ذكر غزوة المولتان
ص 33
في هذة السنة غزا السلطان يمين الدولة المولتان
وكان سبب ذلك أن واليها أبا الفتوح نقل عنه خبث اعتقاده ونسب إلى الإلحاد وأنه قد دعا أهل ولايته إلى ما هو عليه فأجابوه فرأى يمين الدولة أن يجاهدوه ويستنزله عما هو عليه فسار نحوه فرأى الأنهار التي في طريقة كثيرة الزيادة عظيمة المد وخاصة سيحون
فإنه منع جانبه من العبور فأرسل إلى أندبال يطلب إليه أن يأذن له في العبور ببلاده إلى المولتان فلم يجبه إلى ذلك فابتدأ به قبل المولتان وقال نجمع بين غزوتين لأنه لا غزو إلا التعقيب
فدخل بلاده وجاسها وأكثر القتل فيها والنهب لأموال أهلها والإحراق لابنتيها ففر أندبال من بين يديه وهو في أثره كالشهاب في أثر الشيطان من مضيق إلى مضيق إلى أن وصل إلى قشمير
ولما سمع أبو الفتوح يخبر إقباله إليه علم عجزه عن الوقوف بين يديه والعصيان عليه فنقل أمواله إلى سرنديب وأخلى المولتان فوصل يمين الدولة إليهما ونازلها فإذا أهلها في ضلالهم يعمهون فحصرهم وضيق عليهم وتابع القتال حتى افتتحها عنوة والزم أهلها عشرين ألف درهم عقوبة لعصيانهم
ذكر غزوة كواكير
ص 34
ثم سار عنها إلى قلعة كواكير وكان صاحبها يعرف ببيدا وكان بها ستمائة صنم فافتتحها وأحرق الأصنام فهرب صاحبها إلى قلعته المعروفة بكالنجار فسار خلفه إليها وهو حصن كبير يسع خمسمائة ألف إنسان وفيه خمسمائة فيل وعشرون ألف دابة وفي الحصن ما يكفي الجميع مدة فلما قاربها يمين الدولة وبقي بينهما سبعة فراسخ رأى من الغياض المانعة من سلوك الطريق ما لا حد عليه فأمر بقطعها ورأى في الطريق واديا عظيم العمق بعيد العقر أمر أن يطم منه مقدارا ما يسع عشرين فارسا فطموه بالجلود المملوءة ترابا ووصل إلى القلعة فحصرها ثلاثا وأربعين يوما وراسله صاحبها في الصلح فلم يجبه ثم بلغه عن خراسان إختلاف بسبب قصد ايلك الخان لها فصالح ملك الهند على خمسمائة فيل وثلاثة الآف منافضة
ولبس خلعة يمين الدولة بعد أن استعفى من شد المنطقة فإنه اشتد عليه فلم يجبه يمين الدولة إلى ذلك
فشد المنطقة وقطع أصبعة الخنصر وأنفذها إلى يمين الدولة توثقه فيما يعتقدونه وعاد يمين الدولة إلى خراسان لأصلاح ما اختلف فيها وكان عازما على الوغول في بلاد الهند
ذكر عبور عسكر أيلك الخان إلى خراسان
ص 34
كان يمين الدولة لما استقر له ملك خراسان وملك أيلك الخان ما وراء النهر قد راسله ووافقه وتزوج ابنته وانعقدت بينهما مصاهرة ومصالحة فلم تزل السعادة حتى أفسدوا ذات بينهما
وكتم أيلك الخان ما في نفسه فلما سار يمين الدولة إلى المولتان اغتنم أيلك الخان خلو خراسان فسير سباشي تكين صاحب جيشه في هذه السنة إلى خراسان في معظم جنده وسير أخاه جعفر تكين إلى بلخ في عدة من الأمراء
وكان يمين الدولة قد جعل بهراة أميرا كان من أكابر أمرائه يقال له أرسلان الجاذب فأمره إذا ظهر عليه مخالف أن ينحاز إلى غزنة فلما عبر سباشي تكين إلى خراسان سار أرسلان إلى غزنة وملك سباشي هراة وأقام بها وأرسل إلى نيسابور من استولى عليها
واتصلت الأخبار بيمين الدولة وهو بالهند فرجع إلى غزنة لا يلوي على دار ولا يركن إلى قرار
فلما بلغها فرق في عساكره الأموال وقواهم وأصلح ما أراد إصلاحه واستمد الأتراك الخليجية فجاءه منهم خلق كثير وسار بهم نحو بلخ وبها جعفر تكين أخو أيلك الخان فعبر إلى ترمذ ونزل يمين الدولة ببلخ وسير العساكر إلى سباشي تكين بهراة فلما قاربوه سار نحو مرو ليعبر النهر فلقيه التركمان الغزية فقاتلوه فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة
ثم سار نحو أبيورد لتعذر العبور عليه فتبعه عسكر يمين الدولة كلما رحل نزلوا حتى ساقه الخوف من الطلب إلى جرجان فأخرج عنها
ثم عاد إلى خراسان فعارضه يمين الدولة فمنعه عن مقصده وأسر أخو سباشي تكين وجماعة من قواده ونجا هو في خف من أصحابه فعبر النهر وكان أيلك الخان قد عبر أخاه جعفر تكين إلى بلخ ليلفت يمين الدولة عن طلب سباشي فلم يرجع
وجعل دأبه إخراج سباشي من خراسان فلما أخرجه عنها عاد إلى بلخ فانهزم من كان بها مع حعفر تكين وسلمت خراسان ليمين الدولة
ذكر الحرب بين عسكر بهاء الدولة والأكراد
ص 35
في هذه السنة سير عميد الجيوش عسكرا إلى البندنيجيين وجعل المقدم عليهم قائدا كبيرا من الديلم
فلما وصلوا إليها سار إليهم جمع كثير من الأكراد فاقتتلوا فانهزم الديلك وغنم الأكراد رحلهم ودوابهم وجرد المقدم عليهم من ثيابه فأخذ قميصا من رجل سوادي وعاد راجلا حافيا ولم يكن مقامهم غير أيام قليلة
ذكر عدة حوادث
ص 35
في هذه السنة قلد الشريف الرضي نقابة الطالبيين بالعراق ولقب بالرضي ذي الحسبين ولقب المرتضى ذا المجدين فعل ذلك بهاء الدولة
وفيها توفي أبو أحمد عبد الرحيم بن علي بن المرزبان الأصبهاني قاضي خراسان وكان إليه أمر البيمارستان ببغداد
وفيها مستهل شعبان طلع كوكب كبير يشبه الزهرة عن يسرة قبله العراق له شعاع على الأرض كشعاع القمر وبقي إلى منتصف ذي القعدة وغاب
وفيها توفي أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الإمام الفقيه الشافعي بجرجان في ربيع الآخر ومحمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة أبو عبد الله الحافظ الأصبهاني المشهور له التصانيف المعروفة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.