الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الثامن / ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأبعمائة
50

ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأبعمائة

الجزء الثامن 6 عنصر صفحة 275
ذكر صلح الملك أبي كاليجار والسلطان طغرلبك ص 275

في هذه السنة أرسل الملك أبو كاليجار إلى السلطان ركن الدين طغرلبك في الصلح فأجابه إليه واصطلحا وكتب طغرلبك إلى أخيه ينال يأمره بالكف عما وراء ما بيده واستقر الحال بينهما أن يتزوج طغربلك بابنة أبي كاليجار ويتزوج الأمير أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك وجرى القعد في شهر ربيع الآخر من هذه السنة

ذكر القبض على سرخاب أخي أبي الشوك ص 275

في هذه السنة قبض الأتراك الليرة وجماعة من عسكر سرخاب عليه لأنه أساء السيرة معهم ووترهم فقبضوا عليه وحملوه إلى إبراهيم ينال فقلع إحدى عينيه وطالبه بإطلاق سعدي بن أبي الشوك فلم يفعل وكان أبو العسكر بن سرخاب قد غاضبه لما قبض على سعدي واعتزله كراهية لفعله فلما أسر أبوه سرخاب سار إلى القلعة وأخرج سعدي ابن عمه وفك قيوده وأحسن إليه وأطلقه وأخذ عليه بطرح ما مضى والسعي في خلاص والده سرخاب فسار سعدي واجتمع عليه خلق كثير من الأكراد ووصل إلى إبراهيم ينال فلم يجده عند الذي أراد ففارقه وعاد إلى الدسكرة وكاتب الخليفة نواب الملك أبي كاليجار بالعود إلى الطاعة وأقام بها

ذكر ملك إبراهيم ينال قلعة كنكور وغيرها ص 275

في هذه السنة سار إبراهيم ينال إلى قلعة كنكور وبها عكبر بن فارس صاحب كرشاسف إلى علاء الدولة يحفظها له فامتنع عكبر بها إلى أن فنية ذخائره وكانت قليلة فلما نفذت الذخائر عمد إلى بيوت الطعام التي في القلعة وملأها ترابا وحجارة وسد أبوابها ونثر من داخل الأبواب شئيا من طعام وعلى رأس التراب والحجارة كذلك أيضا وراسل إبراهيم في تسليم القعله إليه على أن يؤمنه على من بها من الرجال وما بها من الأموال فأرسل عليه إبراهيم يمتنع عليه من ترك المال فأخذ عكبر رسول إبراهيم فطوفه على البيوت التي فيها الطعام وفتح مواضع من المسدود فرآها مملواة فظنها طعاما وقال له عكبر ما راسلت صاحبك خوفا من المطاولة ولا إشفاقا من نفاذ الميرة لكنني أحببت الدخول في طاعته فإن بذل لي الأمان على مل طلبته لي وللأمير كرشاسف وأمواله ولمن بالقلعة سلمت إليه وكفيته مؤنة المقام

فلما عاد الرسول إلى إبراهيم وأخبره أجابه إلى ما طلب ونزل عكبر وتسلمها إبراهيم فلما صعد إلى القلعة إنكشفت الحيلة وسار عكبر بمن معه إلى قلعة سرماج وصعد إليها ولما ملك ينال كنكور عاد إلى همذان فسير جيشا لأخذ قلاع سرخاب واستعمل عليهم نسيبا له اسمه أحمد وسلم إليه سرخابا ليفتح به قلاعه فسار به إلى قلعة كلكان فامتنعت عليه فساروا إلى قلعة دزدلويه فحصروها وامتدت طائفة منهم إلى البندنيجين فنهبوها في جمادى الآخرة وفعلوا الأفاعيل القبيحة من النهب والقتل وافتراش النساء والعقوبة على تخليص الأموال فمات منهم جماعة لشدة الضرب وسارت طائفة منهم إلى أبي الفتح بن ورام فانصرف عنهم خوفا منهم وترك حلله بحالها وقصد أن يشغلوا بنهب حلله فيعود عليهم فلم يعرجوا على النهب وتبعوه فلشدة خوفه أن يظفروا به ويأخذوه قاتلهم فظفر بهم وقتل وأسر جماعة منهم وغنم ما معهم ورجع الباقون

وأرسل إلى بغداد يطلب نجدة خوفا من عودهم فلم بنجدوه لعدم الهيبة وقله إمساك الأمر فعبر بنو ورام دجلة إلى الجانب الغربي ثم إن الغز أسروا إلى سعدي بن أبي الشوك في رجب وهو نازل على فرسخين من باجسرى وكبسوه فانهزم هو ومن معه لا يلوي الأخ على أخيه ولا الوالد على ولده فقتل منهم خلق كثير وغنم الغز أموالهم ونهبوا تلك الأعمال

وكان سعدي قد أنزل مالا من قلعة السيروان فوصله تلك الليلة فغنمه الغز إلا قليلا منه سلم معه ونجا سعدي من الوقعة بجريعة الذقن ونهب الغز الدسكرة وباجسري والهارونية وقصر سابور وجميع تلك الأعمال ووصل الخبر إلى بغداد بأن إبراهيم ينال عازم على قصد بغداد فارتاع الناس واجتمع الأمراء وقواد إلى الأمير أبي منصور بن الملك أبي كاليجار ليجتمعوا ويسيروا إليه ويمنعوه واتفقوا على ذلك فلم يخرج غير خيم الأمير أبي منصور والوزير ونفر يسير وتخلف الباقون وهلك من أهل تلك النواحي خلق كثير فمنهم من قتل ومنهم من غرق ومنهم من قتله البرد

ووصل سعدي إلى ديالي ثم سار منها إلى أبي الأغر دبيس بن مزيد فأقام عنده ثم إن إبراهيم ينال سار إلى السيروان فحصر القلعة وضيق على من بها وأرسل سرية نهبت البلاد وانتهت إلى مكان بينه وبين تكريت عشرة فراسخ ودخل بغداد من أهل طريق خراسان خلق كثير وذكروا من حالهم ما أبكى العيون ثم سلمها إليه مستحفظها بعد أن أمنه على نفسه وماله وأخذ منها ينال من بقايا خلفه سعدي شيئا كثيرا ولما فتحها استخلف فيها مقدما كبيرا من أصحابه يقال له سخت كمان وانصرف إلى حلوان وعاد منها إلى همذان ومعه بدر ومالك ابنا مهلهل فأكرمهما ثم إن صاحب قلعة سرماج توفي وهو من ولد بدر بن حسنويه وسلمت القلعة بعده إلى إبراهيم ينال وسير إبراهيم ينال وزيره إلى شهرزور فأخذها وملكها فهرب منه مهلهل فأبعد في الهرب

ثم نزل أحمد على قلعة تيرانشاه وحاصرها ونقب عليها عدة نقوب ثم إن مهلهلا راسل أبي شهرزور يعدهم بالمسير إليهم في جمع كثير ويأمرهم بالوثوب بمن عندهم من الغز ففعلوا وقتلوا منهم

وسمع أحمد بن طاهر فعاد إليهم فأوقع بهم ونهبهم وقتل كثيرا منهم ثم إن الغز المقيمن بالبندينجين ومن معهم ساروا إلى براز الروز وتقدموا إلى نهر السليل فاقتتلوا هم وأبو دلف القاسم بن محمد الجاواني قتالا شديدا ظفر فيها أبو دلف وانهزم الغز وأخذ ما معهم وسار في ذي الحجة جمع من الغز إلى بلد علي بن القاسم الكردي فأغاورا وعاثوا فأخذ عليهم المضيق وأوقع بهم وقتل كثيرا منهم وارتجع ما غنموه من بلده

ذكر استيلاء أبي كاليجار على البطيحة ص 277

في هذه السنة اشتد الحصار من عسكر الملك أبي كاليجار على أبي نصر بن الهيثم صاحب البطيحة فجنح إلى الصلح فاشتط عليه أبو الغنائم بن الوزير ذي السعادات ثم استأمن نفر من أصحاب أبي نصر وملاحيه إلى أبي الغنائم وأخبروه بضعف أبي نصر وعزمه على الانتقال من مكانه فحفظ الطرق عليه فلما كان خامس صفر جرت وقعة كبيرة بين الفريقين واشتد القتال فظفر أبو الغنائم وقتل من البطائحيين جماعة كثيرة وغرق منهم سفن كثيرة وتفرقوا في الآجام ومضى ابن الهيثم ناجيا بنفسه في زبزب وملكت داره ونهب ما فيها

ذكر ظهور الأصفر وأسره ص 278

في هذه السنة ظهر الأصفر التغلبي برأس عين وادعى أنه من المذكورين في الكتب واستغوا قوما بمخاريق وضعها وجمع جمعا وغزا نواحي الروم فظفر وغنم وعاد وظهر حديثه وقوي ناموسه وعاود الغزو في عدد أكثر من العدد الأول ودخل نواحي الورم وأوغل وغنم أضعاف ما غنمه أولا حتى بيعة الجارية الجميلة بالثمن البخس وتسامع الناس به فقصدوه وكثر جمعه واشتدت شوكته وثقلت على الروم وطأته وأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان يقول له إنك عالم بما بيننا من الموادعة وقد فعل هذا الرجل هذه الأفاعيل فإن كنت قد رجعت عن المهادنة فعرفنا لندبر أمرنا بحسبه

واتفق في ذلك وقت أو وصل رسول من الأصفر إلى نصر الدولة ينكر عليه ترك الغزو والميل إلى الدعة فساءه ذلك أيضا واستدعى قوما من بني نمير وقال لهم إن هذا الرجل قد أثار الروم علينا ولا قدرة لنا عليهم وبذل لهم بذلا على الفتك به فساروا إليه فقربهم ولازموه فركب يوما غير متحرز فأبعدوهم معه فعطفوا عليه وأخذوه وحملوه إلى نصر الدولة بن مروان فاعتقله وتلافا أمر الروم $

ذكر عدة حوادث 4 ص 278

في هذه السنة تجددت الهدنة بين صاحب مصر وصاحب الروم وحمل كل واحد منهما لصاحبه هدية عظيمة وفيها كان ببغداد والموصل وسائر البلاد العراقية والجزرية غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة وتبعه وباء شديد مات كثير من الناس حجتى خلت الأسواق وزادت أثمان ما يحتاج غلبه المرضى حتى بيع المن من الشراب بنصف دينار ومن اللوز بخمسة عشر قراطا والرمانة بقيراطين والخيارة بقيراط وأشباه ذلك

وفيها جمع الأمير أبو كاليجار فنا خسرو بن مجد الدولة بن بويه جمعا وسار إلى آمد فدخلها وساعده أهلها وأوقع بمن كات فيها من أصحاب طغرلبك فقتل وأسر وعرف طغرلبك ذلك فسار عن الري قاصدا إليه ومتوجها إلى قتاله وفيها توفي عميد الدولة أبو سعد محمد بن الحسين بن عبد الرحيم بجزيرة ابن عمر في ذي القعدة وله شعر حسن ووزر لجلال الدولة عدة دفعات

وفيها سير المعز بن باديس صاحب إفريقة أسطولا إلى جزائر القسطنطينة فظفر وغنم وعاد

وفيها اقتتلت طوائف من تلكاتة قاتل بعضهم بعضا وكان بينهم حرب صبروا فيها فقتل منهم خلق كثير وفيها قبض الملك أبو كاليجار على وزيره محمد بن جعفر بن أبي الفرج الملقب بذي السعادات بن فسانجس وسجنه وهرب ولده أبو الغنائم وبقي الوزير مسجونا إلى أن مات في شهر رمضان سنة أربعين وقيل أرسل إليه أبو كاليجار من قتله وعمره إحدى وخمسون سنة وللوزير ذي السعادات مكاتبات حسنة وشعر جيد منه

( أودعكم وإني ذو اكتئاب % وأرحل عنكم والقلب آبي )

( وإن فراقكم في كل حال % لآوجع من مفارقة الشباب )

( أسير وما ذممت لكم جوارا % ولا ملت منازلكم ركابي )

( واشكر كلما أوطنت دارا % ليالينا القصار بلا اجتناب )

( وأذكركم إذا هبت جنوب % فتذكرني غرارات التصابي )

( لكم مني المودة في اغتراب % وأنتم إلف نفسي في اقترابي )

وهو أطول من هذا

ولما قبض ذو السعادات استوزر أبو كاليجار كمال الملك أبا المعالي بن عبد الرحيم

وفيها توفي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب المعروف بالمطرز الشاعر وله شعر جيد فمن قوله في الزهد

( يا عبد كم لك من ذنب ومعصية % إن كنت ناسيها فالله أحصاها )

( لا بد يا عبد من يوم تقوم به % ووقفة لك يدمي القلب ذكراها )

( إذا عرضت على قلبي نذكرها % وساء ظني فقلت استغفر الله )

وفيها مات أبو الخطاب الجبلي الشاعر ومضى إلى الشام ولقي المعري وعاد ضريرا وله شعر منه قوله

( ما حكم الحب فهو ممتثل % وما جناه الحبيب محتمل )

( تهوى وتشكو الضنا وكل هوى % لا ينحل الجسم فهو منتحل )

وفيها توفي أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال الحافظ ومولده سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة سمع أبا بكر القطيعي وغيره ومن غيره ومن أصحابه الخطيب أبو بكر الحافظ

وفيها قتل الفقيه أحمد الولوالجي وهو من أعيان الفقهاء الحنفية إلا أنه كان يكثر الوقيعة في الأئمة والعلماء وسلك طريق الرياضة وفسد دماغه فقتل بين مرو وسرخس في ذي الحجة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.