزول في دورهم ومخالتطهم ولما ملك سليمان أنطاكية أرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره بذلك وينسب هذا الفتح إليه لأنه من أهله وممن يتولى طاعته فأظهر ملكشاه البشارة به وهنأه الناس فممن قال فيه الأبيوردي من قصيدة مطلعها

( لمعت كناصية الحصان الأشقر % نا بمعتلج الكثيب الأعفر )

( وفتحت أنطاكية الروم التي % نشرت معاقلها على الإسكندر )

( وطئت مناكبها جيادك فانثنت % تلقى أجنتها بنات الأصفر )

وهي طويلة

ذكر قتل شرف الدولة وملك أخيه إبراهيم ص 435

قد تقدم ذكر ملك سليمان بن قتلمش مدينة أنطاكية فلما ملكها أرسل إليه شرف الدولة مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمله إليه الفردوس من المال ويخوفه معصية السلطان فأجابه أما طاعة السلطان فهي شعاري ودثاري والخطبة له والسكة في بلادي وقد كاتبة بما فتح الله على يدي بسعادته من هذا البلد وأعمال الكفار

وأما المال الذي كان يحمله صاحب أنطاكية قبلي فهو كافر وكان يحمل جزية رأسه وأصحابه وأنا بحمد الله مؤمن ولا أحمل شيئا

فنهب شرف الدولة بلد أنطاكية فنهب سليمان أيضا بلد حلب فلقيه أهل السواد يشكون إليه نهب عسكره فقال أنا كنت أشهد كراهية لما يجري ولكن صاحبكم أحوجني إلى ما فعلت ولم تجر عادتي بنهب مال مسلم ولا أخذ ما حرمته الشريعة وأمر أصحابه بإعادة ما أخذوه منهم فأعاده

ثم إن شرف الدولة جمع الجموع من العرب والتركمان وكان بمن معه جبق أمير التركمان في أصحابه وسار إلى أنطاكية ليحصرها فلما سمع سليمان الخبر جمع عساكره وسار إليه فالتقيا في الرابع والعشرين من صفر سنة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة في طرف من أعمال أنطاكية واقتتلوا فمال تركمان جبق إلى سليمان فانهزمت العرب وتبعهم شرف الدولة منهزما فقتل بعد أن صبر وقتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حلب وكان قبله يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وذكرته ههنا لتتبع الحادثة بعضها بعضا وكانة أحوال وكان قد ملك من السندية التى على نهر عيسى غللا منبج من الشام وما والاها من البلاد وكان في يده ديار ربيعة ومضر من أ ض الجزيرة والموصل وحلب وما كان لأبيه وعمه قرواش وكان عادلا حسن السيرة والأمن في بلاده عام والرخص شامل وكان يسوس بلاده سياسة عظيمة بحيث يسير الركب ولراكبان فلا يخافان شيئا وكان له في كل بلد وقرية عامل وقاض وصاحب خبر بحيث لا يتعدى أحد على أحد ولما قتل قصد بنو عقيل أخاه إبراهيم بن قريش وهو محبوس فأخرجوه وملكوه أمرهم وكان قد مكث في الحبس سنين كثيرة بحيث إنه لم يمكنه المشي والحركة لما أخرج ولما قتل شرف الدولة سار سليمان بن قتلمش إلى حلب فحصرها مستهل ربيع الأول سنة ثمان وسبعين فأقام عليها إلى الخامس ربيه الآخر من السنة فلم يبلغ منها غرضا فرحل عنها

ذكر عدة حوادث ص 436

في هذه السنة في صفر انقض كوكب من المشرق إلى المغرب كان حجمه كالقمر وضوؤء كضوئه وسار مدى بعيدا على مهل وتؤده في نحو ساعة ولم يكن له شبيه من الكواكب

وفيها ولد السلطان سنجر بن ملكشاه في الخامس والعشرين من رجب بمدينة سنجار من أرض الجزيرة مقارب الموصل بينهما يومان عند نزول السلطان بها وسماه أحمد وإنما قيل له سنجر باسم المدينة التي ولد فيها وأمه أم ولد

وفي هذه السنة في جمادى الأولى توفي الشيخ أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ الفقيه الشافعي صاحب الشامل والكامل وكفاية المسائل وغيرها من التصانيف بعد أن أضر عدة سنسن وكان مولده أربعمائة

والقاضي أبو عبد الله الحسين بن علي البغدادي المعروف بابن البقالل وهو من شيوخ أصحاب الشافعي وكان إليه القضاء بباب الأزج وحج لما انقطع الحج على سبيل التجريد واسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم أبو القاسم الإسماعيلي الجرجاني ومولده سنة أربع وأربعمائة وكان إماما فقيها شافعيا محدثا أديبا وداره مجمع العلماء

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.